islamaumaroc

..في حفل افتتاح السنة الدراسية الثالثة للجامعة المغربية

  دعوة الحق

24 العدد

الحمد لله
والصلاة والسلام على مولانا رسول الله
مولاي صاحب السمو الملكي
سيداتي سادتي
إن من القضايا المسلمة عند كل الشعوب أنه لا تتم إنسانية الشخص إلا بالعلم، وأنه بقطع النظرعن كل اعتبارات الفوائد التي تنتج عن المعرفة، فإن مجرد العلم لذاته يجعل من الفرد العالم إنسانا أكمل في إنسانيته، وأقرب إلى الصورة التي أرادها الله له.
وهذه النظرة إلى العلم وقيمته المجردة لا توجد عند الفلاسفة فقط، ولكنها تكاد تكون فطرية عند الجماعات البدائية التي تنظر بإكبار وإجلال لعرفيها أو كاهنها أو حكيما، حسب مختلف الأسماء التي تطلق عند هذه الجامعات على الشخص الذي يكون أرسخ معرفة بشؤون الجماعة من علاج ومن نبوءات جوية ومن أخبار السلف وأساليب حياتهم إلى غير ذلك من الشؤون التي لا يعرفها مطلق الناس، والتي تضفي على العريف هذه الحلة من المهابة والقوة. ولذا جاءت الشرائع السماوية والقوانين الوضعية مؤيدة لهذه النظرة ومثبتة لها، مما جعل الإنسان ينشد دائما المزيد من العلم والبحث عن أسرار الكون والتطلع إلى اكتناه كل مجهول.
وجاءت المدينة الإسلامية فزادت عنصرا هاما في ضرورة اكتساب المعرفة، لا لذاتها فحسب، ولكن لما تقترن به من فوائد في إسعاد البشر. ومن ثم كانت الاكتشافات العربية والاختراعات في ميادين الصناعة والملاحة والأرصاد الجوية والكيمياء والطب وغيرها مما هو معروف.
ثم جاءت المدينة الحديثة فأبلغت هذا العنصر أقصى مداه، إذ صارت التطبيقات العملية للعلم  الغاية المهمة التي يتوخاه العلماء في إيمانهم ودراستهم، وصار مصير الإنسانية بيد العلماء لأن تزايد سكان الكرة الأرضية بالصورة التي تتراآى لنا، سوف يحدث مشاكل ترجع للتغذية والإسكان وغير ذلك من حاجيات المجتمع البشري، وحلها منوط بالنتائج التي سيتوصل إليها العلماء في دراستهم وأبحاثهم، وإذ نقول العلماء فإننا يعني بهم المشتغلين بكل فروع المعرفة سواء منها علوم الإنسان أو العلوم التطبيقية.
ومن كل هذا تتضح المسؤوليات الملقاة على كاهل  كل المواطنين فيما يرجع لتوسيع دائرة الدراسات العالية والأبحاث العلمية.
ويعتقد الكثيرون أن هذه المسؤولية هي على الحكومة وحدها، وهو غلط يتنافى مع واقع جل الأمم المتحضرة، ويتنافى كذلك مع تقاليدنا التعليمية وقت ازدهار المدنية العربية، إذ كانت جامعة القرويين مثلا لا تعيش إلا بمدخولها الخاص الذي تدره عليها الأحباس الموقوفة عليها من قبل المثرين من أبناء البلاد، على غرار ما نراه اليوم في كثير من الأمم، وبالأخص منها الانكليزية السك ونية، فمؤسسة عظيمة مثل جامعة (ستانفرد) بالولايات المتحدة مثلا، بها عشرات آلاف الطلبة، وميزانيتها عشرات ملايير الفرنكات، لا تنفق عليها الدولة دولارا واحدا. وأكثر الجامعات على هذا النحو، وهي تملك المستشفيات العديدة والمتاحف الكثيرة، والمطابع والمختبرات وحدائق الحيوانات إلى غير ذلك من المرافئ العلمية والتجهيزات الراقية في كل الميادين، وما تم ذلك إلا بمساعدة الأفراد والشركات مما يجعل التعاون بين رجال الاقتصاد والجامعة تعاونا متينا مستمرا.
فهل لنا أن نرجع إلى تقاليدنا، وأن نقتبس من عند غيرنا الأساليب التي جعلتهم يتقدمون ويترقبون في مدار العلم، ونحن في حاجة أمس إلى تكوين الإطارات في سائر المناحي ؟ وهل لرجال المال والاقتصاد عندنا أن يولوا اهتمامهم لهذه الناحية من المجهود الوطني في سبيل ترقية البلاد ورفع مستواها العلمي؛ وبالتالي الاقتصادي والمعاشي ؟.
عميد الجامعات المغربية الأستاذ السيد محمد الفاسي يلقي كلمته في حفلة افتتاح السنة الدراسية بالجامعة المغربية.
يبدو في أقصى الصورة من اليمين الأستاذ المحاضر بكلية العلوم السيد أرزيليس الذي ألقى في الحفلة درس الافتتاح، وكان عن السفر عبر النجوم والنسبية.
إذ كل هذه الشؤون مرتبطة بعضها ببعض، فمتى نرى الشركات تؤسس كراسي بمختلف الكليات لدراسة ناحية خاصة من نواحي العلم ؟ ومتى نراها تؤسس المختبرات والمكاتب الجامعية ودور الطلبة وتعطي المنح وتساهم بكل الوسائل في هذه السبيل التي يتوقف عليها نجاح كل المشاريع الاقتصادية في البلاد؟.
أما العناية التي يوليها صاحب الجلالة إلي العلم والدراسات العالية، فهي تتجلى في كثير من المناسبات، بما يساعد عليه أعزه الله من المشاريع التعليمية التي تعرض على جلالته. وما جامعتنا الفتية هذه التي نحتفل اليوم بافتتاح سنتها الدراسية الثالثة إلا نفحة من نفحاته، وما تشريفكم اليوم يا صاحب السمو الملكي لهذه الحفلة إلا عنوان عن هذا الاهتمام المولوي، وعسى أن تكون هذه العناية قدوة لرجال الأمة الذين يستطيعون مد يد المساعدة للجامعة، بل الذين يقدرون زيادة على الصالح العام مصلحتهم الخاصة؛ إذ في تقدم الدراسات الجامعية ضمان الازدهار الاقتصادي. 
وإنني لا أريد أن أطيل عليكم باستعراض النشاط الجامعي في السنة الماضية فذلك ما تم الإعلان عنه في وقته؛ وإنما ينبغي أن نشير في بضع كلمات وفي مستهل هذه السنة الدراسية إلى المشاريع التي نريد إنجازها في خلالها.
فمن ذلك تأسيس مدرسة الطب التطبيقية التي سيدشنها صاحب الجلالة في أوائل نوفمبر إن شاء الله. وستضم طلبة السنتين الأخيرتين من الدراسة الطبية، على أن تنضم إليهما السنون قبلهما بالتدريج حتى تتكامل سنو الدراسة كلها فتصير بذلك إحدى كليات الجامعة الحديثة.
ومن ذلك تأسيس معهد التعريب استجابة لما نشده الأمة المغربية من إحلال لغتها المقام اللائق بها، وإننا نعلق أملا كبيرا على هذا المعهد للمساعدة على إيجاد الحلول المناسبة لمشكلة التعريب.
ومن ذلك تأسيس قسم للدراسات الاجتماعية بمساعدة اليونسكو. ومعهد للدراسة السياسية بكلية الحقوق، وإن مشروعا لتأسيس معهد للدراسات الإفريقية تحت الدرس الآن.
ويلذ لي بهذه المناسبة أن أنوه بما تبذله وزارة التربية الوطنية من مجهود لإعانة الجامعة وتوسيع نطاق عملها.
ومن مظاهر نشاط الجامعة في ميدان البحث العلمي ما نشارك فيه من إقامة المؤتمرات العلمية والمهرجانات الأدبية. وبالبارحة افتتحت بكلية الآداب الندوة التي عقدتها بالمغرب هذه السنة الجمعية الدولية للجغرافية، وإني أحيي أعضاءها الحاضرين في هذه القاعة الآن، وما حضورهم إلا دليل على اهتمام المنظمات العلمية بجامعتنا الفتية.
وفي أوائل نوفمبر سوف يعقد كذلك بالمغرب المؤتمر الثالث للآثار بالبلاد العربية الذي تنظمه جامعة الدول العربية.
وإن هذه السنة الدراسية تقترن بذكرى عظيمة في تاريخ العلم، وهي مرور مائة سنة وألف سنة شمسية على تأسيس جامعة القرويين، إذ بدا العمل في حفر أسسها يوم فاتح رمضان سنة 245هـ الموافق لسنة 859م ومما يحق لنا أن نفخر به أن مؤسستها امرأة هي فاطمة أم البنين الفهرية، وإن هذه المؤسسة التي تعتبر أقدم جامعة في العالم منذ تم بناؤها وهي تقوم بنشر العلم في هذا الجناح الغربي من العالم العربي. لذلك ينبغي أن يكون الاحتفال بهذه الذكرى المجيدة يناسب عظمتها التاريخية، ولنا كبير الأمل في أن حكومة صاحب الجلالة سوف تولي هذه الذكرى كل ما تستحق من عناية.
وقبل الختام أتوجه بالشكر الجزيل لكل الذين تفضلوا بتلبية دعوة الجامعة لهذا الافتتاح، وعلى رأسهم حضرة صاحب السمو الملكي حفظه الله.
والآن أقدم لكم الأستاذ (أرزيليس) الذي سيلقي عليكم الدرس الافتتاحي هذه السنة، وقد ارتأينا أن تكون له علاقة بالمجريات العلمية في العالم، إذ بمحاولات الأسفار عبر أجواء الدرارى والنجوم تدخل الإنسانية في عهد جديد، ويتعين علينا أن نساير هذا التقدم ونتعرف على معالمه. وموضوع هذا الدرس –أي السفر عبر النجوم والنسبية- مقدمة لمعرفة هذه المحاولات.         
والسلام عليكم ورحمة الله.
 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here