islamaumaroc

المولى إسماعيل العلوي

  دعوة الحق

24 العدد

كان الحال بالمغرب أول المائة الحادية عشر، أشبه بحال ملوك الطوائف الذي قال فيه ابن الخطيب.
حتى إذا سلك الخلافة انتشر
                   وذهب العين جميعا والأثـر
قـام بكـل بقعـة مليـك
                   وصاح فوق كل غصن ديك
كان يعوزها من العصبية التي لا يتم أمر الملك إلا بها، أو لاصطدام عصيتها بأقوى، وكثيرا ما كان هؤلاء القائمون على الصبغة الدينية ونحلة التصوف، وكانت إذ ذاك فاشية بالمغرب، ولكن مع ذلك كانت دولتهم تجهض قبل التمام لضعف عصبيتهم، وقد قرر ابن خلدون أن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم، فهذه دولة الفقيه المتصوف أبي محلى السجلماسي الذي استولى على سجلماسة ودرعه و مراكش، قام بنحلة الأمر والنهي، وزعم أنه الفاطمي المنتظر، وكأنه أراد أن يتحدى مهدي الموحدين، ولكن أعوزته عصبية كعصبية الصامدة التي كان يعتمد عليها المهدي، فزحف إليه أبو زكرياء الحاجي إجابة لاستصراخ زيدان السعدي ذي الدولة يومئذ، والتقى الجيشان بجبل (كليز) ولم يكن إلا كفواق ناقة حتى التحقت دولة أبي محلي يمن غير، وذهب منه العين والأثر.
وهذا أبو زكرياء يحيى بن عبد الله عبد المنعم الحلد المتصوف صاحب الزاوية بدرن (وهو المذكور أنفا) نهض بالسوس واستولى على رودانة، ولكن طحنه الدهر ولم يتم له أمر. وهذا أبو حسون السملالي –من ذرية الولي الشهير سيدي أحمد وموسى- كان استولى على درعة وسجلماسة ولكن سوء سيرة أصحابه ألجأت أهل سجلماسة لرفض بيعته وجمحوا إلى بيعة المولى محمد بن الشريف وكانت مقدمة الفتح وأمحت دولة السملاليين.
وهؤلاء الدلائيون انتهزوا فرصة انتثار سلك الدولة واستولوا على مكناس وفاس ونواحيها وسلا وأعمالها وزاويتهم كانت مشرق شمس العلم والدين ومطلع أنوارهما إلى أن حاربهم المولى الرشيد وشردهم. ولو أنهم ساروا على خطتهم من نشر العلم والدين لكانوا من الفائزين، ولكنهم غمسوا يدا في الرياسة فتكدر صفوهم وتفرق جمعهم وكانوا من المهلكين.
   وهذا أبو عبد الله العياشي قام بنحلة الجهاد، وقد دخلت في طاعته القبائل والأمصار من تامسنا إلى تازة، فيهم أهل فاس، وكان رحمه الله في نحلته من الصادقين، ولكن فاته الشنب فإن الخلافة في قريش ما أقاموا الدين.
وهذا الخضر غيلان صاحب أصيلا –وكان مقدم الغزاة من طرف العياشي- أوضع خلال البلاد الهبطية واقتحم القصر، ولكنه من سيوف أبي النصر لم يكن من الناجين إلى انتقاض الأندلسيين بسلا، ومعلوم حالهم من الصرامة وصعوبة المراس، زد على ذلك دولة الشبان أخوال السعديين القائمين بمراكش، إلى أن أظلتهم سيوف المولى الرشيد فمحت دولتهم ونسخت دعوتهم، أضف إلى ذلك قيام أبي عبد الله الدريدي الهلالي بفاس الجديد وتسمية أميرا، إلى أن اقتحمه عليه المولى الرشيد وكان له مبيدا، وهكذا كان المغرب طرائق قدودا إلى ما كان فيه من العراك المستمر تارة بين تلك الطوائف، وآونة لقمع الثوار، وأخرى لإخضاع المخالف، وما سكنت تلك الهيجة إلا باستقرار العرش العلوي الشريف، وزادت قواعده استحكاما ف يعهد أبي النصر المولى إسماعيل، ذلك الهمام المحنك الذي مكن للدولة في أحشاء القبائل وشناخيب الجبال التي كانت تعتبر بحق منابع الفتنة ومنافذ براكين الثورة.
أدرك أبو النصر أن المغرب لكثرة عصائبه قل أن تستحكم فيه دولة، شأن الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب لاختلاف المنازع والأهواء، حسبما قرر ذلك الداهية ابن خلدون، أدرك ذلك حقا لذكائه ونكرائه ولأنه ممن صاول تلك العصائب، وعجم عودها أيام خلافته عن أخيه الرشيد، وكان مرمى أنظاره تأسيس ملك راسخ الأطواد رفيع العماد.
ومن جراء ذلك رسم لدولته خطة ذات قواعد متمكنة، منها أن لا يستنصر بالقبائل التي قد تثاقل عنه في وقت الحاجة أو تجر عليه الهزيمة أو تتسلل عنه في إحراج المواقف، كما وقع له في وقعة وادي مثلف. ومنها أن ينشئ جيشا مرابطا ببابه، يكون نتيجة تربيته، وعليه يرتكز نفوذه، وهو ما تم له في جيش عبيد البخاري في إنشائه أولا واعتبار قصره مدرسة لتربية أولادهم وتدريبهم، وهو جيشه النظامي المسجل. ومنها تجريد القبائل من السلاح والكراع حتى لا يطمح منهم إلى الثورة طامح، وكان هو أول ما يفعل إذا أخضع قبيلة من القبائل ولم يرخص في حمل السلاح إلا لجيش مخصوص، منه الجيش المرابط على ثغر سبتة.
ومنها إنشاء شبكة من الحصون والقلاع في أنحاء المغرب من أقصاه إلى أقصاه، ولاسيما في أحشاء القبائل وثغرة نحورها، وقد شحن تلك الحصون بعدد من عبيد البخاري يرأسهم قائد منهم تلقى على كاهله مهمة حفظ المن بمنطقته، ومئوية هذا الجيش المرابط من أعشار القبيلة التي ينزلها، ويعرف هذا النظام عند الفتيين بإنشاء العصابات المحافظة، وكان قد فعله شارل مارتل في جبال البرينات. ومنها تكليف القبائل بمعرفة كل من يمر بترابهم أو تثقيفه حتى يعرف، وهو من المهمات التي تقوم بها مصلحة حفظ الأمن عندما يقتضيه الحال، وبذلك استنزال البربر من صياصيهم، وألقى إليه المغرب الجران وتمددت فيه أطناب الأمن وإفراغ أهله ذرعهم للفلاحة وتربية المواشي والاتجار فعمهم الخصب والرفاهية.

حالة الاستعداد البحري والغزو على الأساطيل (القرصنة) في عهد المولى اسماعيل
لقد انتقد اليوسي في رسالته الشهيرة على المولى اسماعيل أعماله لعمارة الثغور وإقامة مراسم الجهاد، ولكن يظهر أن المولى اسماعيل كان مهتما بتمكين الأمن في داخلية البلاد قبل كل شيء، لما كانت عليه الحال قبل من الفرقة والتحالف وكثرة التنطع والوثوب، لا يغفل عن ذلك لحظة لأن بادية المغرب لا يستقر لهم أمر، وقد رد على اليوسي السلطان المولى عبد الحفيظ في تاريخ المغرب(1) ردا مرا وقد قال الأسير مويط عن هذا الملك :
(كان صعبا على من عصاه، ولا عجب في ذلك لأن عادة الأعراب تشوفهم دائما لنزع السلطان وتولية غيره، ولهذا كان المولى اسماعيل شديدا عليهم، وبهذا ثبت ملكه، ولم يسترح مدة ملكه من مواصلة الحركات والغزو ستة أشهر موالية( فلهذا السبب لم يتفرغ لدرس الشؤون البحرية ويهتم بالبحث عن العارفين بأمر البحر على قدر ما كان مهتما بداخلية البلاد، يدل على ذلك ما جاء في كتابه إلى جيمس ملك الانكليز –وهو يومئذ بفرنسا لنزاع جرى بينه وبين شعبه- ما صورته : (ووالله لولا أننا أناس عرب لا معرفة لنا بالبحر، أو كان عندنا من يحسن معرفته أو نستوثق به في الجيش ونطلقه في يده، حتى نكاتب الانكليز ونبعث لك ممن الجيش ما تدخل به عليهم وتتولى به ملكك).   
وذكر في الاستقصا عن المؤرخ منويل (أن لويس الرابع عشر كان أعان المولى اسماعيل على فتح العرائش بخمس فراقط حاصرها بها بحرا)، وما كان من أهل العدوتين إذ ذاك إنما هو صبابة مما بقي من عوائد الأندلس، وقد ذكر ابن خلدون مبحث قيادة الأساطيل في أسباب تراجع قوة المسلمين في الأساطيل لعهد الدولة الموحدية : (إن ذلك من ضعف الدولة ونسيان عوائد البحر بكثرة العوائد البدوية بالمغرب وانقطاع العوائد الأندلسية). فإن تساءل بعض الناس : كيف لم يقم بطرد الاسبانيين من سبتة والبرتغاليين من البريجة، فالجواب أنه قد بذل الجهود الجبارة في إجلاء الاسبانيين عن سبتة، ولكن حصانتها حالت دون ذلك، فاكتفى بالمرابطة عليها بل أدى الحال إلى اتهامه الغزاة بالتقصير في فتحها حذرا من أن يساقوا إذا أتموا فتحها إلى البريجة ويبعدوا بذلك عن ديارهم، وفي وصيته التي كتبها يوم اشتد به المرض :
(واتركوا الجيش مقابلا لسبتة فإن فيه إرهاب الكافرين) أما البريجة فقد كانت أيضا من المناعة بمكان، مع إرسال البحر حواليها في حدود عميقة ترسى بها السفن، إلا ما كان من جهة واحدة تنصب عليها قنطرة للعبور نهارا ثم ترفع بآلة فتستحيل بابا لذلك الحصن، زيادة على شحنها بالعدة والكماة المجربة والاحتياط للحصار بادخار الماء بالماجل الذي لا يزال ماثل العين لحد الآن، حتى تهيأت الأسباب أيام حفيده المولى محمد، فحاصرها وألح عليها بالقنابل الضخمة حتى اضطر أهلها للجلاء.
كما يلوح لنا أن المولى اسماعيل كان –لثقته بجيشه العتيد وسلاحه الموفور- لا يتوقع أي هجوم على بلاده، وكذلك لم نسمع بحادث من هذا الشكل على طول أيام ملكه وكلهم يعلم أن من يسقط على بلاده يقع في لهوات الأسد، وقد أرهبهم بجلاء الانكليز عن طنجة والأسبان عن العرش وأصيلا والمعمورة، زيادة على عدد الأسرى التي كانت تعج بها سجونه بمكناس(2) وفيهم الرخامون والنقاشون والنجارون والحدادون بله المنجمين والمهندسين والأطباء، وكانت عدتهم تنيف على الخمسة والعشرين ألفا، ولم تسمح نفسه بفداء أسير منهم بالمال، وكان عدد الأسرى الذين أخذ من العرائش وحدها نحو ثلاثة آلاف، فدي بمائة من عظمائهم ألف أسير من المسلمين(3)، ثم استقر هؤلاء الأسرى أخيرا بالحاجب وأكراي قرب مكناس، واندغموا في المغاربة وذابوا فيهم.
وفي عام 65 أيام المولى عبد الله، ورد سفير الإسبان عليه بمائة ألف ريال هدية، وتحف من الملف والحرير والكتان، فعلق الأمر على فكاك أسرى المسلمين الذين عندهم من غير مال فكان كما أراد.
على أن القراصين بسلا في عهد المولى اسماعيل كانت تعمل عملها. فمن رسالة من ملك فرنسا لوزير الرابع عشر في بدل الأسرى بالأسرى من الطرفين (أي الكل مما أسرته المراكب البحرية بسلا)(4).
ولما كان عامل الثغور عمار بن حدو البطؤي بالمعمورة، أخذ مركب للافرنسيين بعض مراكبه فأخذ آخر في مقابلته ووجه أسراه إلى الحضرة الإسماعلية ثم انتهى الأمر بفداء الأسرى بالأسرى. وذلك مما يؤذن بنفاق أمر الأسطول البحري، وقد قص الاستقصا(5) نبأ وقوع المولى المستضيء على الخزائن الاسماعيلية التي وجد بها شيئا كثيرا من ملح البارود والشب والبغام وغير ذلك مما كان يجلب إلى الحضرة من غنائم أجناس الإفرنج، فباع ذلك كله وذلك مما يبرهن على ما قلنا، وكذلك في كتاب الأسير مويط ما يدل على أنه كان له حرس بحري يترصد من يدنو من جوار إيالته من الأوربيين، فقد ذكر أنه كان يرد على المولى اسماعيل من بلاد النصارى –الذين كانوا يعتنقون الإسلام والذين يطلبون خدمته بملء بطونهم مع بقائهم على دينهم- أكثر مما تأسره عسس السلطان البحرية، وذلك لما يلحقهم من ظلم كبرائهم والإجحاف بهم) إنما الأمر الذي لا شك فيه أن أمر الاستعداد البحري ونشاط القرصنة إنما تم في زمن حفيده المولى محمد، فقد كان مغرما بذلك وكانت مراكب الجهاد تجوس خلال البحار فتأتي بالغنائم والأسرى، وبذلك تغلغل نفوذ هذه الدولة   
الشريفة في البحر وامتطى صهوة الأمواج، وكان أرصد لهذا العمل قسما من الخزينة المالية(6)، وحصن ثغورا المغرب وشحنها بالآلات الحربية، وشيد الأبراج وأسس مرسى الصويرة ليتأتى الخروج بالأساطيل منها في جميع فصول السنة، لأن مراسي العدوتين والعرائش كانت المياه ترسب في أفواهها وتضعف جرية الماء أيام الصيف بها ويتعذر خروج القراصين، وقد استعان على عمله هذا بمهرة العارفين بصناعة الآلات الحربية والمهاريس والكور والبنت (القنابل الثقيلة) والمراكب القرصانية والمعلمين الذين بعثهم إليه السلطان مصطفى العثماني، كما استعان على ذلك بأهل رباط الفتح، فقد قص الضعيف في تاريخه، حديث عزمه على إجلاء أهل الرباط إلى الصويرة لما كان وقع منهم مع أخيه المولى أحمد –وكان خليفة عليهم- فأخرجوه من القصبة تحت ظل سيوفهم، وكان استفتى العلماء في شأن إخراجهم من الرباط فأجابه غير واحد بالمنع (انظر ج9 من المعيار الجديد)، ولكن رأى انه إن أخرجهم لم يجد من يقوم مقامهم في البحر لكونهم من عناصر أندلسية مدربة على الجهاد وركوب أعواد البحر، وقد ذكر في الاستقصا أنه لما قدم إلى العدوتين أمرهما بإنشاء سفينتين. كما أن تجار آسفي من الأوربيين كانوا يتنافسون في شراء ما يحتاج إليه من إقامة المراكب يتزلفون إليه بذلك، وكذلك كان دول أوربا يبادرون إلى امتثال أمره(7) في شان ذلك، وقد هيأ له ذلك تحسين العلاقات مع الدول المجاورة له غيرها، فجدد عقد الصلح مع الفرنسيين وعقد الصلح مع البرتغال والأسبان ومع السويد والدا نمارك(8)، وكانت له صلة محكمة مع آل عثمان السادة الغطا ريف، ومع بلاد مصر والحجاز وغيرهم، بما كان يفك من أسراهم وما كان يفيضه على إشرافهم وعلمائهم من العطايا، وأخذ أمر القرصنة يضعف بعد وفاته، فقد ذكر منويل في حصار المولى اليزيد لسبتة أن عدة قراصين المسلمين الحربية كانت يومئذ ستة عشر قرصانا وبها من المدافع 306، وإن كان الناصري في الاستقصا (137) قد انتقده ورأى أن عدد القراصين كان أكثر، وبقيت القراصين تجول في البحار أيام المولى سليمان كما بالضعيف، وقد ورد عليه كتاب من بعض الرؤساء السلويين المجاهدين بغنيمة مركبين، وصادف الحال قراءته للتفسير ووقوفه فيه على قوله سبحانه في الأنفال (واعلموا) فسره ذلك وإذن للشعراء في القول في ذلك، وممن قال في ذلك علامة القطر الإفريقي أبو إسحاق الرياحي الذي صادفه الحال هناك، وقد أورد ذلك الجر يري في شرح قافية ابن الونان، ثم قص حديث غرق مركب بحري من مراكبه الكبار التي أعدها للغزو وكان فيه عسكر السلويين، ورفع النبأ إليه وأن ذلك من تفريط بحريته فأمر بسجنهم بالمهدية وألزمهم أداء عشرة آلاف ريال، فتوجه إليه أعيان المجاهدين من سلا والشرفاء والفقهاء والمرابطون والفضلاء وهو بفاس في شان الشفاعة في أولئك البحرية وكان فيهم الجريري فعفا عنهم. ثم إنه في سنة 1233 أعرض عن الجهاد في البحر وفرق بعض قراصينه على الايالات المجاورة له كالجزائر وطرابلس وما بقي أنزل منه مدافعه ولما كانت أيام المولى عبد الرحمان أراد إحياء سنة الجهاد في البحر وأمر بإنشاء الأساطيل وضمها إلى ما بقي من آثار جده سيدي محمد رحمه الله، فلم يتم له ف يذلك أمر لاختلال أمر التوازن البحري إذ ذاك، وإن كان قد غنم بعض رؤسائه من الرباط مركبا نمسويا تحدث على ما فيه مفصلا في تاريخ مكناس ص 135 ج5 ولكن أعقبه من المشاكل ما أوجب تنازل المغرب عن القوة البحرية واضطر السلطان للاقتصار على التحصين ولذلك أنشأ البستيون بسلا(9) وبني أشبار الكبير بالرباط(10) ولاسيما لما وقع احتلال الجزائر، وكان يحض على تعليم علم الطوبجية(11)، فانظر الكلام على وقعة اسلي، ورمى الافرنسيين لطنجة والصويرة بالقنابل، والمركب التجاري الذي ارتطم بسلا. ومما كان يجري بالرباط أن عامل المدينة كان يخرج بعد صلاة العصر من كل يوم جمعة بهيئته الرسمية إلى خارج المدينة عند المصلى القديم قرب ضريح سيدي السعيدي ومعه باش الطوبجية، لإجراء تمرينات على الرماية بالمهراس أمامه عادة مقررة.  
وكان به من شيوخ الرماة عشرة أو أحد عشر، ولكل واحد عدة تلاميذ يدربهم على الرماية ويأمرهم     أن يقولوا أول العمل أن ذلك بنية الجهاد في سبيل الله، كما كان به فريق المصافرية وهم المتمرنون على الضرب بالسيوف وذلك بواسطة عصي يتمرنون عليها، وكانوا يتقاضون مرتبا من الديوانة.
ولما كانت أيام المولى الحسن الذي درس الحالة عن كتب واهتم بنشر المدينة الجديدة، أراد أن يرجع بالمغرب إلى مركزه ويرفعه إلى مستواه، فقام بوسائل مهمة، منها بعث البعثات العلمية إلى القطار الأوربية (وكان ذلك في العهد الذي أوفدت فيه اليابان البعثات أيضا) ولكن لم يتم له في ذلك أمر ولم تعقبه نتيجة مفيدة، لن الشعب المغربي إذ ذاك لم يدرك ما كان يدركه سلطانه، وما كان الناس يبعثون أولادهم لأوروبا عن رغبة، ولما مات المولى الحسن وخلفه ابنه المولى عبد العزيز على العرش قام بتدبير الملك حاجبه بأحمد وذلك لصغر الملك، وهذا الحاجب سياسي محنك ولكن في خصوص سياسة داخلية البلاد التي درسها من قديم على عتبة القصر، أما المدينة الجديدة والتطور العصري فلم يكن نضج في فكره، ولما ورد عليه بعض المتعلمين من تلك البعثات وقد أتموا دروسهم، لم يجعل لهم قيمة ولم يقدر لهم قدرا وألقاهم في زوايا الإهمال فضاعفت معارفهم وخسرت صفقة المغرب، وقد عرفت كثيرا منهم يستعين على معاشه ببعض الحرف ولله الأمر من قبل ومن بعد.

الحالة التجارية والفلاحية في عهد المولى اسماعيل 
يفضل التدابير التي اتخذها المولى اسماعيل لبث الأمن في المغرب، أفرغ أهله ذرعهم للفلاحة وتربية الماشية والاتجار، فكثرت تربية المواشي وتربية الخيل وعم المغرب الخصب والرفاهية، ولما وفد عليه آيت يدراسن من برابرة جبال فازازا، شرط لتأمينهم دفع السلاح والكراع والاشتغال بالحرث والنتاج، ودفع لهم عشرين ألفا من رؤوس الغنم لرعايتها، فكانوا يدفعون له كل عام صوفها وزبدها ويزيدهم إلى أن بلغت ستين ألفا. وقد غرس بجنان حمريه مائة ألف قعده من الزيتون، وقد كان بالبستان المجاور لإسطبل الخيل من أنواع الفواكه كل غريب، ومعلوم أن اتساع مغل الزراعة والحيوان وما ينتجه من الصوف والزبد والاهاب مما يحرك أسواق المدن ويقع به التبادل مع ما عند أهلها من مصنوعاتهم، زيادة على كون أمر الفلح يتوقف على عدة صناعات لا توجد التجارة والصناعة في عهده إلى ما كان يروج في قصره من أعمال الفنانين فكان بذلك كمدرسة للصناعات والفنون، ومن آرائه الرشيدة اتخاذ خزين للحبوب (الدكسيلوس) الذي تتخذه الدول الأوربية لهذا العهد، أنشأه بمكناسة الزيتون لما امتازت به من سلامة المخزون، اتخذه للمسقية إن كانت، وللحصار أيضا إن كان، بدليل نصب المدافع هنالك ويظهر أن إنشاء البركة العظيمة ثمة كان لغرض النزهة والاحتياط للحصار أيضا، كما احتاط بغدارة السور على الراضي الفلاحية أيضا بعاصمته، بحيث لو حوصرت لكان عنده قوته من طعام وشراب وأراضي الفلاحة التي تنتج ما يتوقف عليه وإن طال أمد الحصار.
  أما حالة التجارة الخارجية فقد كان بايالته عدة مراس مفتوحة للتجارة وبها بيوت أموال، وقد كان ولي على بيوت الأموال المتحصلة من مراسي العدوتين وآسفي الحاج محمد بن ابراهيم معنينو (العائلة المشهورة بسلا) وقد ذكر في الاستقصا أن من الأسباب التي حملت المولى محمد بن عبد الله على تأسيس مرسى الصويرة، أن يكون بمثابة لوسق السلع حتى لا يتشوف الواردان على مرسى أكادير التي قد تكون أحيانا في يد الثوار، ولكونها وسط الإيالة، وأسقط عن تجار النصارى الذين جلبهم إليها معلوم الجمرك ترغيبا في عمرانها ونفاق أسواقها، واستمر ذلك الترخيص مدة ثم ألحقها بغيرها من الثغور في الأداء، كما أغلق مرسى أنفا (الدار البيضاء) ورد تجار النصارى الذين كانوا بها إلى الرباط، إلا أنه يظهر أن حالة التجارة الخارجية في العهد الاسماعيلي لم تكن في المستوى المناسب لقطر يتدفق على شاطئه بحران، وسبب ذلك ما كان يصدر من جيران المغرب من محاولة احتلاله المر الذي يحمل ملوك المغرب على مناصبتهم القتال، ولذلك لما عرض الانكليز على المولى اسماعيل عقد الصلح، وعقد مجلسا للنظر في طلبه، ارتأى قائد الثغور إجابته لذلك لما فيه من تسهيل الإبعاد في الغزو والبحر، وتيسير أمر التجارة العائدة على البلاد بالثورة، لولا أن قاضيه عارض في ذلك زيادة على عدم ثقته بعهود الإسبان لما سلف من غدر أسلافهم بأهل غرناطة وغيرهم كما يعلم من رسالته على ملك الإسبان، وسمعت من ذوي السن من بلدنا الرباط أن أمر التجارة البحرية إنما استفحل أيام المولى عبد الرحمان وانه هو الذي فتح البحر للتجارة، ويظهر أن ذلك من نتائج أعراضه عن الغزو في البحر والقرصنة.

الحالة العلمية في عهد المولى اسماعيل 
أما العلم في عهده فلا شك في انتشاره، لأن ذلك من نتائج المن والرفاهية، إلى ما كان يقوم به من تنشيط الحركة العلمية بإكرام أهلها، يحدثنا الشيخ مرتضى في شرح الأحياء أن المولى اسماعيل دعا علماء عصره(12) وفيهم اليوسي وقدم إليهم الطعام، فلما فرغوا صب على أيديهم الماء فامتنع اليوسي فغضب لامتناعه) وقد ذكر في نشر المثاني (إن المغرب في أيام المولى اسماعيل كثرت عمارته جدا، وجدد الناس في أيامه للعلوم عهدا، فكانت أسواق العلم في دولته عامرة ونجوم أفلاكه نيرة زاهرة) وذكر ابن الحاج في تاريخه إنه في أيامه كثرت العلماء وحفاظ القرآن، فكم من رجل ولد وقرأ وصار عالما من علماء المسلمين وولد له من صار عالما كل ذلك في أيامه المباركة) كما ذكر أيضا أنه كان في وقته لا يأخذ البيت بمدرسة الواد من فاس إلا من يحفظ مختصر ابن الحاجب، ومن أياديه البيضاء في نشر العلم بالرباط أنه كان أمر العلامة المحدث أبا الحسن العكاري بالمقام به لنشر العلم، وتخرج عليه جماعة من أهله وإليه تعزى النهضة العلمية.
انظر كتابنا : الغصن المهصور بمدينة المنصور.
العمارة الفنية في وقته
  قرر ابن خلدون(13) أن آثار الدولة على نسبة قوتها في أصلها، وان قوة البناء المشيد وعظمته تدل على عظمة الدولة.
إن البناء إذا تعاظم شأنـه
               أضحى يدل على عظيم الشـأن  
وذلك لأنه يقضي بكون الدولة فسيحة الإرجاء، كثيرة الممالك والرعايا، يمكنها أن تحشد من أقطارها ما يتم به العمل على أعظم هياكله، واستشهد لذلك بديوان كسرى بالمداين وبلاط الوليد بدمشق وجامع بني أمية بقرطبة والحنايا التي جعلت لجلب الماء إلى قرطاجنة وبناء الموحدين بالرباط وبرباط أبي سعيد بالمنصور إزاء تلمسان وغيرها من المباني والهياكل، وتحن إذا نظرنا إلى المولى اسماعيل نجده من أعظم ذوي الآثار بين ملوك العالم، وأبنيته الضخمة ومساجده وقصوره وحياضه ورياضه ناطقة بذلك، وهي وإن غاب جلها عن رقعة مكناس فما غاب عن رقعة التاريخ، وقد أسلفنا أن قصوره كانت كمدرسة للصناعات والفنون بما كانت تعج به من الفنانين من ذوي المهن المتعددة من الأوربيين وغيرهم، وفيما كتبه الزياتي وصاحب الاستقصا وصاحب الارتسامات العطاف وصديقنا ابن زيدان، ما يقال في شأنه لا عطر بعد عروس. وأبدع عمارة للمولى اسماعيل يحدثنا عنها التاريخ هي مدينة الرياض، ويظهر انه تحدى بها مدينة فرساي التي أنشأها عصريه لوزير الرابع عشر، أو حاكى بها مدينة سامرا (سرمن راي) التي بناها المعتصم لجيوشه. وسبب هدم نجله المولى عبد الله لهذه العمارة التاريخية هو تآمر رجال الدولة عليه بها، كما كان سبب خراب سامرا هو ما كان بين أمراء الأتراك من الاختلاف والتناقض، فكان السبب قريبا من السبب، والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.    

(1) يوجد هذا التاريخ بخزانة المرحوم المولى عبد الرحمن بن زيدان، وهو كمذكرة له جمعها.
(2) انظر تاريخ الزياني والاستقصا
(3) الجريري شارح الشمقمقية
(4) انظر تاريخ الكونت دي كامشري ج 1 ص434-
(5) ص 69-
(6) ذكر ذلك الجريري
(7) انظر رحلة الغزالي
(8) انظر ص 105 ج4 من الاستقصا انعقاد بين السلطان سيدي محمد وبين الدانمارك والسويد وما كانوا يؤدون إليه من الأموال والمدافع.
(9) الاستقصا ص 254 ج4.
(10) الاستقصا ص 210 ج4.
(11) الاستقصا ص 206 ج4.
(12) يظهر أن هذه القصة وقعت يوم دعا المجاطي لختم التفسير في قصره.
(13) ص 148 – 288 من المقدمة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here