islamaumaroc

أقدم عالم مغربي وصلنا تراثه: أبو الربيع سليمان ابن سبع الستي -2-

  دعوة الحق

201 العدد

بعد أن قدمنا بطاقة تعريف ابن سبع، وألقينا نظرة عابرة عن مؤلفاته، نقف وقفة خاصة مع كتابه "شفاء الصدور"، نتناول فيها الجوانب التالية :
أ‌- منهجه.
ب‌- سلوبه.
ت‌- أهميته.
ث‌- المآخذ التي أخذت عليه.
ج‌- بين شفاء ابن سبع وشفاء عياض.
أما عن منهج ابن سبع في "شفاء الصدور"، فقد أشرت في صدر هذا البحث إلى أن المقدمة التي يمكن أن يكون تحدث فيها عن منهجه في هذا الكتاب، قد ضاعت في جملة ما ضاع من أجزائه؛ ولكن حديث الناس عنه، والقطع التي وصلتنا منه، قد تعطي بعض الضوء في هذا الصدد.
والعنوان الكامل للكتاب – كما يذكر المؤلف في مختصره "الخصائص"(1)- : "شفاء الصدور في إيضاح البيان، عن كشف حقائق البرهان، في أعلام نبوة الرسول محمد بن عبد الله ...وخصائصه".
ويذكر الإمام الواعظ أبو العباس أحمد بن محمد ابن النحاس الدمشقي في مقدمة كتابه الذي ألفه في الجهاد – وهو يتحدث عن المصادر التي عاد إليها في الموضوع : (وزوائد أخرى كثيرة، معزوة إلى مواطنها ... ومنها جملة من كتاب مسمى "شفاء الصدور" للخطيب أبي الربيع سليمان بن سبع السبتي، ذكر أنه جمعه في قريب من ثلاثين سنة، في خمسة عشر مجلدا، يشمل على أحاديث في فضائل الأعمال، ودلائل النبوة، وغير ذلك؛ وقد وضع فيه مؤلفه من عجائب الغرائب أصولا وفروعا، وجمع فيها آدابا ودرج فأوعب وأوعى؛ لكن أحاديثه عربة عن الاسناد، خلية من التصحيح والتضعيف عما يراد؛ اخترت منها جملة، اتبعت (طريقة) خاصة في نقلها، وخرجت من عهدتها بعزوها إلى أصلها ...)(2).
وهو نص على جانب من الأهمية، ولذا أوردته بطوله، يمدنا بخطوط عريضة عن منهج ابن سبع في "شفاء الصدور"، وعن جوانب من محتوياته؛ فهو موسوعة في الحديث والسير، قضى مؤلفها في جمعها وتحريرها قرابة ثلاثين عاما، وأخرجها في خمسة عشر مجلدا.
والمنهج الذي اتبعه في هذا الكتاب، أن يورد الأحاديث مجردة عن الإسناد، خالية من كل تصحيح أو تضعيف، شأنه في ذلك، شأن كبير ممن صنفوا في هذا الباب.
وابن سبع – في أكثر أبحاثه وموضوعاته – لا يقتضب القول اقتضابا، بل يعطي الموضوع حقه، ويستوفيه من جميع جوانبه، فلا يترك صغيرة ولا كبيرة، ويصل أحيانا إلى حد الاغراب في الأصول والفروع – على حد تعبير ابن النحاس(3).
وهو – إلى ذلك- يتصيد النكت الادبية، ويورد أناطا من خطب البلغاء، وقصائد الشعراء، لمناسبة أو أخرى.
والموضوعات التي تناولها ابن سبع في كتاب "شفاء الصدور"، يمكن إجمالها فيما يلي :
1-أحاديث في فصائل الأعمال.
2-اعلام نبوته –ص-.
3- خصائصه – عليه السلام.
4- مناقب الصحابة.
وليس لدينا ما نعتمد عليه في الموضوع الأول، إلا ما ذكره ابن النحاس – الآنف الذكر، ومن حسن الحظ أنه احتفظ لنا بجملة من هذه الأحاديث، ذكر منها :
- قوله – صلى الله عليه وسلم - : من خدم قوما في سبيل الله، كان له من أجر كل واحد منهم قيراط من الأجر، ولا ينقص من أجرهم شيء.
- أفضل الغزاة خادمهم، ثم راعى دوابهم، ثم مؤذنهم-(4) الحديث.
- قال : وبلغني عنه – صلى الله عليه وسلم – أنه مر برجل – وهو يعالج – يعني طعاما – وقد عرق وألهبه وهج السحر، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : لن يصيبه حر جهنم بعـــدها(5).
- وذكر عن عبد الله بن سليمان أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : من (احتبس) فرسا في سبيل الله، فان شبعه وريه وبوله وشعره، حسنات في ميزانه يوم القيامة(6).
- وذكر عن محمد بن المنكدر عن أبيه أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : من راح يكبر ويهلل في سبيل الله، غابت الشمس بذنوبه(7) الحديث.
- وذكر أيضا عن ابن عباس، أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : من بث علما في سبيل الله، أعطي بكل حديث منه مثل رمل عالج حسنات، وكان له أجر من عمل به إلى يوم القيامة(8).
- وعن أبي صدقة قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : ليبعثن يوم القيامة أقوام يمرون على الصراط كهيئة الريح حتى يلجوا الجنة، قيل : ومن هم ي رسول الله، قال : قوم أدركهم الموت – وهم في الرباط(9).
- وعن أنس بن مالك قال : يخرج يوم القيامة على المنابر رجال لا يشغلهم حساب، حتى يأتوا إلى أبواب الجنة فيقرعونه ملبين مدلين، فيقول رضوان : من أنتم؟ فيقولون : أحباء الله، قوم رابطون؛ فيقول لهم رضوان : انكم لتدلون على الله، كأنكم غبرتم على ساحل البحر(10).
- وذكر عن الزهرى قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : يأتي زمان على الناس، أفضل جهادهم فيه الرباط – والرباط أصل الجهاد وفروعه(11).
- وذكر عن الحكم بن عتيبة قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : هموا بالرباط، فإن من هم بالرباط، كتبت له بين عينيه براءة من النار، فإن أوفى بالرباط، لم تصبه خطيئة ولا ذنـــب(12).
- وذكر عن الحسن أن رسول الله – صلى الله عليه وسل – قال : رباط ليلة في سبيل الله، أفضل من عبادة أحدكم في بيته ستين سنة(13).
- وذكر عن علي – موقوفا – قال : كل خطوة يخطوها المرابط، تعدل عند الله ألف عام : صيام نهارها، وقيام ليلها(14).
- وعن اسماعيل بن حبيب – برفعه إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : - ما من مسلم إلا له نظرة من الله كل يوم، ورحمة يتقلب فيها؛ إلا المرابط والمجاهد، فإن لهما في كل يوم من الله مائة رحمة، ومائة نظرة يتقلبان فيها، ول يسئلان ولا يحاسبان عن النعيم يوم القيامة(15).
وهذه الأحاديث – في جملتها(16)- تبدو عليها لوائح الغرابة، وسنعود غليها مرة أخرى – عندما نتحدث عن المآخذ التي أخذت على ابن سبع في شفاء الصدور.
والموضوعان الرئيسيان في الكتاب، هما :
2- دلائل نبوته – ص.
3-خصائصه – عليه السلام.
ولذا استغرقنا أكثر أجزائه، وينبغي أن نشير على أن المجلد الاول الذي تضمنته مخطوطة الخزانة العامة رقم (1383 كـ) – يحوي أحد عشر جزءا من الأجزاء الصغار، المعروفة بالأجزاء الحديثية – كما أسلفنا، تحدث في الجزء الأول منها عن معجزة القرءان، وقد ضمنه بابين، أوضح في الباب الأول معنى إعجاز القرآن، ووجوه اعجازه، وخواص نظمه...
وأبان في الباب الثاني عن فصاحة القرءان وبلاغته وجزالته، وأسمائه، وما فيه من علوم، وأسرار، وحكم ... ثم أورد ألوانا من فصاحة القرءان وبلاغته، وذكر أن الكلمة الواحدة تتصرف إلى عشرين وجها، والى أكثر والى أقل ... وطبق ذلك على عدة آيات، وبذلك أنهى الزء الأول – وقد شغل 45 صفحة من القطع الكبير(17).
وتحدث في الجزء الثاني من ابتداء خلقه – عليه الصلاة والسلام -، وقد مهد لذلك بقوله : أن الله – تعالى – خلق الخلق بعلمه، ثم اختار منهم صفوته لغيبه، واختار من كل خيار صفوة أمناء على وحيه ... استودعهم خير مستودع، وأقرهم في خير مستقر .. نسختهم مكارم الأصلاب إلى مطهرات الأرحام، كلما مضى سلف، اتبعت لأمره منهم خلف، حتى انتهت نبوءة الله، وأفضت كرامته إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم(18) .
ثم اعقب ذلك بفصل أرد فيه عن كعب الأحبار أثرا يقول : ان الله خلق نور محمد قبل أن يعرف آدم، وضع في زهره نطفة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -. وسنعود إلى هذا الأثر في موضع آخر من هذا البحث.
ثم ذكر قصة أحبار الشام الذين تواطئوا على قتل عبد الله بن عبد المطلب – والد الرسول عليه السلام، ثم أبي طالب وبصحبته ابن أخيه محمد بن عبد الله، والحوار الذي دار بينهم وبين بخيرا الراهب.
ثم يذكر قصة زواجه – صلى الله عليه وسلم- بخديجة، وبذلك ينتهي الجزء الرابع.
ويلاحظ أن الناسخ لم يشر إلى نهاية الجزء الثاني، ولم يذكر بداية الرابع، كما أسقط – بلمرة – الجزء الثالث.
ويواصل في الجزء الخامس حديثه عن حياته – صلى الله عليه وسلم – قبل البعثة، ويورد بعض أخبار قس بن ساعدة الأيادي، وجملا من خطبه، وقصائد شعره المطولة، مما لا نجده في كتاب سواه.
ثم يذكر قصة إسلام أبي بكر وعمر، وفي الجزء السادس يتحدث عن اسلام عثمان بن عفان، ثم اسلام نفر من الخزرج، ثم عن اجتماع قريش بدار الندوة وتآمرهم على قتل الرسول – عليه السلام، واختفاؤه بغار ثور.
وفي الجزء السابع يتحدث عن صلح الحديبية، ثم عن البعثات التي وجهها – صلى الله عليه وسلم – إلى ملوك العرب والعجم يدعوهم إلى الإسلام دين الفطرة، "وذلك دين القيمة".
ثم يعقد بابا لما أخبرت به الجن والكهان وهواتف الأصنام، من أعلام نبوته – صلى الله عليه وسلم- فيذكر حديث الكهانة، ثم قصة سواد بن قارب، وحديث الجعد بن قسيس، وعباس بن مرداس، وخبر عدي بن حاتم، ثم قصة اسلام الخثعمي، وبذلك ينتهي الجزء السابع.
ويبتدئ حديثه في الجزء الثامن بصقة تميم الداري، ثم حديث عمرو ابن مرة الجهني ورؤياه ...ويسير في هذا الاتجاه في الجزء التاسع فيذكر الذين شاهدوا أو سمعوا من هواتف جن، وأحجار، وجمادات، وأصنام...وأورد أشعارا كثيرة في هذا الباب، واكثرها منحول.
وفي الجزء العاشر يتحدث عن مولده – صلى الله عليه وسلم- وما أظهره الله عنده من الكرامات، والمعجزات الخارقات للعادات؛ ومنها ما روته أمه آمنة من بشائر وارهاصات ...قال ابن سبع : ووجه الاعجاز فيهم، انهم أعداؤه، فعصمه الله منهم، ومنعهم من قتله، وربى بين أظهرهم؛ كما فعل بكليمه موسى – عليه السلام – رباه في حجر عدوه، حتى بلغ أشده واستوى.
وفي الجزء الحادي عشر والأخير – يعقد بابا لما أظهره الله من بركته، واعلام معجزته، في رضاعه وفصاله في شبيبته؛ ويذكر أن الله – جل جلاله – لما أراد برسوله – صلى الله عليه وسلم – أن يرضع في بني سعد، مست الناس شدة عظيمة، فاتجهت المواضع من كل جهة ومكان – بحث عن المواليد لرضاعهم، فنزلت طائفة منهن بمكة، فكان – صلى الله عليه وسلم – من نصيب حليمة السعدية، فأسعدها الله به، وأقر عينها برؤيته، ورأت من بركاته ما جعلها تغبط به، وتحسد عليه.
وينهي هذا الجزء بحديث شيخ بني عامر، جاء يتوكأ على عصاه – وهو قدوة وسيدهم، فتمثل بين يدي النبي – صلى الله عليه وسلم – ونسبه إلى جده فقال : يا بن عبد المطلب، أني نبئت أنك تزعم أنك رسول الله إلى الناس بما أرسل به موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء، وأنك نفوه بعظيم ..قل الشيخ : فأنبئني عن أشياء أسائلك عنها، فقال :
سل عنك، وكان – صلى الله عليه وسلم – يقول قبل ذلك – سل عما شئت وعما بدا لك، فقال للعامري يومئذ : (سل عنك) لأنها لغة بني عامر، فكلمه بما علم ... إلى أن قال : أخبرني الام تدعو؟ قال : أدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأن تخلع الانداد، وتكفر باللات والعزى، وتعرف ما داء عن الله من كتاب ورسول، وتصلي الصلوات الخمس محقا بحقهن ...
قال : وأنشد العامري :
قل للبليغ- وما عساك تقول –
            فيمن أتى في مدحه التنزيل
-أعني رسول الله – ذاك المصطفى
            من جاءه من ربه جبريل
خير البرية كلها وبذاك قد ...
            شهدت له التوراة ولانجيل
يا خير من وطىالحصا من مرسل 
            أنت المنى لقلوبنا والسول
يا خير مبعوث لخير أمة
            فشعارها التكبير والتهليل
أكرم به وبصحبه من معشر 
            طابت فروع منهم واصول(19)
وهكذا ينتهي المجلد الأول من كتاب  " شفاء الصدور" وقد رأينا كيف أنه تحدث عن معجزة القرآن، وفي فصاله ورضاعه ... ثم يختفي باقي المجلدات – من الثاني إلى الرابع عشر – التي تحدث فيها عن بقية أعلام نبوته – صلى الله عليه وسلم -، ومنها قصة الإسراء والمعراج، وقد غرب فيها كل الاغراب، وأورد حديث الحجب السبعين ألفا، لذي لمح إليه صاحب المواهب اللدنية(20)، ووجه إليه محمد بن يوسف الشامي نقده اللاذع(21)؛ كما تحدث فيها عن خصائصه – صلى الله عليه وسلم – وعي القسم الثالث من الكتاب، وقد نقل طائفة منها صاحب كتاب "المواهب اللدنية"(22) .
ومن حسن الحظ أن المؤلف اختصرها في مجلد لطيف، ضمنه عشرة أبواب، وتوجد نسخة منه في مكتبة الأوقاف ببغداد، تحت رقم (2842).
ثم تشاء الأقدار أن نلتقي بالمجلد الأخير من كتاب " شفاء الصدور" – وهو " الخامس عشر" – في الخزانة الملكية بالرباط تحت رقم (5733)، وقد أشرنا – سابقا إلى أن الناسخ أخطأ في نسبته إلى أ[ي مهدي عيسى بن سبع، كما أخطأ – حيث جعله النصف الثاني من الكتاب، ومر بنا وصف المخطوطة وإعطاء صورة عن محتوياتها ...
ونشير هنا إلى أن الأبواب الرئيسية التي رتب عليها المجلد، هي كما يلي :
1- باب فصل الأمة.
2- كتاب الصحابة.
3- باب في عقوبة من سب النبي –ص- أو انتقصه.
وقد تحدث في الباب الأول عن فضل أمة سيدنا محمد – عليه الصلاة والسلام، وأورد في ذلك أحاديث وآثارا، من ذلك ما روي أن آدم – عليه السلام – قال : أن الله أعطى أمة محمد أربع كرامات ما أعطانيها، احداها أن قبول توبتي كان بمكة، وأمة محمد يتوبون في كل مكان فتقبل توبتهم...
أما الباب الثاني – هو كتاب الصحابة – فقد أدرج فيها عدة أبواب :
- باب فضل العرب : أورد فيه الأثر المشهور عن ابن عباس : أحب العرب لثلاث ... ثم ما رواه سلمان الفارسي في هذا المعنى.
- باب فضل الصحابة، قال المؤلف : من مذهب أئمة المسلمين المقتدى بهم من أهل السنة، أن خير القرون، القرن الذي رأوا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وآمنوا به، ثم الذين يلونهم.
- باب فضل المهاجرين ومناقبهم.
ثم يورد مناقب الصديق، ثم يتحدث عن مناقب عمر؛ قال ابن سبع : مما ذهب إليه أئمة المسلمين وأهل السنة : أن أفضل الناس – بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وبعد أبي بكر الصديق، الفاروق، ثم ذكر جملة من مناقبه؛ وأعقب ذلك بمناقبهما جميعا بعد أن ذكرها أفرادا؛ ثم تحدث عن مناقب عثمان. قال المؤلف : من مذهب السنة، أن أفضل الناس – بعد رسول الله – أبو بكر وعمر، وبعد عمر عثمان؛ ثم أورد جملة من مناقبه.
ثم عقد بابا لمناقب الخلفاء الثلاثة : أبي بكر وعم وعثمان، ثم ذكر من مناقب عثمان وعلي؛ ثم أفرد بابا لمناقب الرضى أبي الحسن علي بن أبي طالب، وربما كان أوسع باب في مناقب الصحابة.
ثم يعقد المؤلف ترجمة يجمع فيها مناقب الخلفاء الراشدين الأربعة : أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.
ثم يذكر مناقب العشرة المشهود لهم بالجنة، ثم مناقب السبطين : الحسن والحسين، ثم مناقب أمهما فاطمة بنت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ثم مناقب أزواجه أمهات المومنين، ثم مناقب جماعة من الصحابة – وقد أوردت طائفة منهم في صدر هذا البحث. ثم مناقب الأنصار ...
3- باب في عقوبة من سب النبي – صلى الله عليه وسلم – أو انتقصه...
وقد عاد المؤلف في هذا الباب إلى كثير من كتب الفقه .. ويجب أن نشير – هنا – إلى أن ابن سبع لم يتقيد في هذا المجلد بالمنهج الذي سار عليه في المجلد الأول من تقسيمه إلى أجزاء، ثم إلى أبواب وفصول ... كما أنه لم يسر في نفس الخط من حيث العمق والاستيعاب، والبحث المستفيض إلى حد الاغراب – كما أومانا إلى ذلك سابقا؛ ولعل حديثه عن فضل الأمة، ومناقب الصحابة، - لم يكن من صميم لموضوع الذي ألف من أجله الكتاب – وهو أعلام نبوته – ص- وخصائصه، ولذا أوجز القول فيه ولم يوعب.
ب- أسلوبه :
وأسلوب ابن سبع في كتبه "شفاء الصدور" أسلوب علمي رصين، وربما تأنق في بعض الأحيان وقد يكون الموضوع يقتضي ذلك فيخرج عن الأسلوب المرسل، إلى النمط المسجوع؛ وهو سجع فير متكلف، ينم عن عفو الخاطر، وصفاء الطبع.
ومن أمثلة ذلك قوله – وهو يتحدث عن معجزة القرآن - :
( ...فمن ذلك القرءان المبين، الذي خص به نبينا محمدا – صلى الله عليه وسلم – وجعله معجزته، ونزل به الروح الأمين، (وحضه) على تبليغه، وتعبد به خلقه؛ وأقام به الحجة، وقطع به الأعذار؛ وهو من أجل آيات الأرضين والسماوات، الدالة على خالقها، وأبدعها وأبهرها للعقول، وأعجبها وأظهرها؛ آية باقية لا تتغير، لا بقدر على معارضتها من تقدم ولا من تأخر؛ وهو قوله – تعالى- : " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه" – يريد لا يزاد فيه ولا ينقص بمعارضته، وقد قطع الله –سبحانه – على الثقلين بعجزهم عنه، قبل أن يمتحنوا بظهور عجزهم عنه، وأمر نبيه – صلى الله عليه وسلم – أن يعلمهم أنهم لا يأتون بسورة مثله، فضلا عن أن يأتوا بمثله – ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا؛ ولم لم يأت – صلى الله عليه وسلم – بمعجزة غير القرءان، لكان من أعظم المعجزات، الخارقات للعادات، إذ هو كلام الحكيم الحميد)(23).
2- وقال في حديثه عن ابتداء خلقه – صلى الله عليه وسلم - :
(... ثم ان الله – تعالى – خلق الخلق بعلمه، ثم اختار منهم صفوته لغيبه، واختار من كل خيار صفوة أمناء على وحيه؛ استودعهم خير مستودع، وأقرهم في خير مستقر ...نسختهم مكارم الأصلاب، إلى مطهرات الأرحام؛ كلما مضى منهم سلف، انبعث لأمره خلف؛ حتى انتهت نبوة الله إلى نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم، فأخرجه من أفضل المعادن محتدا، وأكرم المغارس منبتا، وأينعها ذروة، وأطيبها أرومة، وأعزها جرثومة، وأوصلها مكرومة؛ من الشجرة التي صاغ منها أمناءه، وانتخب منها أنبياءه؛ شجرة مشرقة الضياء، لامعة البهاء، "أصلها ثابت، وفرعها في السماء"؛ شجرة نضرة العود طويلة العمود؛ معتدلة القامة، محمودة السلامة؛ باسقة الفروع، عذبة الينبوع، مخضرة الأغصان، مشرفة القنوان؛ يانعة الثمار، عالية النجار؛ كريمة المجتنى، شريفة المقتنى؛ من أكرم منبت نبتت، وفيه بسقت وأثمرت، وعزت وارتقت؛ سبق بالخليل عودها، وانشق باسماعيل عودها، وتم بمحمد – صلى الله عليه وسلم – صعودها؛ الحق زهرتها، والصدق ثمرتها؛ والتقى أفنانها، والهدى قنوانها، معلقة بالعرش أغصانها، متهدلة بالإيمان ثمارها ...)(24).
4- وقال – وهو يتحدث عن مناقب علي بن أبي طالب - :
(... رابع الخلفاء، وسيد الحنفاء، امام الدين وعاصمه، وقاضي الشرع وحاكمه؛ والمتصدق ... بخاتمه، ومنصف كل مظلوم من ظالمه؛ فارس بدر وحنين، ابى السبطين ، الحسن والحسين؛ صاحب القبلتين، والذي أنزل في فضلعه من القرءان آيتين، ولم يشرك بالله طرفة عين؛ جائز الشرفين، والفائز بخير الدارين؛ موضح المشكلات، ومعفر العزى واللات؛ ممزق شمل الكتائب، ومروي صم البيض العصائب؛ الهمام البطل المحارب، الشهاب الثاقب؛ اكسير المناقب، البريء من النقائص والمعايب؛ والمؤثر على نفسه في كل المكاسب، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ...)(25).
جـ - أهميته :
لعل أهمية كتاب " شفاء الصدور" تتجلى في كونه أوسع كتاب في موضوع السيرة النبوية، وقد قال المؤلف في مقدمة الكتاب : بأنه قضى في جمعه قرابة ثلاثين عاما، وأخرجه في خمسة عشر مجلدا ...- كما أسلفنا، وهو ليس كتاب سيرة فقط، بل هو كذلك كتاب حديث، وعلم القرءان؛ ولم ينس أن يضيف إلى الكتاب أدبيات لها أهميتها ...
وكان لابن سبع أثره فيمن بعده وقد أفاد من كتابه "شفاء الصدور" كثيرون، نذكر منهم :
أ‌- في السيرة :
1- القاضي عياض في كتابه " الشفاء"، وسنتحدث عنه بعد.
2- أبو العباس العزفي في كتابه "الدر المنظم، في المولد المعظم"(26) .
3- شهاب الدين القسطلاني في مؤلفه الكبير : " المواهب اللدنية، في الشمائل المحمدية"، وقد استقى كثيرا من كتاب "شفاء الصدور" كما يقول شارحه الزرقاني(27).
4- أبو عبد الله محمد بن يوسف الشامي في سيرته المعروفة بالسيرة الشامية، وقد ناقش رواية ابن سبع في حديث الحجب
السبعين ألفا، الوارد في الإسراء والمعراج، وقال :انها كذب ولا شك(28).
5- أبو عبد الله محمد بن عبد الباقي الزرقاني في شرحه على المواهب اللدنية(29).
6- زيني دحلان في مختصره في السيرة النبوية(30).
ب‌- في الحديث :
1- أبو عبد الله محمد بن أبي جمرة في كتابه "بهجة النفوس"(31).
2- أبو الحسن علي بن غالب في شرحه(32) على حديث الحجب السبعين ألفا الانف الذكر.
3- أبو العباس أحمد بن محمد بن النحاس في كتابه في فضائل الجهاد(33)، وقد عاد إلى كتاب شفاء الصدور في كثير من أحاديث فضائل الأعمال كما أشرنا إلى ذلك سابقا.
4- الذهبي – حيث انتقد علي عياض بعض الأحاديث، وقال : أنه تبع فيها ابن سبع في "شفاء الصدور"(34) وذلك يدل على اطلاع واسع بهذا الكتاب، وما يحويه من أحاديث وآثار.
5- النعماني – تلميذ ابن حجر، فقد نقل – كما يقول الزرقاني في شرحه على المواهب اللدنية – رواية ابن سبع في حديث الحجب السبعين ألفا، الوارد في ليلة الإسراء والمعراج، وقال: أنه لا يستبعد وقوع هذا كله في بعض ليلة(35).
جـ- في علوم القرآن :
- بدر الدين الزركشي في كتابه "البرهان في علوم القرءان"، فقد ذكر عن ابن سبع في كتابه "شفاء الصدور" – أنه علق على قول أبي الدرداء : لا يفقه الرجل حتى يجعل للقرءان وجوها. وقول ابن مسعود : من أراد علم الأولين والآخرين، فليثور القرءان – ( يعني ينقر عنه، ويفكر في معانيه)- قال ابن سبع : هذا لا يحصل بمجرد تفسير الظاهر، وقد قال بعض العلماء : لكل آية ستون ألف فهم، وما بقي من فهمه أكثر.
وقال آخرون : القرءان يحتوي على سبعة وسبعين ألف علم، إذ لكل كلمة علم، ثم يتضاعف ذلك أربعا؛ إذ لكل كلمة ظاهر وباطن، وحد ومطلع)(36).
هكذا أورد هذا النص في معرض الاستدلال، الإمام أبو عبد الله الزركشي(تـ 794 هـ) – وهو أحد الأعلام الاثبات في التفسير والحديث، وتلك تزكية أخرى لابن سبع وكتابه "شفاء الصدور" في علوم القرءان، نضيفه إلى الأهمية الكبرى التي يحظى بها عند علماء السيرة كما أسلفنا.
أما عن المآخذ التي أخذت عليه، وأثره في "شفاء" عياض، فذلك ما سنتحدث عنه في عدد قادم بحول الله.

(1)  انظر الكشاف في مخطوطات الأوقاف – لأسعد طلس ص 54.
(2)  انظر مخطوط الخزانة العامة بالرباط رقم 21 ق.
(3)  نفس المصدر.
(4)  المرجع السابق ص 128.
(5)  نفس المصدر.
(6)  المصدر السابق ص 133.
(7)  نفس المصدر ص 155.
(8) نفس المصدر.
(9)  المصدر الساب ص 164.
(10)  نفس المصدر.
(11) المصر السابق ص 173.
(12) نفس المصدر.
(13) نفس المصدر.
(14) نفس المصدر.
(15) المرجع السابق ص 175.
(16) قلنا في جملتها، لأن منها ما أخرج في الصحاح مثل حديث من احتبس فرسا في سبيل الله ... أخرجه البخاري والنسائي وغيرهما.
ومنها ما نجد ما يشهد له، مثل حديث الحسن : رباط ليلة في سبيل الله، أفضل من عبادة أحدكم في بيته ستين سنة.
وحديث علي : كل خطوة يخطوها المرابط تعدل عند الله ألف عام : صيام نهرها، وقيام ليلها. وحديث محمد بن المنكدر : من راح يكبر ويهلل في سبيل لله، غابت الشمس بذنوبه – إلى غير ذلك.
(17) انظر مخطوطة الخزانة العامة بالرباط رقم (1383 كـ) ص 40-85.
(18) نفس المصدر ص 86.
(19) انظر مخطوط الخزانة العامة بالرباط رقم (1383 ك) ص 334.
(20) انظر ج 6 ص 93.
(21)  انظر شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ج 6 ص 93
(22) انظر ج 1/144، و ج 5/26، و ص 244.
(23) انظر مخطوط الخزانة العامة بالرباط رقم (1383 ك) ص 85.
(24) نفس المصدر ص 86.
(25)  انظر مخطوط الخزانة الملكية رقم (5733).
(26)  انظر شرح الزرقاني، وارجع إلى كتاب المواهب – إن شئت – ج 1/42، وص 148، و ج 5 ص 62، 244. و ج 6/93، 95.
(27) انظر ج 6/93، وارجع إلى كتاب المواهب – ان شئت-ج 1/42، وص 148، وج 5 ص 62، 244.و ج 6/93، 95.
(28)  انظر الزرقاني على المواهب اللدنية ج 6/95.
(29) انظر ج 1/44، 6/93،95.
(30) انظر 1/7 – هامش السيرة الحلبية.
(31) انظر المواهب اللدنية بشرح الزرقاني ج 1/42.
(32) انظر المرجع السابق ج 6/93، 95.
(33)  انظر مخطوط الخزانة العامة بالرباط رقم 21 ق.
(34) انظر الرسالة المستطرفة للكتاني ص 106.
(35) انظر الزرقاني على المواهب اللدنية ج 6 ص 95.
(36) انظر البرهان ج 1 ص 454.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here