islamaumaroc

هل تعود البشرية مرة أخرى إلى شريعة الغاب؟

  دعوة الحق

201 العدد

قد يظن البعض أن نظريات الوجودية التي دعا إليها كير جارد وبابرز، وسارتر، هي نتاج جديد، فرضته ظروف القلق والغربة والغثيان والاضطراب النفسي الذي يعيشه الإنسان المعاصر في أزمته القاسية المدمرة بعد أن دمر علاقته بالله تبارك وتعالى، وأسرف في الغرور والظن بأن الانسان قد أصبح راشدا وليس في حاجة إلى وصاية السماء على حد تعبير أحدهم، ولكن الواقع أن الفكر الوجودي فكر قديم ضال عرفته الفلسفات اليونانية القديمة وججدته القوى الشريرة الضالة التي تستهدف تدمير الانسانية في العصر الحديث، شأنها في ذلك شأن تجديد فكرة أفلاطون في مدينته المثالية، التي حطم فيها العامة ووضعهم في موضع السالمة والحيوان ودعا إلى التعقيم والنفي للمريض والمشوه والمعتوه، فالوجودية هي بعق جديد للفكر السوقسطائي القديم في فلسفة اللذة حيث كانت مزاعم الفكر الوثني اليوناني القديم تدعو الإنسان إلى اقتناص الذات قبل أن يموت، وأن عليه أن يعيش حرا دون أن يقبل على قيد من قيم أو دين أو عرف لو اخلاق أو تقاليد. هذه الفلسفة المدمرة التي حطمت مدينة روما التي ابتعثها التلموديون في العصر الحديث عودة بالإنسان إلى شريعة الغاب والفوضوية والحيوانية في الجنس والاخلاق وعدم الالتزام بالعلاقات الانسانية. ومن هنا يقول الدكتور حسن الشرقاوي: "أن دعاوي الوجوديين الجديدة من الاباحيين واللامسئولية والتقرر والتخلل والعرى والانحلال الخلقي والتفكك الاسري والشذوذ أنما هي تعرات قديمة تلبس أثوابا جديدة".
ويقرر الباحثون: أن الوجودية هي تعبير "عن الاحساس الجازف بالغربة عن الحضارة والناس". ويرى الأستاذ رمضان لاوند "أن الوجودية هي إعلان عن افلاس الإنسان في مواجهة القيم الانسانية العامة، فقد أصبح الانسان الغربي والمثقف الغربي بصورة عامة يؤمن بسقوط كل القيم التقليدية، كما اصبحت الحقيقة بالنسبة له تدور حول وجوده فحسب، وإن هذا الموقف يعود إلى الاحساس بالاغتراب وإلى نوع من الغيثية واللاعقلانية على النحو الذي صوره في قصصه البير كامو وسارتر.
ولاريب أن عودة الفكر الغربي بعد هذه المراحل الطويلة التي قطعها في مجال العلم التجريبي والتقدم العلمي، إلى التماس الوثنية والأساطير من الفكر اليوناني ليمثل ردة خطيرة، فقد كان حفيا بهذا التقدم العلمي أن يدله على الحق وعلى الفطرة وأن يفتح له الآفاق إلى التماس هدى السماء الذي يتطابق مع العلم التجريبي الذي نجد أن الفلسفات مازالت تجري وراء النظرية المادية التي عرفها العالم في مرحلته التجريبية خلال القرن التاسع عشر ثم انصرف عنها حين آمن بأنه لايستطيع أن يفهم كنه الأشياء وان مهمته قاصرة عند التعرف على ظواهر الأشياء، وكان خفيا بالفكر الغربي أن لاتحتويه الفلسفة المادية خاصة بعد أن حطم العالم نظرية داروين ونظرية الجوهر الفرد وكان لانفلاق الذرة أثره البعيد المدى في انفتاح أفق جديد للاتصال.
بعالم الغيب وقد أعلن كثير من العلماء التجربيين أيمانهم بالله تبارك وتعالى القائم وراء هذا العالم المادي، غير أن الذي يتضح لنا أن الفلسفة المادية لها قيادة تلمودية تستهدف تدمير الانسان وتحطيم الفكر الانساني وتغليب الفكر المادي والوثني والاباحي وفق مخطط مرسوم لتدمير البشرية. ومن هنا كان على اهل الفكر الاسلامي أن يكونوا على يقظة تامة ازاء هذه االتيارات الخطيرة المطروحة في افقهم ومن خلال هذه المحاولات التي تفرض مفهيم فرويد وسارتر وغيرهما على ثقافة العرب والمسلمين وان كان الكثيرون يرون أنه لن يكتب لهذه التيارات ازدهار في عالم الاسلام نظرا لأن نسيج الأمة مازال حيا، ومازالت متمسكة بالقيم النابعة من الاسلام وان العرب والمسلمين لن يستعيدوا شخصيتمهم إلا بعد ان يتملكوا مقدارتهم ويصنعوا حضارتهم ومجتمعهم انطلاقا من قيمهم الآساسية التي تتمثل بصفة خاصة في القرآن والسنة ووفق اخلاق القرآن.
وإذا كان المسلمون يواجهون اليوم محاولة جديدة لترجمة الفكر الغربي المعاصر (الوثني المادي) وطرحه في أفقهم سواء عن طريق نظريات السياسة أو الاجتماع أو الاقتصاد أو النفس والاخلاق والتربية فإن المعتقد أن الأمر لن يصل إلى (أزمة الترجمة) التي مر بها في القرن الثااث الهجري عند ماترجمت وثنيات اليونان، ذلك لأن المسلمين اليوم قد مروا بمرحلة التبعية وتكشفت أمامهم مؤامرة الاستشراق والتغريب واضحة جلية.
ويصدق في هذا قل رمضان اوند حين يقول: انه مما تبين لنا اليوم في وضوح، أن الرجال الذين صنعوا نهضات هذه الأمة عبر أربعين قرنا هم الأنبياء والرسل خلافا للنهضات التي ظهرت في اليونان أو في البلدان الغربية، ويقول: أنه رغم كل العقبات التي توضع اليوم أمام حركة اليقظة (ويسميها عملية الأحياء) يبدو لي أن العالم العربي وكأنه يضاعف مقاومته لتيارات الفكر الغربي والقيم الغربية، يتمثل هذا أولا في التجديدات التي تنازلت الشريعة الاسلامية والعودة الجادة إلى الثقافة الإسلامية، وإن كانت هذه الثقافة لم تبلور حتى اليوم التبلور التام-هذا من ناحية-ومن ناحية أخرى فإن كل المحاولات التي قصد بها "تغريب" العالم العربي- أي أعطائه الشخصية الغربية-قد أسفرت عن فشل ذريع، فقد فشلت-الفلسفات الاجتماعية والفلسفة الحديثة والمتمثلة في عدة أحزاب تسمى قومية وتقدمية ويسارية عن استيعاب الوجدان الشعبي، وظل انصارها محصورين بطبقة المثقفين الذي تخرجوا في ظل الثقافة الغربية والمؤسسات التربوية التي صنعت على الصورة الغربية".
ولقد أصبح واضحا الآن أن "الاسلام" هو مفتاح النقطة والنهضة وهو القادر وحده على أعطاء العرب والمسلمين القوة والقدرة والحصالة في مواجهة الأزمات المتلاحقة والتحديات المتوالية، يقول رمضان لاوند: يجب أن نقتنع بأنه لايمكن أن يقوم للعرب قائمة دون الاسلام فهو وحده القادر على أعطائهم الشخصية المميزة، فإذا توفر لدينا هذا الاقتناع، أصبح من السهل تشكيل الشخص المسلم بواسطة "رؤيا اسلامية أصلية" تتصل بالقيم ومناهج الفكر والسلوك والنظم الاجتماعية وغيرها، وعندها فقط تستطيع الأمة أن تتخطى أزماتها. وقد أدرك الغرب هذه الحقيقة منذ زمن بعيد. وفي 1952 وقف سكرتير بالخارجية الفرنسية معلقا غعلى محاضرة في معهد الدراسات الشرقية بالسربون قال: "هم وحدهم الذين يمثلون الخطر الحقيقي على الحضارة لأنهم في وسعهم إذا توفرت لهم الظروف أن يقدموا البديل عن هذه الحضارة ولعل  الوسيلة الوحيدة لتجميد نشاطه هو أن نحول قدر المستطاع دون استقلاله في استغلال امكانياته الاقتصادية 8 والشيء الثاني أن نحول دون أحيائه لتراثه الثقافي وبناء مجتمعه المستقبلي في ضوء هذا التراث".
وبعد...
أن الخطر المحدق بالأمة لايكمن في السلاح الحديث الذي يمتلكه الأعداء والطائرات التي تتربص بها والتفوق التكنولوجي أو الالكتروني الذي يحيط بها من كل جانب بقدر ما يمكن في الغزو الفكري والعقائدي الذي يطلقه العدو ومنه جاءت الهزيمة والنكبة والنكسة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here