islamaumaroc

دراسات في الأدب المغربي -5-: مظاهر الثقافة لمغرب ما بعد الأدارسة وقبل المرابطين.-5-

  دعوة الحق

196 العدد

قيــام المــرابطيـــن :
إذا كانت للدول أعمار كأعمار الأفراد- كما يقول ابن خلدون- الشيء الذي يقتضي أن يعتور هذه الدول الانقطاع، ويشلها الانحصار في قوقعاتها السياسية والإيديولوجية ذات الأبعاد الموعودة الآجال، والمحدودة التأثير، فإن الثقافة والآداب لا أعمار لهما ولا توقيت ولا حدود ومن ثمة فهما استمرار وديمومة وتواصل وانجذاب.
لقد دالت دولة الأدارسة الزمنية، كما دالت بعدها دول المغراويين واليفراتيين، وسلم العبيديون مد وجزر وجودهم في المغرب الكبير، وتطلعوا- بعد أن تركزت أقدامهم في منطلقهم الدولي بالقيروان- إلى فرض سيادتهم على مصر؛ بل الشرق كله: بغداد ودمشق، أيمانا بأن الخلافة الإسلامية التي ينشدون، إذا لم كانت لتتم لهم- حسب أعراف تلك العهود- إذا لم يستولوا على مركزها ومنبرها هناك أي في الشرق.
واتفق أنه في هذا الظرف بالذات، أخذت تتهاوى سيطرة أمويي الأندلس المبطنة أو المتسترة بدويلات مغراوة وبني يفرن، وماجت الحياة بالناس في عموم المغرب أو ما حواهم بها .. واتجهت عقولهم وأبصارهم متطلعة لفجر جديد، ومستشرقة عهدا سياسيا جديدا، آملين أن يكون مشرق المحيا وضاح الجبين . . وتواجدت الارهاصات بأن المجتمع الذي عانى تجربة ثلاثة قرون أو زهاءها من هلهلة الحكم وانعدام الوحدة الوطنية، ومن الفوضى والاضطراب السياسيين موشك أن يتمخض عن جنين جديد، مع التنصيص- رغم هذا الاضطراب- على أن مسيرة الأدب والثقافة، واصلت روافدها- وأن في أعباء- الطريق، وتابعت في لهات أنفاسها، وغن يكن كل ذلك في بطء عظيم أظهرها بمظهر التوقف والنضوب أحيانا، وبالعقم والضحالة أحيانا أخرى . .
ذلك لأن المغاربة، من طبيعتهم أن لا يستسلموا لليأس، وأن لا يركنوا للمصادفات، وأنما دابهم أن يستلهموا ذخيرة إيمانهم القوي الذي عودهم – كلما أدلهمت أمورهم، أو أعتورتها عتمة أو ركود إمدادهم بروافد من القوة والنشاط، تجدد لشرايين وأوردة هذه الأمة دماءها، وبعيد لأراضيها الكممعاة المخصاب عطاءها، ويدفع بهم- وهم أبناؤها المقاوير الانجاد- إلى مجابهة التحديات ومطاردة الانتكاسات، ليضيفوا لتالد المجد طارفا، وليعلوا هرم المحامد والمفخر سامقا.
وإذا كان لابد لكل جنين من مخاض، ولكل نبوءة ارهاصات، فإن الحركة الاصلاحية التي كان تزعمها أبو عمران الفاسي الزناتي بالمغرب،
أواخر عهد دولتي أبناء عمومته مغراوة، وبني يفرن، والتي انتهت به إلى مطارح الغربة ومفارقة الأوطان، والالتجاء بعد النفي من المغرب إلى القيروان، كانت البذرة الأولى لظهور المرابطين.
ذلك أن كتب التاريخ مجمعة على أن لهذا الرجل أي أبي عمران الفاسي ضلعا في وضع اللبنات الأولى لهذه الدولة، بل وكان الزعيم الروحي الموجه للثالوث الذي كون الأقاليم الأساسية لهذه الدولة، وأعني بهم: يحيى بن ابراهيم الكدالي- وواجاج بن زلو اللمطي- وعبد الله بن ياسين التامنارت الجزولي . . .
وكان هذا الثالوث في نفس الوقت الخلية الأولى والنواة الدينامية لدولة المرابطين.
أما كيف تواجدت هذه الأقاليم في الأقاليم في الساحة، وكيف ترابطت عضويا وتلاحمت أهدافا بعد أن اتصلت غيبيا ونفسانيا، فيفسر التاريخ ذلك بأن يحيى بن إبراهيم الكدالي، قد يكون زار أبا عمران الفاسي أثناء مروره من تونس عائدا من البقاع المقدسة صوب المغرب الأقصى، وأنه اغتنم فرصة وجوده بتونس، فحضر دروس أبي عمران الوعيظة، التي بواسطتها تم التعارف بين الرجلين، وإلى الدرجة التي تبادلا معها الأفكار والآراء حول الأوضاع في المغرب، أدى بهما ذلك التبادل إلى معالجتهما- منتقدين- ما آلت إليه تلك الأوضاع دينيا واجتماعيا من سوء، وتدارسا دون شك العلاج الممكن. .
ويبدوا أن أبا عمران ما انتهيا إليه من استنتاجات- آنس خيرا في محدثه، وتفرس في هذا المحدث الكد إلى روح الاستعداد للمغامرة من اجل انقاد المغرب، وأنه ربما كان الشخصية الصالحة لاستئناف الحركة الإصلاحية التي كان هو أي أبو عمران حملها مشعلها لفثرة غير قصيرة والتي من أجلها أقصي عن المغرب ومن غير شك أن بعض أنصار أبي عمران ومؤيدويه في المغرب ما يزالون على العهد ينتظرون سنوح الفرصة ويترقبون البادرة لمتابعة نشاطهم في مضمار الدعوة الإصلاحية العمرانية إن صح التعبير.
وهذه الفراسة جعلت أبا عمران يحمل الكدالي كتاب توصية إلى تلميذه النابه الوفي (وأجاج بن زلو اللمطي) بنفيس أقدم رباط مغربي، وأول مدينة مغربية أسست بها مدرسة لتعليم العربية، وذلك بموضع (اكلو) من أعماق السوس.
وقد ضمن أبو عمران كتابه بعض الإرشادات عن الطرق والوسائل العملية الكفيلة- من وجهة نظره- بتحقيق الحركة الإسلامية التي كانا أي أبو عمران ووأجاج ينشدانها، وأختها لها يوم كانا معا بالمغرب.
وقد أورد ابن أبي زرع في كتابه القرطاس نص ذلك الكتاب، وقد جاء فيه: ( سلام عليك . . . أما بعد، فإذا وصلك حامل كتابي هذا- وهو يحيى بن إبراهيم الكدالي- فأبعث معه إلى بلده من تثق بدينه وورعه وكثرة علمه وسياسته ليعلمهم القرءان وشرائع الإسلام، ويفقهم في الدين، ولك وله الثواب والأججر العظيم، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا ).
قالوا : واستجاب التلميذ وأجاج لنداء أستاذه أبي عمران في الجاده إلى المهمة المنوطة به، فاختار لمساعدة الكدالي في مهمته الوعيظة والارشادية والاعدادية معا: عبد الله بن ياسين، مفضلا إياه على سواه من المريدين لنضجه علميا وفكريا، ولما كان اكتسبه من تجارب، بسبب رحلاته العديدة في طلب العلم، فقد كان رحل أوائل القرن الخامس الهجري إلى الأندلس حيث أقام بقرطبة سبع سنوات في طلب العلم . . .
ثم انطلقت قافلة الكدالي وابن ياسين، باسم الله مجربها ومؤسيها- إلى تخوم الصحراء لتباشر رسالتها في ايمان وصبر وأناة، وليقضي الله أمرا كان مفعولا . . .
ونحن لا نشك في أن تواطؤا ما على عمل مشترك كان يوجد مسبقا- بل قائما – بين أبي عمران وواجاج، وأن كنا لا نتوفر على أدلة مكتوبة على ذلك، إذا الاستجابة الفورية، ودون تلكؤ أو تردد من وأجاج لتعليمات كتاب أبي عمران، ولإسراع في اختيار العنصر الدينامي لإبراز مضمون الكتاب أو مضمون ما يضير إليه، وإخراج فكرته إلى حيز التخطيط بل الإنجاز، وذلك في شخصية ابن ياسين الذي تجمع الروايات التاريخية على أنه لم يتردد في الأهبة والاستعداد لمغادرة حيث يقيم، إلى حيث يقيم
معتكفا بالصحراء سنوات في حياة تقشفية صارمة لخلق نواة القوة الضلائعية ،كل ذلك ما كان ليحدث و يتم بالسرعة التي تم بها أن لو لم يكن هناك مخطط سابق .
   كما إننا قد لا نكون بعداء عن الواقع إذا قدرنا أن مراسلة أبى بكر الطرطوشي الاسكندري المصري الاندلوسي مع ابن تاشفين و محاولته الاتبات له بان المرابطين هم المعنيون بما رووه من ان الرسول عليه السلام قال (لا يزال اهل المغرب قائمين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى ياتي أمر الله)..أقول أن ذلك يدخل ضمن مخطط أبى عمران و أنصاره بالمغرب تأكيدا بان حركة المرابطين ليست مؤيدة برغبة القائمين بها فحسب ،و إنما هي مؤيدة أيضا من الدين الإسلامي بورود نصوصه المؤيدة هذه من أمثال هذا العالم المصري  الطرطوشي مع عدم إغفال منحدره الأندلسي ،مما قد يفهم أن الرجل متواطئ فعلا مع أبى عمران.
كما أن  موقف أبي حامد الغزالي الذي قيل انه أبدى رغبته الملحة في زيارة ابن تاشفين ،تقديرا لإعماله في سبيل إعلاء كلمة الإسلام ،و انه لم يحل دون تلك الزيارة و تحقيقها سوى وفاة ابن ناشفين المفاجئة،أقول أن هذا الموقف من الغزالي هو أيضا كان من تتمة المخطط، و لا سيما إذا قدرنا موقف علي بن يوسف من مكتب الغزالي و إحراقه لها حين رفضها فقهاء الأندلس لتناقضها و فهومهم الفقهية الخاصة دون التفات لموقف الغزالي المؤيدة لحركة  المرابطين ،لان هذه الحركة أصبحت الآن –في نظر علي –من القوة بحيت لم تعد في الحاجة للتأييد الخارجي .بل أن من مصلحتها أن تساير الرأي العام المتحكم في الداخل خوفا من انتفاضه ،فاذى رأى فقهاء الأندلس الذين كان ينظر إليهم في تلك العهود على أنهم أصحاب الكلمة النافذة فبالشؤون الدينية ،بل هم الناطقون باسم هذا الرأي العام الشعبي ،إذا راو إبان كتب الغزالي لا تتمشى وما يعتقيدونه دينا،فان على أمير المومنين أن يبادرون –وهو قد التزم التمسك بالدين تبعا لما يراه رجاله،والدولة نفسها أنها قامت أساسا على ذلك –إلى ذلك-إلى إحراق تلك الكتب،دون اهتمام بغضب الغزالي و احتجاجه،و دون مبالاة بدعائه على دولة المرابطين بالتمزق و الاندثار.
والحركات الصلاحية، في تلك العهود، وخاصة في المجتمعات البدائية، أنها كانت تعتمد في انطلاقاتها الأولى على الدين أو ما يعبر عنه تقريبا للعامة، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالإخلاص إذا علمنا أن الشعب المغربي – وإلى العهود الآتية – بتأثر بالدين وأفكاره، بل لا نغالي إذا قلنا أن أية حركة الصلاحية في المغرب بناءة قوية لا تتم دون الانطلاق من الدين.
ومن هنا أي من نقطة التسربل بالدين، بدأ غبن ياسين بمعونة الكدالي، إلا أنه لما نزل صنهاجة سنة 430هـ لم يتقيد بكل تعليمات أبى عمر أن الدينية بل والدنيوية، وإنما رأى أن يحور أسلوب الدعوة – بما يتفق وما يراه من أحوال البيئة وأحوال الناس – فرأى إقامة الدعوة انطلاقا من تحفيظ الناس القرءان أولا، أو اقتضته دراسة أسباب وظروف إخفاق أبي عمران الفاسي في دعوته حتى كان على الابتعاد عن المغرب..!
ثم ليتأكد ابن ياسين بأن عماه مثمر، وأن النواة الأولى للخلية الايجابية قد رصت، وأن إيمانها بما يدعو إليه قد تعمقت جذوره في نفوسهم، خطا خطوة أخرى كانت أقسى انتحانا وأصعب تجربة، وكانت أمره مريديه بالانتقال من حيث يقيمون لفترة غير قصيرة، وحيث كانت استقرت بهم المرابع واطمأنت الاقتاب إلى مقر آخر جديد أبعد عمقا في تخوم الصحراء، وقريبا من قواعد احتياطية قد يتخدها جنة وملجأ إذا لزم الأمر وحزب.
وهكذا انزوى بأتباعه في رباط آخر على ضفاف نهر السينغال – فيما قبل – دون تحديد لنقطته بالضبط، وقد يكون هذه الصحراء الغربية أو موريطانيا أو توات أو في نقطة من الأراضي الواقعة على حدود مالي، واتخذ هذا المقام الجديد مخيم تدريب لأولئك الذين سيخوض بهم معارك المواجهات الجريئة مع من قد يصبحون مناوئين لحركته أو مناهضين لدعوته أو معرقلين لأهدافه.
وهناك استطاع أن يجمع حوله ثلة متحمسة شديد الحماس لما يدعو إليه، وإن لم يتجاوز أفراد هذه الثلة – فيما قيل – الأربع سنوات 
التي قضاها في هذا الرباط الجديد بضعة آلاف من الإتباع والمريدين الذين عليهم من يومئذ الإسم الذي اشتقت منه الدولة أي المرابطين .
 ونت غير غير شك هذه الفترة التي قضاها مع هذه الثلة وبصحبة الكدالي أتباعه كانت فترة حاسمة في تاريخ حركة المرابطين، فقد تعلموا فيها بالإضافة إلى الصبر على التقشف ومعاناة القلة، تعلموا معنى الانضباط ومحاسبة النفس وتعلموا فائدة العمل معنى الانضباط ومحاسبة النفس وتعلموا فائدة العمل الجماعي البعيد عن ألانا رحب النفس والذات، وأيقنوا أن الدعوة لا بد لها من نواة مؤمنة إيمانا عقديا صادقا ملصا، واستفادوا أن الدعوة بالتي هي أحسن أنها هي إحدى المراحل أو هي معبر للمرحلة الحاسمة التي تعني إعطاء الفكرة وجودا حضوريا، أي أن الدعوة بالتي هي أحسن لن تحقق شيئا ايجابيا بمفردها وأنه لا بد لإنجاحها – بعد تكوين العصبية وأحاطتها بما يثحميهى روحيا من عقيدة وهدف – لابد من ايجاد روح حربية لدى عصبيتها قادرة على تحمل السلاح أن اقتضى الحال لتشهره في وجه عداتها، والنزول مع هؤلاء العداة إلى الميدان وساحة القتال..!
.. وبمرور الزمن – ولا شك – اختمرت فكرة العمل الحربي في ذهن ابن ياسين، أو هذا ما بدا، حين سرح مريديه وأتباعه لشن غارات – يمكن أن نسميها دعائية – ابتداء من شهر صفر سنة 434هـ 1042م، حيث غزوا كدالة، ثم لمتونة ومسوفة، ثم بعد فترة استجمام لتكتيل الصف وشحذ العزائم وتجديد الثقة بالنفس ونبل الهدف واقتناع هذه القبائل بصدق الدعوة الجديدة وتجاوبها مع المصالح العليا والعامة للاسلام، بعد ذلك عبأ جيشا أقوى من الأول غزا به صنهاجة، التي قيل أنها لم تقاومه ولكنها أبدت استعدادا طيبا للانضواء تحت لوائه لما لمسته من شظف عيشه وبساطة أخلاقه وصدق عزيمته وإيمانه!. وإذا كان لابد لكل جماعة متكتلة حول فكرة ما أو دولة أو حكومة من دستور يحدد أهدافها ، ويقود خطاها ويبلور آتجاهاتها المختلفة والمتباينة أحيانا، ومن قانون عام تنصاع لتعاليمه، وتسيترشد بهديه، وتعود لاستلهامه عند ما تدلهم بها الأمور، فإن ابن ياسين، هو الآخر، رأى بعد توطيد أقدامه في المعرك الأولى التي خاضها ضد القبائل المذكورة أعلاه أن يضع لأتباعه الذين أخذ بوجههم لمباشرة الغزو المنظم والمتتابع ، دستورا عاما حدده في هذه الكلمات الحماسية التي ألقاها فيهم ، وهو يستنهض هممهم ويذكي أغوار إيمانهم وثقتهم المطلقة فيما يدعوهم إليه، وقد ألقى كلمته في مرحلتين أو في نفسين.. قال ابن ياسين أولا :
( يا معشر المرابطين، أنكم جمع كثير، وأنتم وجوه قبائلكم، ورؤساء عشائركم، وقد اصلحكم الله تعالى، وهداكم إلى صراطه المستقيم ، فوجب عليكم أن تشكروا نعمته عليكم، وتأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر، وتجاهدوا في الله حق جهاده).
ثم سكين .. وبعد أن أصغوا إليه ، وكأن على رؤوسهم الطير، وأيقن أنهم من سكوته أنه يريدان يعرف مدى تأثر كلماته فيهم، وأنه يرجو منهم التعبير إراديا عن موقفهم تجاه كلماته تلك، وبعد أن ردوا عليه قائلين:
( أيها الشيخ المبارك ، مونا بما شئت تجدنا سامعين، ولو أمرتنا بقتل أبنائنا لفعلنا) .. وبعد أن اطمأن لهذا الرد إلى أن كلماته في أعماقهم وأصابت منها المحز... استأنف خطبته فيهم وقال ثانيا : وفي لهجة حربية آمرة صارمة :
( أخرجوا على بركة الله، وأنذروا قومكم، وأن أبوا من ذلك وتمادوا في غيهم، ولجوا في طغيانهم، استعنا بالله عليهم وجاهدناهم حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين )  .
وبهذا الخطاب يكون ابن ياسين قد وضع خطوطه الكبرى لإقامة دولته التي حدد مطامحها أثناء وجوده في رباطه القصبي على ضفاف نهر السينغال، وقرر نهائيا الدخول في مرحلة التقعيد لهذه الدولة وارساء بنائها على أسس حربية واضحة.
وهكذا اتجهت حركة ابن ياسين الحربية – جغرافيا – بعد استيلائه على صنهاجة إلى العمل على إخضاع الأصقاع السوسية كلها تأمينا لحدود دولته من جهة الجنوب، وضمانا لايجاد قاعدة آمنة، يتخذها ملجأ في حالة حدوث حركة تقهقرية معاكسة أو تحرف لقتال.
وكان مطالع السعود كانت في ركابه، تخدمه وتسعى لإنجاح مساعيه، فقد تمكن بسرعة خاطفة من
  الاستيلاء على السوس ثم درعة، وحتى لقد بلغ من الثقة بنجاح خطته ما جعله يوجه أبا بكر بن عمر بن تكلاكين أخا يحيى الموتفى سنة 447هـ الذي خلفه في القيادة العامة، يوجهه على رأس جيش لمنازلة مراكش وأغمات، وبالفعل استطاع في جولته الأولى أن يقهر أمير أغمات، وأن ينتزع من لقوط بن يوسف ابن علي المغراوي مراكش، بل وأن يقترن بزوجة هذا المغراوي المدعوة زينب بنت اسحاق النفزاوية،هذه المرة التي صارت فيما بعد زوجة ليوسف ابن تاشفين، حين طلقها أبو بكر غداة توجهه إلى الصحراء في مهمة تهدئة الأوضاع هناك حيث أن قلقل كانت قد نشبت هناك كادت تهدد منطلق الدولة الفتية وقاعدتها الأساسية بالتصدع في تلك الأنحاء مما استدع ارسال هذا القائد المحنك إلى هناك.
ويجب أن نقف هنا وقفة صغيرة ، ازاء تخلي أبي بكر لابن تاشفين عن زوجته زينب النفزاوية ، لنتاسءل عن السر في هذا التنازل، فهل أن هذه المرأة رفضت النزوح مع أبي بكر إلى الصحراء حذرا من شطف العيش وخشونته؟ أم أنه رأى من ابن تاشفين ميلا إليها وقدر أن عدم تجاوبه مع هذا الميل قد يؤدي إلى حدوث شقاق بين القيادتين: العسكرية التي يرأسها أبو بكر ، والسياسة التي يجسمها و يوجهها ابن تلشفين؟ وقدر في نفس الوقت أن خلافا ما بين هاتين القيادتين قد صدع الصف ويؤدي إلى انشطار الدولة فآثر وحدة الصف والكلمة وراعى المصلحة العليا للدولة ولو على حساب مصلحته الذاتية ولو كانت تلك المصلحة هي التضحية بالأهل والأحباب، مادام قد قرر منذ البداية أب عليه أن يتسامى عن مطامع الدنيا في سبيل تحقيق المطامع السامية للحركة الدينية الاصلاحية التي توخاها مؤسسها؟ أم أنه لم يتخل عنها منذ الوهلة الأولى ابن تاشفين وإنما ذلك بعد عودته إلى الصحراء وأضطراره إلى الإقامة بها نهائيا حيث لم يغادرها بعد ذلك وإنما توفي بها سنة 480هـ، وأنه حين رأى استحالة عودته ثانية إلى مراكش طلقها ثم تزوجها ابن تاشفين؟ ومهما يكن السبب الحقيقي أو الطريقة الواقعية التي تم بها استيلاء ابن تاشفين على زوجة أبى بكر زينب النفزاوية، فإنه موقف أبي بكر يدعو إلى التقدير والإكبار ، حين تعالى عن هذه السفاسف للإهتمام بوجود الحدود الآمنة للدولة ولاسيما من الجنوب، ذلك لأن هذا الجنوب المغربي ظل في كل تطوراته التاريخية منذ القديم إلى العصر الحاضر هو مصدر الإنتفاضات، سواء منها تلك التي كتب لها النجاح فتحولت إلى دول وامبراطوريات كما هو الشان في دولتي المرابطين والموحدين أو أخفقت وتحولت إلى اقطاعات، كما كان الشأن في كثير من مراحلها التاريخية، وخاصة المرحلة التي سبقت وجود العلويين على العرش المغربي، حيث كان يشهد المغرب تمزيقا لوحدته السياسية والحكمية بما لا مزيد عليه.
فكانت الحكمة تقضي على المرابطين أن يحافظوا على هذا الجنوب مهما كلف من ثمن .. وأقل التضحيات التخلي في سبيل ذلك عن امرأة ، مهما قيل في جمالها ومركزها فإنها لا تعد شيئا بالنسبة لمصير الدولة.
على أن استيلاء ابن تاشفين على هذه السيدة يمكن أن يكون اعترافا من أبي بكر بجميل ابن تاشفين لما أظهره من حنكة كانت في مستوى الأحداث، ولما أحاط به الحركة الناشئة من هيبة وجلال رائعين.. على أننا بعد كل ذلك لا نستبعد أن تكون هناك علاقة غرامية بين ابن تاشفين وهذه المرأة، تحولت إلى هيام، لم ير أبو بكر وضع حد لنهايته سوى بتخليه عن هذه المرأة، ولئن صح هذا الغرض فقد يكون نزوحه إلى الصحراء وانقطاعه هناك رفضا معبرا عما آلت إليه حاله مع هذه المرأة التي أصبح لها بحكم كونها زوجة سابقة للقائد العام للحركة، من سيطرة ونفوذ من غير الممكن مقاومتها دون حدوث عواقب وخيمة، فكان الحل هو مغادرة الساحة والتولي يوم الزحف، أحيانا قد يكون أحسن من الهجوم؟ !
وواصل ابن ياسين تحركاته بتصميم مركز وهادف لتطويق المنطقة الداخلية عن طريق الاستيلاء على النقاط الاستراتيجية بشريا في تلك العهود، وهكذا بعد فرض سيطرته نهائيا على تلك الاصقاع، اتجه لمنازلة الروافض دينيا أعني ( الجيليين والبرغواطيين) الذين كانوا يسيطرون على الشاوية وتارودانت، فخاض في اقليم الشاوية معارك دموية طاحنة استنزفت قواه، ويمكن وصفها بأنها المعارك الفاصلة – في نظر الرجل – بينه كمؤسس دولة اصلاحية سنية وبين مناوئيه ، الشيء الذي
اقتضى منه النزول إلى الميدان بكل قواه وبكل ما يملك من عدة وعدد، حتى حقق الفوز والغلبة، وأدرك ما كان يرجوه من سلطان وانتصار.
وإذا كان ثمن هذا النصر هو استشهاده هو نفسه في هذه المعركة، إذ يقال انه سقط فيها مدرجا بدمه يوم الأحد 24 جمادى الأولى سنة 451هـ وذلك بكريفلة من بسائط زعير، فإن ما حققه من أظهار دعوته وإيمان مريديه أمد الحركة بروافد حية من الإيمان، وبعناصر البقاء، كما تمكن بواسطة هذه المعركة من توحيد البلاد سياسيا بعد أن وحدها عقائديا.
ويبدو ان الرجل لدى سقوطه كانه في تمام وعيه ومنهى أدراكه ويعرف المصير الذي انتهى إليه، ولكنه – وفي هذه اللحظة بالذات – لا يريد أن يتخلى عن مهمة الدعوة على تذكير الاتباع بأهم عناصر نجاحهم، وأهم مقومات احتفاظهم بالمعنوية القوية الحياشة، وهكذا فلم يرد أن يغمض عينيه ويلتفظ أنفاسه الأخيرة حتى يمدهم بزاد يمدهم بالقوة ويحفزهم على مواصلة النضال، فقد خاطبهم – وهو يجود بنفسه – فقال :
(معشر المرابطين أنكم في بلاد أعدائكم، وأني ميت من يومي هذا لامحالة، فاياكم أن تجنبوا فتفشلوا وتذهب ويحكم وكونوا ألفة وأعوانا على الحق، وأخوانا في ذات الله تعالى، وأياكم والمخالفة والنحاسد على الرئاسة، فإن الله يوتي ملكه من يشاء، ويستخلف في أرضه من أحب من عباده، واني ذاهب عنكم فانظروا من تقدمونه منكم، ويقود جيوشكم، ويغزو عدوكم ويقسم بينكم فيئكم ويأخذ زكواتكم وأعشاركم ...)
ولم تحدث وفاة ابن ياسين أي فراغ صفوف المرابطين، لا عقديا ، لأن العشرين سنة أو أكثر التي قضاها بين صفوفهم واعظا مرشدا بالأعمال والأفعال قبل الأقوال زودتهم بحصانة قوية حمتهم من تردد أو ريبة أو شك في صدق دعوتهم وكونها تنشد الحق والخير وتعمل للاصلاح ورعاية النفع العام ...
ولا عسكريا أو إداريا .. لأن وجود أبى بكر بن عمر اللمتوني الذي كان من ابن ياسين بمثابة ولي العهد، ويوسف بن تاشفين ابن عم أبي بكر كانا الضمانة القوية على عدم تضعضع الدولة أو نكوس رجالاتها على الأعقاب، وأنما كانت التضحية شعار القوم، وكان الزهد في حطام الدنيا السبيل لتحقيق الثواب الأجزل والجزاء الأوفى.
وهكذا ما إن توفي ابن ياسين حتى رأينا تلك التضحية التي أشرنا إليها سابقا من أبي بكر، التضحية بالتخلي عن عروسه، ثم قبل ذلك وبعدها، التخلي عن القيادة المركزية ليوسف، والتطوع للرباط من جديد في منطلق الدولة بالصحراء مع الالتزام بالجهاد والاشراف على ادارة الأقاليم الواقعة هناك...
وتولى يوسف زمام الدولة إداريا وعسكريا وتوجيها، وواصل تصفية ما تبقى من أوكار الروافد والمتربصين بالدولة الناشئة الدوائر، من إقطاعيي مغراوة وبني يفرن، وتمكن أخيرا من إسقاط أهم معقل لهؤلاء، وأعني به فاس، حيث استولى عليها سنة 453هـ، واتخذها عاصمة الدولة إلى حين تشييد مراكش سنة 454هـ، حيث ارتأى أن تتحول إليها إدارة الدولة لوقوعها وسط المغرب، ولقربها من منشأ الدولة ولجوها الصحراوي ومناخها الذي يذكر بناة الدولة بعروقهم وجذورهم.
وتتوبعت الأعمال عمرانية وإصلاحية وحربية بلا هوادة وبلا فتور، فما أهلت سنة 475هـ حتى كان ابن تاشفين سيد الموقف في المغربين الأقصى والوسط، وحتى امتدت حدود مملكته إلى السودان ونهر النيجر وتومبكتو وتوات، وما يعرف حاليا بمالي وموريطانيا.
ثم لتثبيت مركزه دوليا، ولإثبات أحقيته فيما تحمله من أمانة خلافة الإسلام في هذا الجزء من العالم الإسلامي، لبى نداء ملوك لطوائف الأندلسيين بزعامة قيدومهم المعتمد بن عباد دفين أغمات، فنازل الأسبان بقيادة ملكهم الادفونش السادس الذي كانت تهدد غاراته على الممتلكات العربية في الاندلس بزوال دولة الإسلام وحقق عليه انتصرا باهرا وقعة الزلاقة سنة 479هـ والتي كان من ذيواها إزعاج المعتمد بن عباد من ممتلكته التزامه الإقامة الجبرية بالمغرب في قرية أغمات مراكش، ثم القضا
النهائي على أولئك الأقزام من ملوك الطوائف ، وضم أراضيهم إلى أرض المرابطين نزولا عند رغبة الرأي العام الأندلسي الذي كان يمثله الفقهاء والعلماء، وبهذا أصبحت الأندلس – ولأول مرة في التاريخ – تابعة إداريا وسياسيا للمغرب(1).
وبعد فتلك صورة مجملة عن نشوء الدولة المرابطية وظروف تكوينها وعن أوضاعها السياسية المغرب لعهد هذه الدولة ..؟ وهذا ما سنحاول والعسكرية، فما هي الأوضاع الثقافية والأدبية في التعرض له في حديتنا المقبل إن شاء الله.

 مثلي ومثل هذا الأعرابي
* من حديث عكرمة عن أبي هريرة رضي الله عنه:
«أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينه في شيء، قال أراه قال في دم، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا،  قال: «أحسنت إليك»؟ قال الأعرابي: «لا، ولا أجملت» فغضب بعض المسلمين وهموا أن يقوموا إليه، فأشار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كفوا، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ إلى منزله ودعا الأعرابي إلى البيت فقال: «أنك أنما جئت تسألنا فأعطيناك فقلت ما قلت، فزاده رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا وقال: «أحسنت إليك؟ فقال الأعرابي نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا، فقال صلى الله عليه وسلم: إنما جئتنا فسألتنا فأعطيناك فقلت ما قلت، وفي نفس أصحابي عليك من ذلك شيء فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب عن صدورهم، فقال نعم، فلما جاء الأعرابي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن صاحبكم كان جاءنا فسألنا فأعطيناه، فزعم أنه قد رضي، «كذلك يا أعرابي؟» فقال: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أي مثلي هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه فأنبذها الناس فلم يزيدوها إلا نفورا. فقال لهم صاحب الناقة خلوت بيني وبين ناقتي فأنا أرفق بها وأنا أعلم بها، فتوجه إليها وأخذ لها من فسام الأرض، ودعاها حتى جاءت، واستجابت وشد عليها رحلها، وإني لو طلعتكم حيث قال ما قال لدخل النار» *

(1) انظر مزيد التفاصيل عن المرابطين ووقعة الزلاقة وملوك الطوائف في كتابنا ( مأساة انهيار الوجود العربي في الأندلس)

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here