islamaumaroc

على المقهى مجموعة قصص للأديب الجزائري محمد ديب

  دعوة الحق

24 العدد

إن مما يقيم البرهان قويا واضحا على أن ثورة  الجزائر ثورة عميقة الجذور، بعيدة الأغوار، هو ما نشاهده، أن إنتاج أدبي يكتبه شباب جزائري لم تستطع الوضعية الشاذة التي فرضتها فرنسا على بلاده أن تمنعه من وعي قوميته وإدراك مشاكل وطنه، فحطم القيود وتخطى كل العقبات بما فيها عقبة اللغة وعبر عن مطامح بلاده الجزائر في قوة وإخلاص. والحقيقة أن الأدب الجزائري الحديث المكتوب باللغة الفرنسية ظاهرة جديرة بالدرس، تفسح المجال لكثير من المناقشات الخصبة، وتكمل إطار الأدب العربي المعاصر.
ورغم أنني لست الآن بصدد دراسة هذا الأدب، فإني أريد أن أشير إلى خاصية مميزة له وهي خاصية الالتزام؛ فكل الأدباء الجزائريين الشباب من أمثال محمد ديب ومولود معمري مولود فرعون وكاتب ياسين وغيرهم.. كلهم يلتزمون بواقع بلادهم ويصدرون عن مأساتها فيما يكتبون. وهم في التزامهم أحرار لم تفرضه عليهم سلطة قاهرة وإنما نبع من ضمائرهم الحية فجاء أدبهم صادقا قويا يذكرنا بإنتاج الكتاب الروسيين قبل الثورة البلشفية، ومن ثم جاءت هذه الجدية التي تطبع الأدب الجزائري الحديث والتي تذكرنا دائما أن الحياة في الجزائر قاسية شاذة فيها كل أنواع الظلم والمهانة، يعامل أبناؤها معاملة الحيوانات فلا غرابة إذا أصبحت القسوة تسيطر عليهم حتى حينما يضحكون فيخيل إليك أن ضحكتهم تعبير عن المرارة أكثر منها تعبيرا عن الفرح !  
ولعل تلخيص إحدى قصص مجموعة «على المقهى»(1)  للكاتب الجزائري محمد ديب، يعطينا فكرة عن المنحى الذي يسير فيه الأدب الجزائري...
رجل عاطل له ثلاثة أطفال. جرب حظه في الوطن الأم –كما يحلو للفرنسيين أن يسموا بلادهم- ولكنه لم يجد عملا وعاد على بلاده الجزائر ليجد كل الأبواب مقفلة في وجهه. وعندما اشتدت أزمته لم يعد يذهب إلى بيته، كان يظل جالسا على المقهى ينظر في تبلج إلى الوجوه المظلة بالبؤس التي تحاول فقد الإحساس بالزمن.. كل ليلة ينتظر على لمقهى حتى يأخذ النوم بأجفان أطفاله الجائعين ويهد التعب زوجته المترقبة. قضى على هذه الحال ثلاث سنوات إلى أن كان مساء وفد فيه على مقهى رجل أطلق سراحه من السجن.. وكان تعارف بينهما تبعه حديث، وسأله صاحبنا عن السبب الذي دخل من اجله السجن فأجابه بأنه أقدم على السرقة بدافع من الجوع ولكن الحارس فاجأه فاضطر إلى الدفاع عن نفسه فقتل الحارس عن غير قصد وسيق إلى السجن. وهناك عاش مع المجرمين وأخذ عقله يحلل وضعيته ووضعية الآخرين، فأدرك قساوة المجتمع الذي يسحقهم ويلفظهم خارج حدوده في حالة «عدم صلاحية» لا لشيء سوى أنهم أرادوا أن يدفعوا عنهم غائلة الجوع فسرقوا فتاتا من موائد السادة وإذا بهم يعاقبون بهذا السجن الذي يجردهم من إنسانيتهم. وعلمه السجن أيضا أن يسخر من المحامين الذين لا يدافعون عن لمجرم إلا بعد ارتكابه للجرم. أية فائدة من ذلك ؟ لماذا لا يدافعون عنه قبل أن يضطر إلى الإجرام وذلك بأن يوفروا له إمكانيات الحية الشريفة ؟ ولتستمع إليه بخطاب المعمرين والإقطاعيين في المجتمع :
- «إن عالمكم هو الذي يبعث في نفسي التقزز، وإنه ليبعث في الناس ألما كبيرا. يحسن بكم أن تمنحونا وإلا فإن أذرعتنا ستمتد وتطول مع الأيام حتى إذا ما تجرعنا ما يكفي من هذه السفالة فإننا نحن الذين سنمحقكم...»
كان صاحبنا يستمتع مشدوها إلى الحديث الذي علمته التجارب لصديقه، ومن خلال كلماته أخذ يكتشف أكذوبة المجتمع الذي يعيش فيه وأخذ إيمانه بضرورة الصبر يتلاشى...
في هذه القصة الممتعة يعرض محمد ديب مشكلة إنسانية هامة وهي الضمان الذي يجب أن يقدمه المجتمع للفرد حتى لا يظل فريسة للجوع والضياع، هذه المشكلة التي تتقارع المذاهب السياسية من أجلها دون أن تستطيع التوصل إلى حل نهائي، فكيف إذا كان هناك مستعمر يجثمن على صدر الشعب ويستغل خيراته ولا تترك له حرية توفير إمكانيات الحياة لإفراده؟
أما من ناحية الشكل فإن قصص هذه المجموعة لا تعتمد على العقدة، ويمكن أن نقول عنها أنها من القصص المفتوحة التي لا تهتم إلا بالإثارة قدر اهتمامها بتصوير الجو وتشخيص مسرح الحوادث، وهذا الاتجاه يذكرنا بقصص تشيخوف التي تمثل لحظات جياشة تعكس الحياة بكل انفعالاتها وصدقها، بل إننا نجد بعض قصص محمد ديب تلتقي مع قصص تشيخوف في طابعها الإنساني وذلك مثل قصص : «ابنة العم الصغيرة» «الانتظار» «زواج سعيد».
ففي قصة «ابنة العم الصغيرة» تطالعنا صورة أليمة لمنصورية الفتاة المسلولة التي جاءت من الريف ودخلت المستشفى حيث قضت سبعة أيام تمتعت فيها بوجبات أكل دسمة، ولكنهم طردوها بعد ذلك بدعوى أن المستشفى لا يتسع لها أكثر من هذه المدة.. وعادت لتنام في الإصطبل وتفكر في الموت، موتها.. كانت تسترجع أصدقاءها الذين يتحتم عليها أن تزورهم وتسترسل في خواطرها قائلة :
«.. ثم سأعود إلى كوخي لأنتظر الموت. وليس معنى هذا أنني مللت الحياة فمن المؤكد أنني سآسف على مفارقة الطيبين في هذا العالم ولكنني سأقول للموت : بادر إلي وإلا ذهبت إليك..، إنني عجوز منهكة.. وليست الشيخوخة هي التي تقتل، ولكنها الحياة التي نتلقاها مجزأة. لا شك انه ستوجد نفوس كريمة تخيط لي كفني وتدفنني في شكل كريم، «أحباب ربي بزاف».. كم هم عديدون وطيبون أولئك الذين يشبهوننا، فهل يوجد شيء أجمل من الحياة؟!».
اعتقد أن هذه الخواطر التي وردت على لسان بطلة القصة تظهر لنا في قوة إنسانية محمد ديب وعمق إحساسه بالظم الذي يتلقاه مواطنوه.
وهذه المجموعة بما اشتملت عليه من تصوير لليأس الذي يعيش فيه الإنسان الجزائري، وللظروف المحيطة به تثير في القارئ إيحاءات غنية ونقنعه بأن الكاتب يعيش واقع بلاده ويؤمن بانتصار قضيتها؛ ورغم الصورة الكئيبة للحياة في الجزائر فإن الكاتب لا يعني يزرع الأمل بين طيات السطور مبشرا بالربيع الذي سيشرق على بلاده، هذا الأمل الذي عبر عنه في إحدى قصائده  قائلا :
أيتها الريح
ريح الليل القاسية
عودي إلى البلاد التي جئت منها وقولي لها :
عليك السلام
هذا هو الربيع، بين ملتقى الجبال
إنه يعد ساعات واضحة
فيها العسل وفيها الذرة
وفيها القمح للبشر وللكائنات أجمعين  .
 
(1)  Au Café – Nouvelles – par Mohammed Dib

 

 

 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here