islamaumaroc

ذكرى الانبعاث الجزائري

  دعوة الحق

24 العدد

منذ خمس سنين خلت، بدأ عهد جديد في تاريخ شعب مناضل، استطاع بنضاله أن يحتفظ بكل خصائص العروبة ويعتز بمميزاتها السامية. وعجزت القوة الباغية أن تحوله عن قبلتها، رغم ما عاناه في سبيل الإقامة على عهدها، والتشبث بأسبابها من ويلات ونكبات..
إن يوم فاتح نوفمبر سنة 1954 هو اليوم الذي وضع فيه هذا الشعب حجر الزاوية في بناء صرح التحرير القومي والانبعاث الوطني. بعد ما قضى أكثر من ربع قرن من الزمن في إعداد التصميم المحكم لإقامة هذا الصرح على أس متين، استمد عناصره الأولى من تمسكه بدينه وعروبته وقوميته.
ففي صبيحة أول يوم من شهر نوفمبر منذ خمسة أعوام، أشارت بعض إذاعات العالم ووكالات أنبائه في شيء من عدم الاهتمام، وقليل من الإكثرات، إلى وقوع بعض الأحداث المنبعثة عن جبال (الأوراس) الشامخة، وإعلام (جرجرة) المنيعة، غير مقدرة يومئذ ما سيؤول إليه وقوع هذه الأحداث، وما سيكون لها من نتائج انقلابية خطيرة في حياة الشمال الإفريقي. وقارة افريقيا قاطبة.
وهكذا ظهر إلى الوجود ذلك الوليد الصغير، الذي بزغ نوره –مع نور الشمس سويا- في ذلك اليوم المنشود، في أفق الوطن الجزائري، كما ينبلج خيط دقيق من الضياء اللامع في وسط جموع من الظلام الدامس المتكاثف، فبعث الأمل في النفوس، وجدد الإيمان في القلوب، وبادر أبناء هذا الشعب –الذين كانوا يترقبون طلعة هذا اليوم يوم الجهاد المقدس بفارغ الشوق، ومزيد من الحنين –بادروا إلى احتضانه ورعايته، ودفع غارة الأعداء عن ساحته. أولئك الأعداء الألداء الذين أزمعوا أن يخمدوا أنفاسه في المهد، وأن يسارعوا بتشييعه إلى اللحد، قبل أن يفتح بصره على نور الحياة. ولكن شاء الله وشاءت إرادة الشعب التي هي من إرادة الله أن ينمو وليد يوم فاتح نوفمبر، كما ينمو النبات في التربة الخصبة، وأن يترعرع عوده، ويشتد ساعده، حتى يشب عن الطوق، ويعظم خطره، وتزداد قوته وبأسه، فيضحي بردا وسلاما على القريب، ونقمة وبلاء على الدخيل والغريب...
إن مثل ذلك الوليد هو مثل ثورة التحرير الجزائرية، التي أوجدها الله من ضعف، ثم جعل لها من بعد ضعف قوة، ومن بعد غربة وعزلة أنصارا ومؤازرين. وها هي اليوم، وبعد خمسة أعوام طويلة قطعتها من عمرها المحفوف بالمخاطر والصعاب، قد بلغت قمة الظفر، وارتفعت على سواعد الأبطال، إلى ذروة المجد والسؤدد، وسجلت للعروبة وأبنائها صفحة جديدة في سجل الخلود الإنساني، ستبقى –على البد- مفخرة الأجيال بعد الأجيال، ومأثرة خالدة تضرب بها الأمثال.      
(مجـد سيذكـره التاريـخ للعـرب
                دومـا ستعزفـه الأجيـال ألحانـا)
لقد أقر الخصم وارتفع النزاع.. نعم لقد اعترف (الخصم...) قبل الموالي ببطولة وشجاعة أولئك الرجال الأفذاذ الذين اعتصموا –منذ خمس سنين- بجبال الجزائر الشاهقة، ليرفعوا فوق قمما لواء الجهاد المقدس من أجل الحرية والعدالة الإنسانية. فجاهدوا بأرواحهم الغالية، وسقوا ثرى الوطن المحبوب بدمائهم الزكية، تحقيقا لذلك الهدف الأسمى، وأبوا إلا أن يحيى وطنهم ويحيى مواطنهم كراما أحرارا، أو يموتوا شهداء أبرارا. وهذا منتهى الوفاء والإخلاص للمبادئ والقيم الروحية. ففي عصر سيطرت فيه المادة على النفوس، وتحكمت الأنانية في اتجاهات الأفراد والجماعات، يضرب هؤلاء الأبطال المجهولون
أروع الأمثلة في التضحية بالنفس، والتفاني في خدمة المجموع، ونكران الذات من اجل رعاية مثل عليا، وقيم إنسانية مقدسة، في أرض الجزائر العربية، التي أبت نذالة المستعمرين الفرنسيين ولؤمهم، إلا أن يدسوا عليها بالأقدام، وينتهكوا حرمتها، ويمتهنوا قداستها وكرامتها طيلة قرن وربع قرن، مخالفين بذلك ما أجمعت عليه كل الأمم والشعوب المتمدنة، من رعاية واحترام لهذه المثل والقيم الإنسانية.
إن إمعان فرنسا في بغيها وظلمها، وعقدها العزم على أن تعمل بكل الوسائل (الإجرامية) لمحق الشعب الجزائري تدريجيا، وإبادة شخصيته العربية والإسلامية، بغية تحويله إلى مجموعة من البشر الهمج، الذين لا يرتبطون بماض، ولا يفكرون في مستقبل، إلا في النطاق الاستعماري الضيق... إن عمل فرنسا هذا هو الذي حدا بالطلائع الأولى من الوطنيين الجزائريين أن يعمدوا إلى تجريد الحسام في وجه استعمارها والالتجاء إلى حمل السلاح ضده، مقدمين على كل النتائج والأخطار، لأنهم آمنوا –منذ اللحظة الأولى- أن الاستشهاد في ميدان الجهاد، من أجل استرجاع حرية الأمة، وحماية ثرائها الروحي والقومي من المحو والامتهان، أشرف عند الله والناس من الحياة مع الذلة والهوان، فلم يسعهم إلا أن أعلنوها ثورة عارمة على الظالمين.. والطغاة المفسدين...
ثورة لم تكن لبغي وظلـم
               في بلاد ثارت تفك القيـودا
ثورة تملأ العوالم رعيـا
               وجهادا يذر الطغاة حصيـدا
ولعل أول انتصار أحرزه السابقون الأولون من المجاهدين والأنصار، هو انتصارهم على أنفسهم، ونزولهم إلى مجال الفداء والتضحية بالنفس والنفيس، أجل؛ انتصارهم على دواعي الفشل والخور، وضعف العزائم، والتغلب على نقيصة الجبن والوهن، وغيرها...
هذه الأمراض الفتاكة، التي تمكنت خلال عشرات السنين من شعوبنا التي ظلت رازحة تحت كابوس الاستعمار الأجنبي البغيض، دون أن تتخلص من هذه الأمراض المزمنة، وتعلن صيحة الجهاد المقدس، مجابهة قوة الاستعمار بمثلها، دون خوف أو تردد، نظير ما حصل في الأعوام الأخيرة لدى بعض الشعوب التي كانت تعيش تحت السيطرة الاستعمارية في آسيا وإفريقيا، فلم تنجل المعركة بينها وبين المحتلين إلا عن هزيمة نكراء للمستعمرين وأحلافهم وأعوانهم...
وإذا كان الحديث النبوي الكريم، قد عبر عن جهاد النفس بالجهاد الأكبر، فقد انتصر شعب الجزائر في جهاده هذا من أول يوم أعلن فيه الجهاد الوطني، فأنكر نفسه، ونسي مصلحته الفردية، ولم يتردد في الانضواء تحت لوائه، منذ أول طلقة نارية مؤذنة بنشوب ثورة البعث. فساهم في الكفاح إلى جانب جيش التحرير، وغذي النضال المسلح، بكل ما لديه من إمكانيات مادية وأدبية، مستهينا بكل تضحية إلى أن يفنى عن آخره، أو يحكم الله له بالنصر على عدوه. وقد صدق الله وعده مع الشعب المؤمن بحقه في حياة العزة التي خص الله بها المؤمنين، بنصره للفئة القليلة من كتائب جيش التحرير على الفئة الكثيرة من جنود المعتدين في كثير من المعارك والمواطن.
وقد عبر أحد شعراء الثورة عن هذا المعنى أصدق تعبير فقال :
وجيوش مضت يـد الله تـز
                  جيها وتحمي لواءها المعقـودا
من كهول يقودها الموت للنـ
                  ـصر فتفتك نصرها الموعودا
وشباب مثل النـور ترامـي
                  لا يبالي  بروحـه أن يجـودا
فمضى الشعب بالجماجم يبني
                  أمـة حـرة وعـزا وطيـدا
إن كل هذه المدة المديدة التي عاشتها تورثنا في غمرة من الكفاح المرير، لم تزدها إلا متانة في نظمها. وشدة في مقاومتها، ونضجا في أسلوبها السياسي والعسكري، مما أتاح لها أن تحتل مكانة دولية مرموقة، فأضحت (حكومتها الفتية) مثار إعجاب وتقدير جميع الأحرار في كل أطراف العالم. ذلك لأن الثورة قد برهنت خلال هذه الفترة الممتدة من حياتها، على عمق مبادئها، وسمو أهدافها. ونزاهة جوانبها القومية والإنسانية. وأبانت عن مدى ما تحتضنه هذه الرقعة الشاسعة من أرض المغرب العربي، من طاقات معنوية نضالية، جديرة بأن تعد من مواطنيها خير أمة تتولى بناء حضارة إنسانية جديدة في غرب البحر البيض المتوسط، كما فعلت في إبان ازدهارها وعظمتها، بعد أن تتخلص نهائيا من كل قيد من قيود العبودية والاستغلال، وتنطلق في طريق الحرية والاستقلال.
فجدير بنا –ونحن نلج أبواب السنة السادسة لثورتنا- أن ننوه بهذه السنين، الخمس من الجهاد العظيم، الذي خاض معركته هذا الشعب العربي الأبي، محييا به شعيرة من أهم الشعائر التي قامت عليها عزة الإسلام في عهوده الزاهرة، محققا آمال العروبة في أبنائها الذين عقدوا العزم على استعادة أمجادها، مبرهنا عن مدى تعلقه بعروبته وتشبثه بتعاليم دينه. رافضا كل ما عداهما من ترهات وخزعبلات، لا يمكن أن يسمح لها بأن تمس حقيقته الجوهرية، أو أن تحيد به عن الاتجاه الذي سار فيه مع قافلة العروبة الحرة الناهضة.
حقا إنها ذكرى جليلة القدر،عظيمة المغزى، عميقة الأثر في حياة الأجيال الجزائرية، بل الأجيال العربية جمعاء. إننا نستطيع أن نخرج من إمعاننا النظر في هذه الذكرى، والتعمق في دراسة حقيقتها الثورية ببعض النتائج المنطقية. منها :
أولا: أن الشعب الجزائري قد كافح المحتل على شخصيته، وجميع خصائصه كشعب عربي مسلم، مؤكدا ذلك في دستور الإعلان عن الثورة، وهذه العقيدة التي سرت في أبنائه مسرى الدم في الجسد، هي التي كانت له فيها أكبر عامل للنصر على العدو قديما وحديثا.
ثانيا: إن الاستعمار ظل وما فتئ يشن حربه الصليبية، والعنصرية على شعب عريق في دينه وعقيدته وقوميته، محاولا مسخه وإدماجه، بل وتحطيم شخصيته، ليتسنى له ابتلاعه وهضمه، دون نظر إلى ماضيه التاريخي العتيد، وتقدير لتراثه الروحي الخالد، الذي لا يقبل هضما، وهذا هو سر فشله في محاولاته وهزيمته أمام هذا الشعب العزل في الماضي والحاضر أيضا...  
وثالثا: إن فرنسا قد خالفت في انتهاج سياستها الاستعمارية في الجزائر كل النواميس الطبيعية والإنسانية، وتنكرت لكل ما يمليه الضمير والوجدان في معاملة الجزائريين. فهي لم تقف عند حد السيطرة السياسية المباشرة، التي أفقدت الجزائر سيادتها الوطنية في نظر القانون الدولي. ولم تكتف بالاستقلال الاقتصادي الفظيع، الذي قام على السلب والنهب والاغتصاب لكل ثروات الوطن والمواطنين، لصالح شراذم من المعمرين الأفاقين، بل عمدت إلى تحدي كل القيم والمعاني الخلقية والروحية، وخرق كل الشرائع السماوية والوضعية، مستعملة أحط الأساليب وأبشعها في انتهاك حرمة المقدسات، والاعتداء على الحرمات، واقتراف أرذل ضروب الإثم والمنكرات. نكاية بشعب كل ذنبه أنه لم يكن يملك من القوة المادية –عند الاحتلال- ما يستطيع به دفع العدوان الفرنسي عن وطنه.
إن هذه العوامل مجتمعة أو متفرقة، هي التي فرضت على شعب الجزائر أن يستميت في الكفاح، ويصمد في النضال، هذا الصمود العجيب مدة خمسة أعوام، أمام قوى هائلة لدولة كبرى، اشتهرت بتعصبها الأعمى، وامتازت بعنصريتها وأحقادها الدفينة، ضد كل ما يمت بصلة إلى العرب والمسلمين.
ومع بوادر النصر التي تبدو في الأفق وشعاع الأمل المؤذن بقرب الظفر المرتقب، مع هذا فإنها ما تزال أمامنا مرحلة هامة في طريق الكفاح، يتعين علينا قطعها –بمؤازرة وتأييد إخواننا وأشقائنا العرب في المشرق والمغرب- كما قطعنا معا المراحل السالفة في الخمسة أعوام المنصرمة. وذلك قبل أن نشرف على نهاية هذه المعركة الخالدة في تاريخ العرب والعروبة، والتي لا ريب في أن كل عربي يؤمن في قرارة نفسه، ويعتقد من صميم فؤاده، أنها ستكون لخير الجزائر، وكل الشعوب الشقيقة والصديقة.
وما نحن إلا أمة ذات  نسبـة 
                  سماوية الأسباب لـن تتقطعـا
وذرية للأطلس الفخم لو بـه
                  تصدت لنا (ذرية) ما تصدعـا


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here