islamaumaroc

لقاء مع التاريخ في المغرب الأقصى

  دعوة الحق

العددان 184 و185

( الحمد لله، وسلام على عباده الدين اصطفى ) من ليلة القدر، في احتفال المغرب المشهود بمرور أربعة عشر قرنا على نزول القرءان الكريم بدأ هدا اللقاء الذي امتد سنتين عددا، حتى شهدت المسيرة التاريخية الى الصحراء المغربية .
اكتب عنه اليوم من ذاكرتي، لا أرجع فيه الى مدونات رسمية أو إعلامية وصحافية، فلقد كنت شاهدة من شهود العصر، فحسبي أن أدون ما رسخ في وعيي من مشاهد لقائي مع التاريخ في المغرب، دون ما مر بي من أحداث عابرة لم الق إليها بالا، فما لبتت أن تأهلت في عيابات النسيان ...............
بل لعلي كنت أقرب الى يأس منه، حين فوجئت، في منتصف شهر رمضان سنة 1387 ـ ديسمبر 1967، بالدعوة الى المهرجان القرآني الكبير بالمغرب، وأنا وقتئذ على وشك السفر الى السودان في رحلتي الموسمية، أستاذا زائرا لجامعة أم درمان الإسلامية .
وكان دلك هو ظاهر عذري الذي أبديته للسيد الكريم سفير المغرب بمصر .
ووراءه كانت موانع أخرى قاهرة، كرهت معها الظهور في محافل عامة، ووطني جريح مقهور،
وأهلي في حداد عام على ضحايا رحلة الموت الى صحراء سيناء في يونيه المشئوم في تلك السنة .
والعلاقات الثقافية بين المغرب ومصر، مقطوعة البتة، مند موقف الشاذ من قضية الحدود المغربية مع الجزائر .
لكن الله سبحانه، أراد لي أن اتجه الى المغرب لشهود المهرجان، من حيث لم أتوقع ولم احتسب .
ودون ان يخطر لي على بال، إنني بسبيل تحول حاسم في مسار خطاي ومجرد حياتي العلمية، أو إنني على موعد لقاء مع التاريخ في ربوع المغرب الأقصى ...
                                                * * *
الدعوة كانت موجهة إلينا باسم جلالة الملك الحسن الثاني، عاهل المغرب ورئيس الاحتفال القرآني الكبير وراعيه .
وأثر وصولنا، دعينا للقاء جلالته، في القصر الملكي بالرباط  

وتهيبت دلك اللقاء :
كنت أعرف جلالته سماعا وصورة، فأراه على البعد أصيل السمت نبيل الطلعة مرهف الذكاء، ولمح فيه مع شرف العرق وعز العراقة، فتوة الفروسية وعناد الإرادة والتحدي، وكبرياء النخوة .
لم استعيد ان أكون في هده الرؤية على بعد متأثرة بما قرأت من تاريخ أسرته العلوية الشريفة .
فكيف تكون رؤيتي إياه من قرب ؟
هل القي فيه سمى سيدنا الحسن البسيط، وحفيد المولى إدريس والشريف الحسن الأول، وخلف المولى إسماعيل، وابن سيدي محمد الخامس، رضي الله عنهم ؟
أو يتأذى به عنى، علو السلطان، وأبهة القصر وجاه التاج والصولجان ؟ والانتماء القومي لجلالة الملك الحسن الثاني اعرفه .
فمدا عن انتمائه الفكري والثقافي، بين أصيل ميزاته العريق، وجوا دب عصره وطموحه شبابه ؟
ما موقفه في مفترق الطرق، حيث تتشعب الدروب على ساحة بلده، متصلة شرقا بوطنه العربي والعالم الإسلامي، واصله جنوبا الى قلب قارتنا الإفريقية العتيقة السمراء، مطلة شمالا وغربا على مداخل أوروبا ومعبر الأطلسي الى أمريكا ؟
لم يطل بي التفكير في هدا ومثله، وأدان الصلاة يرتفع عاليا من مآذن الرباط وسلا السامقة، قبل شروق الشمس وحين العشي، فيؤنس مقامي بالمغرب أول عهدي به، ويجلوه لبصيرتي، قبل ان اعرفه من قرب : ملكا وشعبا ودارا ...
ثم جان الموعد، ولقيت جلالة الملك،
فوا لله ما ادري حتى اليوم، وما إذا كان محياه النبيل هو الذي شده إليه اهتمامي فشغلني عما حوله ؟ أو إنني اتجهت إليه ببصيرتي، ابتغي رؤية عاهل المغرب وحامل أمانته، لا التفرج على القصر الملكي الذي استقبلنا فيه ؟
ولعلي لو سئلت يومئذ عما شاهدت في القصر لما عرفت بم أجيب .
دلك لأني ما ان رأيت سمى سيدنا، حتى ألقيت إليه بالي كله، فما شغلني عنه شاغل وأنا اجتلي في محياه قبسا من نور نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم، واستروح نفحة زكية من عطر شداه .
فلما تكلم، أخد سمعي بمنطقة الحر وبيانه النقي، ولعل ضيوفا آخرين أخدهم مثل ما أخدني ولحظ جلالته ان مائدته تنتظرنا، فدعانا إليها : بسم الله 
واخذ مكانه بيننا في غير تكليف، يرحب بكل منا ويسأله عن الجديد من بحوثه ومؤلفاته، وعن هموم بلده وشواغل قومه، عن دراية راسخة بها . فما لبث الحديث ان أفضت بنا شجونه الى نكبة الاجتياح الصهيوني لديارنا، همنا الشاغل، وأزمتنا المعقدة الكبرى . فقال جلالته، فيما ادكر :
ان نعرف أولا، اللواء ال>ي نخوض به المعركة وذلك يقتضي ان نصحح مقولة كاذبة خاطئة ؛ ان اليهود انتصروا على السلام . نحن ما خضنا المعركة معهم بلواء الإسلام، في اي جولة من جولاتنا، ليقال ان الغلبة عليه كانت للعدو . ويظنون بالإسلام الظنونا، وقد توزعتنا الويه شتى : مذهبية، وعصبية، وإقليمية . تاريخنا شاهد على ان أمتنا ما انهزمت قط في معركة، والإسلام لواؤها، فهلا جربنا ان نواجه العدو أمة 
 واحدة، لواؤها الإسلام ؟
دلك ثان رأي، صارحت به إخواني الرؤساء قادة دول المواجهة . وما زلت أرجو ان ينظروا فيه . وإلا مثلي ومثلهم الا كما قال شاعر بني جشم :
وما أنا الا من غزيه ان غوت
غويت، وان ترشد غزيه أرشد دعونا جميعا : حفظ الله جلالة الملك، وأعز به الإسلام وأمته .
فتطلع إلينا بنظرة رجاء، يحملنا أمانة اللواء في الموقع العلمي .
وودعنا جلالته، الى لقاء قريب، ثاني أيام عيد فطرنا .
وفي موقف الوداع، التقطت عيناي في لحظة بصر خاطفة، المشهد المهيب لعاهل المغرب، يحف به رجال ديوانه ودولته وعلماء بلده،في سمتهم المتماثل وزيهم التقليدي الأصيل، ناصع البياض ...
وتحرك ركبنا تجاه نزل ضيافتنا، وفي مسمعي رجع إيقاع لقصيدة  دريد بن الصمة الجسمي  التي تمثل جلالته ببيت منها، لم يشأ ان يكلمها . فلما وصلت فيما استرجعت منها الى قول دريد :
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى
فلم يستبينوا الرشد الا ضحى الغد
فلما عصوني كنت منهم وقد أرى . . . . . . . . . .
انقطع رجع الصدى بصوت مقرئ، خشع له سمعي وفؤادي، وهو يتلو في مسجد القصر القريب من مدخله :
 إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم واد زاغت الإبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا . هنالك ابتلى المومنون وزلزلوا زلزالا شديدا . واد يقول  المنافقون والدين في قلوبهم مرض ما عدنا الله ورسوله الا غرورا ...
وغير بعيد من المسجد، كانت جموع من المغاربة محتشدة عند أبواب  جامع السنة  ساعية لإقامته صلاة العشاء ...من يومئذ، بدا لقائي مع التاريخ في المغرب
رحلتي الأولى إليه، لم تستغرق سوى عشرة أيام، إذ كنت مرتبطة بزيارتي العلمية لجامعة أم درمان الإسلامية .
لكنها، على قصرها، غيرت مسار خطاي ومجرى حياتي العلمية والفكرية .
ودعت المغرب، وأنا مشدودة إليه بوثاق، فما لبثت ان عدت إليه بعد أشهر، لأشارك في الندوات الفكرية للمهرجان الذي امتد الى نهاية الموسم . ثم في العام الذي يليه، شاركت في المؤتمر التأسيسي للجامعات الإسلامية بفاس، ممثلة لجامعتي فيه، ومقررة له ...ومع زملاء أعضاء المؤتمر، شهدت مؤتمر القمة الإسلامي الأول في الرباط .
غير أني احتجت الى أكثر من سنتين، لانتزع نفسي من أهلي وداري وجامعتي وبلدي، وأنجه الى المغرب فآخذ مكاني في جامعة القرويين، تكليفا من جلالة الملك العالي بالله، وتشريفا ...على مدى سبع سنين ـ من فاتح أكتوبر سنة 1970 الى ربيع سنة 1977 ـ كان المغرب لي دارا ومدرسة ورباطا . وتأصل وجودي العلمي، مع أبناء طلاب الدراسات العليا بجامعة القرويين، الدين التمست فيهم العوض عمن ثكلت وفارقت، ورضيت من دنياي وآخرتي، بأن أقدم الى المغرب والى أمتي، كتيبة من صفوة جندها شباب علماء القرويين، مرجوين لأن يكونوا خير خلف لسلفهم الأمة الأبرار الدين جعلوا من المغرب دار قرآن وحديث وفقه وسيرة، وعربية وفلسفة وتصوف ... 
وازددت معرفة بالمغرب من قرب، ملكا وشعبا ودارا القي التاريخ في رؤية مستوعبة لإبعاد المكان ما بين حراء في أم القرى، ومضيق جبل طارق، على الأندلس . . .
وأبعاد الزمان، من الفتح الإسلامي في القرن الأول للهجرة، الى المسيرة التاريخية المشهودة .
فمادا عساي ان أقدم في مقالي هدا عن دلك اللقاء الرحب، مما ضاقت عنه مئات صفحات دولتها في كتاب لي عنه، ينتظر الفصل الذي لا يريد ان ينتهي ؟
التاريخ الديني، على وجه الشمول، لقيته في رباط الفتح وقلاع سلا، وقواعد الموحدين والمرابطين  والسعديين والعلويين، ومعاقل الريف والأطلسي، والحصون الأثرية للفرسان المجاهدين في البحر تربصا بالعدو، وثغور الحراسة من الغزو الصليبي . .
وفي الزوايا التاريخية التي كانت في العصور الوسطى معسكرات لإعداد جند الإسلام، ولرباط التعبئة قوى جبهته المغربية، مثلما كانت دورا رحبة لعلومه، وخزانات عامرة بكنوز تراثه، ومنارات يشع ضوئها عبر البوادي والوديان والمروج، الى أعالي القمم ونائي الثغور . . .
ولقيته، كذلك، في جامع القرويين ومزارات الأئمة السبعة في مراكش، وألوف المساجد العامرة، مبثوثة في كل قرية ونجع ودرب وزقاق، من ريف وبادية وحضر . . . . . . . والتاريخ العلمي، لقيته دواما فيما كنت استرجع ـ كلما دخلت في خشوع قاعة الدرس في كلية الشريعة بفاس ـ من عطاء علماء السلف المغاربة، الذين كانوا أساتذة لي ولسائر طلاب المدرسة الإسلامية في مشرق أو مغرب، ننتهل من ثراهم على طول مراحل الطريق، فنتعلم التجويد والقراءات على القاسم الشاطبي والداني، والعربية على ابن سيده وابن مضاء والرضي الشاطبي وابن مالك، والتفسير على ابن عطية والقرطبي وأبي حيان، والحديث والسيرة على ابن عبد البر والقاضي عياض والحميدي  والسهيلي والخشني والطلاعي وابن سيد الناس، ثم أصول الأحكام على ابن حزم وابن الطالع والقاضي أبي بكر ابن العربي، والتصوف والمنطق والفلسفة والتاريخ، على ابن عربي الشيخ محيي الدين، ولأخضري وابن طفيل وابن مسرة وابن رشد وابن خلدون . . . .
ولقيته كذلك، فيمن كبرت بلقائهم من شيوخ القرويين، بقية أولئك السلف الصالح من أئمتنا المغاربة رضي الله عنهم .
وفيمن صحبت بالجامعة الإسلامية العريقة، من أبناء زملاء، أثروا وجودي العلمي بما قرأت معهم من حصاد سعيهم الكادح وجهادهم المبارك، لجمع المادة العلمية من مغمور مخطوطاتها ومجهول مصادرها، لرسائل دراستهم العليا التي أعتز بما أنجزوه منها معي، بفضل الله تعالى ومنه :
( الفقيه أبو اليوسي، وعصره )(
الناسخ والمنسوخ، للقاضي أبي بكر ابن العربي ) المدرسة القرآنية في المغرب : من الفتح الى ابن عطية مختصر ابن أبي زمنين، لتفسير يحيى بن سلام  أقدم تفسير مغربي وصل إلينا . 
شرح الفقيه الحطاب، لمنظومة أبن غازي، في نظائر رسالة أبن أبي زيد القيرواني رسالة القضاء، لعمر بن الخطاب رضي الله عنه  وقضية اتهامها، وأسانيد توثيقها من كتب السنن والحديث والمصطلح، والفقه والأحكام والقضاء والتاريخ : مشرقية ومغربية . 
الصحابة الشعراء رضي الله عنهم ودليل الى ديوان شعرهم،  وقضايا الإسلام والشعر، في مصنفات القدامى ومقولات المستشرقين ودراسات المحدثين . 
الحافظ ابن سيد الناس، أبو الفتح اليعمري)ومخطوطات تراثه، مجموعة في مصورات من خزائن المغرب والاسكوريال، والقاهرة والمدينة المنورة وعنيزة ـ بنجد ـ وتركيا وإيران والهند ..
( الجرح والتعديل، في مدرسة الحديث بالمغرب ) أحكام عبد الحق الأشبيلي، في أوهام ابن القطان الفاسي، وتعقب ابن المواق المراكشي الرواية المغربية للسيرة النبوية  من الطبقة الأولى، الى نهاية القرن السادس للهجرة في المنشور من مخطوطاتها بخزائن المغرب والمشرق، ما ضاع من ثرات لهم فيها، لم نقف له على إثر الا ذكره في مدونات علماء السلف . 
كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، مقدمة الى يثرب، وموادعة يهودها
توثيق وتحقيق ودراسة، للمعاهدة الأولى في تاريخ الإسلام 
الحلال والحرام، لوليدي 
و أصول الفتوى على مذهب الإمام مالك، لمحمد ابن حارث بن أسد الخشني 
شواهد ابن عباس الشعرية، في مسائل ابن الأزرق ...........................
والله تعالى مرجو لان يزيدنا من كرمه وفضله، بأن يهيئ سبل النشر لما في هذه الدراسات من صالحات باقيات تنفع الناس، ولتطمئن أمتنا الى مذخور حيوية القرويين وخصبها، وتشهد لمستوى هذا الجيل من علمائها الشباب، أصالة ورسوخا .
ومنهم، لله الحمد والمنة، من جاوزتني وجاوز طبقتي من الأساتذة الشيوخ . وذلك غاية ما رجوته إذ أستدبر الحياة، هامة اليوم أو غد ... وأما عن لقائي من التاريخ في المغرب المعاصر، فقد كنت شاهدة من شهوده، ارقب أحداثه من قرب، وأطالع مطبوعات مفكريه وأدبائه، وأزور ما تسعف عليه شواغلي من معارضة الفنية وصناعاته التقليدية، وأتابع مواقف عاهل المغرب  جلالة الملك الحسن الثاني، المؤيد بالله  في مركزه القيادي لجبهة الإسلام المغربية، متصلة بميدانها العام على ساحة العام الإسلامي والوطن العربي والقارة الإفريقية، في وحدة وجود ومصير ...
وأرصد من الموقع الفكري، مع أصداء مواقف عاهل المغرب في الفكر السياسي الدولي لعالم اليوم، ذرائع رد الفعل في جبهة العدو السافرة المكشوفة، وفي أوكار الخفية الناشئة في مواقع حساسة بأرجاء العالم الإسلامي مشرقة ومغربة، وجنوده وعملائه الذين يجسون خلال الديار، متنكرين في شتى الأقنعة .. . . . . . . . . . . . .
على وهج نار الحريق التي سعرها الشيطان في المسجد الأقصى، ثارت شعوب الأمة الإسلامية أولى القبلتين وثالث الحرمين .
وتقرر عقد مؤتمر القمة الإسلامي الأول، فكان الإجماع على انعقاده بالرباط، في فاتح أكتوبر سنة 1969، والجو العالمي يهدد بشائعات مرجفة يتعذر  ان يلتقي ملوك ورؤساء، بينهم خصومات معلنة وعداوات مشبوهة، وحواجز فاصلة بين تفاوت النظم ومتناكر المذاهب، وفيهم حكام غير مسلمين، لشعوب إسلامية : آسيوية وافريقية ...
واستطاعت الرباط  بجهوده فذة، ان تتخطى تلك العوائق المثبطة، وان تستقبل وفود المؤتمر في ميعاده المحدد .
قبله، في الأيام العشرة الأخيرة من سبتمبر، كانت رحاب جامعة القرويين في فاس، ملتقى ممثلي الجامعات الإسلامية في مؤتمر أعماله ليلة افتتاح مؤتمر القمة الإسلامي، ليشهده ممثلو الجامعات الإسلامية بدعوة من رئيسه  جلالة الملك الحسن الثاني عاهل المغرب  تقديرا من جلالته لخطر الموقع العلمي،
وحرصنا منه على أن يتيح للمؤتمر السياسي، شهود رؤية من أساتذة الجامعات الإسلامية .
في  الرباط  كذلك، عقد مؤتمر القمة الإفريقي الأول، ليتابع دوراته من بعد، في العواصم الإفريقية، مستلهما  روح الرباط  التي رسخت الإدراك لما بين الدول الإفريقية والعربية والإسلامية من وحدة مصلحة ومصير، ووجهت الى النضال المشترك في قضايا، وفي معارك استقلالها وتنميتها، ودعم حركات التحرير لتصفية الاستعمار العسكري والاقتصادي والثقافي، والخلاص من الاحتلال الاستيطاني، وسحق القرصنة العصرية والتفرقة العنصرية ...
والجبهة المغربية تأخذ دورها في هذا كله، دار رباط ومركز تعبئة، ومعسكر جند وذخيرة لمعارك التحرير حيث تكون، في ساحة الشرق  الآسيوي الإفريقي ...
ما كان الأحداث لا تظهر للعيان في هذا الموقع، الا بعد فترة تحضير وإعداد لها في الخفاء، تطول أو تقصر، يدأب فيها العدو بشتى الذرائع، على حفر إنفاق سرية الى ثغرات يترصد منها الواثبة للوثوب .
على نحو ما كان يجري خفية في الجبهة قبل جلاء المستعمر عن الصحراء المغربية : اغوت الفئة الباغية نفرا من الصحراويين، المغامرين أو المضللين، وسهرت على تعبئتهم ليظهروا من مكامنهم عنها يحين الأوان، فيعلنوا الحرب على أهليهم ويقاومون تحرير الصحراء . . . .
                                                   * * *
وجدت مواقف وأحداث، كشفت عن صلابة جبهة المغرب، وسلامة الموقع الديني منها :
في أوائل شهر ربيع الا نور من سنة 1393 ه، كانت الربوع المغربية تتهيأ للاحتفال بالذكرى الخالدة للمولد النبوي، وجرت التقاليد في المواسم الدينية الكبرى، على أن يفتتحها جلالة الملك بخطاب الى شعبه، يوجه فيه الى ما يليق بجلال الذكرى، وما تتزود به الأمة من  عطائها .
في تلك الليلة الغراء، كان خطاب جلالته استنفارا لجنده المومنين، ليخرجوا مجاهدين فيرابطوا على خطوط النار من جهة المواجهة بالشرق الأوسط، تأهب لحرب مع العدو، توقع جلالته بحدس فراسته المرهفة وبصيرته الثاقبة، إنها على وشك أن تستعر هناك. في أيام معدودات، ضاق معسكر  أهرمومو ـ على مقربة من فاس ـ بمن حولتهم إليه مراكز التطوع في أنحاء المغرب، وسخوا بأنفسهم فداء الإسلام وأمته، وسخا بهم أهولهم هدية غالية الى الحبيب المصطفى، صلى الله عليه وسلم، في ذكرى مولده الميمون .
ومن المعسكر التجمع والتدريب، ساروا بأسلحتهم وزادهم الى جبهة المواجهة، وأهازيج حفلات وداعهم، تغلب ما ما كانت تلغو به أبواق الإعلام الحاقدة والمأجورة والمضللة، من تفكه  ?بمسرحية التعبئة لقتال لن يكون أبدا وتندر  بمظاهر جهاد وهمي، ضد عدو جبار، هيهات ان يجرؤ المشارقة والمغاربة مجتمعين على مواجهته، بعد وطأته  الساحقة للجيوش العربية، في بضع ساعات من سادس يونيه  1967 .
بعد خمسة أشهر، لا أكثر، من مسير التجريدة المغربية الى الجبهة، دوى نفير الحرب في اليوم العاشر من شهر رمضان 1373 ه، وشارك الجند المغاربة إخوانهم على الساحة سينا والجولان، في قهر العدو الذي أرجف المرجفون أنه لا يقهر .
وصدقوا  ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا .
وكما حدث في المشرق بعد حرب رمضان الباسلة، اشتد ضغط التيار الإلحادي على هذه الجبهة الإسلامية الصامدة . وعنف الجدل بين يمين ويسار، واحتد الصراع بين المدارس الفكرية 
والثقافية المتناكرة، مع شغف الخصومات الحزبية والعصبية .
ثم ما ان أذيع الإعلان عن عرض قضية الصحراء المغربية على محكمة العدل الدولية في لاهاي، حتى استقطب اهتمام المغاربة جميعا، فكفوا تلقائيا عن الجدل المذهبي والحزبي، وتناسبوا ما بينهم من خصومة وخلاف، فما يكتب كاتب ولا خطيب أو محاضر، الا قضية الصحراء : خدمة لملفها، وتعقبا لأقوال الخصوم في المحكمة، بالنقد والتمحيص والتفنيد .
كانت قضيتهم القومية الكبرى، لا ريب .
وفي الناس من يفصلون بين قضايا القومية والعقيدة، فهل كان احتشاد المغاربة لقضية الصحراء، إيذانا بتحول لوائهم العتيد ؟
ذلك ما ظنه بعض الراصدين للظاهرة، عن جهل منهم بان العقيدة عنصر جهوي في الشخصية المغربية، بل لعله أصل عناصرها فليس بحيث ينفك عن قوميتها، اللهم في حالات فردية لمن أضاعوا هويتهم، بالمسخ أو بالشذوذ أو بالفتنة .
وجاءت المسيرة المغربية فجلت شبهات الضانين بالعقيدة الظنون، وحسمت الشك باليقين .
ونسخت آياتها المبصرة، بين ليل ونهار، ما كان من جدل عقيم في العقيدة والقومية . . .
* * *
اعرف هؤلاء المغاربة . ولي فيهم أهل وأبناء أصحاب .
وأعرف فيهم شموخ الأصالة وصدق النخوة وعز الولاء والانتماء .
وحين سمعت جلالة الملك يذيع في شعبه دعاء المسيرة، كنت على يقين من استجابة الشعب لدعاء أمير المؤمنين .
لكن الذي حدث، تحدى منطلق الخيال وأبعاد التصور :
بين عشية وضحاها، كانت مكاتب التسجيل للمسيرة في أنحاء المغرب، قد أقفلت أبوابها دون مئات ألوف من الضاغطين عليها طلبا لشرف  التسجيل في اللوائح التي استوفت في يضع ساعات، أكثر من العدد الذي طلبه أمير المؤمنين من رعيته .
ولم تخرج المسيرة في ذلك اليوم، ولا في أيام بعده، لكن المغرب كله بدأ في حالة تعبئة فريدة، لا يشغله شيء سوى انتظار إشارة أمير المومنين بالانطلاق .
فلما حان اليوم الموعود، كان المشهد عجبا من العجب :
المواكب التي خرجت من حواضر المغرب وريفه وجباله وبواديه، اندمجت في ركب واحد عندما وصلت الى مراكش، قاعدة انطلاق المسيرة ومركز قيادتها العليا .
وسار الركب : مئات الوفد من مختلف الطبقات والمدارس والمذاهب والأحزاب، شيوخا وكهولا وشبانا، رجالا ونساء .
المصاحف في أيديهم،
والإيمان عدتهم،
والله، والمصطفى وأمته، معهم .
واستقبلوا الصحراء بشوق مرهب، صفا واحدا، فلما بلغو صحرائهم، تألفت  ? العيون ? بنور الركب المومن .
وعلى مرمى أبصارهم وقلوبهم، توجهت الرمال الذهبية بوقدة اللهفة والحنين الى  اللقاء، بعد فراق طال . . .
وتطهرت بعرقهم ودموعهم .
وخشع الكون كله لمرآهم يخرون عليها ركعا سجدا .
وأشرقت الأرض بنور الله أكبر وارتجت معاقل الاحتلال وحصونه، تريد أن تنقص . . . وتعطلت طائراته التي كانت تحلق فوق الركب، هادرة بالوعيد، كأنما أصابها شلل .
وأجهزة الإعلام العصرية، تنقل الى أنحاء الدنيا، المشهد المهيب لركب المسيرة، قد اتخذوا من أرض صحرائهم المطهرة مسجدا، وأقاموا صلاة
الجمعة على ساحتها المكشوفة الرحبة، ليس بينهم وبين السماء حجاب من سقف أو جدار .
بلاغا الى الناس في عالم اليوم، ان امتنا لم تفقد وعيها في دوامة العصر، ولا أضاعت لواءها في هوج الأعاصير ...
من قريب وبعيد، كنت أملأ، بصري من مشاهد المسيرة، فألقي تاريخ أمتي الذي قرأته من قبل في مدونات أرخت لفتوح الإسلام ومعاركه مع أعدائه من كل جنس وملة، فيما مضى من الزمان .
هكذا أذن كان أجدادنا  المؤمنين يستجيبون لداعي الجهاد، لا يرهبهم بأس عدو وكثرته وتفوق سرحه، ولا يترددون ريثما يحسبون مخاطر المعركة، بل كل حسابهم أن يظفروا بإحدى الحسنيين، فما يبالي أحدهم على أي جنب كان في الله مصرعه ...
هكذا أذن، انتصرت في بدر، القلة المؤمنة الصابرة، على الكثرة الكافرة المزهوة بعددها وعدتها ؟ هكذا، تحددت موازين القوى من يوم بدر، في كل صراع بين حق وباطل، فانتصرت كتائب الفتوح، البدوية جندا وسلاحا، على أباطرة الرومان وأكاسرة الفرس وملوك العالم القديم ...
وانتصر آباؤنا الأميون، وكتاب الإسلام نور بصائرهم ووعيهم، على جبابرة الصليبين ومردة التر، وطواغيت القراصنة والغزاة .
وجاءت المسيرة المشهودة، فأعطت ذلك التاريخ كله، تفسيره ومنطقته . . .
عندما خلوت الى كتاب ( لقائي مع التاريخ في المغرب ) لأدون فيه صفحة المسيرة، خطرت على بالي كلمة كنت قد سمعت جلالة  ( الملك الحسن الثاني، المنصور بالله ) يقولها غير مرة :
 إنني أجس نبضي فاعرف نبض شعبي وكتبت، وموضعي غير بعيد من مركز قيادته للمسيرة بمراكش : 
في نبضة أصغيت الى نبض شعبه . وفي ضميره، وجدت كذلك ضمير أمته ? ورضيتها خاتمة للكتاب . لكنه لم يرد أن ينتهي ... بعد المسيرة بستته أشهر على التحديد، في منتصف جمادى الأولى 1396 ـ مايو 1976، أستانفت كتابة فصل جديد، يستهل بكلمة للملك الحسن الثاني العالي بالله، في وفود مؤتمر الجامعات الإسلامية، عندما استقبلهم جلالته في مراكش :
(علمني والدي، رضي الله عنه، ان أحترم العلماء ).
. . . . . . . . . . .

(*)  مقال موجز ، من كتاب في سفرين عن ه>ا اللقاء مع التاريخ، لم يبق على انجازه سوى الفصل الأخير

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here