islamaumaroc

الجزائر قلب وأجفان

  دعوة الحق

24 العدد

- هذه شبابيتي، يا أمي، احفظيها حتى أعود، فلم يبق بنفسي نغم يمكن أن يجري في جوفها.
وتلك الفأس والمنجل والمذراة فتعهديها حتى لا تصدأ ولا تتآكل، وحتى يرتفع عقم التربة وتخصب من جديد.
وهذا المصحف الذي كان أبي يتلو فيه آيات بينات من كلام الله. اجعلي منه لك أنيسا وسترا.
إني ذاهب إلى الجبل، يا أمي، فتجلدي !
- ويحك يا بني ! لمن تترك أمك العجوز ؟
- أتركها لجزائر الحبيبة عروسا من عرائس الفداء والبذل، كالأمهات الصبورات الأخريات اللاتي بعثن إلى الجبل أبناءهن.
- وماذا في الجبل، يا بني، يغري الفتيان بمفارقة أمهاتهم، والرجال يترك أزواجهم ؟
- في الجبل، يا أماه، منطلق البطولة والجهاد، ومعقل الشرف، ومشغل الأمل يتراءى من خلال نوره غد الجزائر المشرق.
في الجبل كهوف القرابين والضحايا التي تقدم فداء للوطن الحبيب.
وأنت، يا أمي، كهذا الجبل الكريم تتمثل فيك، إن صبرت، كل المعاني السامية النبيلة التي عدتها.
- ولكني، يا ولدي، امرأة من قلب وأجفان؛ فإني لي بالصبر على مفارقة وحيدي، والزج به في مفازات ذلك الجبل الرهيب، جبل البطولة والتضحيات ؟
- كل الجزائر، يا أماه، قلب وأجفان.
قلب موضع بعطر الأمل والحياة، وأجفان مبللة بدمع الظفر وقرب الخلاص...
الجزائر كلها تبكي، يا أماه، وفي دمعها يترقرق نور الغد الناعم، وصحوة المستقبل الخصيب.
قلبي النظر في هذه المروج والحقول ومسارح الدواب هل ترينها إلا واجمة شاخصة تترقب النداء البعيد، نداء العتق والانطلاق.
وتلك الغدران والسواقي التي تأبى أن تكني برداء الشمس الموشى النضير، أنها تتطلع بدورها إلى اليوم الموعود.
ومن غير فتيان الجزائر يطلق النداء المترقب فيدوي في الجبال والوديان والقنوات، ويرسل الإشارة فتستقبلها المراعي الخضراء والأشجار المكسوة بالأزهار فتنبعث فيها حياة جديدة ؟
- إني لا أفهم كلامك، يا ولدي، غير أني أحس له بوقع غريب يولد في نفسي قوة لا أعهدها، ويفتح في أعماقي ينبوعا دافقا من الجلد والأمل.
لقد فهمت ! أنا أمك، يا ولدي، وأنت فلذة كبدي، إلا أن الجزائر، تربيتنا الحبيبة، أم أجيال وأجيال من ولدان وشباب وكهول، ولا عليك وعلى جميع أبنائها حق الأمومة الخالدة.
فلترفرف بأجنحتها الحانية عليك، ولتتقبل في الجبل تضحيتك، وتضحية هذه العجوز الفانية : أمك !
سأحفظ لك يا ولدي شبابيتك في أعز مكان حتى تعود فتبعث في جوفها ألحان النصر والحرية؛ فإن مت فأعزف عليها فوق قبري. 
وسأتعهد فأسك ومحراثك ومنجلك حتى ترجع ويكون الخصب قد دب من جديد في هذه التربة السمحة.
- وداعا، يا أماه، إني ذاهب لألتحق بالفتيان الأحرار، وكأن كل خطوة من خطواتي موقعة مربوحة !
باركي جهادي، يا أماه، وكوني قوية، فبقوة الأمهات وصبرهن تحيا الجزائر وتقف على قدميها..!
وولت الشمس نحو الغروب هادئة كعادتها، ولم يبق يلوح في العتمة –في انتظار ميلاد الصبح الجديد- غير شبحين :
شبح الفتى المتجه نحو الجبل، وشبح الأم التي فارقت وحيدها..
وتلك هي الجزائر : أم صابرة، وفتى شجاع، وأمل يلوح من بعيد... من بعيد! 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here