islamaumaroc

[قرأت العدد الماضي]

  دعوة الحق

24 العدد

حظى العدد الماضي من الأبحاث والمقالات حظ ضئيل بالنسبة للدراسات الإسلامية على الأخص. وهي على قلتها ذات وزن فكري وثقافي اعتدنا أن نجده في إنتاج كتابها الأفاضل، وهي على قلتها أيضا متنوعة متعددة الآفاق تنتقل بك بين التاريخ والأدب والعلم والسياسة وتحليل الشخصية، وتلك ميزة نحمدها للكتاب الذين استطاعت دعوة الحق أن تؤلف من إنتاجهم باقة جميلة تقدمها للمثقفين في البلاد العربية يعيشون على عبق شذاها شهرا أو بعض شهر.
وقد أعدت النظر فيما قدمته المجلة من مقالات وأبحاث فارتأت أن أنقل مقال الزعيم علال الفاسي عن شكيب أرسلان من باب الدراسات الإسلامية إلى باب الأبحاث والمقالات. فهو تحليل لجانب من شخصية أحد قادة الأمة العربية في ميادين الفكر والسياسة والعلم، وهو إذن بباب الدراسات التاريخية الصق.
وميزة هذا البحث القيم أنه تناول النقط الخفية في تفكير شكيب أرسلان السياسي وخاصة فيما يتصل بمستقبل المسلمين والعرب، ميزته الكبرى أن الزعيم علال اعتمد على صلاته المتينة بالأمير شكيب وعلى رسائله الخاصة وأحاديثه التي تناول فيها أفكاره السياسية بكامل الوضوح.
والأسس التي تقوم عليها آراء شكيب أرسلان كما أوضحها الزعيم علال تتخلص فيما يلي :
1- التفكير الشمولي الذي لا تقف به الحدود ولا تضيق به الاعتبارات، فالهدف هو تحقيق الحرية والاستقلال لجميع بلاد العرب والمسلمين وتحرير الفرد والمجتمع الإسلامي العربي ومن أجل ذلك يعتبر نفسه وطنيا وقوميا وإسلاميا وعالميا، ولا يكاد يجد أي تناقض بين هذه الاعتبارات لأنها تتحد في حقيقتها حينما يعمل لتحرير المواطن المسلم العربي ليكون أداة صالحة في مجتمع إنساني أفضل في أي أرض حل بها العرب والمسلمون.
2- مسلم وعثماني، ولم يكن في إسلاميته أو عثمانيته متعصبا أو ضيق الأفق لا يعادي غير المسلمين من العرب أو من الذين يسكنون بلاد الإسلام، ولم يكن عثمانيا إلا لأنه كان يرى في الجامعة الإسلامية حصنا للعرب والمسلمين من الاستعمار الغربي كما يرى فيها حماية لبلاد العرب والمسلمين من القومية الضيقة بالمعنى الغربي للقومية التي كان يبشر بها الغرب ويستخدمها كوسيلة للانقضاض على بلاد العرب والمسلمين.
3- والدعامة الثالثة هي أن سياسته لم تكن تخضع لمبدأ مثالي فهو يعادي الإيطاليين ويحاربهم في استعمارهم لليبيا ويكف عن معاداتهم أو يتقرب إليهم حينما يظهرون تفهما لمطالب العرب والمسلمين وحينما يستعمل ذلك أيضا في حربه لانجليز دفاعا عن مصر، ولعل عدم المثالية مما يجعل عثمانية وسيلة لا غاية.
وعلى هذه الأسس حلل الزعيم علال شخصية شكيب أرسلان السياسية، وإذا كان لي ما ألاحظه فهو أنه نصب نفسه محاميا قوي الحجة في الدفاع عن شكيب وعن منطقيته مع مبادئه وكنت أفضل أن يكون قاضيا لا محاميا، وأكثر ما أخشاه أن يكون للتقدير الذي يكنه الزعيم علال لشكيب أرسلان أثره في تجلية النواحي المشرقة من شخصيته السياسية.
وفي مقدمة الأبحاث القيمة التي أشعت في العدد الماضي «أدب الحيرة» للأستاذ عبد الكبير الفاسي. ويعني به الأدب الذي يصور فترة التقاء حضارتين إحداهما غازية والأخرى مغزوة، فحالة الحيرة والبلبلة والاضطراب التي تراود الشعوب المقهورة تنتج أدبا لا يقل عنها حيرة واضطرابا وبلبلة إذا ما كان صادقا في التعبير قوي الصلة بواقع حياة الذين يعيش بينهم ويتبع من نفوسهم. والأستاذ الفارسي ينقب عن أمثلة لهذا الأدب في اصطدام الحضارتين اليونانية والرومانيةـ واصطدام اليونانية بالفارسية. واصطدام الحضارة الرومانية المسيحية بالحضارة البربرية في افريقيا الشمالية كما يضرب لذلك أمثلة في الشرق والغرب العربيين. ولم تكن الفكرة إلا مدخلا لدراستها عند الأدبية الإيرانية آمنة بكروان والأديب الإيراني صادق هدايت. ولعل قراء هذا العدد يجدون تتمة البحث بين مواده.
وكنت أود أن تنشر الدراسة بكاملها فالمجلات الشهرية حرية أن تنشر الأبحاث الكاملة ولو كانت طويلة. وكم كنت أود أيضا أن يفرغ الكاتب لدراسة مظهر الحيرة في آداب الفترات التي أشار إليها ولو خرج به ذلك عن بحث لمجلة سيارة.
والأستاذ عبد الكبير يقدم بعض أمثلته بمجلة : «ويغلب على الظن..» وقد تكررت هذه الجملة وما كان ينبغي أن يدخل الظن، وحتى الغالب منه، في ميدان البحث العلمي وخاصة في المثال الذي يقدم لإثبات الفكرة. وهل أشير إلى استعمال «تظافر» مكان تضافر أم هي غلطة الطباع، والطباعون أحيانا يتضافرون لمسخ الآثار الأدبية...
وكان للأستاذ محمد بن تاويت حظه في باب الأبحاث والمقالات فقدم بحثا قصيرا عن أصل المقامات وتطورها. وأبحاث الأستاذ ابن تاويت تمتاز بالدقة العلمية والأمانة الجامعية كما تمتاز بالقصد في الأداء والإيجاز في التعبير.
وإذا كان قد استوفى البحث في أصل المقامات لغويا وأدبيا فما أحسبه قد استوفى البحث في تطور المقامات في الأدب العربي، فقد تنقل في عجلة عاجلة بين الشرق العربي والأندلس العربية وبلاد المغرب وبعض كتاب المقامات لم يحظوا منه بأكثر من كلمات مع أن للموضوع حظا وافرا في الكتب التي ألفت عن النشر العربي وتطوره في تاريخ الأدب.
ومن أهم المقالات التي تضمنها العدد مأساة اللغة العربية في المغرب للأستاذ عبد القادر الصحراوي ومن حسن الصدف أن يصدر قبيل صدور العدد بأيام مقال بنفس العنوان وفي نفس الموضوع بجريدة العلم وقد كتبه الأستاذ محمد ألطاهري. والذي أوحى بالمقالين معا هو افتتاح الموسم الدراسي وتفكير الباحثين والمسؤولين في المركز الذي ستحتله اللغة العربية مع الموسم الدراسي الجديد، والمقالان يكمل أحدهما الآخر، فإذا كان الأستاذ الصحراوي قد أحاط علما بمظاهر تخلف اللغة العربية عن مكانتها في المدرسة والإدارة والحديث واصفا أبرع الوصف وناقدا أعنف النقد ومناقشا أدق مناقشة وأواها منطقا، فإن الأستاذ الطاهري وسع أفقه بلاد العروبة باحثا عن مكانة اللغة العربية بين اللغات الحية في التعبير السليم عن مستجدات الحضارة الحديثة، ثم يعود إلى المغرب فيناقش فكرة التعريب في المدرسة وفكرة المغربة والتعريب في الإدارة ويصور في دقة ما يراوده من تشاؤم في مستقبل اللغة العربية في الوقت الذي يقف فيه المغربي موقف الاختيار بين اللغة الحية التي غزت لسانه وفكره وأصبحت أداته في العمل، وبين اللغة الميتة الذي لم تكن لغته (إذا كان بربريا من هذه الكثرة الكثيرة من سكان المغرب) إلا أن تكون لغة الدين والعاطفة.
والأستاذ الصحراوي وهو يعرض للمكانة التي آلت لفتنا العربية في الإدارة يناقش دعوى الفتية التي تجعل البعض من رجال الإدارة يفضلون الفرنسية لأنها لغة الفتيين.
والواقع أن مأساة اللغة العربية لن تحل في الإدارة أو حديث الشارع ولكنها يجب أن تحل في المدرسة، فالمتعلم الذي تلقى لغة حديثه وكتابته ولغة علومه وفنونه ومعارفه عربية سيتحدث بها ويكتبها ويدير بها، أما الذي سيتلقاها فرنسية منذ بداية عهده بالتعليم فستظل على لسانه وقلمه لغة الحديث والكتابة والإدارة.
والذي أريد أن تتجه إليه أنظار الباحثين هو العمل الإيجابي الذي يخرج بالعربية من لغة تصور مأساة في حياتنا إلى لغة حية تنهض بمستوانا الفكري والفني وترضى حاجياتنا الإدارية والحضارية. وإذا كان الأستاذ الصحراوي لم يزد على إن كان واقعيا في وصف المأساة وتحليل مظاهرها، والأستاذ الطاهري لم يزد بعد وصف المأساة على اقتراح الأخذ بطريقة الأستاذ الأخضر في كتابة العربية المش كولة وبضعة حقائق وعن تطور كتابة اللغة وعملها في الأداء والتعبير، فإن المأساة في حاجة إلى مناقشة طرق العلاج، وما طرق العلاج إلا الوسائل الفعالة الإيجابية التي تنقذ العربية في المغرب من محنتها حتى تأخذ مكانتها في المدرسة والإدارة والفكر واللسان. 
وأعتقد أن مسؤولية المفكرين لا تقل عن مسؤولية الرسميين فهم مدعوون للإدلاء بآرائهم ووضع الحلول الدقيقة العملية لجعل اللغة العربية لغتنا حقيقة لا نظريا أو عاطفيا. ولعل المجلس الأعلى للتعليم الذي ألف حديثا –ولو بصورته المهلهلة- يستطيع أن يتبنى هذه المشكلة ويستفيد في حلها بنظريات المهتمين بالموضوع مواطنين وأجانب على السواء. ولعل مقال الأستاذ الصحراوي يثير المشكلة من جانبها الواقعي العملي في نفوس المهتمين بمصير اللغة العربية فيكتبون لهذه المجلة بآرائهم ونظراتهم.
وفي العدد تقرير واف عن التعليم في الولايات المتحدة الأمريكية هو نتيجة رحلة قام بها الأستاذ محي الدين المشرفي لهذه البلاد. والبحث واف جدا في تصوير أهداف التعليم والفروق الجوهرية بين التعليم في العالم الجديد الذي يسعى إلى كسب العيش والتعليم في العالم الأوروبي الذي يخلص إلى منابع الحضارات القديمة في العالم القديم كما يخلص إلى الفكر والعاطفة والروح. وقد وصف الأستاذ المشرفي التعليم بدقة ولا يغني التنويه بهذا التقرير عن مطالعته، ولا مجال فيه للرأي فهو وصف واقعي يفيد المهتمين بشؤون التعليم وبالدراسات المقارنة في هذا الباب.
وينتهي هذا الاستعراض بالمقال الحي"من يدري" للأستاذ محمد الصباغ وهو تعليق شاعري لطيف على أبيات للشاعر الفيتنامي«نجوين دو» وأجمل ما في كتابات الأستاذ الصباغ أسلوبها الشاعري العاطفي الذي يهدف إلى انتقاء الكلمة والجملة والفقرة كما يخلق بخياله في آفاق غير محدودة ولو تناول موضوعات محدودة الأفق. ومقال الصباغ في دعوة الحق دائما كالواحة الظليلة ترتاح إليها النفس ويهفو إليها الحس بعد العودة من هذا المصرع الهائل بين الأبحاث والدراسات والنظريات التي تؤلف دعوة الحق بينها وتقدمها هدية لقرائها والمثقفين من أبناء الأمة العربية.   
   

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here