islamaumaroc

خطاب العرش 3 مارس 1979.

  دعوة الحق

196 العدد

* وجه جلالة املك الحسن الثاني نصره الله إلى الشعب المغربي خطابا ساميا بمناسبة عيد العرش المجيد الذي صادف هذه السنة الذكرى 18 لجلوس جلالته حفظه الله على عرش أجداده الميامين. أو جز فيه الخطوط العريضة لسياسة المغرب في المرحلة الراهنة مركزا على دور المعارضة في الأنظمة المتطورة. كما تناول موضوعات مغربية ملحة تتصل بالتعليم والتوتر القائم في المنطقة بسبب تآمر حكام الجزائر ضد وحدتنا وسيادتنا وتواطئهم مع القوى الاستعمارية الحاقدة على الإسلام والمسلمين. كما تعرض العاهل الكريم في خطابه للوضع الداخلي في البلاد من حيث تقصير بعض المسؤولين في القيام بمسؤولياتهم على الوجه المطلوب، وقال أعزه الله في هذا الصدد: «أن هناك ظاهرة أخذت تبدو؛ ولربما أصبحت داعية قلق إن لم نبادر بالتصدي لها، ذلك أنه يوجد من بين المنتخبين والحكام المعارضين من يحاول وهو مطوق بمهام معينة أن يتخلص من مسؤولياته أما بالتملص منها علنا وأما بمحاولة إناطتها بغيره تهربا».
وفيما يلي النص الكامل لخطاب العرش:
الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه
شعبي العزيز:
لقد توجهنا بالخطاب تلو الخطاب طوال السنة المنصرمة وفي مناسبات شتى لنطلعك على ما علق به الاهتمام ولنشاطرك ما يشغل بالك فنقيم الأوضاع وننهي إليك ما يعن لنا في أهم ما يعرض من أحداث.
وهكذا فإن سياستنا في التوجيه والاختيار أن في شؤون الداخل أو الخارج على السواء كانت
توافيك علنا وذلك منبثق من حرصنا على أن نكون صادرين عن منبع واحد واقتناع متحد مطرد ينبسط على الدوافع العميقة التي أوحت إلينا بهذا الاتجاه والدواعي الأساسية أو الظرفية التي أملته، ففي الميدان الاقتصادي اقتضى التدبير أن نراجع مبادرتنا ونعيد النظر في تصميم تنميتنا وخططنا وكان قصدنا أن نقيم التنسيق بين التطور المغربي وبين الظروف الاقتصادية الصعبة التي تجثم على عالم اليوم وتتميز بظاهرة التصاعد الكبير الذي عرفته أثمان الطاقة والمواد المصنعة المستوردة.
وأن المرامي الأساسية التي رسمناها لانطلاقتنا الجديدة لتهدف إلى تحسن متوال في الميزان التجاري وميزان الأداءات كما تتوخى الحد من خصاص الميزانية وأننا لننظر من وراء كل هذا إلى التوق من إلحاح ضرورة الاعتماد الأكيد على الخارج والتحرر منه.
ولم نفتا نواصل في نفس الوقت جهودنا لتحقيق الديمقراطية فسهرنا وسنظل كذلك وبيقظة كاملة ويقين على أن تعمل المؤسسات الديمقراطية التي أقمناها بكامل اعزم ومستوثق الحزم حتى يصبح تسيير القضايا العامة مهمة مواطن وحتى تكون المشاركة وهي إحدى الأسس الضرورية للديمقراطية واقعا ملموسا وحقيقة وطنية راهنة.
أن المغرب وطننا ورصيدنا المشترك، ومستقبله بهذا همنا المشترك، ولقد كان هذا الانسجام في المصالح والتوارد في العواطف يكونان عبر القرون رابطة وحدتنا القومية، وعنوان أمجادنا وعزتنا وحرصا منا على صيانة هذا التلاحم القائم بين جميع أفراد أمتنا ملكا وشعبا، وحتى يتاح لكل مواطن أن يشارك بنصيبه من غير استثناء، فإننا لم نفتا نعلن عن إرادتنا في احترام التقاليد الديمقراطية، وعن فرض احترامها في مختلف الظروف والأحوال.
وعلى هذا الأساس آمنا وما زلنا مؤمنين بضرورة تشكيل وتنظيم معارضة تجاه الحكومة، وتجاه جميع الحاكمين بصفة عامة، ولو تعدر وجود هذه المعارضة، لأنشأناها أو أعزنا بإنشائها، ذلك أننا على إيمان بأن لا قيام لديمقراطية حقيقية دون معارضة غير أنه إذا كانت الديمقراطية بهذا المدلول، تمنح جميع الحريات وتضمن لكل مواطن صلاحية ممارسة فعالة لجميع حقوقه فإنها تفرض كذلك واجبات، وفي طليعة تلك الواجبات الملقاة على عاتق من أنيطت به مسؤوليات سواء من بين الحكام أو من بين الأغلبية أو المعارضة.
فعلى هؤلاء جميعا أن يقوموا بمسؤولياتهم بشمول ودقة، نعم أن الكثير من هؤلاء يقدرون المسؤولية حق قدرها ويقومون خير قيام بها سائرين بذلك وفق تقاليدهم العريقة التي يمثلها الشعب المغربي وكلها هدى ضمير ووحي شجاعة، غير أن هناك ظاهرة أخذت تبدو ولربما أصبحت داعية قلق أن لم نبادر بالتصدي لها، ذلك أنه يوجد من بين المنتخبين والحكام والمعارضين من يحاول وهو مطوق بمهام معينة، من يحاول أن يتخلص من مسؤولياته إما بالتملص منها علنا، وإما بمحاولة إناطتها بغيره تهربا.
وهذه بطبيعة الحال ضرب من الجبن الذي لا موضع له في مجتمعنا ولا يأتي له على أي حال إن يساند النظام الديمقراطي الذي اخترناه لنفسنا.
مازال التعليم يكون اهتمام أساسيا عندنا، ولن يخفى علينا انه من اهتمام أفراد جميع شعبنا، فلم يفتأ المغرب منذ إحرازه على الاستقلال يبحث عن طريقة في هذا الميدان، ولقد بذلت جهود تشكر إلا أنها لم تبلغ كلها أهدافها المنشودة.
وليست غايتنا في هذه المناسبة أن نقوم بتحليل وتعليق أو نضع تخطيطا لما يتعين القيام به وإنما نذكر فقط بأن توجيهات دقيقة وتعليمات واضحة قد زودت بها حكومتنا، وأملنا أن توخد أساسا للإصلاح الجذري في التعليم الذي ينتظره المغرب بفارغ صبره.
وسيرتكز هذا الإصلاح على مبدأين أساسيين:
فتعليمنا بتعين أن يواكب متطلبات العالم المتحضر ومرمى تربيتنا أن تضمن للجميع من الطفولة إلى الكهولة، جميع المؤهلات الضرورية لتكوين الانسان المغربي وذلك في إطار الرعاية والعناية الحقيقين بالعبقرية المغربية والشخصية الوطنية.
ومن جهة أخرى فإن من الأكيد المستعجل أن يقدر القائمون على شؤون التعليم مسؤولياتهم وواجباتهم بكامل اليقين، ذلك لأن التعليم قضية الجميع ولأنه يسهم في تكوين وتربية أولئك الذين ستلقى على عاتقهم تلك المهمة الجليلة، مهمة متابعة تكييف مستقبلنا الوطني، وإذا كان للقائمين على شؤون التعليم أن يهتموا بالدفاع عن حقوقهم فإن من حق الشعب المغربي الذي يأتمنهم على أبناء ورجال الغد أن ينتظر منهم أن يؤمنوا لأبنائه جميع أسباب التكوين حتى ينشأ منهم ذلك المواطن الصالح المفيد لوطنه.
فعلى مدرسينا ومربينا أن يتجنبوا غلطا فادحا عليهم ألا ينسوا أن الشباب الموكول إليهم تربيتهم اليوم هم المسؤولون في الغد وهم بدورهم الذين سيوضع بيدهم أمر تسيير شؤون الدولة وإلى يدهم سيؤول مصير هؤلاء المدرسين والمربين أنفسهم.
شعبي العزيز:
لقد استرجعنا في إطار المشروعية، والقوانين الدولية لصحرائنا التي ظلت بعد استقلال البلاد ترزح تحت نير الاستعمار، وأن الطابع القانوني لما قمنا به لا يقبل أي جدال، إلا أنه يوجد من ينازعنا حقنا، وذلك ما يجر على بلادنا عواقب متنوعة.
إن ترابنا، شعبي العزيز، تعرض لاعتداءات متكررة، وتمكنت قواتنا المسلحة الملكية القوامة من صدها ببسالة ونجاح.
وكبدت المعتدي خسائر فادحة في الرجال والعتاد، وقد سبق لنا أن أعلنا عن إرادتنا في استعمال حق المطاردة، وهو حق طبيعي لكل دولة ذات سيادة هوجمت حدودها أو ترابها، وقد قصدنا لحد الساعة أن لا نمارس هذا الحق، وليس ذلك لمجرد أننا نومن بأن اللجوء إلى الحرب هو آخر مرحلة، ولكن لاقتناعنا الراسخ بأن مشروعية حقنا ستفوز لا محالة بالاعتراف وستفرض نفسها على الجميع، وهذا أصل الجهود الدائبة التي صرفت وستصرف في هذا السبيل.
ومن المعلوم أن الجهد في حق ما هو مشروع، لن يكتب له غير النجاح والفوز المنشود.
شعبي العزيز:
إن ذكرى عيد العرش السعيد لتخييم علينا جميعا بذكريات عهد والدنا جلالة المغفور له محمد الخامس وأجدني، وقد كنت جانبه في السراء والضراء تجاه كل ما أثلته اليوم لشعبي العزيز أو أحدثته أو جددته، إنما اصراع في جهد اختياره، وأصدر عن فيوض طماحه واستمد من وطابه. أنزل الله عليه شابيب الرحمة، ومتعنا ومتعكم برضاه وببركته.
ومن وحي ذكراه، والتفكير الساعة فيما خلفه لشعبنا العزيز من استحكامات أخلاقية للمعاملات واستحكامات دفاعية لحماية الوطن والدفاع عن المكتسبات، فإننا من صميم قلبنا وباسم شعبنا لننوه ونعتز بسيرة قواتنا المسلحة وأخواتها المساعدة ورجال الدرك والأمن، وتكرر ونعيد الثناء الذي ملأ المسامع والأفواه وسار ذكراه يمينا وشمالا، ذلك كانوا بحق خير مثال للامتثال والانضباط وقبلة للاقتداء في القيام بالواجب في حسن البلاء، ولقد أبانوا بذلك عن وعي شامل بالمسؤوليات وتمثل كامل لمغزى ما يحملونه من شعارات وما طوقوا به من مهمات دفاعا عن الحوزة وصيانة للمقدرا، وإن ملكهم وقائدهم الأعلى الذي يعتز ثناء شعبه وشكره إلى جميع الدرجات في جميع الأسلحة من غير استثناء ليشفع ذلك الثناء بالرضى ويطلب العون من الله على الصبر والصمود في حراسة الحمى وهو سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا.
اللهم أنك كنت لنا وليا ونصيرا في مسيرة التحرير الخضراء فخذ بيدنا في مسيرة الجهاد الأكبر للغد الأفضل واليوم الأنور، وهي آمال عبدك لهذا الشعب وهدف قيامه بالنهار وبالليل، اللهم أن عبدك من خشيتك مشفق وعلى مرضاتك دائب وعلى ما أوليته من أمر هذا الشعب قيم حافظ.
اللهم أدم بيني وبين شعبي أصرتك التي لا تنفصل وكما ثبتتها في تلاقي الآمال فثبتها في المشاريع وأملأ بها الخواطر، اللهم ألهمنا الرشاد في كل ما نأتي وندع وثبت أقدامنا على سبيل الخير أنك على ما تشاء قدير، ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا، صدق الله العظيم والسلام عليكم ورحمة الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here