islamaumaroc

الجوانب الإنسانية في الشخصية التاريخية المغربية

  دعوة الحق

العددان 184 و185

ما إن ظهر الإسلام، وما يحمله من نزعة إنسانية حقيقية مؤثرة في عقيدة دينية صميمة متكاملة اجتماعيا وفرديا، اقتصاديا، وسياسيا، وأخلاقيا، حتى خف المغاربة لاستجابة له، فاسلموا بتلقائية، ولم تكن هزائم ارتدادهم عن الإسلام الا كلمات لفقها المؤرخون الذين لا يعرفون طبيعة المغرب الذي لم يرتد عن المبادئ، وإنما وقف في وجه الغزو والتحريف للمبادئ التي آمن بها . 

وهكذا تحولت الإنسية المغربية الى ذاتية متأثرة بما حمله القرءان من تمجيد للإنسان وتفضيله والشعور بكرامته ومكانته في الكون، وتحول المغرب تحولا كاملا الى الثقافة الإسلامية، بل أصبح أحد أعمدتها وحماتها والذائدين عنها، والمناضلين دونها، برز به جهاذبة الإنسية في العالم القديم، من الشاعر المطماطي في عصر بني أمية في المشرق الى يحيى الليثي تلميذ الإمام مالك ثم القاضي عياض أعظم مفكر إنساني مسلم، الا ابن طفيل وابن باجة وبن رشد، ثم ابن الخطيب وابن خلدون وابن مرزوق .. وغير هؤلاء من الذين عمقوا الشعور الإنساني والشخصية المغربية حتى إذا سقطت الأندلس ورث المغرب أنسيتها ومزجها بأنسيته ملما بأدب ابن زيدون وفلسفة ابن حزم، ولا شك أن موقع بلاد المغرب الجغرافي حيث انه نقطة التقاء الثقافة العربية الإنسانية، والثقافة الغربية العلمية والتقنية والثقافة الإفريقية الفنية وضعت الإنسان المغربي في موضع ( المسؤولية الإنسانية ) فكان النموذج الإنساني المؤول عن هذه الكرامة، والمدافع عنها كلما هددها الظالمون والبغاة، وكذلك خاض المعركة ضد الاتجاهات الإنسانية : ضد غطرسة روما بقوة هانيبال وضد الحركة الصليبية في المشرق، الى غطرسة النازية معززا صفوف الحلفاء، الى حروبه في الجولان ضد الصهيونية، كما كان جهاز التقاط وتوجيه لثقافات الواردة من الشرق والغرب، يلتقطها ويمحصها ويستوعبها ويوجهها تارة الى أوروبا وتارة الى إفريقيا، وقد ظل المغرب باحثا عن شخصيته السياسية التي هددتها روما والوندال والبيزنطيين والفتوح العربية لان الصراع القبلي بين البرانس والبثر حالة دون الوحدة الوطنية وكان المغرب في حاجة الى عمود فقري لتعصوصب عنه القبائل أو ليعطي الثقل لبعضها ووجد ذلك في الا دارسة الذين كانوا أول من أسس للمغرب دولة وطنية مغربية .

فالمغرب رفض التبعية للأمويين في دمشق وصارع في تحقيق تجربة الأندلس التي أسست دولة أموية بها، فلبى الدعوة الادريسية والتزم بالبيان السياسي الذي أذاعه المولى إدريس في المغرب وعن طريق حركة (الخوارج ) بالمغرب أكد المغرب انفصاله للمشرق ومهد لدولة الادريسية كي تؤسس اول حكومة مغربية .

وظهرت دولة المرابطين كدولة مترامية الأطراف بل كدولة تمثل كل التطلعات المغربية في الوحدة السياسية والذهبية ( المالكية ) والعقيدة السنية، ثم جاءت الدولة ( الموحدية ) لتقفز بالمغرب الى مرحلة النظرة الفلسفية في السياسية والتشريع، وإذا كان عصر المرابطين يمثله المفكر الإسلامي   
  

الكبير ( القاضي عياض ) فان عصر الموحدين يمثله الفيلسوف ابن باجة وابن طفيل وابن رشد .
. . .  وجاء عصر المرينيين لتبدوا الشخصية المغربية واضحة في ثقافتها الشمولية الممثلة في فكر ابن خلدون وابن الخطيب وليتحملوا مسؤولية إنقاذ الأندلس، وعندما سقطت غرناطة فقد المغرب توازنه وارتمى في أحضان الصوفية في غيبة عن العقلانية، وتحولت الرباطات العسكرية الى زاويا ذات تصوف سلبي امتد طيلة عصر السعديين الذين امتدوا في إفريقيا استجلابا للقوة وقطعا للطريق على البرتغاليين، وامتد ذلك طيلة عصر العلويين رغم محاولة كثير من العلماء والمصلحين أبراز السلفية الايجابية، وإصلاح التعليم المغربي، لمقاومة انحلال الذاتية المغربية وعودا الى ( التوازن) ( الضروري ) للثقافة الإسلامية . . 

ركب الحجاج بواسطة تأسيس مراكز في المغرب الى المدينة لإيواء الحاج وإسعافه . 
والغريب أن رؤساء الحناطي وهم النقابيون ( بالاصطلاح الحديث ) كانوا  منخرطين جميعا في الزوايا الصوفية تدعيما لروح الألفة والتعاون بينهم ورعيا لمصالحهم .

وإذا فالمجتمع المغربي يتسم بشخصية قوية متضاعفة متماسكة وقد توفرت كل عوامل الوحدة القومية والوطنية للحفاظ على قوة شخصيته .. وتظهر هذه العوامل جلية كلما هب ليرد عنه غارات المعتدين، لذلك استطاع بسهولة أن يحطم إمبراطورية روما التي لم تعجز عن الاستيلاء على أوروبا ... وان يقف في وجه الخلافات المذهبية المسيحية .. وان يحقق الذاتية المستمرة ..
ومسايرة لهذه النزعة الوحدوية، كان سنيا مالكيا، متضامنا في مذهب فقهي واحد كما كان أشعري العقيدة دون الخوض في الخلافات الفقهية ثم صوفيا على طريقة التصوف الجندي .. ورغم ظهور بعض النزاعات المذهبية والصوفية فإنها ظلت ضعيفة محدودة  لم تتل من وحدته، وكانت هي نفسها في صميم الوحدة، وعاملا في خلق حوار إيديولوجي يثري تجربته .

وكم حاول المستعمرون تفويت وحدة الشخصية المغربية بعد تفويت عدة مجتمعات في البلاد الشرقية، ولما لم ينجحوا في تقليم الأظفار المغاربة سعوا الجهد ( لتفويت الحضارة المغربية ) عن طريق تفويت اللغة العربية سواء على يد المبشرين أو المستعمرين، وتفويت التقاليد وتحريف التاريخ واستلاب الثقافة المغربية .

إن للمغرب شخصيته الحضارية التي تعتمد على تقدير الإنسان والإيمان بكرامته وتوحي باحترامه، وتعتبره عضوا بناء وتشييد، ويراه ( القانون ) إنسانا حرا محترما بريئا الى أن يظهر اتهامه، صادقا الى أن يظهر كذبه، ونزيها الى أن تظهر سرقته، عكس الثقافة الغربية التي ترى الإنسان اقرب الا عدم الاستقامة يؤخذ بعين الحذر، والشك، سواء في أقواله أو في تصرفاته .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here