islamaumaroc

أهمية الأحداث الوطنية التاريخية في تقوية الريادة الوطنية.

  دعوة الحق

196 العدد

يعتبر درس الأحداث التاريخية، وبخاصة الحاسمة والمصيرية منها، بمثابة تذكير بالمغازي الجليلة التي تتضمنها توخيا للاستفادة منها في مراجعة المفاهيم الريادية، وتجديدها وإعادة توجيهها في خط سير قيادي ثم اختياره بعد تقدير سليم للظروف، والأوضاع، والمواقف والعلاقات، والمعاملات، والنتائج، والملابسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحضارية السائدة في فثرة خاصة من الزمان لتلاقي العودة إلى الوقوع في الأخطاء التي كانت سببا في حدوثها.
وتقع الأحداث التاريخية نتيجة أسباب سابقة ترجع إلى بعيد أو إلى قريب في الماضي، وقد ترتبط بحوافز معنوية أو نفسية (ذاتية أو كيانية ) خفية كما قد ترتبط بدوافع سياسية واقتصادية واجتماعية وحضارية خفية وظاهرة في أن واحد تستمد جدورها من الماضي أو من الحاضر مستهدفة تحقيق غايات معينة محددة في الحاضر أو في المستقبل لتغدو واقعا حقيقيا ملموسا لغايات وأهداف تم بلوغها وتحقيقها.
ومن مجموع الأحداث التاريخية المتسلسلة المتلاحقة المتواصلة يتكون التراث التاريخي الوطني الذي بعد بحق مادة وطنية سياسية إستراتيجية ثقافية حضارية إنسانية اجتماعية مهمة جدا في التكوين التأطيري المعنوي وللنفسي للإنسان المواطن، وتوجيه شخصيته، وتأكيد ذاتيته، وتدعيم ثقته بنفسه ينبغي دراستها باهتمام للاستفادة من نتائجها أولا في تفسير الأحداث التاريخية نفسها وشرح وقائعها، وفهم ترابطها وتداخلها واستنتاج أبعادها ومراميها، وثانيا في فهم توجيهات الريادة الوطنية وأهدافها ومقاصدها في كل مرحلة من المراحل وتحديدها، وثالثا في تدعيم «الوطنية» أو حب الوطن عند الإنسان المواطن بالأمجاد العظيمة التي تخلدها ملامحها وتثوه بها.
إن الاعتزاز بالأمجاد الخالدة ضروري جدا بالنسبة للاعتزاز بالمواطنة، ولتغذية الإنسان المواطن بالزوج الوطنية التي تجعل منه مواطنا وطنيا حقا.
ولا ريب فإن الغاية الأولى التي يجب أن تتوخاها الريادة الوطنية هي أن تجعل كل مواطن مواطنا وطنيا، وتدمجه في إطارات توجيهاتها الهادفة إلى السيطرة على أحداث كل يوم في الحاضر وضبطها لتعتمد عليه اعتماد كليا في انجازها.
ولتأكيد هذا يكفي التذكير بالقول المشهور : «الإنسان ابن بيئته» لأن البيئة تؤثر تأثيرا كبيرا
وعميقا في تأطير الإنسان، وفي طبع شخصيته بمميزاتها وخصائصها التراثية والجغرافية.
والوطن، كونما شك، بيئة سياسية اجتماعية كبيرة، والإنسان المواطن ابن وطنه وابن بيئته الوطنية، وثمرة ثقافية وتربوية من ثمار تراثها الوطني التاريخي والحضاري.
ومن أراد أن يفهم شخصية الإنسان المواطن وينفذ إلى أعماقها فليدرس التراث التاريخي لوطنه، ففي ضوئه يستطيع أن يجد المعالم الأولى الأساسية الموجهة لمعنوياته وأصول ذاتيته.
أن بعض الأحداث التاريخية، المصرية الحاسمة، يقع نتيجة تصارع التراثات التاريخية وهو ما يؤكد، بمعنى آخر، تصارع العوامل الذاتية والكيانية الفردية والجماعية ( المعنوية والنفسية) للمتصارعين التي تطورت تطورات خفية وظاهرة حتى تبلورت في شكل غايات وأهداف تجسد مطامح سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو هيمنات تسلطية للإحراز على نفوذ مؤثر واسع.
وبعد الاصطدام القتالي الذي يطبع التصارع بطابع مأساوي عنيف عاملا معنويا ونفسيا ذا أهمية عظيمة الخطورة لأنه يؤثر تأثيرا عميقا في تأكيد واقعه تأكيدا عقليا خفيا وظاهرا، ويصبح بعد مرور الزمان سببا خفيا معنويا ونفسيا يبث حفزا شعوريا حينا ولا شعوريا حينا آخر، ايجابيا فعالا يذكر بالأحداث التاريخية التي واكبت الاصطدام القتالي، وترتبت عنه كمضاعفات أو نتائج.
وهذا البث الحافز الشعوري واللاشعوري مهم وخطير، ويجب أن يأخذ نصيبا وافرا من بحث الباحثين ودرس الدارسين.
وهنا تبدوا أهمية تقدير العامل المعنوي والنفسي للأحداث التاريخية التقدير اللائق واجبا ضروريا أكيدا حدا لتأثيراته الإيجابية الخفية والظاهرة التي يمارسها تلقائيا شعوريا ولا شعوريا علة التوجيه الرمادي للمسار القيادي في كل فثرة زمانية.
وتتجلى أهميته- أي التعامل المعنوي النفسي- في كونه يقيم حدودا معنوية ونفسية في أعماق الإنسان المواطن يصعب اجتيازها، وهذه الحدود المعنوية والنفسية القائمة في أعماق الإنسان المواطن إذا تم تدعيمها بوطنية واعية إيجابية فإنها تزيد في متاعة السيادة الوطنية وتحصينها.
وتتكون الأحداث التاريخية من الأسباب التي أدت إلى وقوعها، ومن سير وقائعها، ومن الآثار والنتائج التي ترتبت عليها.
فقد بحدث بعضها في إطار تصفية حساب تاريخي سابق كرد ثأر، أو انتقام، أو عقاب لأسباب أو قضايا معينة، أو في إطار إعادة تقييم العلاقات التعاملية والتعاقدية تقييما جديدا والتمهيد لتوجيهها وجهة جديدة وفق نظام معين يؤكد ذاتية الكيان الوطني، وقد يحدث في إطار الدفاع الوقائي عن السيادة الوطنية، كما قد يحدث في إطار تحقيق رغبة في العظمة والحصول على نفوذ ممتاز.
وليست الأسباب الظاهرة ( العقلية أو المنطقية المباشرة المقصودة) إلا أسبابا تابعة لأسباب الخفية (المعنوية والنفسة) وناتجة عنها.
وبالدرس التحليلي للأسباب التي تؤدي إلى وقوع الأحداث التاريخية تتأكد أهمية العامل المعنوي النفسي خفيا كان أو خفيا ظاهرا، وهي أهمية جديرة بأن تنال حظها الوافر من الاعتبار لخطورتها في التأثير على توجيه العلاقات التعاملية والتعاقدية توجيها خاصا، وبالتالي على إعادة النظر في مفاهيم الريادة الوطنية وما قد يطرأ، أو يجب أن يطرأ، على مسارها من تعديل وتبديل.
إن انتهاء الأحداث التاريخية سواء بالنصر، أو بالهزيمة، أو بلا نصر ولا هزيمة، أي بنتيجة لا غالب ولا مغلوب، أو بتجميدها، لا يعني زوالها من وجود الوطن، ولا اختفاءها من حياته فهي اندراجها في التراث التاريخي الوطني تكتسب صفة الخلود، وتتسم بحيويتها الدائمة وكذلك الشأن بالنسبة في حفزه التذكيري رغم الصفاء والهدوء.
وكثيرا ما تكون بعض الانتهاءات فقط انطلاق لبدايات أحداث جديدة في صور جديدة.
والتاريخ لا يعرف انتهاء، ولا نسيانا، ولا يغفل، وما لا يستطيع كشفه في فثرة من زمان يتوصل إلى كشفه في فثرة أو في فتراث أخرى، وله صيغه المتجددة التي تفسر أحداثه تفسيرات تلائم روح كل عصر.
هذا معلوم جدا، ولكن المهم هو أن الإنسان المواطن الذي يصنع الأحداث التاريخية ويسهم في سير وقائعها بكل جهوده، وبروحه ودمه، وعرقه، وتعبه، وحريته، وقلقه، ومعاناته وأمواله، وتضحياته الأخرى ينبغي أن يستفيد منها، في جملة استفاداته، في إعادة توجيه المفاهيم الريادية ليتمكن على ضوئها من تلافي وقوع أحداث مماثلة للأحداث الماضية أو للأخطاء التي جرت أثناءها، بأي شكل من الأشكال، وتأمين مسار سليم لتطورات أحداث التاريخ الوطني المعاصر في كل يوم من حاضره طبقا لحسابات وتقديرات منطقية واقعية واضحة مضبوطة وصريحة لا تأثير للعواطف والانفعالات والارتجالات عليها تعتبر ذاتية الكيان الوطني ومصالحها اعتبارا أصليا، وتراعي سلامة ترابها مراعاة أساسية تامة.
إنه يفضل الحسابات والتقديرات المنطقية الواقعية الواضحة المضبوطة والصريحة فقط يمكن الوصول إلى ضمان تعاملات وتعاقدات مأمونة النتائج والعواقب، بالإضافة إلى تأمين توجبه منطق دقيق محدد باعتناء للعلاقات والمعاملات التي تعد أحداثا تاريخية مهمة تزيد التراث التاريخي الوطني تراء، وإن كانت تجري هادئة بدون صخب ولا عنف ولا ضوضاء !
وما فائدة درس الأحداث التاريخية إذا لم تتخذ أساسا لنقد ذاتي صريح للمسار الريادي الوطني قصد إعادة توجيهه طبقا للنتائج المنطقية الواقعية المستنتجة منها !
إن الأحداث التاريخية باعتبارها كمنجزات وطنية تستحق أن تدرس لمعرفة ما كان لها وما كان عليها، وكيف كان يجب أن تجري وقائعها، وما ذا  حققته، وما ذا كان ينتظر أن تحققه وما ذا يمكن أن يترتب عليها من مضاعفات ونتائج، ولماذا وقعت بهذا الشكل ولم تقع بشكل آخر.
وهي كمنجزات وطنية ينبغي أن تدرس على مستوى وطني من جميع المؤسسات الوطنية التي تشارك في انجازها.
وباعتبارها كمنجزات وطنية يجب أن تخطط مشاريعها للمستقبل في إطار التصاميم والمخططات الوطنية العامة أو الخاصة، وبهذا يمكن ضبط مسار وقوعها ضبطا مسبقا ممكنا، والسيطرة عليها سيطرة فعالة.
ويعني هذا أن الإنسان المواطن الذي يمارس مسؤوليات الريادة الوطنية يجدر به أن يكون عارفا بمسار الأحداث التاريخية، وداريا بتفسيراتها، وملما بمغازيها، ومحيطا بمقاصدها ومراميها وأهدافها يتذكرها في كل حين، وبخاصة عندما يكون أمام أحداث، أو مشاريع أحداث جديدة.
قد تنسى التفاصيل، ولكن التفسيرات والمغازي والمرامي والأهداف تظل منقوشة في ضمير الإنسان المواطن.
إن الأحداث التاريجية بجميع ملامحها وأمجادها العظيمة هي الوطن، وهي وجوده ووجباته، وهي الضمير الوطني للإنسان المواطن.
وهذا يؤكد أهمية الاعتناء بدرسها اعتناء خاصا لأنه إذا ما أصاب درسها تشويه أو سوء تفسير فإن انعكاسهما قد يصيب الضمير الوطني للإنسان المواطن ببعض تأثيراته.
إن الأحداث التاريخية أحداث إنسانية من تفكير الإنسان، وتدبيره، وفعله، وصنعه وبدون إراداته وعزمه ورغبته وقراراته وتدخلاته وتوجيهاته لا يمكن أن تقع .
لهذا فإن العامل الإنساني يضفي عليها الكثير من خصائصه الذاتية والكيانية، الفردية والجماعية المعنوية والنفسية، الواعية واللاوعية، بالإضافة إلى خبرته وعقلانيته ومنطقه وذكائه.
وغن الريادة الوطنية تتعامل دائما مع التعامل الإنساني المعنوي والنفسي للإنسان المواطن إعدادها مشاريع الأحداث، وفي توجيهها لها أثناء وقوعها.
وإذا كان هذا التعامل جرى في الماضي تلقائيا، ودون إعارته ما يستحق من الاهتمام فإنه في الأيام الحاضرة ينبغي أن ينال القسط الأوفر من الإعتناء واحلاله المكان الجدير به في تقدير الأوضاع والأهداف والظروف السائدة على مسرح الأحداث التي وقعت، أو التي تقع، أو التي يتوقع وقوعها.
حقا أن التاريخ يهتم بدراسة الأحداث التاريخية في الماضي، ولكن هذا لا يمنع من الاستفادة من خلاصة مغازيها وعبرها وخبراتها وتجاربها الإنسانية والحكمة التي تقدمها في توجيه. أو إعادة توجيه أحداث الحاضر أو مشاريع أحداث المستقبل.
والغاية من هذا تلافي الوقوع في أخطاء الماضي، واتقائها، لأن الوقوع فيها وعدم اتقائها إنما يدلان على شيء واحد هو أن الأحداث التاريخية لم تدرس، أو لم تتم الاستفادة من دراستها الاستفادة الواجبة، أو درست بكيفية لا تجدي نفعا.
ثم بعد هذا يجدر بالأحداث التاريخية التي وقعت، وتقع، بروح وطنية نضالية، جهادية يصاحبها الكثير من الانفعالات، والكثير من المعاناة، والكثير من المجاهدة أن تدرس أيضا بروح وطنية نضالية جهادية تقدر تلك الانفعالات، وتلك المعاناة، وتلك المجاهدة التقدير المستحق.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here