islamaumaroc

عيد العرش

  دعوة الحق

24 العدد

في اليوم الثامن عشر من شهر نونبر الجاري تحل الذكرى الثانية والثلاثون لارتقاء جلالة الملك سيدي محمد الخامس عرش المملكة المغربية، تلك الذكرى التي اصطلحنا على تسميتها بعيد العرش، والتي دأبنا منذ اثنين وثلاثين سنة على أن نتخذ من يومها عيدا وطنيا بكل ما تحمله كلمة العيد الوطني من المعاني والإيحاءات والأفكار والمشاعر.
والحقيقة أن عيد العرش في المغرب ليس مجرد فرصة للشعب المغربي ليظهر ما يكنه من الولاء والمحبة لعاهله الكريم، وما يجده من تعلق به وإيمان بعظمته؛ وإنما هو إلى جانب ذلك كله فرصة سنوية لاستعراض ذلك الشريط الهائل من أعمال البطولة النادرة، ذلك الشريط الذي اشتركنا جميعا في صنعه من دمائنا ودموعنا، من آمالنا والآمنا، مع تضحيات بالأنفس والأموال، من استعدادنا النادر لفتح صدورنا للرصاص، مادام ذلك هو الوسيلة الوحيدة لتخليصنا من قيود العبودية والمهانة والذل في ظل الاستعمار البغيض، وللبلوغ بنا إلى ما نصبو إليه من الإنعتاق والحرية.
لقد كان كفاحا مجيدا، قاده جلالة الملك نفسه لقد كان كفاحا مجيدا، قاده جلالة الملك نفسه بالحكمة والصبر والسياسة، حتى إذا استنفذت الحكمة أغراضها وبلغ الصبر مداه ولم تفد السياسة وحدها في علاج الداء المزمن الذي لا يزيد مع الأيام إلا استفحالا؛ قرر جلالته –كملك وقائد وزعيم ومواطن أول- أن يواجه التضحية الكبرى، وأن يقدم عرشه فداء لأمته، وان يضع شخصه الكريم وأشخاص جميع أفراد أسرته المحبوبة المحترمة رهن إشارة المصلحة العليا لبلاده، فإما حياة حرة كريمة للجميع، وأما استمرار في التضحية، ونكران للذات، وجهاد مستمر لا ينقطع، حتى تتحقق الأمنية الكبرى، وحتى يعلو صوت الحق على صوت الباطل، وحتى يرغم الاستعمار مكرها على الاعتراف للشعب المغربي بحقه الكامل في الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية.
وهكذا قال محمد الخامس للاستعمار الفرنسي كلمته التاريخية القصيرة الحاسمة : لا.   
كانت كلمة كافية لتذهب بالبقية الباقية مما كان الاستعمار يتظاهر به من الرشد والكياسة، كانت كلمة كافية لتزلزل عقل الاستعمار، وتسلمه إلى التخبط في ظلمات حالكة من العمي والضلال.
وأخيرا، وعندما آذنت شمس الاستعمار بالمغيب، أقدم في جرأة وارتجال على فعلته النكراء، وتطاولت يده الأثيمة إلى سيد البلاد وملكها وقائدها في معركة الحرية والكرامة، فلم تجد نفسها أمام رجل قد يقعد به عن الغايات المجيدة التي وضعها نصب عينيه تهالك على المال أو خلود إلى الراحة أو تعلق بأبهة الملك وجلال السلطان، وغنما وجدت مؤمنا صادقا، وقائدا شجاعا، وزعيما حقا، ووطنيا مثاليا، وجدت أمامها رجلا من الرجال الكبار الذين يدخرهم التاريخ للملمات والأزمات العظيمة.
وجدت أمامها : محمد الخامس.
وقال الاستعمار : إنه المنفى بأهواله وآلامه وشظفه، غنه المجهول الذي لا يدرك له كنه، ولا تعرف له غاية.
وقال محمد الخامس : المنايا ولا الدنايا، ومرحبا بالمنفى وأهواله، ومرحبا بما عسى أن يكون بعد المنفى من تضحيات محتملة.
وهكذا انتهت معركة من الكفاح لتبدأ معركة أخرى أشد هولا وأكثر مرارة، وكان الذي أذن بافتتاح المعركة الثانية هو الاستعمار نفسه، وذلك عندما ذهب مع حماقته إلى مداها، فأبعد جلالة الملك عن عرشه وشعبه، وقاده وأسرته الكريمة –في وقاحة منقطعة النظير- أسرى إلى منفاهم السحيق.
وكان الشعب المغربي وفيا كل الوفاء، جديرا بالتضحية التي أقدم ملكه على احتمالها في سبيله بصبر وشجاعة، فخاض الكفاح المسلح، وضرب للعالم مثلا فريدا من نوعه في البطولة والصبر والصمود، وأقسم لا يضع السلاح حتى يعود محمد الخامس إلى عرشه وشعبه، وحتى يتحقق للبلاد استقلالها.
وكان ما أراده الشعب، ورسمه في دقة، وصمم على الوصول إليه مهما تكن العقبات التي تعترض طريقه.
لقد تم النصر، وتحقق الاستقلال، وعاد محمد الخامس ليخوض بشعبه مرة أخرى معركة البناء والتنظيم، واستكمال السيادة، والإجهاز على الرواسب الاستعمارية في ميادين الفكر والاقتصاد، وف يكل ميدان.
واليوم، ونحن نحتفل بالذكرى الثانية والثلاثين لعيد العرش، ونحتفل في نفس الوقت بمرور أربع سنوات على عودة جلالة الملك وأسرته الكريمة من منفاهم السحيق، لا نجد بدا من أن نستعرض مرة أخرى هذا الشريط الهائل المجيد، وسنظل نستعرضه، وسنقص تفاصيله على أولادنا وأحفادنا، وننقل إليهم مشاعرنا كلها خلال المعركة الطويلة، وننقش في ذوا كرهم أسماء الشهداء الأبطال الذين سقطوا في ميدان الشرف ليتركوا لهم المجد والحرية والكرامة، وسنعلمهم أن من العظيم جدا أن ينتزع شعب من الشعوب استقلاله من قاهريه والمتسلطين عليه، وأنه ليس أعظم من ذلك إلا أن يعرف هذا الشعب كيف يحافظ على استقلاله، وكيف يدعمه بالأعمال البنائية الإيجابية الهائلة، وكيف يصونه من كيد الكائدين وأطماع الطامعين، وكيف يتغلب في سبيل الحفاظ عليه علة نوازع الهوى والشر والانحراف.
 سنذكر كل ذلك في مثل هذه المناسبة من كل سنة، لأننا كلما احتفلنا بالعرش، فنحن نحتفل في نفس الوقت بمعركة الحرية التي كان العرش دائما على رأسها وفي مركز القيادة منها، ونحن نحتفل في نفس الوقت بالنصر الذي أعقب المعركة، وبالآمال العريضة التي نعلقها جميعا على المستقبل، والتي يتحقق لا محالة مادام العرش والشعب يسيران معا في الطريق جنبا إلى جنب، يشد كل منهما من أزر الآخر ويقوي عزيمته، ويبادله إخلاصا بإخلاص، وحبا بحب، ووفاء بوفاء.
إن العرش بالشعب، وإن الشعب بالعرش، هذه حقيقة أمنا بها جميعا منذ البداية، وعرضتها الأيام على محك الاختبار فلم تزد على الأيام إلا رسوخا وثباتا وقوة، وستظل هذه الحقيقة نصب أعيننا جميعا –عرشا وشعبا- لأنها وحدها الضمان لمستقبل مزدهر كما كانت وحدها الضمان لماض مجيد.
إن العرش بالشعب، وإن الشعب بالعرش، هذه حقيقة لم نؤمن بها وحدنا، وإنما آمن بها معنا خصومنا أيضا، فقد كان الاستعمار طيلة مدة المعركة يعلم عن يقين أنه لن ينجح في مهمته إلا بالتفريق بين العرش والشعب، وحمل كل واحد منهما على أن يسئ الظن بصاحبه، ولم ينجح الاستعمار في شيء من ذلك برغم قوته ودهائه وتنوع أساليبه، ومستحيل أن تنجح في ذلك أية قوة أخرى مادام العرش والشعب معا مصممين  على أن يسيرا في الطريق حتى النهاية.
 
  

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here