islamaumaroc

محمد بن أحمد العبدي الكانوني.-2-

  دعوة الحق

201 العدد

قد أشرنا في المقال السابق إلى المنطلق الذي كان سببا في كتابةهذا البحث وقلنا أنه راجع إلى حلقة من حلقاتنا الإذاعية التي خصصناها لذكر وثيقتين اقتبسناهما من كتاب آسفي وما إليه تتعلقان بمغربة الصحراء وبإخوة البربر والعرب.
ولعله من المفيد أن نبدأ الطريق جميعا وأن نسجل للتاريخ تلك الحلقة بأسلوبها وشكلها ومحتواها لتكون مدخلا آخر إلى ما نحن بصدده.
قلت آنذاك:
"لست أدري أي دافع خفي جعلني أجدد مطالعة بعض الكتب التي كنت قراتها منذ سنوات عديدة وحفزني إلى البحث عنها داخل خزانتي ألا متع نفسي باساليبها وافيد عقلي بمضامينها؟
أم يرجع ذلك إلى محاولة استرجاع الماضي بذكرياته فأعيش لحظات مع تلك لأستعيد أيام طفولتي وقسطا من أيام شبابي؟
أم يعود ذلك إلى محاولة اختبار نفسي وامتحانها لأعرف مدى انسجامي مع المقروءات في الخمسينات من عمري إذا قارنتها بما سبق؟
أم أنني يربطني الحنين إلى موضوعات معينة لم تكن نفسي قد اطمأنت إليها آنذاك فأردت أن أستشف منها الآن مالم يتيسر لي فهمه قديما؟
قد تكون تلك العلل جميعها قائمة في نفسي ومنحكمة في سلوكي وأنا لاأدري. وقد تكون هناك أسباب أخرى دفينة في أعماقي لاأحسن تعليلها ولاأستطيع إبرازها.
المهم هو أنني أجدني في هاته الأيام الأخيرة منكبا على كتاب كنت قرأته منذ ثلاثين سنة، إنه الكتاب الموسوم بآسفي وماإليه قديما وحديثنا، تأليف الأديب المؤرخ السيد محمد بن احمد العبدي الكانوني.
لقد طبع هذا الكتاب بمصر سنة 1353هـ بعد سنة واحدة من إتمام تأليفه، وأن المتأمل فيه سيشعر أنه أمام بحث دقيق اعتمد فيه مؤلفه على منهجية في البحث وعلى استقصاء المصادر الكبرى وسيلاحظ انه استعمل من الأساليب أقواها ومن التعابير أحلاها.
إن مؤلف هذا الكتاب على ما يظهر لايعد من المؤرخين الذين ينقلون فقط بل إنه يضيف من حين لآخر بعض الملاحظات الخاصة التي تحعله يبدي آرآءه بكل صراحة وبلا تحفظ سواء في الموضاعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية أو الموضاعات الأخلاقية والدينية.
وهو حينما كان يتحدث كان يحاول أن يبني أقواله على أساس منطقي متناسق مع اتجاهه الفكري والديني والأدبي فلا تقرأ الكتاب وتنتهي منه إلا وأنت شاعر بأن هذا الذي يكتب ليس لمعة في أقواله وأحكامه ولكنه يراعي ظروف الحال يقارن بين واقع المغرب وبين ماضيه وتطلعاته ويقدم للقارىء موازنات بين هذا الماضي الرائع وبين الحاضر المعيش وبين ماينبغي تحقيقه في المستقبل القريب فهو ليس من المؤرخين الذين ليس لهم من التأليف إلا الجمع والأخبار ولكنه يدخل في عداد أولئك الذين يسجلون التاريخ ثم يستنتجون منه الأحكام ويرجحون ما يرونه منسجما مع الحقيقة ترجيحا عقليا أو وثائقيا ليلا يكون البحث خطابيا فاقدا للميزة العلمية الكبرى التي تطبع عادة كل بحث علمي دقيق.
وإني ربما سأتعرض من حين لآخر إلى مقط أثارها هذا المؤلف لما في ذلك من الفوائد الجمة التي تعود على البلاد المغربية بالخير وعلى تاريخ أمتنا بالاستحسان.
أما اليوم فإني سأخصص حديثي لنقطتين فقط جعلها السيد الكانوني داخل التمهيد الذي وضعه لكتابه.
أما النقطة الأولى فتتعلق بالصحراء المغربية، وأما الثانية فتتعلق بنسب الأمة البربرية.النقطة ألأولى أثبت فيها أن صحراء المغرب تعد منه وإليه فهو حينما كان يتحدث عن حدود المغرب قال: "ويحده شرقا قطر الجزائر وغربا المحيدط الأطلانطيقي وشمالا البحر الأبيض المتوسط، وجنوبا الصحراء الكبرى"، ثم قال: "وعلى هذا الحد من هذه الجهة مشى البعض من المؤرخين والجغرافين. والذي حققه أحمد الأمين وأقام عليه الأدلة في كتابه الوسيط في أدباء شنجيط أن الصحراء التي هي قطر شنجيط معدودة من المغرب".
ثم قال: "وهذا هو الحقيقة فقد كان هذا القطر الصحرواي معدودا من المغرب سياسيا وجغرافيا واقتصاديا، وكانت دول المغرب في إبان عظمتها تضم إليها الصحراء كالدولة اللمتونية والمرينية في أيام أبي الحسن، والسعدية في ايام أحمد المنصور، والعلوية في أيام المولى إسماعيل، كلهم كانت الصحراء في حكمهم إما فعلا أو إسما".
وإن مثل هذا الحكم وهو يصدر في كتاب مغربي أيام الحماية الفرنسية ليدل على أن صاحبه لم يكن يبالي بما سيتعرض له من معارضة الدول الإستعمارية لأنه لم يكن يتحدث بأسلوب الاستقراء العلمي الذي كان اروبيون يرضونه ويتأملونه ويعتبرونه منهاجا صالحا لبيان الحقائق.
وهذا الأساس الذي بنى عليه أحمد الأمين صاحب الوسيط والعبدي الكانوني صاحب الكتاب حكمهما هو الأساس الذي أعتبرته محمكمة العدل الدولية بلاهاي منطلقا لإصدار قرارها بغربة الصحراء.
أما النقطة الثانية وهي ذات أهمية كبرى في تاريخنا المغربي فإنها تتعلق بنسب البربر وعلاقة هذا النسب بالجنس العربي، فقد ذكر ان علماء النسب اتفقوا على أن أمة البربر يجمعها أصلان عظيمان وهما برنس ومادغيس ويلقب مادغيس بالابتر فيقال لشعبه البتر، ويقال لشعب برنس البرانس واعتنمد على مصادر تاريخية عامة تثبت أن البتر عرب من الشام وأن البرانس يتكون بعضها من قبائل ذات أصول عربية، ويعني بذلك قبيلتي صنهاجة وكتامة فإن النسابين العامين يرجعونهم إلى حمير، ثم قال بعدذلك: " فإن قيل أن ابن حزم قد انتقد كون صنهاجة وكتامة من حمير كما انتقد دخول افريقش اليمني المغرب نقول ان أنكاره نسبتهم الحميرية محجوج فيه  بالرأي العام من المؤرخين والنسابين الذين صرحوا بنسيبتهم إلى عرب اليمن مثل الطبري والجرجاني والمسعودي وابن الكلبي والسهيلي وقال ابن خلدون أنه المشهور عند نسابة العرب".
وتحريا من هذا المؤلف لم يرد أن يأخذ قول ابن خلدون دون أن يذكر انه كان له رأي آخر في المقدمةولهذا قال عند حديثه عن دخول افريقش: "ثم إن ابن خلدون على الرغم من كونه تبع إبن حزم وبسط نظرية عدم دخوله المغرب في المقدمة فإنه صرح في التاريخ بدخوله إياه وإنه ترك به صنهاحة وكتامة".
وبعد الاستدلال ببعض الآثار الدالة على وجود الخط الحميري ببعض مدن إفريقيا الشالية والتي
أستأنس بها المؤلف لإتبات رأيه ذكر الخلاصة التي أراد أن يصل إليها بحثه فقال:
" خلاصة مابسطناه أن الأمة المغربية جلها عرب ما بين عدنانية وقحطانية لأن التبر الذين هم أحد قسمي البربر من عرب مصر. وصنهاجة وكتامة في عداد البرانس وهما من الكثرة وبالمكانة السابقة من عرب قحطان. هذا قبل الاسلام. أما بعد الإسلام فقد أمته موجات عديدة من العرب وقد قدرت موجة الهلاليين وحلفائهم مما يربو على مليون نسمة فكيف يغيرها فغمرت قبائل العرب السامية قبائل البربر الحامية بحيث صارت الثانية أقلية ضئيلة وامتزجت الجنسيتان امتزاجا عربيا من قديم الأزمان وعاشا متحدي العوائد والأخلاق والأزياء وتأثر كل فريق بالآخر وصارا امة واحدة لها وحدتها ومميزاتها وسياستها بين الأمم والشعوب".
إن الموضوع رغم أنه لم يعد الآن موضوع نقاش نظرا لشعوبنا بالوحدة الوطنية ونظرا لأن المصلحة الوطنية الكبرى تقتضي عدم إشاعته إتقاء للفتن وإبعادا للضغائن والمغفلين فإنه في ايام تأليف الكتاب كان ضروريا لأنه جاء عقب غعلان الظهير البربري وجاء مكساندة علمية للمواقف الوطنية التي تجلت في المغرب سواء في المدن والبوادي أو في الأقاليم التي أدخلتها فرنسا تحت حكم الظهير البربري أو التي فصلتها عنه.
ولهذا مايزال الكتاب في بابه العلمي كتابا فيما، ولقد اعتمد على مصادر موثوق بها وعلى منهجية عقلية يستطيع من يطلع عليها أن يعود بالحقيقة إلى جذورها وأن ينسف كل ما يعتمد عليه أعداؤنا في التفرقة بيننا.
فالوحدة شعار ديني وشعار وطني وهي شعار علمي أيضا وماأعظم العقائد حينما لاتصطدم مع الأبحاث العلمية ومع الاستنتاجات العقلية والحسية وإني لأتمنى أن تتاح لنا الفرصة مرة أخرى للحديث عن بعض القضايا التي أثارها هذا الكتاب المليء بالنصوص التاريخية وبالآراء الذاتية التي تعقب على تلك النصوص، فإلى ذلك الحين".
حقيقة انني كنت أتوقع أن أعيد النظر في الكتاب وأن أختار منه بعض المواقف التي تتجلى فيها عبقرية النمؤلف فأدرسها وأعلق عليها وأجعلها أمام القراء والمستمعين ليطلعوا على ظاهرة وطنية تتجلى في بعض الكتب المغربية، وتمثل نوعا من المؤلفين الأحرار.
وماكان في خلدي أن الأمر سيتعدى ذلك إلى تخصيص بحث كامل عن حياة الكانوني وعن دوره الثقافي في البلاد لولا ماتوصلت إليه من رسائل حفزتني إلى البحث او ساعدتني على استكشاف بعض جوانبه.
ومن الرسائل الحافزة رسالة حفيدته من إحدى بناته وهي السيدة أمينة غطاس التي سبقت الإشارة إليها في مقال سابق قالت: "أتوجه بالكلام إلى السيد المحترم المشرق بهذا البرنامج المفيد بحيث استرعي إنتباهي في الحلقة (التالية) تعني الحلقة الأخيرة التي أذيعت يوم 24 نونبر 1978 ذكركم لجدي المرحوم العلامة الكبير السيد محمد العبدي الكانوني...وبما أنني إحدى حفيداته فقد همني جدا أن أبعث لكم حطاب شكر وامتنان على ما تبدلونه من جهد في سبيل إحياء ماضي تاريخ المغرب ومؤرخيه الأوائل...فألف شكر مرة أخرى بحيث استفدت بعض الشيء من حلقتكم هاته وكم تمنيت لو يطول الشرح والحديث عن مطبوعاته لأني وياللاسف لم أقرأ له ولو حرفا واحدا كما إني لم ارجدي قط...فقد سمعت عنه من خلال والدتي والتي هي إحدى بناته، بحيث أعطتني نظرة خاطفة عنه لأنها هي الأخرى لم تترب في عزه طويلا فسرعان مارحل عنها إلى العالم الآخر...هذا كل ما أعرفه عن العلامة المرحوم وكل ماأرجو منكم أيها السيد الكريم المشرف على هذا البرنامج هو إعطاؤكم إياي نبذة عن حياته الأدبية وعن مطبوعاته التاريخية والتي تحمل تاريخا حافلا بالأمجاد..."
ولم تضع رسالتها عبر الأثير فقد تلقفها أحد المستمعين وهو السيد عبد الرحمان ابن الشيخ (الحفيد) من آسفي فأثارت ذكريات دفينة في أعماقه تربطه بهذا العالم الجليل ورسم لنا صورة أولية لحقيقة هذا المؤرخ العبقري الفقيه السلفي.
ومكننا من الملامح الأولى التي فصل الحديث عنها في رسائل أخرى تعد من أهم الوثائق التي يمكن للباحثين أن يجعلوها مستندات يرجع إليها في تدوين حياة الكانوني رحمه الله. قال في هاته الرسالة:
سيدي: الرجاء منكم أن تعتبروا رسالتي هاته شكرا لكم، وبعد فإنني للمرة الرابعة أحمل القلم وأحوال كتابة كلمة أداوي بها ما بقلب حفيذة الفقيه الكانوني التي ترغب في إحياء مآثر جدها الذي زود المكتبة المغربية ببعض ماهي في حاجة إلى المزيد منه.
نعم سيدي صاحب شاهد أثبات. أي والله إنها المرة الرابعة التي احمل فيها القلم لأكتب كلمة أعبر فيها عن نفس الرغبة التي عبرت عنها حفيدة الكانوني نزيلة مدينة العلم والعلماء فيرتج على المكان وأصاب بضوضاء واختلاط الأفكار ولم أدر من أين أبتدي وإلى أي حد منه أنتهي فكان روح الكاتب الفقيه الكانوني تشاركني المكان وتشاطرني الإهتمام بتلك الفتاة التي شاءت عناية الله أن تجد وهي بعيدة عن مسقط جدها الكاتب الخطيب الذي كان يعمل بجد وفي صمت للأجيال المقبلة ولايطلب أجرا على أعماله الجليلة إنه سيكافأ عليها من الله الذي لا يضيع أجر من أحسن عملا وإ نما تجد في غريبة الدار بفاس من يسمعها بعض أمجاد ذلك الجد الذي كان رحمه الله تنطبق عليه الآية التي تقول "وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرص هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قوالوا سلاما".
فشكرا لك سيدي على هاته العناية التي تثلج قلوب العاملين وقلوب من لهم من أبناء وحفدة.
أما الأخت حفيدة الكانوني فإني أخبرها أن مدينة آسفي لم تنس ولم تهمل ماكتبه الفقيه ولن تنسى كذلك حتى أفكاره وخطبه التي هي راسخة ومدونة في كل ذاكرة ومسجلة في أدمغة رفاق جدها، هؤلاء الذين رافقوه في حله وترحاله وشاركوه مرارة متقاه وتجرعوا كأس فراقه يوم موته ويوم إحياء ذكرى الآربعين على وفاته.
والآن كنز يحيون ذكراه ويسترجعون ماضيه الحافل خصوصا بعد ماسمعوا من يستشهد بكتبه ويجعلها شاهد إثبات على مغربة الصحراء التي لاتحتاج إلى أثبات.
ورجائي منكم سيدي أن تطمئن حفيدة الكاتب الخطيب الذي كان رحمه الله يعرف كيف يمتلك الآذان ويملك الآسماع يوم كان خطيبا بمسجد الشيخ ابي محمد صالح، طمئنها وأخبرها بأن بيوتات مدينة آسفي كلها تلوح لها بمفاتيح هذه البيوتات لأن هاته المدينة تعتبر الفقيه الكانوني من الأوائل الذين أحيوا الروح السلفية ودافعوا عنها بقوة وإيمان والسلام عليكم".
إن هاته الرسالة لتعبير صادق عن الإحساس الذي أحسسنا بمثله نحن أيضا إزاء هذا العلامة القدير الذي كانت تبدو عليه آثار الجدية والحزم في العمل وطلب العلم.
وفيها أشعار بالمواقف الوطنية والدينية التي أدت إلى نفي الأستاذ رحمه الله والتي سنجد ذكر اسبابها في مقالات أخرى حينما سنتحدث عن وقوف الفقيه الكانوني في وجه الجامدين من الفقهاء والمتخاذلين من المواطنين.
ومن الواضح أن الصدق كان شعارا لما يكتبه العلامة الكانوني وإن الإلتزام صورة حقيقة تتجلى في أسلوبه وسلوكه، ونجد الآن من يعترف بذلك ممن عاشوا معه في بلده أو سمعوا عنه في إقليمه ويكفيه فخرا هاته النعوت التي وصفه بها هطا الكاتب الذي كتب الرسالة إلينا فهو يقول عنه ان الكاتب والخطيب والواعي الذي أحيا روح السلفية في بلادنا وهي أوصاف لم تمنح له جزافا لأن آثارها تبدو في كتاباته ولأن ملامحها تتجلى في أسلوبه الحي الرصين.
وصاحب الرسالة هاته قد عبر تعبيرا اندفاعيا أراد أن يظهر فيه لحفيدة السيد الكانوني ولأسرته أن آسفي لن تنسى أبدا هذا العالم الجليل الذي أحيا الروح العلمية وسامح من أجل مبادئه المثلى الصالحة.
وان أمثال هذه الرسائل لتشجع الروح العلمية البناءة وتخلق إتجاها فكريا يحمي الروحيات من الضياع ويقوي الاهتمام العلمي ويحبب للناس روح
الإخلاص، فلا يسيطر الياس على العاملين ولا يستولى الخمول على المنكبين على إقرار المبادىء الصالحة لأنهم يتيقنون أن ستكون أعمالهم خالدة وأنها ستجد في مستقبل السنين من يبعثها بعد ركودها، ومن يذكيها بعض خمودها، فالحق ذائع والباطل زائل، وماأضيع إذا لم يكتب له الخلود عن طريق العلم والفضل والصلاح.
إنها الصفات التي نحن في حاجة إليها في هذا العصر لتزاحم ماذاع من اسباب الوجود المادي وليحس الانسان بأنه لن يهمل أبدا إذا كان نشاطه مرتبطا بالعلم ومتصلا بالأخلاق ومتوجها إلى الاصلاح الاجتماعي وإلى التهذيب النفسي.
وبناء على هاته الحقيقة يمكننا أن نقول لحفيدة هذا العالم: إنك قد كنت سبب خير حينما سألت عن جدك وعما خلفه من آثار علمية فاطمئني من الآن واعلمي أن المغاربة قد اشتهروا بالوفاء والحرص على إحياء معالم الخير، وتقي أن الجيل الحاضر قد يوجد منه من يحيي كتب جدك ومن ينشرها لتدرس دراسة موضوعية وليقارن بينها وبين غيرها وليرى منها مازال صالحا إلى الآن ومالم سزل نظرا لتغير البواعث وتطور الأحوال. فليس من العار أن ننقد بعض مخلفاتنا إنما العار هو تركها في مجال النسيان والاهمال والضياع.
ومن الواضح الذي لايحتاج إلى دليل أن بعض النظريات قد تطور بواعثها واسبابها فتكون صالحة في حقبة غير صالحة في غيرها وليس في ذلك ضرر على الفكر ولا على مخلفات العلماء، إنما المهم هو ربط الصدق في الأقوال حين الكتابة بين الكاتب وما كنت، أم التطور فهو صفة حركية لاينكرها إلا جاحدا وجامدا.
ولهذا سنرى حين دراسة كتب الكانوني أنه كان يمتاز بهذه الصفة الصادقة، ولكن ليس معنى هذا أن جميع آرائه الاجتماعية والفكرية مازالت إلى الآن صورة تمثل الروح الاجتماعية التي نحياها. وقد نتعرض لبعضها حين ذكر كتبه وعند تحليلها أو عند دراسة حياته ومواقفه الاجتماعية إن شاء الله.
وحيث إن كتب هاته الرسالة تعرض لبعض الجزئيات المتعلقة بحياة الكانوني فقد التمسنا منه في إحدى حلقاتنا أن يزودنا ببعض المعلومات التي قد تساعدنا على كتابة لمحات من حياة هذا الكاتب القدير فاستجاب لذلك مشكورا وسنوافي القراء في مقالاتنا المقبلة ببعض هاته الرسائل المفيدة التي يجب أن تبقى ضمن الوثائق القيمة التي تهتم بالتاريخ المغربي وبذكر رجلاته.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here