islamaumaroc

...في مطلع السنة الهجرية الجديدة

  دعوة الحق

العددان 184 و185

• ننشر فيما يلي الكلمة التي ألقاها السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الدكتور أحمد رمزي في الحفل الديني الكبير الذي أقامته الوزارة بمسجد السنة بالرباط تخليدا لمطلع السنة الهجرية الجديدة (1398 ) على صاحبها أطيب الصلاة والسلام .
بسم الله الرحمن الرحيم
« وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يخرجوك، ويمكرون الله والله خير الماكرين » ( صدق الله العظيم )

الحمد لله رب العالمين
وصلى الله على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين .
أصحاب السعادة
حضرات السادة
لكل أمة في تاريخها أيام مجيدة وذكريات خالدة، اقترنت بأحداث كانت لها دلالتها وأثرها الايجابي في حياة تلك الأمة .
وتاريخنا الإسلامي غني بالعبر والعظات، حافل بالإحداث الكبرى التي ظلت على مسار التاريخ معالم بارزة في طريق مسيرتنا العلمية والحضارية .
ولا شك أن يوم الهجرة يوم الهجرة المحمدية من مكة المشرفة الى المدينة المنورة، سيبقى الحدث الشامخ في تاريخ الجهاد، في سبيل إقرار الحق وإظهاره، ودحض الباطل وإزهاقه ذلك لأن حدث الهجرة المحمدية كان منعطفا في خط سير الدعوة
الى الله أتجه بها نحو الغلبة والظهور والانتشار بعد أن ظلت محبوسة في شعاب مكة ووهادها قرابة ثلاثة عشرة عاما تطور خلالها الصراع بين الحق والباطل من الجدل الكلامي، الى التآمر على الحياة الرسول صلى الله عليه وسلم، فضلا عما تعرض له أنصاره ـ وعددهم قليل ـ من امتحان عسير، وساعتها إذن الله لرسوله بالهجرة، ومغادرة الوطن الى حيث شاء الله لهذا الدين أن ينطلق وينتشر . الى حيث كانت كل عوامل النصر وظروفه وأسبابه قد تضافرت وتهيأت .
أصحاب السعادة
حضرات السادة
لو شاء ربنا أن يسلك بدينه الذي ارتضاه الناس، وبرسوله الذي جعله خاتم البيئيين، غير هذا المسلك لفعل، لان ربنا على كل شيء قدير، فقد كان من أهون الهين عليه سبحانه أن يكفي رسوله عناد وجهالة خصومه، وأن يوفر عليه عناء جهاد استمر ثلاثة عشر عاما تعرض خلالها المسلمون لأشد وأقسى أنواع البطش وأفظع ألوان التعذيب والترهيب، كما أنه كان قادرا على أن يشرح صدور المعارضين، فيكونوا أنصارا بدلا من أن يكونوا أعداء ؛ بيد أن حكمته اقتضت خلاف ذلك، بأن تلك الدعوة تلك المسالك الوعرة الصعبة التي سلكتها من تضحية وجهاد بالأنفس والأموال، وهجرة للأوطان، اختيارا للهمم والعزائم، وامتحانا لمستوى الإيمان وتعليما للناس بأن انتصار المبادئ والعقائد يعتمد أساسا على قوة وعزيمة وإخلاص المؤمنين بها ؛ وذلك هو المقياس الصحيح لعمق الإيمان وصدق اليقين : قال تعالى : « بسم الله الرحمن الرحيم الم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين » .
نعم، صدق الله وعده ونصر عبده إذ ما كادت شعلة الإيمان تنتقل الى المدينة المنورة، وتصبح يثرب مفتوحة في وجه الدعوة الإسلامية رسميا بعد بيعة العقبة، حتى انتشر نور الله ؛ فأضاء القلوب وأنار البصائر والأبصار، ولم يبق في المدينة بيت من بيوت لاوس والخزرج الا وفيه ذكر وتلاوة ؛ ويومئذ أذن الله لرسوله أن يخرج مهاجرا من مكة، ويولي وجهه شطر قاعدة الإيمان ( يثرب ) ( ويومئذ يفرح المومنون بنصر الله ) .
حضرات السادة :
لم يكن الطريق بين مكة والمدينة سهلا ميسورا بل كان محفوفا بالمكاره والأخطار، ذلك لان قريشا التي منيب بخيبة المسعى في تنفيذ ما تقرر في دار الندوة من إعدام الرسول صلى الله عليه وسلم، أزداد قلقا فقررت مطاردته وملاحقته في كل مكان، وبث الجواسيس والعيون في كل ممر وطريق، ورصدت الجوائز السخية لكل من يدل على مكانه أو يستطيع الإتيان به حيا أو ميتا، ونشطت حركة البحث والطلب لكن أني لهم الخلوص الى من تولت العناية الربانية رعايته ؟ فعميت عليهم الأنباء وظلوا يخبطون خبط عشواء، « لا يستطيعون حلبة ولا يهتدون سبيلا » .
ونجا رسول اله بعد أن رآى من آيات ربه الكبرى، فكان ذلك وجها آخر من أوجه النصرة والرعاية التي أحاط الله بها نبيه المصطفى : « الا تنصروه فقد نصره الله، إذ أخرجه الذين كفروا ثاني أثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا، فانزل الله سكينة عليه وأيده بجنود لم تروها، وجعل كلمة الذين كفروا السلفي وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم » .
وما إن حل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة حتى اجتمع حوله المسلمون من مهاجرين وأنصار، هاتفين بشعار العقيدة الخالد : « الله أكبر»  وبعد هذا الحدث العظيم برزت الى الوجود جولة الإسلام بمفهومها الكامل الشامل كما بدأ التطبيق العملي للشريعة الغراء، نظاما يحدد علاقة الإنسان بربه، وبنفسه وبأسرته ومجتمعه وبالناس كافة، كما يحدد علاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول الأخرى وبخصوص علاقة الدولة بغيرها اعتمد مبدأ المعاملة بالمثل انطلاقا من قول الله تعالى : « فمن اعتدى عليكم فأعادوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم » . ومن قوله عز وجل : « وأن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله » وهكذا كان حدث الهجرة حدا فاصلا بين الحق والباطل فاصلا لا لبس فيه ولا غموض . 
ونعود مرة أخرى الى حدث الهجرة لتناوله من حيث الهجرة لتناوله من حيث أنه أصبح مبدأ للتقويم الإسلامي  فقد  انعقد إجماع كبار الصحابة على أن سنة الهجرة هي انسب سنة لبداية التاريخ متجاوز، غيرها من الإحداث الكبرى كسنة ميلاد المصطفى سنة بعثته، وسنة وفاته، ويوم بدر مثلا ؛ اختاروا حدث الهجرة لما نطوى عليه من دلالات وأبعاد، كان لها ما بعدها . وقد جاء تفكير الصحابة في اعتماد يوم يكون مفتتحا للتاريخ عندهم على عهد سيدنا عمر بن الخطاب وبالضبط في السنة الخامسة من خلافته حين اجتمع بأمره مؤتمر استشاري لوضع تاريخ مسلسل من الأيام والشهور والسنين . 
وسبب ذلك أنه رفع الى أمير المومنين عمر ابن الخطاب قضية وثيقة بدين كتب فيها : يحل هذا الدين في شهر شعبان، فقال عمر : أي شعبان ؟ أهو الماضي، ام المستقبل ؟ وجاءت رسالته من ابي موسى الأشعري العامل على البصرة يستوضح عن مثل هذا وانتشرت كتابة الوثائق بين الناس ؛ فجمع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أهل الرأي لتقرير مبدأ معين يكون به تاريخ السنين ؛ فقرروا سنة الهجرة بداية له وكان قد مضى على الهجرة حينئذ سنة عشر عاما كاملا
إن اختيار المسلمين ليوم من أيامهم الكبيرة منطلقا بداية للتاريخ يعني اعتزازهم بأمجادهم وتخليدهم لأنقى صفحة من نفحات البطولة والشجاعة والتضحية .
وكان من السهل عليهم لو شاءوا أن يختاروا واحدا من التقاويم التي كانت سائدة حولهم ولكنهم لم يرضوا لأنفسهم أن يكونوا عالة غيرهم ولهم مفاخر وأمجاد .
حضرات السادة : هكذا كان أسلافنا يتصرفون عندما كانت تعترضهم المشاكل ؛ وبهذا المنطق كانوا يفهمون الأحداث ويبتكرون لها الحلول المناسبة .
ونحن كذلك أحفاد لأولئك الأجداد تجري ذكاءهم غزيرة في عروقنا، ونحمل في خلايانا خصائصهم ومميزاتهم، ولا نستطيع الانسلاخ منها ولو حاولنا ؛ فعلينا أيضا أن نسلك مسالكهم ونتصرف على غرار ما تصرفوا وان نبني كما بنوا وشيدوا ؛ فمن الخير لنا أن نعتز بشخصيتنا، وان يكون تطورنا في إطار الأصالة التي تعطينا الحصانة الأزمة ضد كل عوامل التفتت والذوبان ؛ وكما كان هذا اليوم منعطفا نحو الظهور والانتصار في تاريخنا البعيد، فلنجعل منه بإذن الله نقطة انطلاق وانبعاث لتاريخنا الحديث .
وبهذه المناسبة الخالدة يشرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، أن ترفع أغلى التهاني وأخلص الأماني الى رائد البعث الإسلامي ومجدد أمجاد امتنا أمير المومنين، جلالة الملك، مولانا الحسن الثاني أعز الله به ديننا ودنيانا، واقر بولي عهده الأمير الجليل سيدي محمد عينه وعين شعبه، وأنبت سمو الأمير مولاي رشيد نباتا حسنا، ومعه سائر الأسرة المالكة الشريفة .
كما نوجه أصدق التهاني الى الشعب المغربي المسلم المحافظ على قيمة ومقدساته والى كافة أمم وشعوب الإسلام بهذه الذكرى المباركة سائلين الباري تعالى أن يمكن لنا ديننا الذي ارتضاه لنا، وأم يجعل بتطهير أولى القبلتين وثالث الحرمين من رجس الاحتلال الصهيوني وان يلهم المسلمون طريق العودة الى الحق حتى يتحقق فيهم مدلول الآية الكريمة : « كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون باله صدق الله العظيم » .
والسلام عليكم ورحمة الله .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here