islamaumaroc

في رحاب الحق: الإيمان.

  دعوة الحق

201 العدد

يصبح الصباح فينبثق النور من الظلمة وتنطلق الحركة من السكون وتسري الحياة دافقة في أعطاف الموجوات الظاهرة والخفية، الناطقة والعجماء، المتحركة والساكنة -وكل يسبح بحمده- فيسعى الإنسان في هذا الكون معتدا بعقله وتفوقه: تراه يفرح بالعافية ويبسم في السراء ويصبر حين البأس ويضاعف الحمد في كل حال، لو تراه يبطر بالنعمة ويطغى أن رآه استغنى ويجزع لما يصيبه.
وتتعاقب الفصول والأيام فتتغير الوأن الزهور والأوراق، وتتباين أصناف الأعشاب والحشرات وأحوال الطقس وأهواء البشر وطبائع الحيوان، وفي هذا العالم المتحرك المتغير دوما يحلق الطير بحثا عن الحرية والقوت، ويسعى الوحش طلبا للفريسة والبقاء، وتسري حياة جديدة في عروق النبات، فيرى الناس كل ذلك أو يحسونه أو يلمسونه، فمنهم من تهتز نفسه عجبا وإعجابا، ويمتلئ قلبه جذلا وانشراحا، ويعتريه شعور مبهم حائر يدفعه إلى إطالة التأمل وإدمان التدبر فيما حوله، ومنهم من يمر على ذلك غير بصير فلا يحس بشيء إلا أن يكون البرد في أيام الشتاء أو الحر في زمن الصيف، يجوع ويشبع، ويعطش ويرتوي، ينشرح أو يضجر، ويسعى في الحياة فلا يلتفت حوله ولايتدبر في شيء.
فأي الحالين يدل على الإيمان ياترى؟
أعرف أن الإيمان هو مفتاح المعرفة وعين اليقين وأنه الطريق الموصل إلى الحق المطلق، فأنى لي أن ألمس ذلك، أبا البصر والسمع والذوق والشم، أم بالعقل والفؤاد والوجدان، أم بمعادلة حسابية:
الإيمان= س+الحقيقة؟.
والذي يحيرني هو هذا السين، ماذا يكون؟ 
                                                ***
القلب مضغة يصلح الجسد بصلاحها ويفسد بفسادها.
فالقلب إذن هو المتحكم، هو مكمن الإيمان والشك معا، فأنى لي أن أعرف موضع هذه المضغة من الجسد؟ فلو كنت أعرف لوضح الأمر وتجلت الحقيقة.
                                                ***
رجعت إلى العبادات: القيام والقعود، والركوع والسجود، والطواف والوقوف، والصوم والتطهر، فتبين لي أن العبادات في مظهرها أعمال تدل على الطاعة إن كانت مسبوقة بالإيمان الذي هو عين البر وبرهان التقوى.
وقد وجدت أن أقبح مايشين العبادات فتور العادة الذي يحيلها على مجرد حركات يأتيها المرء ووجدانه غائب وفكره مشتغل ونفسه ساهية.
فروح العبادات إذن: الطاعة بالعمل، وقوامها صحة الإيمان باليقين.
                                                ***
جاء في التنزيل العزيز، (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى، قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن؟ قَالَ بَلَى؛ وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)‏ [البقرة: 260].
فهل طمأنينة القلب هذه هي علامة الإيمان ومظهره، أم أنها الإيمان نفسه؟
وهل المشاهدة بالعين وملامسة الفوارق شرطان لازمان لاطمئنان القلب وصحة الإيمان؟
والسكينة التي ينزلها الله على قلوب المؤمنين... أهي البرهان على استقرار الإيمان وتغلغله وتمكنه؟ هل هي بداية الإيمان أم مظهره أم غايته؟ وهل السكينة هبة من الله ينزلها على من يشاء من خلقه وعباده بما يبثه في قلوبهم من شجاعة وصبر ورضا؟
                                                ***
قال ابن مسعود، فيما رواه البخاري: اليقين الإيمان كله.
فاليقين، هو التصديق المقرون بالقول والعمل، وهو الاعتقاد الجازم بما أخبر به الوحي.
نقرأ في كتاب الله العزيز: (لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ... ) [البقرة: 177].
وفي حديث شريف: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، وبلقائه ورسله، وتؤمن بالبعث..."
أو ليس اليقين، كالمعرفة، نورا يقذفه الله في قلب السالك قبل أن يدرك مرتبة الوصول؟
                                                ***
ندرك بالتأمل أن للإيمان أوجها ثلاثة:
صحة الاعتقاد، وإخلاص العمل، واستقامة الخلق.
فصحة الاعتقاد هي قوام الإيمان ودعامته، وجوهر الاعتقاد هو الاحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
وعلامة الإحسان وغايته معرفة الله بالقلب، وخشيته بالتقوى، وسلوك طريق المحبة، محبة الله ورسوله. في حديث شريف: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لايحبه إلا لله".
أما إخلاص العمل فقوامه الطاعة أي العمل بما أمر به الله ورسوله واجتناب مانهيا عنه في العبادات والمعاملات والسلوك، وآية الإخلاص توحيد الله والخضوع له والتوجه إليه وحده بالعبادة والدعاء وطلب الهداية والعون، ففي ذلك قوة المؤمن وكمال حريته وضمان خلاصه.
واستقامة الخلق هي الدلالة على صحة الاعتقاد وإخلاص العمل معا، فالشرع لم يأمر بالعبادات وحدها، وهو لم يقتصر على بيان مناهج المعاملات فحسب، بل إنه أمر كذلك بالعدل والإحسان والوفاء بالعهد والصبر في البأساء والضراء مع محاسبة النفس، كما حث على الحياء - ومن معانيه المروءة والتواضع وتغليب الوازع الخلقي- ودعا إلى الأمانة والاستقامة والتعاون والبرور والإيثار والنصح -ومعناه الصدق والإخلاص في المعاملة- فهذه كلها واجبات خلقية لا يجوز للمؤمن أن يفرط فيها.
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه مايحب لنفسه" وقوله [بل هو قول عمّار، كما في كتب المتون]: "ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الاقتار". وقوله: "الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان".
ويمكن للناظر في كتاب الله وسنة رسوله وأفعال السلف الصالح أن يستنبط مختلف شعب الإيمان، وجلها يدل على ما يجب أن يتحلى به الإنسان من مكارم الأخلاق التي تستقيم بها أمور الفرد والجماعة، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق.
يقول الإمام أبو حامد الغزالي في رسالة (الاقتصاد في الإعتقاد): "ليس يجب على كافة الخلق إلا التصديق الجازم وتطهير القلب عن الريب والشك في الإيمان، وإنما تصير إزالة الشك فرض عين في حق من اعتراه الشك".
فاللهم أنا إلى التصديق الجازم أقرب وأميل، فطهر قلوبنا من الريب والشك في الإيمان.
اللهم إن برهاننا في أنفسنا وفيما خلقته من حولنا من كائنات وعوالم -وكل يسبح بحمدك- وليست عقولنا القاصرة إلا بعض البرهان، فامنحنا، يارب، الأمن والإيمان بإيماننا، واجعلنا ممن قلت فيهم: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ) [محمد: 17]، ووصفتهم بقولك الحكيم: (وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) [الأحزاب: 22].
شوال 1399-سبتمبر 1979    
ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الاقتار".
(حديث شريف)!!

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here