islamaumaroc

مالك بن نبي وكتابه مستقبل الإسلام

  دعوة الحق

24 العدد

تحدثنا فيما سبق عن كتاب (شروط النهضة) وكان الحديث مقتضبا، وإن كنت أعطيت صورة حقيقية وواضحة عن فلسفة مالك الحضارية والآن سأتناول الكلام عن مالك في كتابه الرائع «مستقبل الإسلام» وكنت أود أن ألتزم ذلك الاقتضاب لولا أن خصوبة أفكار مالك وتركيزها وعمقها وفائدتها الضرورية كل ذلك يمنعني من ذلك الالتزام ولذلك فإني سأكتب عن أفكار مالك في سلسلة من المقلات جاعلا «كتابا معينا» هو محور الحديث. وسيكون الكلام الآن حول كتابه : مستقبل الإسلام.
«مستقبل الإسلام» أو وجهة الإسلام حسب ترجمة الأخ الأستاذ الخطابي كتاب يدور بحثه حول الأمراض الإسلامية ونقد طرق الإصلاح وبيان أسباب انحرافها وعقمها. وكان من حق الكتاب أن يحمل اسم: الاتجاهات الحديثة في إصلاح المسلمين. غير أن الأستاذ الكبير الدكتور عبد العزيز خالدي ارتأى تسميته باسمه الحالي لغرض خاص ويعتبر هذا الكتابة وحيدا في هذا الموضوع، ويمتاز ككتب ابن نبي بالموضوعية والتعمق والشمول والخصوبة والحيوية، وليس كتاب «أدب» يتلاعب بالألفاظ وتستدرجه الموسيقى عن الموضوع، ويستعبده اللفظ بل إن كلماته تكاد تكون محسوبة تخضع لعقل هندسي يدرك معنى التناسب والتوازن والأبعاد كأدق ما يكون الإدراك، ولولا أنها لغة، لقلنا أنها رموز رياضية لن مالك كما قلنا يحاسب الكلمات حسابا عسيرا، ولا يسمح لأي كلمة أن تفرض نفسها عليه أو أن تسيل من قلمه دون أن تحمل شحنة فكرية من صميم الموضوع، ومن جوهر الفكرة، ودون أن يكون لها إشعاعها الخاص الضروري للفكرة العامة. وكم عانينا مع الأستاذ مالك مشكلة تحديد الألفاظ إذ ميوعتها وقابليتها لكثير من المعاني قد تصل أحيانا إلى نوع من التضاد.
وقد نقد بعض علماء هذا الكتاب فأعجبوا به لأنه أول صورة علمية حية، صادقة عميقة عن مشاكل العالم الإسلامي وسر تأخره وعوامل بطء أو فشل طرق الإصلاح وعدم فعاليتها... من ذلك المستشرق بلاشير والعلامة «جب» الذي اعترف كسابقه بقيمة هذه الدراسة الخطيرة التي عجز عنها –كما قال علماء الاستشراق- كثير من علماء الغرب.
والكتب مصدر بهذه الآية الكريمة «إن الأرض يرثوها عبادي الصالحون» وتهدى للدكتور عبد العزيز خالدي الذي قدم هذا الكتاب في طبعته باللغة الفرنسية.
والكتاب مقسم إلى ستة فصول : «إنسان ما بعد الموحدين» أو عصر ما بعد ابن خلدون «النهضة» -فوضى العالم الإسلامي الحديث- فوضى العالم الغربي –الطريق الجديدة- تباشير العالم الإسلامي. وأخيرا خلاصة في صيرورة الإسلام الروحية.
وقد تحدث في التمهيد عن قيمة الدراسة التي قام بها العلامة المستشرق «جب» في كتابه النزعات الحديثة في الإسلام وناقش جب في فكرة «الذرية» التي يرمي بها التفكير الإسلامي الذي يعجز عن التعميم بل يركز ذاته في الجزئيات منفصلة عن بعضها دون النظر إلى الوحدة التي تربط بين تلك الجزئيات، ويرىأستاذنا مالك أن هذه الميزة ليست خاصة بالفكر العربي وإنما هي ميزة عامة للذهن الإنساني قبل بلوغه درجة معينة من النمو والنضج الفكريين أو بعد تخطيه لهزة المرحلة أي أن الذرية في التفكير نقع في المرحلتين المتطرفين للفكر الإنساني، بيد أن الفكر الاستنتاجي الشمولي يقع في الوسطى، وذلك تابع لتطورات الفكر المتصل بمدنيته. فتلك الميزة كانت –بالنسبة للعرب- في الجاهلية كما كانت بعد انحطاط العالم الإسلامي. ولوحظت تلك الميزة –أي الذرية- بالنسبة لأوربا قبل نهضتها، وقد ابتدأت بوادرها تظهر بعد برغسون وكان التفكير الديكارتي وسطا بين الطرفين اللذين يمثلان التفكير الذري؛ فالتفكير الذري تابع لتطور الحضارة ويأتي دائما غصب أفولها ويختفي عند شروقها ليترك مكانه للتفكير الاستنتاجي الشمولي ويناقش الأستاذ مالك أيضا المستشرق جب فيما زعمه من تأثير النزعة الإنسانية الأوربية في الحركة الحديثة الإسلامية، فيرى أن أوروبا لم تحمل إلى عالمنا الإسلامي ما يسميه «جب» بالنزعة الإنسانية ؟ إننا أيضا مع احترامنا لشخصية جب نستغرب من هذا القول ف يجانب الاستعمار الأوربي الذي قاسينا من ويلاته –وما زلنا نقاسي- أشد ما قاسته الإنسانية عبر تاريخها.
ولا ينكر أستاذنا مالك على أوربا نوعا من التأثير في «بعض العصريين» من رجال العالم الإسلامي تلك هي نزعة إنسانية مجمعية دبلوماسية «أن ألفاظ هذه النزعة رائعة، وان بعض الأقوال الذائعة والجمل الساحرة قد أغنت متاع بعض المسلمين المحدثين اللغوي !!» (ص) (6) وغير جاف مقصد الأستاذ من هذا الكلام.
ويتحدث في الدورة التاريخية عن الزوايا التي ينظر فيها إلى حوادث التاريخ، فهناك زاوية نفسية فردية أي أن التاريخ كان نتيجة عوامل فردية، وهناك زاوية اجتماعية أي أن حوادث التاريخ كانت نتيجة عوامل اجتماعية وهناك زاوية غيبية أو سلسلة من الظواهر غيبية، ليست من الفرد ولا من المجتمع لا تدخل في نطاق قدرتها، ومن الزاويتين الأخيرتين سيدرس الأستاذ تطور العالم الإسلامي ومن بين هذا التطور وسير التاريخ الإنساني العام من علاقات فعلية وممكنة وقد تقدم له أن درس المشكلة الإسلامية في الزاوية الفردية النفسية في كتابه شروط النهضة ومشكلات الحضارة.
وللمدينة دورة تاريخية «وتلك الأيام نداولها بين الناس» وتتحدد كل دورة بالشروط النفسية والزمنية التي تمتاز بها فئة اجتماعية ما... ولهذا تتخذ المدينة طابعا معينا وكما تمتاز بتطورها الداخلي الذاتي الذي يبدأ بالروح فالعقل فالغريزة وتمتاز بدورتها وتنقلاتها اللانهائية من منطقة للأخرى، ولكن المدينة أين كانت وأي صبغة اكتست، فعناصرها لا تعدو ثلاثة : الإنسان، والتراب، والوقت. والمركب لهذه العناصر والرابط بينها هو «الدين» لا غير، وبفكرة الدورة هذه يخالف أستاذنا كارل ماركس الذي يرى أن للتطور التاريخي والاجتماعي يبدأ بالحيوانية البدائية وينتهي بعهد الرخاء والوعي والحرية. ونستطيع أن نحتفظ بطراوة المدينة وعنفوانها لو أننا استطعنا الإلمام بشروط الانحطاط وعوامل الانحلال كي نتجنبها، ونسير في حياتنا على وعي وبصيرة.
ويضرب الأستاذ مالك المثل بالدورة الأساسية الخالدة للمدينة الإسلامية التي ابتدأت في لحظة نزول قوله تعالى أقرأ باسم ربك... فكانت هذه الحقبة التي بين نزول هذه الآية وبين صفين تمثل مرحلة الروح أي أن القيادة، كانت للروح أما الغريزة والعقل فمع وجودهما فقد كانا خاضعين لتوجيهات الروح، وكانت الفترة الممتدة من صفين لعهد ابن خلدون تمثل مرحلة العقل، ومن هناك إلى اليوم تمثل مرحة الغريزة التي أسلمتنا إلى الانحطاط وأوجدت في نفس الوقت فينا القابلية للاستعمار، ويبدو أن الغريزة ما زالت تستولي على مقاليد أمورنا. إلا أن التفاؤل الحق بابتداء دورة مدنيتنا ما زال بعيدا على الرغم من بعض الإرهاصات التي خاب أكثرها.
ويرى الأستاذ أن لأوربا قد ابتدأت تدخل في مرحلة الغريزة رغم هذه الصحوة العلمية الجبارة التي انفصلت عن الضمير. ومحاولة تقليدنا لأوربا في هذه المرحلة التطورية من حياتها محاولة تدل على جهل بأسس المدينة وحقيقتها وبواعثها، فالمدينة ليست بضاعة تشتري ولا أشياء تنقل أو صورا تحاكى. إنما هي معاني نفسية روحية تنبثق من الذات، من الروح، من الفطرة، وإذا كانت الرجعية من العوامل التي تعوق كل تقدم، وإذا كانت الرجعية من العوامل التي تعوق كل تقدم، وتفسد حوافز النهضة فمحاولة تقليدنا الأعمى  لأوروبا هي محاولة رجعية جاهلة معكوسة تتسم بكثير من السطحية وحب السهولة والسير !! ومن شأن ذلك تعقيد المشكلة والتضليل عن العثور على حقيقة الداء  وحقيقة الدواء.
ونقوم المدنية على فضائل رائعة وقيم إنسانية كريمة غير أن تلك القيم تنقلب أوزانها في عصور الانحطاط لتحل محلها الترهات التافهة وحينما فقدت الروح كان السقوط والانحطاط، ذلك لأن كل من يفقد قوته التصاعدية لابد له من الانحدار بتأثير ثقله الذي لا يقاوم... ويفقد العلم قيمته وكذلك الفن، ويزاول العقل لأن آثاره تموت في مجتمع لا يستطيع فهم هذه الآثار أو استخدامها (16) وتلفظ المدينة أنفاسها بتفسخ عناصرها الأساسية : الإنسان، التراب، والوقت وتنعدم الرابطة الخلاقة بين هذه العناصر لخمود الروح، وتصير تلك العناصر معطيات جامدة مجردة من كل قيمة !!
وإن الفرد في هذه المرحلة المنحطة يعيش في مجتمع منحل لا يمده في وجوده لا بالقاعدة الروحية ولا بالقاعدة المادية فيرتمي حينئذ في أحضان نزعة المرابطين (التصوف الكاذب) أو أي نزعة يفنى فيها. وليست هذه النزعات سوى صورة ذاتية لحالة الانهيار الاجتماعي (18).
وهذا الإنسان الذي يتلقى ميراث الانحطاط من أجياله السالفة هو مركز المشكلة، ويجب أن نبحث هذه المشكلة في نطاق هذا الإنسان، أي إنسان ما بعد الموحدين، وأي محاولة للبحث في المشكلة خارجة، إنما هي محاولة عابثة تستهدف الفشل من أول الأمر. وقد يبدو البعض من هذا الإنسان انه لا يتقاسم الانحطاط ولم يرث عن أسلافه الجفاف الروحي، والتقهقر النفسي والعقلي، قد يبدو كذلك بما لديه من ملايين أو بما يحمل من شهادات !! ولكن إذا نحن سيرنا غور عاداته وعواطفه وأفكاره تبين لنا بسهولة أنه ليس سوى إنسان ما بعد الموحدين أي الإنسان المنحط. فإنسان ما بعد الموحدين كيفما كان قدره ومركزه يحمل في ذاته المشكلة الإسلامية !! فيجب علينا أن لا ننسى هذا العنصر لاسيما في دراستنا لنشأة المشاكل التي تشغل أكثر فأكثر الضمير الإسلامي وما يعرض لهذه المشاكل من حلول (27).
ويحدد الأستاذ المجال الحيوي لكل من المدنية الإسلامية والأوروبية، فكان مجال المدنية الإسلامية صحراويا وقبليا انتقاليا، في حين أن مجال الثانية زراعي. وعلى الرغم من انه كان للمدنية الإسلامية دور عظيم في سلسلة الحضارات العالمية فإن أوربا لم تعترف بها، وما زالت تحاول عمدا ولا شعوريا إخفاء الحقائق على الرغم من حرية الفكر التي يدعيها الأوربيون ويكفي أن هذه الحرية –كما يقول «غوستاف لوبون» تختفي لدى الأوربي عندما يمتد فكره إلى بحث الشؤون الإسلامية، فالمارد الصليبي الذي يعيش في أعماق نفسية الأوربي يلوث نظرته نحو القضايا الإسلامية ويستحق في التاريخ والحياة، ولذلك فإن الدراسات الإسلامية التي تناولها الأوروبيون منحرفة ومشوبة بما ينافي العلم من الذاتية!!
وعند اتصال الحضارة الأوربية بالعالم الإسلامي عن طريق الاستعمار في مطلع القرن الفائت لم يحمل معه إلى البلاد المستعمرة الأخلاق المسيحية بل إن ذاته كانت مغلقة وذات إشعاع داخلي فقط ولم يلفت أي شعاع للخارج فالشخصية التي اتصلت بالعالم الإسلامي هي شخصية استعمارية، وإن كانت للسر رسالة فإن للاستعمار رسالة إيقاظ الشعوب المستسلمة للنوم والركود، فعلى الرغم من شرور الاستعمار واحتقاره الشعوب المستعمرة «فإنه أنقذ العالم الإسلامي من الفوضى التي كان يتخبط فيها هذا المجتمع لإيمانه بالقوى الغيبية وإحلاله لخيالاته الشخصية محل الروح... وكان دور الأوروبي أشبه بدور الديناميت الذي يتفجر (ويفجر) في مكان استسلم للصمت والتأمل (32)
وعندما داهم الاستعمار إنسان ما بعد الموحدين الذي تحللت عناصر حضارته وبقي أكداسا من البشر والأشياء لا تربط بينها رابطة، عند ذلك استيقظ هذا الإنسان وراح يتلمس لنفسه البقاء على وضع يحفظ له بعض كرامته، وأقل ما يمكن من الحياة في نظام اجتماعي. وتولد عن هذا حركتان :
1) حركة الإصلاح التي تغذت بلبان ابن تيمية.
2) النزعة الحديثة.   
وقد كان جمال الدين الأفغاني رائد الحركة الأولى –كما يلاحظ أستاذنا- يجمع على جانب ميزته كإنسان طبيعي ثقافة فريدة، وقد كان لحادثة (سيبايس) المذبحة المشهورة التي ذهب ضحيتها عدد كبير من المسلمين على يد الهندوس –كان لهذه الحادثة أثر شديد في نفس جمال الدين، فثار ضميره وقام يدعو لتجديد العالم الإسلامي، ويقاوم كل حركة ترمي للنيل من الإسلام كالحركة الطبيعية التي قامت بالهند وألف في ذلك كتابه الرد على الدهريين غير أن جمال الدين بدلا من أن يتجه لإصلاح إنسان ما بعد الموحدين مباشرة اتجه لإصلاح السياسة والحكم، مرتبا عدم صحة القول المشهور : كيفما تكونوا يول عليكم، وكان يرى العكس هو الصحيح ولا سبيل إلى ذلك إلا الإصلاح السياسي وجهاز الحكم، فذلك وحده الكفيل بحل المشكلة. وهكذا فإن جمال الدين بالرغم من انه كان رائد حركة الإصلاح وبطل الملحمة الحديثة الأسطوري فإنه لم يكن هو نفسه مصلحا بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة(36) ولعل هذا الحكم الذي يصدره أستاذنا مالك خطير وفريد غير أن الأستاذ مالك مغرم بتحديد معنى الألفاظ والمصطلحات وبعاملها معاملة صارمة حتى يتجنب كل تورط فني قد يؤدي إلى اختلال المقاييس كما نرى عند الكثيرين. ويعلل الأستاذ مالك حكمه ذلك بالتركيب النفسي لجمال الدين ومهما كان الأمر فإن دور جمال الدين لم يكن دور مفكر يتعمق المشاكل البحث عن حلول لها، وذلك لأن مزاجه العنيف لم يكن يسمح له بذلك (35)، ومن يتبع سلوك جمال الدين يتبين حقيقة قول أستاذنا مالك، فالمزاج العنيف لم يكن ليترك له الفرصة للتفكير الطويل من أجل إيجاد حل نهائي لأمراض العالم الإسلامي، وللأحداث المؤلمة المعاصرة لجمال الدين أثر في نفسية الرجل وفي قلقه ودفعه نحو القول بالقضاء على الحكم العثماني الظالم في صورته البشعة آن ذاك. ذلك النظام الذي كان يخنق كل حركة إصلاحية وكان غارقا في الرجعية إلى أعمق ما يكون الغرق. وقد تبين أن تغيير صور الحكم في العالم الإسلامي لم ينقذه من القابلية للاستعمار وإن كان أتاح له الفرصة لإصلاح نفسه في جو من الحرية نسبيا.
ومع ذلك فإن جمال الدين العظيم يحتفظ في التاريخ الإسلامي الحديث بصفة الموقظ للعالم الإسلامي والمصدر لحركاته السياسية والدينية والاجتماعية وإن كانت بعض تلك الحركات قد انحرفت إلى أعوج طريق، وما إفلاس نهضة العالم الإسلامي وعدم نضجها إلا نتيجة لانحراف بعض تلك الحركات وسطحيتها وها نحن نشاهد مآل الحركة السلفية بالمغرب، فقد اختفت مظاهر الدعوة السلفية بل لم نعد نسمع حتى باسم السلفية!!
وإذا كان جمال الدين ذا مزاج حاد فإن تلميذه الفلاح محمد عبده كان شديد الإحساس بالحقائق الاجتماعية (36) وكان على خلاف أستاذه يرى أن الإصلاح يجب أن يبدأ من الفرد.. من النفس حيث تكمن المشكلة، ويلتمس ذلك المبدأ من قوله تعالى : إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم غير أن موقفه من هذه الآية كان موقف «مؤمن» حسب تعبير الأستاذ مالك أي أنه ظن إصلاح الفرد يجب أن يكون على أساس إصلاح علم الكلام ليصحح عقيدته غير أن علم الكلام هذا سيكون مصيبة على حركة الإصلاح فينحرف بها رويدا رويدا ليقلل من قيمة بعض مبادئها الرئيسية كالقول بالنزعة السلفية والعودة إلى روح الإسلام الأول، وذلك لأن علم الكلام لا يتعرض لمشكلة النفس إلا في ميدان العقيدة، ولم يتخل المسلم –حتى مسلم ما بعد الموحدين عن عقيدته بل ظل مؤمنا أو على الأصح «تقيا» وقد أصبحت عقيدته غير مجدية لأنها فقدت إشعاعها الاجتماعي وأمست ذاتية فهي عقيدة فرد قد انفصل عن بيئته الاجتماعية (37).
فالمشكلة إذن ليست في إعادة العقيدة ولكن في إعادة الإشعاع والفعالية لهذه العقيدة، فنفس إنسان      ما بعد الموحدين كانت –وما زالت- في حاجة إلى بعث الشعور بالإلوهية أكثر من حاجتها إلى التدليل عليها، وعلم الكلام يعجز عن بعث ذلك الشعور في الضمير. وقد شاهدت في الواقع بعض الجماعات الإسلامية تقوم على أساس التدليل على الإلوهية بطريق علمي وفلسفي،
غير أن الضمائر والنفوس تظل جافة لأنها محرومة من الشعور بالإلوهية ذلك الفيض النوراني الذي يعجز الفكر وحده عن مد النفس به !! ولذلك كان لابد من علم جديد يوصل للنفس هذا الشعور ويسميه الأستاذ تحديد الميثاق. وذلك كل من موسى والمسيح ومحمد لم يكونوا علماء كلام يصغون النظريات المجردة بل كانوا مصدرا لهذه الطاقة الأخلاقية التي كانوا يمدون بها النفوس الساذجة (38) والدعوة إلى إعادة تنظيم علم الكلام دعوة انفصالية عن حقيقة الحركة السلفية لأن المؤمن في تلك الدعوة «يتعلم» وجود الله ولا يتعلم العودة إلى السلف.
إذن فحركة الإصلاح لم تصادف النجاح المرجو للسببين السالفين.
1) لأنها ظنت أن السياسة أو إصلاح الحكم هو الخلاص للعالم الإسلامي، وإن في النظام البرلماني يمكن سر الدواء. وقد كان يتزعم هذا الرأي جمال الدين الأفغاني.
2)  وإنها اتخذت علم الكلام –على يد الشيخ محمد عبده- أساس الإصلاح.
ويضيف الأستاذ أسبابا أخرى لانحراف الإصلاح ولعدم فعاليته وإنتاجه الإنتاج الذي ينقد العالم الإسلامي من أمراضه، فمن تلك الأسباب.
3) ما يسميه (جب) «بالإجبار» أو الضغط على عادة الإصلاح من جانب أعداء الإسلام. فقد تعرض الإسلام لهجومات عنيفة من طرف خصومه، وكانت عامة، ومركزة، وعلمية متخذة وسائل جبارة للنيل منه والحط من سمعته، وإحداث ذلك رد فعل في جانب رواد الإصلاح وكان لمدح الإسلام نصيب وافر في هذا «الرد» وهكذا تبدو لنا كتابات الشيخ محمد عبده الكلامية عبارة عن مديح للإسلام دفع إليه الضغط الأوروبي.. وما زلنا نرى اليوم هذه الظاهرة في معظم كتابات علماء الإسلام في مؤلفاتهم وعلى صفحات المجلات (!!!) وفي محاضراتهم وخطبهم.
4) النزعة الذرية.. أي النظر إلى المشاكل نظرة جزئية دون أن يكون بينها أي رابط، ودون أن يجمعها أساس واحد، وبذلك تتكاثر المشاكل وتتعقد، في حين لو نظرنا إلى المشاكل على أنها ذات وفرة متصلة لسهل علينا وصف الداء ووصف الدواء وإلا فإننا سنضع للجمهور معالجات جزئية : فالفقر والتفرقة والمرض والدجل والخيانة والسياسة المريضة والعقم الاجتماعي والأدبي والبطالة إلى آخر قائمة أمراضنا التي لا أظن أن لها نهاية كل أولئك مشاكل ذات أصل واحد وهو مشكلة الحضارة التي إن حلت فإن تلك الظواهر تختفي حينا.
5) ومن تلك الأسباب : نزعة.. المجادلة ولقد حافظ المصلحون بعد محمد عبده كل المحافظة على الأوضاع السائدة فاستمرت المجادلة مدة طويلة في المناقشات الأدبية.. ولم يكن الأدباء يبحثون عن الحقائق بل عن الحجج ولم يكونوا يستمعون لمعارضيهم بل كانوا يمطرونهم بسيل من الألفاظ (43) وهذا المرض ما يزال مستشريا في الطبقة المثقفة عندنا. فالهدف في أية مناقشة هو الغلبة بأي أسلوب من الأساليب ولو على حساب الحق، ولقد شاهدت اجتماعات ومناقشات في الشرق والمغرب فكنت أرى –غالبا ثانوية الحق والبحث عن الحجج والأدلة للقضاء على الخصم لنصرة مذهب معين. كما أن نزعة حب الكلام والهدر ما زالت تحتل مكانا مرموقا في حياتنا الثقافية، وما زال حب الإنصات والاستفادة منزويا عن هذه الحياة، وأذكر هنا أن شخصية عالمة كانت تنام بل تغرق في النوم عندما يكون المتحدث غيرها فما أن يأتي دورها في الكلام حتى نرى عنفوان اليقظة والانتباه والحماسة !! والغريب إن أصحاب هذه النزعة لا يتفطنون إلى أنهم لا يعالجون وإنما هم يرضون عقدهم النفسية فقط !
ويعو د الأستاذ مالك لنزعة المديح –تلك التي أصبحت فينا إلى اليوم وإزاء مختلف تكتلاتنا وأفكارنا- فيقول : وهناك سبب آخر لعدم الفعالية التي طبعت بها نزعة المديح العمل الفكري، حتى إذا ما اتجه المديح نحو الماضي اتخذت الثقافة طابع علم الآثار، واتجه الجهد الفكري إلى الوراء بدلا من اندفاعه إلى الأمام ومن شأن هذه النزعة التقهقرية المغالية أن تجعل التعليم يتجه إلى الماضي اتجاها لا يتفق وضرورات الحضر والمستقبل (44).
6) ومن الأسباب التي أراها معرقلة للإصلاح :
العقد النفسية التي تتحكم في أصحابه، تلك العقد التي لا تدع مجالا للبحث في المشكلات الإسلامية بحثا موضوعيا. وقد أتيح لي أن أحضر اجتماعا في عاصمة عربية لجماعة تريد المحافظة على القرآن الكريم فلم تثر مشكلة المحافظة على القرآن وغنما أنيرت أحقاد جاهلية قديمة وانتهت الجلسة بالاعتذارات وتقبيل الرؤوس على أمل الاجتماع فيما بعد (!!) وإني لألمس في كثير من اجتماعاتنا مظاهر تلك العقد التي تسبغ الذاتية على كل مشكلة قومية !!
7) ومن تلك الأسباب : ذلك العبث الجدي الذي يبدو في دراسات فنية هزيلة في المشكلات الإسلامية، وسبب هزالها انه يتصدى لمعالجتها أناس غير اختصاصيين فيخرجون دراسات ذات موضوعات قيمة ولكنها –أي المعالجة- ضعيفة لا تعطي المبرر الفني لنظرة الإسلام، من ذلك ما نرى من بعض علماء الأزهر الشريف يتصدون لمعالجة الاقتصاد الإسلامي ويقارنون بين الإسلام والاشتراكية معتمدين في كتابتهم على كتب بسيطة ومعلومات أولية سطحية، وهذا ناشئ أيضا عن عقد نفسية في فقهاء الأجلاء مع احترامنا لهم (4).
ومن أسباب عدم الفعالية لحركة الإصلاح نزعتها إلى «الكر» فالقيمة للشيء تكمن في كميته لا في كيفيته فالكتاب ذو الصفحات العديدة هو الذي يحتل من إعجابنا المكان الأول، (5) ومن هنا نشأ غرورنا بالجماهير الغفيرة، مع عدم اعتمادنا على الكيف، وقد عرفت شخصية إسلامية واحدة في لبنان تهتم بالكيف تلك هي الأستاذ أبو عمر الداعوق المصلح الإسلامي ورائد جماعة عباد الرحمان فقد صرح لي بأنه لا يجب في حركته الكثرة وإنما يهتم بتربية أفراد قلائل يكونون ركائز الدعوة الصامدة !!
نستخلص من ذلك أن الحركة الإصلاحية لم تعرف السبيل إلى تغيير النفس الإسلامية كما لم تعرف تطبيق فكرة وظيفة... الدين الاجتماعية ولكنها استطاعت أن تنجح في القضاء على التوازن الثابت في مجتمع ما بعد الموحدين، وذلك بالإثارة المأساة الإسلامية القديمة في ضمير الأمة الإسلامية من الناحية الفكرية (46) ومازالت هذه المأساة تقض مضجع كثير من الشباب الإسلامي وتدفعهم للبحث عن سبيل لإنهاء هذه المأساة ولاستنشاق حياة إسلامية متحضرة وقد وجدت هذه الشبيبة متنفسا في بعض الجماعات الإسلامية غير أن القلق ما زال يساورها وقد لاحظت ذلك الشعور بالمأساة وذلك القلق في الإقبال الشديد على أستاذنا مالك بن نبي في القاهرة من جانب الشباب العالم الإسلامي.
ويرى الأستاذ مالك أن كل بناء جديد للحضارة الإسلامية يجب أن يقوم على العقيدة الصرفة وعلى العودة إلى الإسلام، وتطهير القرآن من الحواشي الكلامية والتشريعية والفلسفية (97) وهذا هو الطريق الذي سلكه حسن البنا الذي كان يستخدم القرآن في نفس الظروف النفسية التي استخدمه فيها سابقا النبي وأصحابه، فحسن البنا كان يؤثر في سامعيه لأنه كان لا يفسر القرآن بل كان يوحيه إلى الضمائر والنفوس كإشعاع فياض يأتي من السماء مباشرة لهداية ومصدرا للقوة يوحد بين الناس (140).
ولكن هل الحركة الحديثة تريد أن تنهج بالعالم الإسلامي هذا المنهج، إنها تريد أن تقوده في طريق آخر غير طريق الإسلام كما حدث في تركيا على يد الحركة الأتاتوركية الكمالية.
وكان بودنا أن نتبع كتاب مالك هذا بالتحليل لولا خوف الإطالة، ولذلك فإننا نكتفي بالإشارة –اليوم إلى الخطوط الرئيسية التي يتناولها بقية الكتاب..
وهي في الحقيقة تحتاج إلى تحليل ونقد لأنها تشتمل على كثير من الأفكار الرائعة الدقيقة حول حياتنا الحاضرة.
فقد تكلم عن الحركة الحديثة التي تجسدت في السياسيين وإبان عن سبب فشلها في تحليل دقيق كما تكلم عن العوامل الخارجية المسؤولة عن فشل الإصلاح في العالم الإسلامي وتناول حركة الإخوان المسلمين تناولا رائعا وأبدى ملاحظات قيمة نحوها وأبان عن عبقرية الإمام حسن البنا في السبيل الإصلاحي الذي سلكه.
والأستاذ متفائل في الأخير بأن الفكرة الإسلامية خالدة وهي الآن تشق طريقها نحو إنشاء مجتمع متحضر.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here