islamaumaroc

حياة الشيخ أحمد الجريري شيخ الجماعة بسلا.

  دعوة الحق

196 العدد

علمنا التاريخ أن الإنسان لا يمكنه أن يتسئم دروة المجد الخالد إلا بعد أن يتفانى في طاعة خالقه سبحانه وتعالى وإتباع رسوله صلى الله عليه وسلم في اظلقوال واظلفعال وبقدر تفانيه يعظم نفعه لمجتمعه الذي يعيش فيه بمثاليته أولا ثم بجهاده لصالح دينه ووطن دينه ولغة دينه، وأخلاق دينه ثانيا.
ومن تسئم ذروة المجد الخالد لا يمكن أن يزحزحه عنها أحد وإن كان يتوفر على جميع أنواع التأثير المادي.
وقد سجل الشاعر العربي مصيره في قوله:
كنا طم صخرة يوما ليوهنهــا
                فلم يهنها ولوهى قرنه الوعـــل
وهذه الميزة العظيمة هي التي أمتاز بها الشيخ الإمام الفقيه الصوفي أبو العباس أحمد بن الحاج إبراهيم الجريري شيخ الجماعة بسلا الذي احتفلت سلا مؤخرا بذكرى مرور أربعين سنة على وفاته.
وبهذه المناسبة التاريخية عن ولي أن أرسم للتاريخ صورا خاطفة من حياته علنا نكون بها أوفياء لائمتنا وروادنا من جهة. وندفع بها جمعا من علماء المغرب ومثقفبه إلى الاهتداء به من جهة أخرى ولو في بعض الاهتداء.
فتشبهوا أن لم تكونوا مثلهــم
            أن التشبه بالكرام ربـــاح
نسبه وأوليته وأمجاده :
هو أحمد بن إبراهيم بن محمد بن محمد بن أحمد الفقيه الجريري الأندلسي تم الغماري البرهوني،كانت عائلته المجيدة من العائلات الأندلسية التي هاجرت من الأندلس إلى المغرب فاستقرت أولا بقبيلة غمارة الشهيرة بالعلماء والأبطال ثم انتقلت إلى سلا.
ومنذ أن استقرت بها وأعضاؤها يسجلون في كل مناسبة سنحت لهم مفاخر عديدة فبيتهم بها من البيوت الشهيرة بالعلم والعمل والدين والفضل.
شهد التاريخ لجملة من أفراده بالأمجاد التي يعز نظيرها في غيره. وناهيكم بوالده العلامة الكبير القاضي السيد الحاج إبراهيم الذي كان قاضيا بسلا ويضرب به المثل في العدل وإتباع تعاليم الإسلام.
وجده العلامة الجليل السيد محمد الذي كان من علماء سلا وعدولها وأفاضلها ووجهائها. ووالد جده العلامة الكبير والقاضي الشهير السيد محمد الذي كان أسند إليه قضاء سلا ونواحيها في حدود سنة 1220.
وكان يضرب به المثل في العدل والمساواة بين الخصوم وفي الحفظ والإتقان حتى أنه كان يحفظ مقامات الحريري عن ظهر قلب وسجل في شرحه لقافية ابن الونان الشهيرة المشتمل على مائة كراسة تشهد بعلمه الغزير ومشاركته في كثير من العلوم
وأهليته للدخول في زمرة رواد الأدب العربي عن جدارة واستحقاق.
وقد حملته ثقته بعلمه أن أهداه لأمير المومنين مولانا سليمان بن محمد العلوي رحمه الله فسر به سرورا كبيرا وقدم له هدايا نفيسة وسجل سروره به في أول ورقة منه بخطه قائلا :
« من منن الله على عبده سليمان بن محمد أن ملكه هذا الشرح العجيب».
ومن مآثره أنه بإجلاء اليهود من حيهم الكائن في وسط المدينة المعبر عنه بالملاح إلى حي جديد بعيد عنه وذلك سنة 1222هـ.
وجد والده العالم الجليل الشيخ أحمد الذي كان معروفا في مختلف أوساط سلا بالعلم والعمل والزهد والأخلاق الكريمة.
ولادته ونشأتـــه :
 ولد في شهر رجب الفرد سنة 1277 من والدين كريمين هما العلامة القاضي العدل السيد الحاج إبراهيم الجريري والسيدة خديجة كريمة العلامة المدرس السيد الحسن بن العلامة الكبير القاضي النزيه السيد أحمد ابن بناصر معنينو، ونشأ في بيئة إسلامية جامعة نشأة مثالية لائقة بأمجاده.
مشيختـــــــــه :
قرأ القرءان الكريم على الفقيه الصالح الرحالة ذي الخط الجميل السيد الحاج أحمد خضور السلاوي حتى استظهره كما استظهر عليه جملة من متون العلم المتداولة في عصره.
ثم اشتاقت نفسه لحضور مجالس العلم على علماء سلا فأذنه والده بذلك فلازم مجالس كبار العلماء المعروفين في أواخر القرن الثالث عشر وأعرف منهم السادة :
1- الحاج إبراهيم الجريري والده.
2- عبد الله بن السيد الحاج الحارثي حجي.
3- المكي بن الحاج محمد الصبيحي لازمه ملازمة الظل للشاخص عدة سنوات وهو عمدته.
4- أحمد بن خالد الناصري.
5- عبد الله ابن خضراء.
6- الحاج محمد بن عبد السلام بن الحاج.
7- الحسن بن إسماعيل.
8- محمد بن عثمان زنابير.
لازم دروس هؤلاء الإعلام إلى أصبح في عداد العلماء، وحيث أنه لا حد للكمال ولا نهاية للفضيلة فإن والده المقدس طيب الله ثراه وجهه سنة 1298هـ إلى جامعة القرويين بفاس ليرتوي من معينها علا بعد نهل فلازم مجالس أئمة العلم بها كالسادة :
1- الحاج محمد بن المدني كنون.
2- عبد المالك « الضرير».
3- أحمد بن الخياط الزكاري.
4- محمد بن قاسم القادري.
5- محمد بن التهامي الوزاني.
6- عبد السلام الهواري.
7- الحاج صالح التدلاوي وزير الخليفة السلطاني بفاس مولاي اسماعيل بن محمد العلوي رحم الله الجميع.
ما أقرأه من الكتــب :
ولما أصبح بحرا في جميع العلوم المتداولة في عصره رجع إلى سلا سنة 1302 ونزل إلى ميدان التدريس بشجاعة نادرة وصبر فاق فيه شيوخه وأقرانه – فالتف حوله طلبة العلم البارزون وصاروا يرتوون من بحره الفياض فدرسوا عليه ما يأتي :
1) مختصر الشيخ خليل بشروحه المتداولة، الدردير الخرشي الرزقاني.
2) رسالة ابن أبي زيد القيرواني بشرح أبى الحسن.
3) المرشد المعين بشرح ميارة الكبير والصغير.
4) توحيد ابن عاشر بشرح الشيخ الطيب ابن كيران.
5) الزقاقية بشرح الشيخ التاودي.
6) التحفة بشرح الشيخ التاودي.
7) جمع الجوامع بالمحلى وبناني.
8) السلم بشرح القويني.
9) الأجرومية بشرح الأزهري.
10) الجمل.
11) الالفية بشرح المكودي.
12) اللامية.
13) منظومة الشيخ الطيب ابن كيران في علم الاستعارة بشرح البوري.
14) همزية البوصيري بشرح بنيس.
15) بردة البوصيري.
16) كتابا في الجغرافية لا أعرف اسمه.
وكتب لي العلامة الناسك السيد الحاج محمد المريني أبقاه الله أن المترجم له كان قد رأى في منامه أنه ختم صحيح البخاري بالضريح الإدريسي بفاس.
قال الكاتب: « ولما وصل لفاس التقينا به عند السيد العربي بن سليمان عم الفقيه السيد محمد ابن سليمان فطلب محلا خاصا به في الضريح فلم توجد إلا غرفة صغيرة في الضريح كان فيها شريف صالح من زرهون فقبل أن يجلس معه وصار يرد صحيح البخاري بنفسه سوائع وكنت أحضر والأخ سيدي محمد التطواني والأخ سيدي محمد الغربي وختمه في مدة تزيد على الشهر ولم يقبل منا أن نعيمه في السرد رغم أنه كان ل يرى إلا بعين واحدة» إلى غير ذلك من الكتب المتداولة في عصره، ولا أعلم هل سبق له أن اشتغل بالصحيح قبل هذه المرة وهل كان يقتصر على السرد كما فعل بفاس أم كان يشرح.
تـلامذتـــه :
تخرجت من المدرسة الجريرية أجيال عديدة أثناء ما يقرب من خمسين سنة التي قضاها في التدريس ونشر الفضيلة أي من سنة 1302 التي رجع فيها من فاس وابتدأ التدريس إلى سنة 1351 التي ترك فيها التدريس لضعف بصره.
وقد تخرجت عليه فيها طبقة كبرى من العلماء يفتخر بها التاريخ المغربي وطبقة ثانية تليها سد الجميع فراغا كان يجب أن يسد. وسأذكر فيما يلي نماذج من الطبقة الأولى وأتبعها بنماذج من الطبقة الثانية :
الحاج الهاشمي ابن خضراء، الحاج أحمد بن عبد النبي، زين العابدين ابن عبود، إدريس ابن خضراء، الحاج محمحد الصبيحي، حجي بن محمد زنبير، محمد بن احساين النجار، محمد بن عبد السلام السائح، أبو بكر زنبير، الحاج العربي الناصري، عبد القادر التهامي الوزاني، الحاج أحمد الصبيحي، إبراهيم بن أحمد التهامي الوزاني، محمد المنصوري ، محمد بن علي الدكالي، محمد بن الطيب العلوي، الطيب بن القرشي الناصري، الحاج محمد المريني، إدريس الجعيدي، الحاج محمد بن علي عواد، عبد الصادق أطوابي، الحاج أحمد معنينو، محمد القادري، عبد الله القادري، أبو بكر القادري، الحاج العربي عواد، جعفر بن أحمد الناصري، الحاج أبو بكر بو شعراء، جعفر بن السعيد العلوي، الحاج مصطفى قنديل، الحاج محمد قنديل. إلى غير ذلك من العلماء والفقهاء الذين لم تحضرني أسماؤهم الآن.
 المساجـد التــي أقـرأ فيهــا :
1) المسجد الأعظم.
2) ضريح سيدي أحمد حجي.
3) الزاوية الناصرية.
4) الزاوية القادرية.
5) سيدي المخفي.
6) المصلى . نعم كان يلقي دروسا في الجغرافية والوطنية الربانية في مصلى العيد ويرسم لتلامذته خريطة فوق الرمال.
شخصيتـــــه :
كان رحمه الله إماما من أئمة العلم وشيخا من شيوخ المعرفة وجبلا من جبال الدين التي يعز
ظيرها في كل زمان ومكان، وكان يعطي الدليل العملي على صحة ما نقرؤه في كتب السيرة والتاريخ من أوصاف الصحابة والتابعين والعلماء العاملين أئمة الهدى ومصابيح الدين مشاركا في العلوم الأربعة عشر كلها من تفسير وحديث وسيرة وفقه وتوحيد وتصوف وأدب ولغة وصرف ومعان وبيان وبديع وحتى الجغرافية. غير أن الذي كان يغلب عليه منها الأصول والفقه والتوحيد والسيرة النبوية والتصوف. لم يبلغ أحد في عصره مبلغه في العمل بالعلم والتفاني في التشبت بتعاليم النبي صلى الله عليه وسلم تفانيا أصبح مضرب الأمثال وبتحديث عنه في هذا الباب بالحوادث المدهشة المطربة التي تذكرك بزهد الصحابي الجليل أبى ذر الغفاري وبالإمام أحمد بن حنبل وأئمة السلف الصالح الذين تحدث عنهم الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصغياء رضي الله على الجميع.
وكان من العلماء القلائل الذين يجدون لذة كبرى في التدريس ونفع الخلق عدة دروس في اليوم ويصدر عدة فتاوي يقصد بها وجه الله تعالى وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما سمعه من الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه (العالم إذا أراد بعلمه وجه الله تعالى هابه كل شيء وإذا أراده يكثر به الكنوز هاب من كل شيء).
وكان مخلصا لله ومخلصا لعباد الله طوال عمره لم يحد عن هذا المبدأ طرفة عين فأنتج له هذا الإخلاص ظهور ينابيع الحكمة على لسانه. وقد قال مكحول الإمام الجليل رحمه الله (ما أخلص عبد قط أربعين يوما إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه) أقول فكيف بمن أخلص لله عمره كله.
والمؤسف جدا أن نصائحه وتوجيهاته لم يعتن بتدوينها فضاعت وضاع معها جزء من الفلسفة الإسلامية الصحيحة.
لم يبلغ أحد من أهل عصره مبلغه في ميدان التقوى والزهد في الدنيا وهذه في الكرامة الكبرى التي يتفضل بها الله سبحانه على المحبوبين من عباده. ولله در الإمام القشيري رحمه الله حيث قال : (أعلم أن من أجل الكرامات التي تكون للأولياء دوام التوفيق الطاعة والعصمة من المعاصي والمخالفات).
قال الحافظ النووي في بستان العارفين معلقا عليها :
(يدخل في المخالفات ما ليس بمعصية كالمكروه كراهة تنزيه وكترك الشهوات التي يستخب تركها).
وهكذا اجمع الناس على أن المترجم له لم يفعل في عمره كله مكروها وانه كان يترك الشهوات التي يستحب تركها.
وكان متواضعا لدرجة كبرى لا يرى لنفسه مزية وهو مجمع المزايا.
كنت أراه كثيرا ما يمر بأزقة بلا منفردا وهو ضعيف البصر لا يريد أن يصحبه خادم أو ولد، وكنت أنا إذ ذاك أسكن في ذلك الزقاق وأتردد على المكتب القرآني الكائن بدرب التيال الذي كان يديره الفقيه الناسك السيد محمد فتحي بو شعراء رحمه الله، وكان غيورا على الدين والوطن تجلت غيرته في كثير من المواقف أهمها تزعمه للعريضة التاريخية التي وجهها لأمير المومنين محمد الخامس طيب الله ثراه احتجاجا على استصدار الفرنسيين للظهير البربري سنة 1930 ذلك الظهير الذي أراد به تمزيق وحدة المغرب إلى شطرين، شطر يتحاكم إلى الشرع في الأحوال الشخصية نقط وشطر يتحاكم إلى العرف تمهيدا لإدماجه في حظيرة الشعب الفرنسي.
وكان يفتى بتحريم بيع أراضي المسلمين إلى الفرنسيين حتى ولو كانوا يشترونها من أجل مصالح المسلمين العامة بحسب الظاهر، ويتحدث عنه في هذا الباب بما يجعله في صفوف رجال السلف الصالح.
كتب لي العلامة السيد الحاج محمد المريني قائلا: ( ومن تحريه وتثبته في الإفتاء أنه كان إذا أتاه السائل يجلسه في الأسطوان كما أخبرني بذلك صديقي سيدي الطيب الناصري وغيره ويدخل للمنزل ويراجع المسألة رغم أنه متحقق بالنص الفقهي فيها، كل ذلك كان منه رحمه الله تحريا.
أما منهجه في الإفتاء فكان رضي الله عنه لا يعتمد إلا على معيار الونشريسي كما أخبرني بذلك من
كان يلازمه ويزيد في فتواه القواعد الأصولية وغيرها فكان في الفتوى بكل معنى الكلمة).
وكان يحب آل البيت محبة كبرى على طريق كبار العارفين كابن عربي الحاتمي وأبي مدين الغوث رضوان الله عليهم.
ثــناء النـــاس عليــه :
- أولهم الإمام العلامة المشارك السيد محمد بن أحمد العلوي رحمه الله قاضي مكناس كتب لي السيد الحاج محمد المريني قائى :
- كان شيخنا العلامة المشارك سيدي محمد ين أحمد العلوي لما كان في مجلس الإستئناف إذا جاءته فتوى الجريري في قضيته يقول لمن معه فتوى فلان لا تناقش وكان يفارقه مدة طويلة وكان والدي السيد أبو بكر المريني رحمه الله هو السبب في تعارفهما وكان يجتمعان في نوالة بستانية قريبة من الزواية الكتانية في كل عشية، وقد وجد كل منهما ضالته المنشودة في الآخر، فبذكرهم تتنزل الرحمات وقال لي والدي أنه كان يسمعهما يتذاكران ولم يدر شيئا مما يقولان لتعمقهما).
- ومنهم الإمام المحدث الفقيه الأصولي السيد محمد بن عبد السلام السائح الرباطي رحمه الله ذكره بعض كتبه المطبوعة واصفا له بعنقاء المغرب « الطائر المجهول الجسم الذي لم يوجد» وهي كلمة تدل على أنه المنفرد في الدنيا بكل مزية.
- ومنهم العلامة الكبير السيد محمد بن عبد السلام الروندة رحمه الله وزير العدل وقف على فتوى قيمة أصدرها المترجم له فوافق عليها ووصفه بالفقيه المشارك العلامة المحقق النوازلي المفتي، أطلعني عليها قاضي سلا الحالي السيد أبو بكر بوشعراء حفظه الله.
- ومنهم والدي رحمه الله قال لي عنه :
أنه نموذج حي من رجال السلف الصالح الذين يقل نظيرهم في كل زمان ومكان، وزاد قائلا: ولقد حضرت بعض دروسه في علم الأصول بالمسجد الأعظم بسلا استفدت منها استفادة جعلتني أعده من شيوخي.
- ومنهم العلامة الصوفي السيد محمد بن إحساين النجار رحمه الله، قال لي لقد انتفعت كثيرا بأستاذي العلامة سيدي أحمد الجريري ولازمت دروسه مدة طويلة وهو الذي جراني على الفتوى.
ولقد كنت لا أوقع على الفتاوي التي أكتبها إلا بعد أن أعرضها عليه ويسلمها لي، وزاد قائلا: لقد كان من الذين لا يخافون في الله لومة لائم، كنت يوما معه في جم من كبار علماء فاس مكرمين عند باشاها العلامة الجليل السيد الحاج محمد الصبيحي رحمه الله فنطق بمضهم منتقدا بعض الصلوات النبوية التي كان بعض شيوخ التربية بفاس يلقنها لأصحابه فما كان من الشيخ الجريري إلا أن تصدى له محللا الصلاة المذكورة تحليلا علميا وعرفانيا ومستدلا على سموها بالقواعد النحوية والبلاغية والصوفية حتى أفحم المعرض وسلم له كلامه وكان من يحظى بتأييد من الحاضرين.
 وكتب لي السيد الحاج محمد المريني قائلا :
أنه مما من الله علي به أن حضرت بعض الدروس في ضريح سيدي أحمد حجي رضي الله عنه في شهر ربيع الأول التي كان يلقيها شيخ الجماعة الزاهد الورع المحقق السلفي بكل معنى الكلمة سيدي أحمد الجريري في شرح الهمزية للإمام البوصيري رحمه الله، وفي بعض الدروس بعد ما شرح البيت من جميع الفنون المتعلقة به ولم يتكلم الشارح على الجامع بين كذا التفت الشيخ يسئل الحاضرين عن الجامع فلم يجنه إلا واحد ولم يعجنه الجواب، فصار يقول : الجامع بين كذا وكذا، هو كذا كذا، ببيان نادر حتى أنه لم يشعر بسقوط كأنه عن رأسه وانكشف مقدم رأسه فرأيته فاعلا الوفرة، ورأيت ألكاء ممزقا من جهة خده، وكان من قطن اعتاد أهل سلا أن يصنعوه في معمل خاص.
- ومنهم أخونا الفاضل العلامة السيد عبد الله الجريري حفظه في الجزء الثاني من كتابه « أعلام الفكر المعاصر بالعدوتين»، قال ما لفظه: (كان مقبلا على ربه غير مبال بزخارف الحياة وزهرتها لا يقيم لنفسه وزنا بما قدر له من الرزق الحلال الموروث عن والديه بل كان أحيانا يشتغل بخدمة فلاحته فيعمل في حقل له بيده ولم تتشوق نفسه للمناصب العالية وع أهليته وكفاءته.
وكان يفتي للناس إذا نزلت بهم نازلة فيجلى فيها ما أوتيه من اطلاع وتحقيق جالبا النصوص المطابقة للواقع والصواب، وما ثبت عنه أنه استلم أجرة عن أي نازلة.
- ومنهم أخونا الأستاذ المقتدر السيد محمد فتحا الغربي السلاوي نشر له ترجمة حافلة على صفحات جريدة السعادة، وكان إذ ذاك مراسلها بسلا وضعته في صف رجال السلف الصالح، وقد استفدت منها كثيرا في هذه الترجمة جزاه الله خيرا وهي منشورة في العدد الصادر يوم الثلاثاء 2 جمادى الأولى 1353 الموافق 14 غشت 1934.
وفاتــه ورثـــاؤه :
أصيب المترجم له قبل موته بسنوات بضعف في بنيته وضعف في بصره لازماه إلى أن التحق بالرفيق الأعلى في أواخر الأول الموافق لأوائل يوليوز سنة 1934، وكانت جنازة حافلة بعد عهد سلا بمثلها ودفن بالزاوية الدرقاوية مأسوفا عليه من الجنة والناس.
وبمناسبة ذكراه الأربعينية له أدباء العدوتين وشعراؤها بالزاوية الدرقاوية بعد عصر يوم الخميس 4 جمادى الأولى 1353 الموافق 16 غشت 1934 حفلا خطابيا كبيرا برئاسة الصوفي السيد عبد القادر الجعيدي عميد الطريقة الدرقاوية بها وخليفة الفقيد السيد الحاج محمد بوشعراء وبمساعدة ابن أخيه العالم الأديب السيد ادريس الجعيدي ألقيت بها كلمات عامرة وقصائد رائعة اذكر منهم السادة :
الحاج محمد الصبيحي، الحاج محمد بن اليمني الناصري، عبد الله بن العباس الجراري، أبو بكر الكتاني، العربي مفيئو، محمد حركات، وأحمد العمراوي الطالب إذ ذاك بالقسم النهائي بكلية القرويين والعلامة الجليل القاضي بوزارة العدل.
رحم الله السلف وأبقى البركة في الخلف، وهذا نص قصيدة القاضي العمراوي حفظه الله نقلا من جريدة السعادة المؤرخة بيوم الأربعاء 24 جمادى الأولى 1353 الموافق 5 شتنبر 1934 :
ذهلنا واللهول بنا جدير
             وحل بشعبنا خطب عسير
وجرعنا كؤوس الحزن ملـئ
            وأرسلنا دموعا لا ثغور
لموت الحبر بحر العلم من قد
           غدت شوقا له العليا تسير
أبي العباس أحمد ذي المعالي
            وحيد العصر ليس له نظير
لقد كان البقية من أنـــاس
           مضوا قدما وفقدهم خطيــر
إذا ما ذكرت نساكا تجدهــم
           كواكب وهو بدر المنيـــر
أو لزهاد قدوتهم تجــــده
          كعميان سروا وهو البصيــر
أو الورعين أوسطهم كمقــد
         لئاليه على الوسطى تــــدور
أو العلماء أوسعهم علومــا
         كنهر وهو بحرهم الغزيــــر
أو الفقهاء أسماهم مقامـــا
         كطير بيــن بازاذ بطيــــر
بكى الاسلام لمـــا أن رآه
         فقيدا حيث كان له نصيـــــر
كذلك أمة للإسلام تبكـــي
        عليه كبيرها وكذا الصغيـــــر
فانفـــنا فدته لو استطاعت
        وكيف وقد أتى خبــر نذيــــر
فعش ما شئت واصحب ما تشاء
         فكل للفنا حتمـــا يصيـــــر
أبو العباس طاب القول فيكــم
            كما طبتهم وفاح لكم عبيــــر
وطاب لسان مدح كان فيكـــم
           وطاب السمع وانشرحت صــدور
لئن وليتم هنا يقينـــــــا
           مفاخركم دواما لا تبـــــــور
تركتم زينــة الدنيـــا دلالا
          وفيها أنها ظـــل يسيــــــر
 
وأقبلتــم بجـد واجتهــاد
         علـى الأخرى وما لكـم تفــور
لقـد تاقت لروحكــم سمــاء
         كمـا تــاقت لجسمـكم القبـور
عليكـم أمطر الرحمـن دومــا
        سحـائب رحمة فـــورا تفــور
وأسكنكمـم من الفـردوس أعـلا
         مقــام حيث ولــدان وحــور
وغفــران وأحسـان وعفـــو
         ورضوان من المـــولى كبيــر
وللسيد الأصمعي كلمة قيمة في رثاء المترجم له نشرتها جريدة السعادة في أبنائها تحت عنوان: (فجيعة سلا بعقد الشيخ الوقور الجريري) لولا خوف الطول لاثبتها بنصها، وهي منشورة بالعدد الصادر يوم السبت 15 ربيع الثاني 1353 الموافق 28 يوليوز 1934.
مجلات فاس؟
«... وفي فترة دراسته بالقرويين ما بين ( 1342- 1352 هـ/ 1923- 1933 م) كان متصلا بنخبة من رفاقه في الدراسة، وكانوا يطالعون ما يصل إليهم من الكتب الشرقية، والجرائد والمجلات وكتب الأدب والتاريخ، بفضل اجتماعات بمحلات سكناهم بالمدرسة، وبفضل ما كانوا يلزمون به أنفسهم من حفظ الأشعار المختارة وشرحها وعرضها عند الاجتماع، وبفضل أحدائهم مجلات شهرية أعطوها أسماء باختيار لله، وكانوا يكتبون فيها، ويوزعونها على أعضائهم لا تتجاوزهم إلى غيرهم... »
من مقدمة التعريف بالأستاذ المرحوم عبد الواحد العلوي في (كتاب المواريث) طبع بمطبعة محمد الخامس- فاس سنة 1398 هـ- 1977 م. فما هي مجلات فاس هذه؟ . السؤال ورد علينا من الباحث الأستاذ زين العابدين الكتاني مؤرخ الصحافة المغربية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here