islamaumaroc

كيف نكون شخصية إسلامية مستقلة ؟

  دعوة الحق

24 العدد

كان فريق من الطلبة يتحدثون عن دروسهم وعن أساتذتهم وانساق الحديث إلى مادة الفلسفة وكان أستاذها يسوعيا فاندفع صدر المجلس يقول :
إنكم تدرسون الفلسفة التحررية وإنما تدرسون فلسفة خلقت لتأييد فكرة خاصة ولو كانت الفكرة الخاصة هي الإسلام لما كان في المر من باس، وصح القول بان الدرس درس دين مقنع بقناع الفلسفة وبما أن دين الطلبة هو دين الإسلام فلن يضيرهم أن يدرسوه في أي شكل كان لكن القصد من دروس الفلسفة بالأقسام الثانوية هو الإلمام بمبادئ الفلسفة التحررية وطريقتها في الهدم والبناء : فلكي لا يتأثر الطلبة بمبادئ بعينها يلزم أن تراقب مادة الفلسفة مراقبة دقيقة كمراقة اللغات والرياضيات. وكان الذين سبقونا بقرن من الزمان يحمون طلبتهم من تزلزل العقائد بالحيلولة بينهم وبين النظر ف يكتب الفلسفة من أصلها سالكين مسلك من خاف على ولده أن ينزلق في السوق فمنعه من المشي أصلا ونسي انه لم يمش فإنه سيبقى لا فرق بينه وبين الكسيح وأن من تكسرت رجله لا يخاف عليه في أكثر من انه سيصبح غير قادر على المشي : ويمشي في السواق الآلاف من الخلق ولا تنكسر رجل أكثرهم وإن كان الكسر يصيب في بعض الأحيان؛ أما الطريق العمي لحماية الناشئين أبناء المسلمين من خطر الأفكار المناقضة للإسلام فهي أن يدرسوا فلسفة تحررية لا ترمي إلى خدمة فكرة بعينها ثم تعرض عليه نماذج من أراء الفلاسفة ومذاهب الأساطين منهم في التوحد والعقل والحياة والمادة والاجتماع والاقتصاد وغير ذلك من ضروب أعمال الفكر والنظر. وإذا استسلم الطالب لمدرسة بعينها وانكب على قراءة كتبها فإنه متأثر بها لا محالة. أما إذا شرب من عدة ينابيع وسمع اليوم نقيض ما سمعه بالأمس وسوف يسمع غدا ما يهدم مسموعه في الزمنين السابقين فبينما كان الأمس يقرأ توجيه فكرة من الأفكار إذا به اليوم يطلع على عيوبها ونقائضها فينقلب عن رأيه بالأمس إلى رأيه ثم يرفض الرأيين وبميل لغيرهما وكلما تكرر على سمعه النقض والإبرام تضعف فيه غزيرة التقليد ويصير إذا اخذ يقرأ فكرة مع توجيهاتها ينظر إلى ذلك في احتراس لأنه تعلم أن سائر المذاهب لها عيوبها ولها محاسنها وكلما اشتد احتراسه حين المطالعة أو وقت الدرس تضعف فيه غريزة التقليد وتتقو على حسابها سجينة التحرر إلى أن تتكون فيه الشخصية ويستطيع أن يفصل بين سمعه وقلبه فلن يتسرب إلى القلب كل شيء دخل الأذن وغنما عليه أن يسمع كل شيء ويكون سلوكه سلوك الصناعيين حين يجمعون المواد الخام فينقلونها بترابها والعناصر الغير الصالحة فيها ثم يعرضونها على الصهر والتصفية ويدخلونها الواثق لإحقاق الحق وإبطال الباطل.
أما فلسفة يكون أستاذها راهبا أو داعية شيوعيا أو مروج فكرة الرأسمالية فإنها مجرد مروجات للفكرة التي كرس حياته لخدمتها ولن يعدوا أن يكون مبشرا في زي عالم ولن نرضى مدارسنا أن تفسد طلبتنا فتجعلهم عبيدا في أفكارهم إمعات في تصرفاتهم يتحمسون للنصرانية وهم يحسبون أنهم يدافعون عن حرية العقل والتفكير. ونريد لهم أن يدرسوا جميع النظريات الرئيسية بما فيها من تناقض وتعارض وتدافع وتنافر فإذا فهموا أن المسألة مسألة كلام وتوجيه وان العقل أكبر من ذلك وقدروا أن يتحرروا من التلقين المدسوس. قلنا آنذاك أن لنا ناشئة تتوجه اتجاها تحرريا ولن نخشى عليها شيئا لأنها لن تكون بالتي لقنت العداء للإسلام والعروبة والمغربية وهو في مأمن من أضاليل المبشرين المقنعين. ولا يقف الأمر هنا في العمل على خلق الشخصية المغربية مفقودة وإن المغربي سار به التاريخ في حرمانه من الحريات وسوقه إلى أقبح وجوه الاستعباد وهو التقليد الأعمى. ولسنا ندري ماذا سيكون موضع هذه الكلمة من شبابنا ومن كهولنا على السواء ومهما يكن من أمر فإننا لا نملك شخصيتنا لأن الجو الذي يحيط بنا من الجهات ألست كما يقولون- جو كله استعباد واسترقاق وقد يظهر أن توحيدنا في مذهب واحد ورأي واحد أمر حسن جميل والواقع أنه هو السبب في تبلد أفكارنا وتذليل شبابنا وتهيئتهم لخدمة المطامع الاستعمارية في ميادين الاقتصاد والإدارة والتفكير. ويعلم الله إن المذهب المالكي عزيز علينا محبوب لدينا وعم ذلك فإن التاريخ استغله لوضع الأغلال في عنقنا فلم تطمح نفوس علمائنا للنظر في المذاهب الأخرى واقتصرنا على طعام واحد وكان من صالح التحرر الفكري أن يكون التاريخ مهد أمامنا السبل لننظر في جميع المذاهب الإسلامية. وكما أسانا هضم المذهب المالكي أسانا هضم منحى العقد الأشعري فحرمنا على نفسنا أن نقرأ للطوائف الإسلامية ما عدا الشعرية وحتى الماتردية –شقيقة الأشعرية- لا نعلم عنها إلا نتفا تافهة. وحتى في قراءتنا للقرآن تقيدنا بقراءة فرعية واحدة. وما كان يضير في شيء أن تكون هناك مناهج رسمية مقيدة بفكرة بعينها مع التشجيع على الإبقاء على فروع الثروة الإسلامية فإذا كان لنا في البلد ألف قارئ بقراءة ورش فإنه كان من المتعين أن يكون لنا عشرة قراء لكل فرع من القراءات ليتأتى لنا أن نعرف الوجوه القرآنية فإذا أحببنا سماع القرآن بحرف من حروفه التي نزل بها كان ذلك في وسعنا وميسورنا ولكنها خطة قتل الشخصية وسد أبواب الموهبة في وجه الشعب المغربي حتى ولو كان ذلك فرعا من فروع الدين.
ولعل الشبان يدركون أن فقدانهم لشخصيتهم وانسياقهم إلى فكرة الطعام الواحد تتبلور في الحزبية ؟ والتجديد والزي.
ألسنا نرى في انكلترا مثلا أن الأحزاب الانكليزية متفقة في المصلحة القومية وأنها لا تتناحر على التوافه ولا تتقاطع فيما بينها لمجرد أن هذا من حزب وهذا من حزب آخر ؟ ألسنا نرى الشباب مقبلين على اللغة الفرنسية وحدها لإقبال آبائهم على الأشعرية والمالكية وهم يومنون بأنها لغة مفضولة وخير منها اللغة الانكليزية العالمية التي تعول الفرنسية نفسها. سيما ونحن في بدء عملنا فبدلا من أن تأخذ بلغة في الدرجة الثانية من القوة الزمنية كان علينا أن نأخذ باللغة التي تشغل المكانة الأولى وهي لغة الأمريكان ؟ على أن الإجماع على الأمريكية القوية أو الروسية العتيدة أمر لا يليق بنا لأننا نريد أن ننوع معلوماتنا وأن يكون شبابنا من نفسهم طوائف تتعلم كل طائفة منهم لغ من اللغات الحية بقصد الاستفادة منها في إحياء لغتنا التي لنا حق التصرف فيها والتي لا يمكن أن نسترد شخصيتنا إلا عن طريقها. لكن وراثة التبعية مسيطرة على شبابنا ومن واجبهم أن يتحرروا وان لا يبقوا ينظرون إلى الجانب كأنهم ملائكة مكرمون متصفون بجميع صفات الكمال وأننا متصفون بكل صفة من صفات النقصان. عن اللغات الأجنبية لن توجد لنا شخصيتنا وغنما نجدها في لغة نتحكم ونتصرف فيها كما نشاء. فلنا أن نخلق ألفاظها وأن نحسن أشكالها وان نوجد لها وسائل النشر والتعميم.
إن الحيوية لن تكون مستكملة في أمة إلا إذا أحاطت بجميع العلوم التي أنجزها الفكر البشري من لدن وجد إلى اليوم فإن واجبنا كأمة أن يكون لنا علماء مختصون في شؤون القرية الصينية وتاريخ المعابد والأديان في اليابان والملايو وعلينا أن يكون لنا مستغربون يعرفون حسنات وسيئات الغرب مثل ما للغرب من مستشرقين وأحر بنا أن يكون مستغربونا لا يتاجرون باستغرابهم لأننا نحتقر بعض المستشرقين الذين باعوا معرفتهم للمستعمرين فإذا سألوها عن عيوبنا ذكروها في تبسيط وذلاقة ولو أننا أردنا منهم أو من أمثالهم أن يبيعوا لنا معرفتهم بمحاسننا لما فقدنا هذه البضاعة عندهم لأنهم درسوها جيدا فعرفوا حسناتنا أكثر مما نعرفه عن أنفسنا فهم يعرضون مما عرفوه ما شاءوا ويشترون ما أردوا وما أقل من يخلص لوجه المعرفة فيذكر المحاسن والعيوب على حد السواء : سواء في أمم الشرق أم في أمم الغرب سعيا وراء بناء مجتمع إنساني ويتراجع فيها من يريدون أن يعيشوا في حضارة بناءة.
ولو جد لنا مستغربون لكف الغلاة الاستعماريون عن اشتراء الضمائر لأنهم يكونون موقنين بأن لنا سلاحا –كسلاحهم. وما آفتنا إلا أننا حصرنا الإسلام بجميع مذاهبه وطوائفه ولنتعلم جميع اللغات والعلوم بالجملة ليكن لنا مختصون في كل ميدان من ميادين النشاط الإنساني وليس معنى هذا أننا نكلف الجميع بالجميع ولكننا سنتبع نفس الطريق المتبع عند الناس فلتنفرد كل طائفة للتفقه في باب من أبواب المعرفة ومن ذلك نبني مجتمعا مغربيا له شخصيته المستقلة إلى أن نصل إلى المستوى الذي أراد من الإسلام الصحيح أن نتبوأه حين نزل قول الله سبحانه (كنتم خير أمة أخرجت للناس) والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.       
         

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here