islamaumaroc

الخريف

  دعوة الحق

24 العدد

وشي وشي بالغمام يا ريشة الفضاء سمائي، وهبي يا رياح وخاصرى الأغصان والأعشاب وارقصي مع الأشجار، وانسجي يا شمس على الحقول كفنها، ودعي القمر يكتب على ضريحها :
«ماتت شهيدة الجمال وضحية الربيع ومن يمت فداء الربيع، يولد كل ربيع»
 وأنت يا أمطار قد طالت عطلتك في المصايف، على الشواطئ وفي قمم الجبال. فهلا عدت إلى غدرانك وأنهارك وسواقيك تحمل لها أوتارها، ونضارة سجوها ؟ وهلا خلعت عن نفسك حلة السراب التي كنت تكتسين بها في هجير الصيف وقيظه، ورجعت إلى بذورك وجذورك وأعشاش ترابك ؟
أنسيت وقد كان رشاشك على موعد مع سقوط الوراق ؟
ها هي الأشجار تذهب الحقول، وتوشي شاسعات الربي والمزارع بمناديل أوراقها.
أوراق، وأوراق، وأكداس أوراق، ولا أرى إلا الأوراق منتشرة مبعثرة على بساط الأرض، ولا أسمع كذلك إلا خشخشة الأوراق. وكان الوجود، وكل ما يتوفر عليه الوجود شجرة تهزها عاتية الرياح فتسقط أوراقها على الأرض هامدة، ثم تحملها إلى قبرها المولول. 
هبي هبي يا رياح، وثوري وولواي، واعصفي في لحمي، ودمي، وعروقي، وأفكاري، وخيالي. فأنا كذلك شجرة من أشجار الخريف نابتة في ملاعبك ومغانيك الهائجة.
هزي بأناملك الثائرة جذعي وأغصاني، تساقط على الأرض أوراقي التي أفسدتها الأنانية الجامحة، والنيات الفاسدة، والأفكار والمطامع الجشعة، وأذبلها الغرور، والعدو وراء الشهرة والمال وحب الظهور.
اعصفي يا رياح، ولا تتركي في أغصاني ورقة واحدة من أوراقي التي أذبلتها الشهوات والنزعات السود.
تناثري تناثري عني يا أوراق الحقد،  والبغض والكراهية،  والخطايا والبلايا والآثام، وعريني كذلك من أوراق النفاق، والبهتان، والذل والخضوع. والمين، والعبودية، والخوف، ودعيني هكذا :
جذورا ثابتة صامدة في جوف الأرض غير سقيمة، ولا هزيلة، ولا متعفنة، وجذعا قويما، مستقيما، صحيحا، وأغصانا ندية مثمرة ناضجة، تطعم وتروي طيور الجبال والأعالي والنجوم بحاتمية وسخاء، وتوزع النسائم المطيبة في الإصباح والإمساء على ساكني السهول والأوداء ومجنحاتها.
هذا هو فصل الخريف، فصل الرياح المطهرة، ورذاذ الأمطار المحيية، والنسمات الرقيقات اللطيفات الظريفات.
اخرجوا من مساكنكم أيها الناس، وافتحوا أبوابها، ونوافذها وشبابيكها لهوج الرياح لتعصف بأوراق نقوشها وزخرفتها الكاذبة، ومراياها الخداعة المنافقة، وأسرتها ومخداتها ذات النوايا المبيتة، والشهوات الزائفة، وموائدها المرتفعة بالجشع والنهم.
افتحوها على مصراعيها للرياح لتصوح بأوراقها الزائفة، وتجنح بها مع أوراق هذا الخريف إلى دون رجعة. اخرجوا وسارعوا إلى مطهر الرياح، وافتحوا لها صدوركم، واعرضوا عليها أجسامكم كيفما تسقط أوراقكم الذابلة.
اخرجوا ولا تتأخروا ليلا يدخل عليكم فصل الشتاء، وأجسامكم مازالت تحمل أوراقها المريضة الصفراء.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here