islamaumaroc

المجتمع والأخلاق عند برجسون

  دعوة الحق

24 العدد

هل يتطلب المجتمع أخلاقا مغلقة ؟
لا بد لنا من نظرة طائرة تحيط بذلك الذي يوجه الفيلسوف اتجاها معينا. ثم يثبت ليده هذا الاتجاه فيصبغ به حياته وفلسفته ويلون بأضوائه ما يراه من معالم الكون والناس والأشياء.
لا نقول عن ذلك الاتجاه ينبعث من شيء واحد أو حدث واحد يجيء كالصاعقة فيندفع في إرجاء النفس والعقل. لا يني حتى ينتظمها جميعا في وحدة واحدة هي وحدة العناء بهذا الأمر الصاعق – لا نقول هذا لأننا نؤمن بالطفرة أو على الأقل لا نؤمن بها على أنها طفرة بالمعنى الذي تتداوله بعض الإفهام من أنها شيء غير مسبوق وغير منطقي مع ظروف الزمان والمكان والإمكان ومن ثم شيء يجيء على غير توقع ويؤدي ما ليس متوقعا فإن الصاعقة نفسها أمر له مقدماته وإن كانت بطيئة وئيدة منثورة المعالم متباعدة الآثار ثم هي أيضا أمر محدد معالم النتائج إذا أنفسح للعقل من النطاق والأدوات ما يتيح له أن يقف على محصلة المقدمات : قوة واتجاها وطبيعة وتفريعا. وليس من شان هذه العجالة أن تخرج عن موضوعها وتستهدف برجسون نفسه بالبحث والفحص والتعمق والعيش معه وفي باطنه وبين ملابسات حياته وشؤونه قبل ولادته في لإمارتين بباريس في 18 أكتوبر عام 1859 إلى أن عاجلته ذات الرنة في 4 يناير عام 1941. لكي نقف على نسف الأحداث والانفعالات والأفكار التي كونت اتجاهات فيلسوفنا الراقد في مقبرة جارش والذي انتظمت موجة حياته 41 عاما من القرن التاسع عشر و 41 عاما من القرن العشرين.
ويكفينا أن نزعم هنا أن العامل الأول والأكبر قي اتجاهات برجسون هو النفسية الانطوائية التي نلمسها في مدارج حياته وفي إطواء كتاباته – تلك النفسية الانطوائية التي عكفته عن الاختلاط بزملائه في قسم الفلسفة بمدرسة النورمال حتى قالوا عنه مازجين انه رجل بغير روح.
قل إنها ترجع إلى نشأته أو إلى علته أو قل إنها بصدر عن وراثته أو عن ديانته أو قل إنها تتفرع عن نقص أو عن امتياز –قل ما شئت وكيف شئت فإنه على كل حال ولد هزيلا ومات عليلا، جاء زهيدا وذهب قعيدا وعاش مع نفسه أكثر مما عاش مع الناس وأحس بخلجات باطنه أكثر مما استمتع بحركة الناس والأشياء.
وإن نذكر النفسية الانطوائية فإننا نلمس شيئا آخر يتوافد معها بل يتلاصق. فالانطوائية تستتبع النرجسية وقد كان لابد لبرجسون أن يكون نرجسيا بظروف حياته كلها دون أن نحتاج إلى النظر فيها قطعة قطعة وتفصيلا تفصيلا.
ومن خلال هذه النفس الانطوائية الفريدة استطاع برجسون أن يخرج كل هذه الكنوز التي أوجدت فتحا جديدا في عالم الفكر ونشاطا موصولا في دنيا الفلسفة.                 
نقرأ في أكثر من تعليق أن برجسون كان من فلاسفة الاثنينية ويستدلون على اثنينيته ببعض الشواهد من سياق حديثة وتفصيل كتاباته وبعض هذه الشواهد صحيح في دلالته غير أنها دلالة ثانوية. أما الشواهد الأخرى الجوهرية فإنها لا تثير إلى اثنينية في واقع أمرها وإنما تشير إلى شيء آخر يبعد عن الاثنينية بعدا قل أو كثر.
بل إن شئت التعداد رأيت الثلاثية واضحة عنده في معنى من المعاني : الزمان والمكان والدهر الكيف والكم والديمومة، التجربة والنظر والكشف.... فهو لا يهدم الاثنين الموجودين في سوق الآراء ويسلم لها بمنطقة اختصاص ولكنها منطقة اختصاص لا تمتد إلى المطلق وإنما تقف عند حدود المنفعة والنشاط العملي والقشرة السطحية. أم اللباب والأعماق وما تحت السكون الظاهري من حركة لا تني فلها شيء ثالث لمحه برجسون في طيات نفسه وفكر فيه على مدى ما تصل إليه أماده وإبرازه سبيلا إلى المطلق ورأي فيه الطريق إلى تفسير مشكلات الحياة والكون والله.
فيلسوفنا إذن إنما بحث عن الثالث المجهول وإني بالثالث المجهول ليصحح به الأوضاع وينظم به نطاق المطلق وقد استخرجه من باطن نفسه فبحث عن سر عبقريته وعن جوهر كيانه فنادي به هذا إلى أنه قد وهب شيطانا مريدا طويل الباع والذراع لا تقف دونه عقبة ولا تعتور طريقه أشواك. فهو يصل بهذا الشيطان الفريد إلى الفهم مباشرة وإلى الوقوف وجها لوجه أمام الحقيقة في عربها الجميل.
فالعلم محدود بأدواته والعقل محصور في اعتباراته وكلاهما ينغمس في عوالم ميتة أو شبه ميتة أو على الأقل مقطعة الأوصال مفككة الروابط موقوفة عن الحركة وعن الصيرورة. فهي إذن ليست على نفس المعالم لأنها تنظر في غير مدرها ومسارها وفي حالة أخرى هي حالة الوقوف والتقطيع والتجريد في كلمات تنتظم كل شيء ثم تنجلي عن لا شيء كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.
فما هذا الذي يدرس الأمور في حركتها وفي مدارها. وهو من ثم لابد أن يعيش معها وفيها أنه ليس العلم وقد اخطأ ولا مناص من أن يخطئ. وليس العقل وقد ضل ولا مناص من أن يضل. وإنما هو «الحدس» هو العيان المباشر. العيان الباطني الذي لا تحده أدوات الحس في قصوره وسكونها. ولا توقفه قواعد الاستدلال في تيهها وشطحاتها. إنه الإشراق بالمعرفة. أنه الكشف الصوفي. إنه التغلغل في ذرات الأشياء والتجاوب معها. أنه اتحاد بالطبيعة الطابعة والطبيعة المطبوعة معا أن صحت استعارتنا لكلمتي سبينوزا. انه العلم الذي ما إن وقف عليه الحلاج حتى قال : أنا الله.
كيف يتأتى هذا الحدس وما هي مقدماته والعوامل عليه ؟ هي المشكلة الثانية التي تممت منهج برجسون وأعطته الصورة النهائية فبقيت معه حتى آخر حياته. إن برجسون نفسه يعترف بعجزه عن تعريف الحدس وشبهه بشيطان سقراط. فهو شيء لا نخلقه ولا نوجده وغنما هو يأتي فجأة ويحصل طفرة ويصل إليه الموهوبون. عن طريق هذا الحدس المتغلغل في صميم الأشياء. وصل برجسون إلى «لازم» جديد هو اكتشافه الأكبر. وهو «الديمومة» التي هي تغير متصل وتجدد دائم. هي صيرورة وحركة تنتظم الماضي والحاضر والمستقبل معا.
وإنك لتسمع على برجسون وهو يتحدث عن نشأة الحدس في بدايته عنده أو عند الفيلسوف فكأنك تقرأ سيرة الغزالي في منقذه. فالشيطان الذي يهمس عند برجسون بالنفي وبكلمة مستحيل هو نفس حالة الغزالي حين انهارت ثقته في العلم وفي الفكر وفي المنطق وكانت هذه هي الفاتحة إلى اتجاهه لطريق الصوفية وقد كان لبرجسون من حياته وعزلته وانطوائه ما يجعله على صلة وثيقة بالحركة الهائلة التي تدور في باطن النفس الإنسانية –حركة لا تقف ولا تنقطع. حركة ذات نزوات وبدرات يحس بها من خلال نفسه فترة طويلة من الزمن ويقل الإحساس بها في غمار حركة العالم الخارجي التي تشغله عن رؤية الحركة الباطنة في كامل قوتها.     
وليس لنا أن نعرض لكل ما تعرض له ففسره ولونه بألوان الحركة الدائبة والتطور المتداخل الذي يأتي دائما بجديد في وثبات حيوية مفاجئة. وإنما الذي أردنا أن نمهد له بكل هذه التوطئة المجهدة فهو أن برجسون قد سار في كتاباته جميعا على هذا المنهج  وتطبيقه وأتى الخلاق والدين بنفس المنهج فبحث عن الثالث المجهول حتى أبدعه وأدخل في حسابه الحيوية الديناميكية بصورة أو بأخرى.
ولدنا وفينا عادة الشعور بضغط المجتمع أو على الأقل تعتبر هذه العادة أقدم ما في ذاكرة البشرية ونبصر على الفور أن هناك أمرا ونهيا من جانب وطاعة وانصياعا من الجانب الآخر.
والمجتمع يتكون من تجمع إرادات فردية مثلما يتكون الكائن العضوي الطبيعي من تجمع خلايا. والارتباط والتماسك بين الإرادات في الأول يعدل ما بين الخلايا في الثاني. إذ تلعب العادة نفس الدور الذي تلعبه الضرورة في الكائنات الطبيعية.
ولكن هل تمحي الإرادة الفردية أمام سلطان العادة وضغطها ؟ الواقع أن هناك صراعا مركزا بين العادة والإرادة. فكل من عادات الطاعة تحدث ضغطا على إرادتنا ونستطيع التملص من عادة ما غير أننا أذاك ننجذب إليها ونعود من جديد كما يعود البندول إذا أبعد عن الخط الرأسي –ومن ثم نحس أننا مجبرون على الرضوخ للعادة. فإذا كان هذا هو شان العادة فما هو شأن الضغط الاجتماعي والإلزام الاجتماعي ؟ أنه
شيء ضخم جدا في سلطانه إذا قيس بسلطان العادة حتى ليعتبر سلطان العادة إلى جانبه كما مهملا. ومع ذلك فإن من بين العادات تكاملا يجعلها تندمج اندماجا تاما في الإلزام في عمومه بحيث أن الكل يمنح لكل جزء سلطته الشاملة الكاملة ولا يمكن أن ينظر إلى تلك العادات منفصلة على أنها إلزامات صغيرة تتضام تضاما إضافيا. والقوة التي يستمدها الإلزام في الجزئي من جميع الإلزامات أقرب شبها بنشقه الحياة التي تنشقها كل من خلايا الجسم الواحد فهي تنشقها كاملة غير منقسمة من أعماق الكائن العضوي الذي هي عنصر من عناصره.
وإذا كان من فعل هذا الاتحاد الاجتماعي ما نرى من إجماع الناس على امتداح بعض الفعال واستهجان البعض الآخر فمن فعله أيضا تلك المسحة التي يحافظ عليها الجميع والتي من شأنها أن يبدو المجتمع في صورة المتكامل المتبع في قواعده حتى حين تكون تعاليمه الخلقية غير متبعة. فالشر يخفي نفسه والسر يحافظ عليه الجميع بحيث أن كل إنسان يكون ضحية للآخرين. ومن ثم نعتقد في قرارة نفوسنا أن الناس خير منا. وعلى هذا الوهم السعيد يرتكز جانب كبير من الحياة الاجتماعية.
من أين يأتي الإلزام لأوامر المجتمع ؟ الواقع أن القوانين التي يصدرها المجتمع والتي تصون النظام الاجتماعي تشبه من بعض النواحي قوانين الطبيعة ونقول تشبيها لئلا يختلط الأمر بين قانون وقانون. يقول الفلاسفة أن هناك قانونا يقرر وقانونا ينظم. وهما أمران متغايران. الأخير يلزم ولا يتطلب ضرورة فهو يمكن تفاديه. أما الأول فلا محيص عنه تخضع له الوقائع والاستثناء منه لا يمكن أن يكون قاعدة مثل القوانين الفيزيائية ومبادئ الميكانيكا. وهذه الحالة تخلع على مثل هذه القوانين الصفة الآمرة عندما تبلغ درجة معينة من التعميم وكذلك الصلة الآمرة التي توجه إلى العالم تتمثل لدينا كقانون من قوانين الطبيعة.
وحين تتقابل هاتان الفكرتان في العقل يقوم بينهما تبادل. فالقانون الطبيعي يأخذ من الأوامر ما فيها من إلزام والأوامر تستقي من القانون الطبيعي ما فيه من لا محيطية وبالتالي فإن مخالفة النظام الاجتماعي تكتسي صفة مضادة للطبيعة وهي حينما يطول تكرارها فإنها تتخذ طابع الاستثناء وهو للمجتمع بمثل المسخ في الطبيعة.
وعلى كل حال فإن كل شيء في العالم يساهم في جعل النظام صورة محاكية للنظام الذي تتبعه الأشياء في الطبيعة وكل منا إذ يلتفت نحو نفسه يحس إحساسا واضحا بأنه قادر على إتباع ذوقه ورغبته أو نزوته. وأنه مستطيع عدم التفكير في الآخرين من الناس ولكن ما أن تساوره هذه الرغبة حتى تنبعث قوة معارضة قوامها جميع القوى الاجتماعية مجتمعة. والإحساس بهذه الضرورة مصحوبا بالشعور بالقدرة على التملص منها هو نفسه ما نسميه الإلزام. فهو بالنسبة للضرورة كالعادة بالنسبة للطبيعة.
ولكن ليس مؤدى هذا أن إلزام الكلي قادم من الخارج ومفروض على الإنسان بدون رضاه وان هذه الاجتماعية ليست كل ما في الإنسان فإن له صلة بنفسه كما له صلة بالمجتمع. ومن ثم فغن الفرد لا يضيع في غمار تماسك المجتمع وتكامله وترابطه وإلزامه فالتماسك الاجتماعي لا يوجد إلا بوجود «أنا اجتماعي» مضافا إلى الأنا الفردي. وتنشئة هذا الأنا الاجتماعي هو جوهر التزامنا نحو المجتمع. والمجتمع إنما يسيطر علينا بإيغاله في باطننا فهو فينا حيثما نكون.
ولنحلل الآن الإحساس الندم في نفس أحد عتاة المجرمين. إننا في بادئ الأمر قد نخلط بينه وبين الخوف من العقاب ويدفعنا إلى هذا الخلط ما يجهد فيه الآثم من احتياطات دقيقة في إخفاء جريمته وعدم كشف أمره وما يقلقه من تصور أن تفصيلا من تفاصيل الاحتياط قد أهمل فتمسك العدالة بدليلها الكاشف. ولكن نظرة أخرى عميقة فاحصة تبدي لنا شيئا آخر مغايرا –أن الأمر لدى الرجل ليس أم تجنب العقوبة بقدر ما هو محو للماضي وغزالة لآثار الجريمة كما لو لم تكن قد ارتكبت. والجهل بالشيء يقرب من عدم وجوده فعلا. غير أن الآثم إذا كان قد نجح في إلغاء جريمته في نظرة الناس فإن ضميره هو يظل عالما بالجريمة ويأخذ في إبعاده عن المجتمع الذي ود بمحو آثار الجريمة أن يرسخ قدمه فيه فما زال الناس يبدون احترامهم لشخصه كأنه ولم يعده وبالتالي لم يعد المجتمع يخاطبه هو وإنما يخاطب به شخصا آخر فكيف يعود إلى اللحاق بالركب ؟ إنما يعود حين يخاطبه المجتمع هو فيكون له كيانه من جديد. إنه يفر من التجاهل لشخصه بأن يعترف بجرمه وهو في هذه الحالة سيعاقب وسينال ما يستحق ولكن المجتمع سيخاطبه هو إذ ذاك وبعد ذلك سيعود إلى حظيرة المجتمع. وقد يحدث أحيانا أن لا يذهب الآثم إلى هذا الحد فيعترف لصديق أو لأي إنسان محترم ويكون بذلك قد عاد إلى حظيرة واقعة عند بعض الناس إن لم يكن عند المجتمع كله وهو على كل حال لم يعد غريبا تائها عاطل الشخصية وعلى العموم فإن المجتمع هو الذي يرسم للفرد برنامج حياته اليومية. فإذا ما واجه الفرد اختيار ما في لحظة معينة فإنه يختار بالطبع ما يطابق القاعدة المرعية دون وعي وبدون جهد ويسير في الطريق الذي خططه المجتمع. ومن ثم تتم الوجبات آليا أو بما يقرب من الآلية وطاعة الواجب هي في أغلب الأحيان سير مع الطبيعة واستسلام.
إلا أن الطاعة تبدو أحيانا على العكس كأنها حالة توتر ويبدو الواجب في بعض الحالات تضمن مجاهدة للذات ولو أنها حالات استثنائية. إلا أننا نلاحظها بما يصحبها من شعور حاد ونظرا لتماسك التزاماتنا فيما بينها ومهما بدا طبيعيا أن يقوم الإنسان بواجبه فإنه يمكن أن يلقى في ذاته بعض المقاومة. والتمرد الطبيعي لدى الطفل وضرورة التربية برهان قوي على هذا.
وإننا لنرتكب خطأ سيكولوجيا كبيرا إذا قلنا أن طاعة الواجب هي قبل كل شيء مجاهدة للذات وحالة توتر وشد. فالالتزام ليس واقعة موحدة لا تضاهى والأخريات. فكل عادة إنما تتضمن في الواقع اتحادا خاصا من العادات ولا تفهم من غير هذا الاتحاد ولا ينظر إليها في هذه الحالة الشاملة.
ومن هنا نشأت المشكلة التي أضلت الفلاسفة إذ اعتقدوا أن الإلزام ينحل إلى عناصر معقولة فادخلوا العقل خصما ثالثا في الدعوى ورأوا أن المجاهدة التي تقوم في وجه طاعة الواجب آتية من العقل الذي يبرر لنا العمل لكي نثبت على الطريق المستقيم عندما تثنينا عنه الرغبة أو العاطفة أو المصلحة وحتى إذا عارضنا الرغبة اللاشرعية برغبة أخرى. فإن هذه الرغبة الأخيرة وقد استشارتها الإرادة لم تصدر إلا بناء على نداء فكرة.
غير أن الميل الطبيعي أو المكتسب شيء وشيء آخر هو المنهج المعقول بالضرورة الذي يستخدمه كائن متعقل ليهب للميل قوته ولكي يكافح ما يعارضه. والواقع أنه حيث يكون الواجب مرسوما كله فنحن نلقي عليه شيئا من الظلال عندما نؤديه إلا أن السير على الطرق كما رسمها المجتمع بدون عنت ولا مشقة هو اتجاه الأغلبية الساحقة للناس. والأرجح أنه عام في المجتمعات المنحطة وهناك قوة تتوطد نسميها الإلزام الكلي وهو مستخرج مركز عن آلاف العادة الخاصة التي تعودناها في طاعة الآلاف من متطلبات الحياة الاجتماعية. وهذه القوة إنما هي شيء يسيطر بدون وعي «ينبغي لأنه ينبغي» ولا يفعل العقل فيما يجده من حجج ومسلمات ومبادئ إلا أنه يوجد انسجاما منطقيا أكبر في سلوك هو خاضع للاحتياجات الاجتماعية التي لابد منها. والإنسان في ساعات الإغراء لا يمكن أن يضحي بصالحه وعاطفته وكبريائه لمجرد الحاجة إلى الانسجام المنطقي. غير أن العقل إنما يقيم عملية تنظيم لدى كائن معقول لتوطيد الانسجام بين قواعد أو مسلمات إلزامية ولذلك رأت فيه الفلسفة مبدأ إلزام والأحرى أن نرى فيه العملية الموجهة التي تدير الجهاز ولا تسيره.
إن الإلزام ليتخذ صورة الأمر المطلق وإن كان يتعسر علينا أن نجد أمثلة لهذا الأمر في الحياة الجارية. فالأمر العسكري الذي هو أمر عسكري وبالتالي غير مسبب ولا يناقش –ينبغي لأنه ينبغي لا يعتبر أمرا مطلقا. فعبثا لا يعطي للجندي سبب من الأسباب. ومع ذلك فإنه يتخيل سبب هذا الأمر. أما صورة الأمر المطلق حقا فإننا نتصورها في حالة نحلة يختطها شعاع من التفكير فحكمت بأنها على ضلال في أنها تعمل بلا انقطاع من أجل الآخرين. إن ما ينتابها إذ ذاك من الكسل لا يدوم إلا لحظات هي التي يبرق فيها بأرق العقل ثم يصبح للغريزة اليد العليا. وتعود النحلة إلى عملها بجد ونشاط. وينظر ذلك العقل آسفا ويقول «ينبغي لأنه ينبغي».
فالأمر المطلق إذن ذو طبيعة غريزية والنشاط العاقل يتجه نحو تقليد الغريزة ونسميه العادة. وأقوى العادات هي تلك التي تتفوق في حسن تقليد الغريزة.
فالنموذج الطبيعي للمجتمع هو النموذج الغريزي والصلة التي تربط نحلات الخلية فيما بينها كثيرة الشبه بالصلة التي تربط خلايا الكائن الحي بما هي متحدة ومتماسكة ومتساندة تخضع إحداها للأخرى وإذا أردنا تصور إن الطبيعة قد أرادت الحصول على مجتمع فيه فسحة للاختيار الفردي فإنها إذ ذاك تجعل العقل يحصل على نتائج تضاهي في انتظامها نتائج الغريزة في حدتها وانتظامها وهذا هو ما سميناه الإلزام الكلي.
فالعقل والغريزة كلاهما صورة للشعور وكان لابد أن يتداخلا في الحالة الأولى للخلية ثم ينفصلا فيما بعد على خطين رئيسيين –الخط الأول غريزة الحشرات والخط الثاني يقوم على طرفة العقل الإنساني. المثل العلى لفعل الغريزة نراه في خلايا النحل ومساكن النحل أما فعل العقل فنجده خالصا في المجتمعات الإنسانية. والفرد في الحالة الأولى ملصق لوظيفته بحكم تكوينه نفسه وبحكم تنظيم ثابت نسبيا. بينما المدينة الإنسانية ذات صورة متغيرة ومفتوحة لكل أنواع التقدم. والإلزام الكلي كان يمكن أن يكون من الغريزة لو أن المجتمعات الإنسانية لم تكن في شكل ما مكللة بالتنوع وبالعقل والمجتمع الحديث أيضا إنما هو مجتمع مغلق شأنه شأن مجتمع الحشرات والمجتمع الإنساني البدائي. ولا عبرة بما تتطاير به الأقوال والفلسفات من حديث عن الإنسانية جمعاء وعن واجبنا نحو الإنسان بما هو إنسان. فالواقع أننا حين نقول أن واجب احترام حياة وملكية الآخرين حاجة أساسية للحياة الاجتماعية لا نتكلم عن مجتمع يضم الإنسانية كلها وإلا جابهنا ما يقع زمن الحرب من قتل وتدمير وغش وخداع وكذب واحتيال مما يصبح موضع المدح والتقدير. بل عن الحرب أمر عادي طبيعي كالمرض تماما. وما الصحة إلا جهد مستمر لتوقي المرض أو إبعاده وكذلك السلام هو استعداد للهجوم والدفاع بل استعداد للحرب ومن ثم فإن الغريزة الاجتماعية التي ألمعنا إليها في صميم الإلزام الخلقي تهدف دائما إلى مجتمع مغلق مهما كان متسعا ولا يمكن أن تستهدف الإنسانية كلها لأن بين الأمة مهما كبرت وبين الإنسانية مسافة كبيرة كالتي بين التناهي واللامتناهي وبين المغلق والمفتوح.
وواضح أن التماسك الاجتماعي راجع في جزئه الأكبر إلى ما لدى المجتمع من ضرورة الدفاع عن نفسه ضد الآخرين. وإننا في مبدأ الأمر حين تحب الناس الذين نعيش معهم فإنما يكون ذلك ضد كل الناس الآخرين وهذه هي الغريزة البدائية وهي ما زالت موجودة كامنة تحت ما جاءت به المدينة. وإننا حتى اليوم نحب والدينا ومواطنينا بصفة طبيعية ومباشرة بينما حب الإنسانية إنما هو مكتسب وغير مباشر عن طريق الله وفي الله يحض الدين الإنسان على حب الجنس البشير وعن طريق العقل وفي العقل الذي نشترك فيه جميعا يجعلنا الفلاسفة نتطلع إلى الإنسانية لتربنا المكانة الكبرى للشخص الإنساني هي حق الجميع في الاحترام ولسنا في هذه الحالة ولا تلك نصل إلى الإنسانية على درجات عن طريق الأسرة والأمة.
يجب أن ننتقل بقفزة إلى أبعد منها ونبلغ إليها دون أن نتخذها كغاية وذلك بتعديها. أما الأخلاق الكامنة أو الأخلاقية التامة المطلقة فإنها لا تنسجم إلا في أناس استثنائيين انبعثوا على مدى الأزمنة وعرفتهم الإنسانية في حكماء اليونان وأنبياء إسرائيل وراهنات البوذية وقديسي المسيحية ومتصوفة الإسلام وغيرهم، ويجب أن تجسد هذه الخلاق في شخصية ممتازة تصبح مثلا يحتذي.
لماذا كان للقديسين مقلدون ومريدون ؟ ولماذا كان رجال الخير الكبار يجرون خلفهم الجماهير ؟ إنهم لا يطلبون شيئا ومع ذلك يحصلون على كل شيء. إن وجودهم في ذاته دعوة بينما الإلزام الطبيعي هو ضغط ودفع. ففي الأخلاق الكاملة توجد دعوة وطبيعة هذه الدعوة لم يعرفها في تمامها إلا أولئك الذين وجدوا في حضرة شخصية خلقية عظيمة غير أن كلا منا مرت عليه لحظات ظهر له فيها أن مبادئه العادية في السلوك غير كافية فنساءل عما كان يتوقعه منه فلان أو فلان في تلك المناسبة. هذا ألفلان قد يكون والدا أو صديقا وقد يكون شخصا لم يسبق أن قابلناه وإنما حكيت لنا قصة حياته وبالمخيلة سلمنا سلوكنا إلى حكمه خاشين لومه فخورين بتأييده. بل قد يكون شخصية تولدت فينا منتزعة من صميم النفس على ضوء الضمير وهي شخصية نحس بها قادرة على أن تجتاحنا تماما فيما بعد ونريد أن نرتبط بها في الوقت واللحظة كما يرتبط المربد بالشيخ.
وقصارى القول أنه يوجد نوع من الإبداع الخلقي يبتدئ بين الوقت والوقت لدى بعض الوجدانيات الاستثنائية الرقة واللطف والتضحية بل البطولة المصحوبة بحماس خارق وبأفعال تحدد الخطوط الايجابية لما يسمى بالعدالة والخير في تاريخ معين وبلد معين بحيث تلمع في الأفق لمعانا وهاجا وبحيث أن أولئك الذين يمارسونها يضربون بأنفسهم أمثلة تعتبر عدوى متنقلة.
عندما يتخذ الخلق هذه الصورة فإنه لا يكون موجها إلى حماية مجموعة إنسانية ضد مجموعات إنسانية أخرى كما تفعل الخلاق المغلقة : أنه ينظم للإنسانية كلها أنواع الدفاع والحب. والبطولة لا يوعظ فيها بل هي تظهر فقط ومجرد ظهورها ووجودها يمكنه أن يحرك الآخرين لأنها هي نفسها عود إلى الحركة وهي تصدر عن انفعال –يعدى ككل انفعال- قريب من فعل الخالق. والدين يعبر عن هذه الحقيقة بطريقته الخاصة عندما يقول إننا في الله نحب الناس. وكبار المتصوفة يقررون أنهم يحسون بتيار يذهب من روحهم إلى الله ثم ينزل من الله إلى الجنس البشري وإننا لنحس دائما أننا نستقي قوة حب الإنسانية من الصلة بالبدا المولد للنوع الإنساني.
والطبيعة بوضعها النوع البشري على مدار التطور إرادته اجتماعيا كما أرادت مجتمعات النمل والنحل.
ولكن طالما أن العقل موجود فقد كان لابد أن يوكل توطيد الحياة الاجتماعية إلى ميكانيزم شبه عاقل فهو عاقل في أن كل قطعة يمكن للعقل الإنساني إعادة تشكيلها وهو غريزي مع ذلك في أن الإنسان لم يكن ليستطيع –دون أن يظل إنسانا- أن يرفض مجموع الجزاء وأن لا يقبل ميكانيزما حافظا. وحفظ لمجتمع هو الضرورة الوحيدة وهذه الضرورة تجلب الغريزة معها.
والإنسان عندما خرج من الطبيعة كان كائنا عاقلا واجتماعيا واجتماعيته كانت مهيأة للتأذي إلى مجتمعات صغرى وعقله كان مقدورا لتحبيذ الحياة الفردية وحياة المجموع ولكن العقل في تمدده بجهده الخاص قد اتخذ نورا غير منظور فحرر الناس من العبوديات التي منتهم بها تعقيدات طبيعتهم. في هذه الحالة لم يكن مستحيلا لبعض الناس الموهوبين بصفة خاصة أن يعيدوا فتح ما كان مغلقا وأن يفعلوا لأنفسهم على الأقل ما يستحيل على الطبيعة أن تفعله للإنسانية، والمثل الذي ضربوه قد انتهى إلى جذب الآخرين ولو بالخيال على الأقل.
والإرادة لها عبقريتها كالفكر وبواسطة هذه الإرادات العبقرية فإن نزوة الحياة إذ تتخلل المادة تحصل منها لمستقبل الجنس على وعود لم يكن لها محل عندما كان الجنس آخذا في التكون. وفي ذهابنا من التماسك الاجتماعي إلى الأخوة الإنسانية تقطع علاقتنا مع طبيعة معينة ولكن ليس مع كل طبيعة أي إننا ننفصل عن الطبيعة المطبوعة لكي نعود إلى الطبيعة الطابعة.
فالفرق بين الأخلاق الأولى والثانية كالفرق بين السكون والحركة. الأولى ثابتة وإذا تغيرت فسرعان ما تنسى أنها تغيرت أو لا تعترف بالتغير. والصورة التي تتبدى فيها في أية لحظة تزعم أنها الصورة النهائية أم الأخرى فهي دفعة واحتياج للحركة. إنها حركة من حيث المبدأ. 
هذا عرض موجز مستقى من كتابات برجسون نفس عن المجتمع والخلاق ومن ثم نرى فيه سكونا وثباتا وانغلاقا من جانب وحركة وانفتاحا وتمددا من جانب آخر. والجانبان مختلفان في الطبيعة لا في الدرجة فمن أين أتى هذا التوقيف ؟ لقد كان الأولى ببرجسون أن يلتزم النتائج التي أتى بها في كتاب التطور الخالق حين قال أنه لا يوجد اختلاف جوهري بين الانتقال من حالة إلى حالة وبين البقاء في نفس الحالة وكل ما هنالك أننا إذ نغمض العين عن التغيير الدائم لكل حالة سيكولوجية سرعان ما تفاجئنا ضخامة التغيير في لحظة فنضطر على القول بأن حالة جديدة قد جاءت إلى جانب الحالة السابقة. ثم ننظر إلى الحالة الجديدة كما لو كانت تبقى ثابتة بدورها وهلم جرا.... وهو إذ يهاجم في هذه النصوص وغيرها الانفصال بين الحالات. يفصل بين الأخلاق المفتوحة والأخلاق المغلقة هذا الفصل العنيف الذي يغلق الباب بينهما ويجعل كل واحدة منهما من طبيعة مغايرة ولا يسعنا إلا أن نرى في هذا أثرا للنرجسية ومن مؤداها أن العالم الذي انفتح لبرجسون أن ينفتح لسائر الناس ولذلك فإن الإنسان قد خلق لمجتمع مغلق.أما المجتمع المفتوح فلا سبيل إليه إلا للبطل. وكان الجدر أن نرى في الاجتماعية شبيها في المادة في أنها حركة منفضة ومن ثم تكون الإنسانية هي الفعل الذي يسير وهي الأصل حتى يتجمد في انقلاب الحركة إلى ما هو اجتماع مغلق.
ومما يزيد المر خطورة أن برجسون قد أقام النسيج الأصلي للعالم على الكره والتربص والتناحر والحرب وجعل السلام العالمي أمرا بعيد المنال وقال صراحة «أن المجتمع المفتوح بصفة دائمة والخلاق المفتوحة باستمرار من ضروب المحال».
ولعل غرامه بمثال النمل والنحل واعتبار مجتمعاتها مجتمعات نموذجية هو الذي أدى به أن يتمنى أن يكون النوع البشري على غرار النمل والنحل. ثم يقرب المجتمع الحديث من البدائي وينتظم الجميع في غريزة مغلقة ويرى في ثورة المستعمرات رغبة في الانفلاق الطبيعي يلفظ الدخيل الفاتح كما يرى في الحروب بين المجتمعات صورة طبيعية غريزية.
إن الأصل في كل شيء هو التمدد ولا يحصل الانكماش إلا عند الخطر أو عند الشعور بالخطر. والمجتمع المغلق الذي تأمله برجسون ما هو إلا انكماش اقتضاه خطر ما وهو إما أن يغلو في الانكماش فيموت أو ينقرض وإما أن يعود بالتدريج إلى حالته الطبيعية وهي التمدد والتفتح. فلا نأخذ الانكماش حالة طبيعية ونسيجا أصليا للمجتمع. فما بدا منكمشا ولا انتهى منكمشا.
إن فينا حنينا حالة معينة. فهل هذا الحنين متجه إلى تآخي الإنسانية جمعاء أم يتجه إلى أن يرى المجتمعات يحارب بعضها وتعيش على كره وتربص؛ فإذا كان الحنين متجها إلى الناحية المفتوحة فهل هو حنين إلى ما يخالف الطبيعة الإنسانية ؟.
والبطل الذي انفرد به برجسون وأقام عليه ذلك التطور الظافر الذي يأتي على غير توقع ويتجه إلى غير ما يتكهن به أحد إنما هو وليد المجتمع والملابسات الاجتماعية. وهو لا يأتي في غير أوانه وفي غير زمانه ولو أتى في غير المكان والزمان لما انقاد إليه أحد بل لحروب أشد المحاربة من الجميع إنما هو بمثابة البلورة الأولى في سائل مشبع فما أن تكون هذه البلورة حتى يتسارع السائل في بلورات تنضم إلى البلورة الأولى وتتجمع عليها بحكم التشبع أي الاستعداد الموجود في السائل نفسه. وعلى ذلك فإن كان معظم الأبطال الانفعاليين كانوا قوم خير وإنسانية ودعاة مجتمع مفتوح وأخلاق مفتوحة، وانبعثت دعوتهم في مختلف الأزمنة والأمكنة فإن ذلك دليلا على برجسون لا له. لأن البطل في هذه الحالة إن هو إلا صورة صارخة لحنين المجتمعات جميعا إلى الحالة المفتوحة وتوبتها إلى الرجوع بالإنسان إلى إنسانيته قبل أن تدهمه الأخطار والمخاوف بتلك الاجتماعية المغلقة.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here