islamaumaroc

التعليم في الولايات المتحدة الأمريكية -2-

  دعوة الحق

24 العدد

التعليم الجامعي
وفي أمريكا تعليم جامعي منظم يمكن اعتباره من أرقى مراحل التعليم في العالم، إذ لكل ولاية جامعة أو أكثر تقع في ضاحية العاصمة، وتتوفر على عدة كليات زاخرة بالطلاب الذين يعدون أنفسهم في مختلف ميادين الحياة؛ وقد يأخذ العجب عندما تعلم أن جامعات (سان فرانسيسكو) في ولاية كاليفورنيا تضم ما يزيد على 45 ألف طالب وطالبة يدرسون الطب والهندسة والتشريح والمحاماة والزراعة والصيدلة والكيمياء والفيزياء وعلمي التربية والنفس والتاريخ والجغرافيا وغيرها من شتى العلوم والفنون؛ ويمكن أن تعتبر كل من هذه الجامعات مدينة واسعة الأرجاء بأحيائها ومرافقها ومستوصفاتها وأوراشها ومساكنها، يجد فيها الطلبة كل ما هم في حاجة إليه من أسباب الراحة والاطمئنان.
نذكر على سبيل أن جامعة هافارد بواشنطن، وهي خاصة بالزنوج، تحتل قطعة من الأرض تقدر مساحتها بمساحة مدينة سلا، ويشرف عليها الدكتور «مورد كاي دجينسون» بمساعدة عشرين رجلا وامرأة أحرزوا كلهم درجة عليا في العلوم والمعرفة؛ ومدينة «سان فرانسيسكو» تتوفر على جامعة دافس وجامعة بار كلي الواقعتين على مقربة من تلك المدينة الجميلة. وفي كل هذه الجامعات وغيرها يتابع الطلبة دروسهم بحماس منقطع النظير مقتنعين تماما بخطورة المهمة التي يقومون بها على درجة أنك إذا دخلت عليهم، وهم يشتغلون، لا يتزحزحون عن أماكنهم نظرا لاستغراقهم في العمل. وغني عن التوضيح أن التعليم في الجامعات يكتسي هو الآخر صبغة عملية ترمي – زيادة على تزويد الطلبة بالعلوم النظرية المفيدة- إلى تدريبهم بالجامعة نفسها على مزاولة المهنة التي يستعدون لها : فكلية الحقوق بجامعة هافارد مثلا تشتمل على قاعة كبرى للمرافعات يتدرب فيها طلبة الحقوق على ممارسة مهنة المحاماة تحت إشراف أبرز أساتذة القانون بحيث لا يترك الطلبة الجامعة حتى يدركوا المهارة اللازمة التي تؤهلهم لمزاولة تلك المهنة بصورة تبعث على الاطمئنان، كما أن كلية علم الأسنان من أدوات وآلات وعقاقير لممارسة مهنته اعتمادا على المعلومات التي يتلقاها الطالب في الجامعة. وهكذا يكتسي التعليم الجامعي في الولايات المتحدة صبغة عملية غايتها إكساب الطلبة المهارة الكافية التي تمكنهم فيما بعد من تسخير جهودهم ومواهبهم لخدمة الصالح العام.
ومما هو جدير بالذكر أن كل جامعة تشتمل على مركز للتربية الأساسية، والوسائل السمعية البصرية تستغلها الجامعة لتدريب المعلمين على الانتفاع بها حتى تكتمل بذلك خبرتهم ويتم إعدادهم بصفة جدية بعيدة الفائدة والإثمار؛ ولا سبيل لأي معلم متدرب أن يحصل على إجازته من الجامعة ما لم يعط البرهان القاطع على أنه قادر على استعمال الأفلام والسينما وغيرها من الوسائل السمعية البصرية التي تلعب دورا أساسيا هناك في  ميدان التربية والتعليم.
وغني عن البيان أن أجهزة التلفزيون مركزة في أمريكا بكل مكان، تجدها في المنازل الخاصة والفنادق والمحلات العمومية بحيث يستفيد من برامجها الكبير والصغير والوالدة والطفل؛ فتلهيهم تلك البرامج المفيدة عن الخروج إلى المقاهي أو الجلوس في محلات الفرجة، كما أن التلفزيون تمكن الطلبة عموما من الاستفادة من بعض الدروس القيمة التي يقوم بها أساتذة موهوبون في جامعة خاصة دون أن يكلف الطلبة ذلك مشقة الارتحال إلى تلك الجامعة المحظوظة. ويكفي لإظهار الدور الخطير الذي تلعبه الوسائل السمعية البصرية في التعليم الأمريكي أن نشير إلى أن مصلحة التربية الأساسية بجامعة بركلي بكاليفورنيا تسعى الآن سعيا حثيثا لإعداد أفلام حية يشارك في إخراجها كبار المفكرين والفلاسفة والقادة السياسيين أمثال الرئيس نهرو ووستن تشرشيل كي تقدم للجمهور العالمي؛ ويعتقد أن إذاعة هذه الأفلام ستساعد بلا ريب على إيجاد جو ملائم يفضي في القريب أو البعيد إلى إيجاد فرصة التقارب بين الأمم ونشر أولوية السلم في العالم أجمع.
وبالإضافة إلى ذلك كله تبدي الجامعات في كل مكان نشاطا ثقافيا كبيرا لإصدار مجلات ونشرات شهرية أو أسبوعية، لها أثرها البعيد في الميدان الثقافي؛ وبها كذلك مكتبات ضخمة تحتوي على مآت الآلاف من الكتب يستغلها الطلبة وأولياؤهم على حد سواء.
وإذا كان التعليم في الجامعات الأمريكية يكلف الطلاب نفقات باهظة قد لا يستطيع دفعها إلا أبناء العائلات الثرية، فإن هذه الجامعات تتمتع بميزانيات ضخمة لا تساهم فيها الحكومة عادة إلا بالقليل؛ ذلك عن معظم هذه الجامعات تعتمد ماديا على التبرعات التي تتوارد عليها من مختلف الشركات والهيآت التجارية؛ وتلك ظاهرة أخرى من مظاهر روح التعاون التي تمتاز بها الأوساط الأمريكية؛ فالأمريكيون عموما يفضلون الاعتماد على أنفسهم قبل الالتجاء إلى معونة الحكومة لتحقيق المشاريع التي يعولون على إنجازها؛ والأمريكي حريص على التمتع بما يوفره عليه نشاطه من تقدم مادي؛ فلا يقتصد شيئا من ربحه اليومي ولكنه يفضل المساهمة في الشركات التعاونية التي تمهد له سبيل الحياة؛ فيقتني بواسطتها البيت الذي يسكنه والآلات الضرورية التي تستخدمها زوجته كأدوات الطهي والكي والتنظيف، وبنفس الطريقة يستطيع شراء السيارة الضرورية التي تباعد عادة بينهم وبين مقر أعمالهم، وآلة التلفزيون التي لا يكاد يخلو منها منزل واحد.
وقد تولد عن هذا النظام الاقتصادي الرأسمالي عدد لا يحصى من الشركات التعاونية والهيآت التجارية أو الصناعية التي يمتد نشاطها إلى ميدان الثقافة بصورة تثير الإعجاب والاستحسان.
فالشركات تمد بالمساعدة المالية المدارس الابتدائية والثانوية؛ لذلك يستطيع الطلبة المعوزون أو الموهوبون متابعة دراستهم بفضلها، لكن معظم تلك الشركات لا تهتم إلا بإعانة طلبة التعليم العالي الذين وقفوا أنفسهم على البحث العلمي؛ ومن جملة هذه المؤسسات الخيرية الكبرى مؤسسة روكفيلير التي لها فروع في مختلف المدن الأمريكية. ومن الملاحظ أن هذه المؤسسة مستعدة لتقديم إعانتها لا للأشخاص والهيآت فقط، بل تقدمها أحيانا للحكومات، بقطع النظر عن الجهة التي يشتغل فيها الباحثون أو البلاد التي يودون الالتحاق بها أو لغة الدراسة التي يعتمدونها في أبحاثهم. يضاف إلى ذلك أن الحكومة الأمريكية تعمل جاهدة على تشجيع تلك المشاريع بإسقاط بعض الضرائب المترتبة عن الشركات والمؤسسات التجارية أو الأشخاص المتمولين الذين يقدمون قسطا من أموالهم في سبيل نشر العلم والعرفان؛ ومعلوم أن هذه الضرائب ثقيلة جدا على المواطن الأمريكي بوجه عام والشركات التجارية بصفة خاصة؛ وعليه، فمن الممكن أن نقول أن المتمولين في أمريكا محمولون، بحكم القوانين المفروضة على الرأسماليين على إنفاق قسط من ثرواتهم في سبيل الخير والمعرفة؛ ويتفق أحيانا أن تفضل بعض المؤسسات الإنسانية كمؤسسة فورد مثلا أرصاد قسط من مالها في أحد الأبناك لتأسيس جامعة قائمة بذاتها متكلفة بجميع ما يتطلبه تسييرها من نفقات تتصل بالأساتذة والمعيدين والخدم وما تحتاجه من أثاث وأدوات، وذلك بفضل الأرباح التي تذرها عليها المبالغ المالية الموضوعة في البنك؛ ولقد استفادت الجامعات حقا من تلك التبرعات استفادة كبرى حتى أن جامعة نيورك، وهي أعظم مؤسسة علمية في الولايات المتحدة، لا تتوقف في مليم واحد على مساعدة الحكومة؛ بل أصبحت هذه التبرعات من الأهمية والكثرة والتنوع بحيث اضطرت جامعة سان فرانسيسكو إلى إحداث مكتب داخل بنايتها تنحصر مهمته في تسلم التبرعات والإعانات من الأشخاص والهيآت والعمل على إنفاقها في سبيل الطلبة طبقا لرغبة المتبرعين.

إعداد المعلمين والأساتذة
وتؤدي الجامعات الأمريكية مهمة ثقافية كبرى بالإضافة إلى وظائفها الأخرى، هي إعداد المعلمين والأساتذة؛ ويشترط في الطلبة المعلمين أن يقضوا بعد تخرجهم من المدارس الثانوية أربع سنوات بالجامعة إذا كانوا يستعدون لمزاولة التدريس في المدارس الابتدائية، وتمتد تلك المدة إلى خمس سنوات بالنسبة لأساتذة
المعاهدة الثانوية؛ ويتخرج المعلمون بعد إحرازهم على شهادة باكالوريوس الآداب؛ أما الأساتذة فينالون درجة ماجيستير قبل أن يسمح لهم بمزاولة مهمتهم. هذا وليس هناك فرق كبير بين طريقة تهيئ المعلمين وطريقة إعداد الأساتذة إلا أن الأولين يقضون ربع أوقاتهم في دراسة علوم التربية وعلم النفس، بينما تصرف بقية المدة في دراسة العلوم النظرية الأخرى؛ أما المرشحون لخطة التدريس الثانوي فإنه يخصص لهم سبع الحصة تقريبا لدراسة علوم التربية وما بقي من الوقت ينفق في تنمية ثقافتهم العامة.
هذا، وفي استطاعة المعلم الابتدائي أن يرقى إلى درجة أستاذ على شرط أن يساهم في الدروس الليلية أو الصيفية التي تنظمها الجامعات؛ ومن الممكن كذلك أن يحصل على رخصة استيداع لمدة سنة كاملة تمكنه من الالتحاق بالجامعة استعدادا للتدريس بالمعاهد الثانوية؛ ومعلوم أنه ليس هناك تخصص بالنسبة للمعلم الابتدائي الذي يطالب بتدريس كل المواد؛ على أنه لابد للذين يرشحون أنفسهم للثانويات من أن يتخصصوا في المادة التي تناسبهم على أساس أن يضيفوا إليها مادة أخرى : فأستاذ الانجليزية مثلا يدرس معها مادة التاريخ، وأستاذ التاريخ يقوم في نفس الوقت بتدريس الجغرافيا بينما يشترط في صاحب العلوم أن يضيف إلى هوايته مادة الكيمياء أو الفيزيا؛ ولا يكون التخصص ممكنا في المادة الواحدة إلا بالنسبة لمدارس المعلمين العليا.
ومن الملاحظ أن المبادئ البيداغوجية التي يعتمدها المربون في الولايات المتحدة مزيج من شتى الفلسفات والآراء العالمية في التربية والتعليم.
هذا، ولا يستطيع المعلم أو الأستاذ أن يلتحق بمقر وظيفته حتى يعطي البرهان على أنه قادر على القيام بواجبه : ومن أجل ذلك توجد بجانب كل جامعة مدرسة ابتدائية تطبيقية يذهب إليها الطلاب ليتدربوا على طرق التعليم الحديثة وتدريس المواد المختلفة بما في ذلك الموسيقى والرسم والفنون الجميلة والأعمال اليدوية. وفي كل مدرسة من هذا النوع من الكتب ما يروي غليل المعلمين والتلاميذ على السواء؛ ويشترط في كل معلم أن يرافق تلاميذه إلى مكتبة المدرسة؛ ولا يجوز له أن يتدخل في شؤونهم إلا إذا أيقن أنهم لم يحسنوا اختيار الكتب المطلوبة. وملاحظة أخرى تستحق الاختبار فيما يرجع لتكوين المعلمين هي ضرورة اتصال المتدربين بأندية الأطفال المنبثة هنا وهناك، يشاركونهم في أحاديثهم وألعابهم ومناقشاتهم حتى يتعرفوا مباشرة على نفسية الأطفال المعقدة وتكتمل تجاربهم بالنسبة لمشاكل الطفولة، أما مديرة المدرسة التطبيقية، فتسهر على تسيير مدرستها بمساعدة المعلمات كلهن بمعنى أنها تكتفي بمراقبة سيرها من بعيد –كما تفعل المشرفة على التعليم الابتدائي نفسها- دون أن يتعدى عملها إلى مراقبة المعلمات مباشرة أو تفتيشهن؛ ذلك أن التفتيش بالمعنى المعروف في بلادنا لا وجود له في الولايات المتحدة؛ وليس هناك ألفاظ تثير اشمئزاز الأمريكيين أكثر من كلمة مدير ورئيس ومفتش لأنها كلمات في اعتقادهم تحمل في طيها سوء الظن، إذ يفهم منها تدخل أجنبي مباشر في شؤون الغير، لا مبرر له بالنسبة للمواطنين الأمريكيين الذين يباشرون الأعمال المنوطة بهم بمنتهى اللباقة والإخلاص؛ نعم، يوجد في أمريكا مراقبون على التعليم أو بالأحرى «مرشدون» تطلق عليهم كلمة «سوبر فايزز» يحضرون المدرسة كلما دعت الضرورة لذلك، وباستدعاء من المشرف أو المعلمين؛ فيوجهون ويرشدون من كان في حاجة إلى الإرشاد والتوجيه دون أن يكلفهم ذلك تحرير التقارير المطولة وإبداء أحكامهم القاسية على المعلمين.
هذا، وإن الأمانة في الرواية تحملنا على القول بأن الولايات المتحدة تقاسي اليوم شديدة فيما يرجع للمعلمين الأكفاء رغم تعدد الجامعات ودور المعلمين؛ ويعود ذلك إلى عدة أسباب منها أن الحرب العالمية الثانية استأثرت بكثير من الشبان كان من الممكن إعداد أغلبيتهم بمهنة التدريس بينما ازداد عدد المواليد بصورة استثنائية عقب الحرب المذكورة؛ وأن هناك المصانع والشركات الاقتصادية التي فتحت أمام الطلبة ميادين واسعة للعمل تذر عليهم بالطبع أرباحا زائدة، وتمنح الشبان فرص الكسب أكثر مما تمنحهم إياها مهنة التدريس، أما التعليم الثانوي فالأزمة خاصة بأساتذة العلوم والرياضيات.
هذا ولو أردنا أن نستقصي هذا البحث لوجب أن نقول كلمة قصيرة عن أحوال المعلمين وأجورهم : فالمعلم في أمريكا ليس موظفا بالمعنى المتعارف في البلاد الغربية، إذا ما حصل على تسميته في إطار المعلمين أدركه الفتور وراح يفكر في الترقية والحصول على تعويضات زائدة أكثر مما يفكر في الأساليب التي يعتمدها في ميدان المهنة التي اعتنقها عن طيب خاطر، مطمئنا على وظيفته التي لا يغادرها عادة إلا إذا أدركته سن التقاعد؛ بل المعلم الأمريكي على خلاف ذلك الوضع البالي القديم موظف متقاعد لمدة محدودة مع أرباب الولاية التي تستخدمه؛ فهو بالتالي دائم النشاط مستمر في العمل الجدي همه البحث عن كل ما من شأنه أن يرقى به عمله، فيتمكن من الحصول على عقدة جديدة من الولاية؛ فكان الاستقرار والاطمئنان اللذين يتمتع بهما الموظف عندنا آفة وضرر على الإنتاج الثقافي.
أما فيما يخص الأجور، فالمعلم الأمريكي يتقاضى أجرة شهرية تتراوح بين 150 و250 دولار، يستطيع أن يأخذها في آخر كل أسبوع أو بعد أسبوعين أو في آخر كل شهر تبعا لنوع العقدة التي أمضاها مع هيأة التعليم؛ ويخصم من هذا القدر 6 في المائة ليدفع إليه عندما يبلغ سن التقاعد، وضريبة عامة لفائدة الولاية وضريبة ثالثة أقل أهمية من الأولى.
ويختلف النظام الخاص بالمتقاعدين بحسب وضعيتهم الإدارية وأقدميتهم وسنهم؛ ومهما يكن من أمر فلابد من مراعاة الشروط التالية قبل إحالة الموظفين الأمريكيين على المعاش.
الحالة الأولى :
أن يكون الموظف قد بلغ 55 سنة من العمر وقضى 25 سنة في التعليم على الأقل.
الحالة الثانية :
أن يبلغ 60 سنة من العمر ويكون قد عمل في ميدان التعليم مدة 10 سنوات بلا انقطاع خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
الحالة الثالثة :
أن يقضي الموظف 36 سنة في ميدان التعليم بدون اعتبار أي شرط آخر في السن.
هذا، وللمعلم الحق في أن يتمتع برخصة استيداع إذا أراد على شرط ألا يطالب بأية أجرة أو تعويض خلال تلك الرخصة، اللهم إلا إذا طلبها لمرض أو سبب قاهر؛ وله كذلك أن يعود للوظيف عقب انتهاء الرخصة التي حصل عليها.

الامتحانات :
 هذا، وإن الحديث عن الوظيف والموظفين يجرنا بالطبع إلى الكلام عن الامتحانات التي نقيم لها في بلادنا اعتبارا أكثر مما تستحق؛ وذلك معناه أن الأمريكيين لا يعيرون اهتماما للشهادات التي يحملها الشخص بقدر ما يهتمون باستعداد هذا الشخص لمزاولة العمل الذي يرغب فيه؛ فهم يقدرون الكفاءة القيمة الشخصية قبل كل شيء بقطع النظر عن الأوراق الرسمية التي تمنحها هذه المدرسة أو تلك الجامعة: أولا لأنهم يعتقدون لحق أن تلك الشهادات لا تعطي دليلا واضحا عن قيمة الأشخاص، ثم لأنهم يعتبرون نظام الامتحانات على ما هو عليه في البلاد الأوربية وما شاكلها، مرهقة بالنسبة للأحداث، لا فائدة كبرى من ورائها. فالظروف والسرعة التي تمتاز بها الامتحانات بوجه عام قد تساعد الكثيرين من الطلاب على اجتيازها رغم عدم اكتمال ثقافتهم واستعدادهم للحياة العملية؛ بل يرى معظم الأمريكيين أنها مضرة بالأحداث لأنها تعودهم الحفظ والاستظهار، وذلك يكون دائما على حساب المواهب والقرائح التي نحن في أمس الحاجة إلى تقويتها وإنمائها. فالمسألة، بالنسبة للأنكلوسكسوكيين عموما ليست مسألة حفظ واكتناز للمعلومات، تنظم من أجلها الامتحانات آخر السنة الدراسية ليتعرف على مقدار ما اختزنه الطفل في ذاكرته منها، ولكنها مسألة استثمار لتلك المعلومات واكتساب للتجارب اللازمة التي تجعل من ذلك الطفل في المستقبل إنسانا عمليا، يفكر بنفسه ويشعر شعورا يحمله على العمل لفائدته وفائدة مواطنيه؛ ولذلك فلا أثر للامتحانات هناك بل هناك اختيارات تسمى تيست يقع إجراؤها على التلاميذ بانتظام للتعرف على ذكائهم ومقياس تطوره، ومقدار ما اكتسبوه طيلة حياتهم الدراسية من الخيرات والمهارات الضرورية.
وأحسن ما في ذلك النظام المعقول، في نظرنا أنه يحفز التلاميذ إلى العمل الجدي المفيد، ويمكن الأغلبية الساحقة من الالتحاق بالمعاهد الثانوية والجامعات كل بحسب استعداداته ومواهبه.

الاتجاهات الجديدة في التعليم بأمريكا:
إن الذين سنحت لهم الفرصة بزيارة بعض المعاهد الثقافية الأمريكية وكان لهم حظ الاهتمام بدراسة تاريخ تطور تلك المؤسسات يرون أن التعليم خطا في أمريكا خطوات واسعة منذ القرن الثامن عشر، وهوالتاريخ الذي نشأت فيه المدارس الابتدائية الأولى؛ وقد فهم الأمريكيون أن المعلومات التي يتلقاها الأطفال قد تختلف كثيرا بحسب المناطق أو العصور التي يعيشون فيها؛ ولكن الشيء الذي يؤمن به اليوم معظم المربين بأمريكا ويعملون كذلك على تطبيقه هو إعداد الطلبة بكيفية عملية للحياة العصرية، ولا يتحقق ذلك بالطبع إلا بمدادهم بالوسائل اللازمة وحثهم على توسيع دائرة المعارف التي ورثوها عن آبائهم.   
ولم يقنع الأمريكيون بتنظيم هذا التعليم بحيث يستطيع شبابهم الاستمرار في البحث والتنقيب، ولكنهم يحرصون أيضا على أن يكون هذا التعليم دائما ممتازا يمكنهم من تزعم الحركة العملية حتى لا تتقدمهم دول أخرى كروسيا في عالم الاكتشاف والاختراع.
ويشير كثير من المربين نظرا للرجة التي أحدثها القمر الصناعي الروسي إلى ضرورة إعادة النظر في البرامج التعليمية وذلك برفع مستوى العلوم النظرية التي تدرس في المدارس على اختلافها لأنهم يعلمون أن الزعامة ستكون لا محالة للأمم التي تعطي تعليما صحيحا مناسبا لروح العصر.
وقد انعقد سنة 1955 مؤتمر ثقافي بالبيت الأبيض، تحت رئاسة الرئيس إيزنهاور شارك فيه ما يزيد على ثمانمائة وألف مواطن أمريكي ممن لهم اهتمام بشؤون التربية والتعليم بسائر أنواعه ومراحله في أمريكا؛ وقد اتفقوا على أن الأهداف التي يجب أن ترمي إليها تربية صحيحة سليمة في الولايات المتحدة هي: تزويد الأطفال بالمعلومات الضرورية كالقراءة والكتابة والمحادثة والحساب والأعمال اليدوية مع العمل على تنمية مواهبهم بحيث يصبحون في حالة يقدرون معها قيمة الميراث الثقافي الذي ورثته أمريكا عن العالم المتمدن، شاعرين بالمسؤوليات، محترمين لكرامة الإنسان أينما كان، متمسكين بالأخلاق الفاضلة، عاملين في سبيل مصلحة الوطن العليا، ويمكن أن يلخص الهدف الرئيسي للتربية، بالنسبة للأمريكيين، في كلمة واحدة هي إعداد الطفل بحيث يستطيع في جو مليء بالحرية والكرامة، أن يعمل لنفسه كما يعمل لغيره.
وتلك هي صفات الرجل الكامل الذي قال في حقه النبي صلى الله عليه وسلم : (لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).

الخلاصة :
يستخلص من هذا العرض الطويل أن إمكانياتنا في المغرب كثيرة ومتنوعة، وانه باستطاعتنا استثمار خيرات بلادنا إن نحن صممنا العزم على الخروج من الطرق البالية التي ألفناها، وعرفنا كيف نستغل التجارب التي سبقتنا إليها كثير من البلدان في ميدان الثقافة والاقتصاد.
ومن الواجب أن نلاحظ قبل كل شيء أن النظام الإداري والتعليمي التي تسير عليه مؤسساتنا ومنظماتنا بكيفية عامة لا يتلاءم وحاجياتنا، ولا يناسب وضعيتنا باعتبارنا أمة فتية حديثة عهد بالاستقلال لا يزال مستوى معيشة أهلها عموما دون المستوى الموجود بين الأمم العصرية المتقدمة اقتصاديا. فواجب علينا أن نشعر بادئ ذي بدء أن نظام المركزية الذي ورثناه عن غيرنا فتمسكنا به مضر إلى حد بعيد بمصالحنا الإدارية لما يتصف به هذا النظام من بطء في الحركة والإنجاز؛ ثم مادمنا بصدد وضع تصميم ثقافي لخمس سنوات نرجو الله أن نتمكن بفضله من نفخ روح جديدة في معاهدنا الثقافية على اختلافها نرى من الضروري المؤكد رسم خطة جديدة لطلبتنا وتوجيههم من الآن فصاعدا توجيها عمليا متصلا بالحياة لأن المدرسة عندنا في واد والحياة الاجتماعية المحيطة بها في واد؛ هذه هي الحقيقة التي يجب أن نفتح عليها أعيننا؛ ولن نستطيع تلافي عواقب هذا الوضع القديم حتى نحمل الأكثرية من أبنائنا على توجيه أنظارهم لتعلم الحرف والصناعات التي يتوقف عليها ازدهار الحياة الاقتصادية.
لكن ذلك لا يتيسر حتى نتعرف على حاجيات المغرب من الوجهة الاقتصادية عموما والصناعية بصفة خاصة؛ وإذا كانت بلادنا غنية بمعادنها وموادها الأولية وهذا هو الواقع الملموس فلا بد من إعداد السواعد والعقول إعدادا خاصا كي تعمل على استثمار هذه الخيرات؛ وواجب بالتالي أن نشرع من الآن في تصنيع البلاد، والتصنيع عملية تقتضي منا العدول عن تعليم نظري صرف والتفكير جديا في إقامة تعليم مهني مكانه، يستعد الفتيان والفتيات بمقتضاه لمزاولة مختلف المهن والصنائع الرائجة التي تفتح أمامهم طريق الحياة وتمهد لهم سبل النجاح.
هذا ويتعين علينا كذلك إذا كنا نرغب فعلا في إعطاء أبنائنا تربية صالحة تتناسب وروح العصر أن نضع رهن إشارتهم الوسائل التي يحتاجونها في ميدان التربية والتعليم. فنعدد المكتبات ونعد برامج للمعلمين والمعلمات بحيث يصبحون قادرين بل ملزمين باستخدام الوسائل السمعية البصرية كالأفلام الثابتة والمتحركة والآلات المسجلة وغيرها من وسائل الإيضاح المستعملة في المدارس الراقية حتى يكون تعليمنا في مدارس المعلمين على الأقل تعليما في مدارس المعلمين على الأقل تعليما نافعا مجديا وذلك في انتظار تعميم هذه الوسائل في سائر المعاهد الأخرى. 
ولا يغيب عن الأذهان أن نظام الامتحانات كما نفهمه نظام عقيم يحتم علينا، بناء على التجارب التي اكتسبناها في هذا المضمار، إعادة النظر فيه من الأساس؛ إذ ليس من المعقول في شيء أن نضع الطفل تحت رحمة لجنة تمتحنه في يوم واحد لتحكم بسرعة على صلاحيته أو عدم صلاحيته لمتابعة دراسته في مؤسسة أرقى من التي كان منخرطا فيها.
نحن مقتنعون بأنه ليس من الممكن ولا من المرغوب فيه أن ننقل إلى بلادنا كل الأنظمة المعمول بها في الولايات المتحدة أو غيرها من البلدان التي بلغت رقما قياسيا في التطور الصناعي والتقني ولكننا نعتقد مع هذا أنه في استطاعتنا استغلال الزمان المخصص للدراسة في بلادنا أكثر من ذي قبل، وذلك بتسخير الأماكن التي تظل فارغة خلال الصيف كالجامعات والمعاهد الثانوية لتدريب صغار الموظفين والمعلمين كما نستطيع الاستفادة من الأوراش والمعامل والحقول الملحقة بالمدارس الفلاحية أو المزارع الخصوصية ليستكمل بذلك صغار الموظفين والمعلمين كما نستطيع الاستفادة من الأوراش والمعامل والحقول الملحقة بالمدارس الفلاحية أو المزارع الخصوصية ليستكمل بذلك صغار المحترفين تدريبهم على الأعمال الصناعية والفلاحية بكيفية منظمة حتى تزداد كمية الإنتاج في البلاد.
وإذا اقتنعنا من جهة أخرى أن إعداد الصناع والمحترفين والعمال الاختصاصيين لا يتوقف، كما يتوهم الكثيرون، على ثقافة واسعة تتصل بكثير من المواد التي تدرس عادة في المدارس الثانوية وجب أن نفكر في إحداث مدارس ثانوية متوسطة تقتصر برامجها على تقديم قليل من المعلومات للطلبة بينما يكون من الضروري أن تشتمل هذه المدارس المتوسطة على عدة أوراش ومعامل مجهزة تجهيزا عصريا يمكن الفتيان والفتيات من الإقبال على مختلف الحرق والمهن الرائجة في السوق الاقتصادية المغربية.
ويلاحظ في الأخير أن الخطة التي نسير عليها في تعليم اللغات الأجنبية عقيمة في المدارس الثانوية عندنا، فالشبان يدرسون الانجليزية مثلا مدة ست سنوات ولا يستطيعون مع ذلك التحدث بها؛ والغريب أن هؤلاء التلاميذ يحفظون الكثير من القواعد والمفردات الغربية ويكتبون أحيانا الصفحات الطوال عن مختلف المواضيع في اللغة الأجنبية التي درسوها، ولكنه لا يقبلون مع ذلك على استعمالها بكيفية عملية؛ وما قيل في تعليم اللغات الأجنبية يقال عموما في تعليم الفيزيا والجغرافيا والحساب وغيرها بالنسبة للمدارس عموما وتعلم الحرف والصنائع بالنسبة للمدارس المهنية خاصة؛ ذلك لأن تعليمنا تعليم نظري أو سطحي لا يحقق الهداف البعيدة التي ترمي إليها تربية حقيقة عملية متصلة بالحق والمعمل والورش، ولا يستجيب لرغبات أمة كأمتنا تعلم أن استقلالها السياسي متوقف إلى حد بعيد على تطور حياتنا الاقتصادية تطورا يفتح أمام الأغلبية الساحقة من السكان أبواب الربح والارتزاق.
  


 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here