islamaumaroc

الحسن الثاني المجدد في ذكراه 17.

  دعوة الحق

العددان 184 و185

قامت دولتنا العلوية الشريفة على حماية البيضة الإسلامية بهذه الديار المغربية بعد ما كادت أيدي العبث تجعلها في خبر كان أثر ما ساور دولة السعديين من ضعف وانحلال منذ ان غاب بطلها ( المنصور ) عن الرقعة وسقط الوطن في أحضان خلف ضعيف مثل أدوارها دامية داخل أجزائه ارتكزت على تنازع النفاسة، على الولاية والرياسة وأصبح كل فرد من أفراد الدولة يتمنى الوصول _( السلمى ) والدخلاء  يتمركزون في مضايق تلك الفوضى الداهمة بدعوى الانقاذ ولم الشعب مهتبلين وسنوح الفرصة للانتفاض .

في هذا الظرف الضيق المليء بالكوارث والخطوب اضطر بعض الموفقين لركوب متن الإغاثة رغبة الاحتفاظ بالكيان على البقية الباقية حيث النيات الحسنة والطوايا الطيبة تسير غير مكترثة لما يعترضها من عقبات كأداء ( طال الزمن أم قصر ) لإدراك ما تصبوا إليه من رغائب وتهدف له من غايات. وبينما هي تنتظر وعلى أحر من الجمر إذا بالأقدار تنبثق عن آية كبرى في انطلاق هو الى المعجزة أمس منه بباقي الإمارات والكرامات، ذلك ما تجلى بأوضح صورة في المولى محمد بن محمد بن الشريف الحسنى السجلماسي فكان البطل المترقب، والسيد الذي استمال جموع آهل سجلماسة ( كنز البركة ) عاصمة تافيلالت حيث قواعد المغرب مدنه وقراه تنضم إليها تباعا واحدة تلو الأخرى في سباق لتقديم البيعة والطاعة عن اقتناع بررته المشاهدة، وأوحت به حكمة السيرة والقيادة اللتين كان يسوس بهما الشعب، ومع قوة جسمانية، وبسطة بدنية، خولتاه الوصول الى مطامحه السياسية والاجتماعية، ذلك ما جعل منافسة بل أعداءه الدلائيين يقولون عنه صراحة ( والحق ما شهدت به الأعداء ) :

( الاجدل الذي لا تؤوده هموم الليالي، ولا مكايد الطبيعة والدواهي، عقاب أشهب على قمة كل عقبة، لا يقنعه المال دون حسم الرقية، لا يقاوم في الصراع، ولا يزاول في الدفاع ) مفهوم غال يرى ساريا في الأرومة العلوية الشريفة .

فهذا الحفيد السلطان المولى عبد الله بن المولى إسماعيل طيب الله ثراه تجده في حركته لابن الصخور يستشهد بالمفرد التالي  قائلا :

نحن الملوك ذوو التيجان همتنا 
      يوم الكريهة في المسلوب لا السلب

خصال أبائيه سامية تعد بحق دروسا باعثة اللهم نافخة روح العزة واليقظة في النفوس النبيلة خاصة من ستهيئهم البيئة ليصبحوا قادة الرياسة والرعاية كنامدج حية تترسم خطاها وتعقد الخناص  على تصميماتها، إنها لمحة شجاعة غالية ترى متسلسلة الحلقات، متماسكة العرى فيمن جاء بعد من رجال الدولة مدعما أسسها كالمولى الرشيد، وأبي النصر المولى إسماعيل ناشر الوية الأمن ومحرر التراب، والمولى محمد بن عبد الله سلفي الدولة ومقعدها ثقافيا واجتماعيا وسياسيا داخلا وخارجا ونظاميا في غير ما قطاع من القطاعات الدولة. وعالمها المولى أبي الربيع فاتح الأفكار ومنقذها بن براثين الشعوذة وخداع خرافاتها والراجع بها الى سلفية أبيه، وتطبيقها في تعميم بما نشر له من رسائل وخطب في البعث والتجديد، وتقيها العنيف الجاد في كل شؤونه مما غبط فيه عنه المولى سليمان فولاه ثغر الصويرة وأعمالها، ثم ولاية العهد بعد . وسيدي محمد الرابع ذي الباع الطويل في العلوم العقلية والرياضية كالحساب والتوقيت والتنجيم، والهندسة والموسيقى، بل أسس مدرسة لتلك الفنون جوار القصر السلطاني بفاس الجديد . وكالمولى الحسن الأول جامع الجيوش ومنظمتها، والقاضي على سماسرة الفتن بالمغرب وجنباته، ورابط علائق السياسة الحكيمة مع الخارج، وتوجيه السفراء  والمتعلمين الى أوروبا رغبة إدخال ما جد من علوم وفنون في تلك الأجواء ( كبضاعة ردت إلينا ). عقب هذه الفترة فاجأ المغرب ظرف قاتم قاس، عاش المرغب فيه مضايقا من طرف دول تهافتت عليه بشتى ما تملك من دسائس وحبل الى أن وقع في شرك الحماية البغيضة سنة 1912 حيث قاسى في مخازنها المرائب سياسيا واجتماعيا وفكريا حقبة مريرة تحت نير الحجر والضغط الى إن طلع الفجر المغفور له محمد الخامس نور الله ضريحه وجلس على عرش أسلافه المنعمين وقد تيمن الشعب بجلوسه على عكس ما كان ببيته الاستعمار ويقدره من مساوئ وبعون من الخونة والاذناب ظنا فراغ الجو لتنفيذ مخططاته القصمة سياسيا ومليا واقتصاديا، بيد أن شيئا من تلك النيات الماكرة فتر أمام أول خطاب للملك الشاب محمد الخامس، في وقت كانت الوطنية في العنفوان تتأجج نيرانها على أرضية المغرب المكافح، هكذا انطلقت الاستمرارية تثرى في مراحل كلها جهاد وكافح ضد المستعمر الغاشم الذي لا تزيده المخابرات والمطالب في شتى أساليبها وألوانها الا كلبا وعتوا فاتحا أبواب السجون والمنافي والتعذيب على مصاريعها وبأشد ما شاء له طغيانه ووحشيته فتكا وإعداما . ولست أراني في حاجة الى الدخول في التفاصيل التي حفظها التاريخ في سجله الأمين (1) .

بيد أن النقطة الهامة التي نهدف إليها الآن وفي هذه المناسبة الغالية ـ مناسبة الذكرى السابعة عشر لتربع موحد التراب المفدي الحسن الثاني على أريكة أسلافه الأكرمين ـ انه الحسن البطل خريج المدرسة الأميرية التي كانت جنباتها تتضوع بأريج كفاة الأساتيذ في غيرها ما فرع من فروع المعرفة عربية وسواها، المعهد الذي كان المغفور له محمد الخامس يرعاه ويلازمه صباح مساء في غير انقطاع إذا لا عجب أن نرى أثر ذلك التكوين الأصيل يعطي اليوم ثمراته اليانعة ( بإضافة المواهب والاستعدادات التلقائية والفطرية ) نراه متجليا في أجواء غدا المغاربة فيها  خصوصا والدول الشقيقة والصديقة عموما يقضون منه العجب سياسيا وثقافيا وفكريا، فتلكم المسيرة الخضراء هي، وهي وحدها لو انفردت عن باقي المزايا لكانت في طليعة الآيات الحسنية تهييئا وتخطيطيا وإبرازها للوجود في حلة مهيبة مرهبة جميعا، ثم نجاحا في النهاية، لكان ذلك فقط معجزة القرن وآيته الكبرى، ولا غرابة فقد سمع ونشر وأذيع أن هذا النوع من المقاومة السليمة أصبح حديث الأمم والدول على اختلاف وجهاتها السياسية والعسكرية تصنيعا ونموا لحد جعل يراودها على اقتباس تصميماته فيما ترمي إليه مستقبلا من وسائل هادفة لا جرم تفوز في ميدانها دونما إشهار سلاح، واراقه دماء، وطبيعي أن يكون الفضل للحسن المبتكر والمؤسس الأول لخوض تلك التجربة التي استغرق التفكير في تكوينها وخلقها نحو شهرين متوالين، ذلك ما أفسح المجال لأفلام الكتاب والأدباء شرقا وغربا لتسجيل معالمها من البدء الى الانتهاء ملقين الأضواء الكاشفة على ما حققته من مغانم ومكاسب ضمت الأجزاء بعضها الى بعض بعد فترة من الغياب .

ولحكمة العاهل المحرر، والقانوني، والمتبصر في المساطر وما توحي به ضوابطها الدولية في هذا الصدد قصد فض النزاعات العريضة بين دول وأخرى رفع القضية الى محكمة العدل الدولية بعد الرسالة التي قدمها أيده الله الى رئيس الدولة الاسبانية، وعقب المخابرات التي دارت بين الوفد المغربي ووزير الخارجية السيد احمد العراقي، ورياسة الوزير الأول السيد أحمد عصمان، ونظائرها الأسبان بتاريخ 12 غشت 1974م، ثم تنوير اذمان الدول الشقيقة والصديقة بحقائق القضية الصحراوية وأصالة مغربيتها بواسطة بعثات مغربية من مختلف الهيئات السياسية . ثم في ( مؤتمر القمة السابع ) المنعقد بالرباط يوم 26 أكتوبر 1974 الى يوم 30 منه  وزعت ( وثائق وصور ) نشر وزارة الإعلام . مما لم يبق معه لقائل ما يقول الا من كابر وعائد ( رغم اعترافه أمام الملأ للمغرب بصراحته ) يرى اليوم وقد انقلب مكشرا عن أنيابه معارضا ومنيرا الحفائظ، ومنشئا جمهورية خيالية اسماها ( جمهورية البوليزاريو ) وها هو وفي وقاحة سافرة يقوم بتهجمات على الجمهورية الموريتانية خطفا وتعذيبا وقتلا حتى للأجانب. وهذه التحديات البغيضة لم تترك دولتنا الحسنية ( بعد نفاذ كنانة الصبر ) مكتوفة الأيدي لما لها من روابط وتعهدات سياسية واقتصادية ودفاعية إزاء الجمهورية الموريتانية، ذلك ما جعل جلالة الملك الحسن الثاني في ندوته الصحفية التي عقدها بحضور عشرات الصحفيين ـ بشير الى أن مواجهة بين المغرب والجزائر اتخذت طابعا إيديولوجيا وانكشف أخيرا تصاعد العمليات في الصحراء مما جعل الحجم يتزايد عددا من المقاتلين، وارتقاء نوعية السلاح المعقد الذي تستخدمه البوليزاريو، غير أن سياسة الحكومة المغربية التي تقوم على الالتزام الأخوي للتضامن العربي ومسايرة الأوضاع الدولية التي تتواءم مع الأخلاقيات السياسية لتجد نفسها اليوم (كما يقول جلالته ) في حالة من التوتر والالتزام الى أن يقول : وقد أعربت الحكومة المغربية أكثر من مرة عن ترحيبها بالوساطة وفتح باب الحوار مبدية استعدادها لبحث النقاط المطروحة والعمل على إقرار التعاون البشري والتقاضي مع الجزائر على جميع المستويات وفي كل الميادين، وقبول إقرار ترابط وثيق مع الجزائر، ولكن ( يقول الحسن الرائد ) بتوكيده انه لا رجعة عن الحق ولا مماطلة وتعليقا للحوار، وانه في ذات الوقت يستعد لاستعمال ( حق المطاردة ) وتتبع العناصر المعتدية المقاتلة، ولا شك أن شيئا من هذا إذا حدث سيضاعف من حجم المشكلة القائمة، وقد تجر الى مصادمات عسكرية لا تعرف أبعادها وعواقبها . ومن فحوى هذا النص وتلك الكلمات الحكيمة والدالة بطابعها الإنساني المتزن ـ على حنكة الحسن البطل، وحصافة رأيه، وبالتالي تقدير المواقف واستكباره أبعادها وما ستفسر عنه في النهاية .

( يمثل ذو اللـب في عقلـه 
               مصائب من قبل أن تنـزلا )
فان هي قد نزلت لم ترعــــ
               ـــه لما كان من قبل قد مثلا )

ذلك ما جعل الصحف على اختلاف ألسنتها وأقلامها داخلا وخارجا تتسابق في حماس على نشر وإذاعة ما ضمته الندوة من حقائق واقعية منبثقة عن أفكار إن دلت على شيء فأما تدل على شخصية الحسن البطل وعبقرية النادرة التي تعد شخصيته القرن دونما نزاع وتدليل .

( معاليه لا يحتاج فيها لشاهد 
               وتفسيري المعلوم ضرب من الجهل

وهكذا ذواليك في كل ندواته وخطبه المرتجلة بلغته وسواها مما يقتضي من الأدباء والخطباء العجب سواء المسلمون منهم والأجانب. ثم لا نذهب بعيدا فهذا مؤتمر وزراء العدل العرب والمؤتمر الثامن للمنظمة العربية للدفاع الاجتماعي ضد الجريمة ـ الذي افتتحه جلالته زوال يوم 14 دجنبر 1977 بخطابه التوجيهي وباللغتين كان هو الآخر مجالا للإعجاب والاندهاش ليس فقط من ارتجاليته وأسلوبه الحكيم بل ومن تقنية وقانونيته، حيث وضع الحروف على النقط للمؤتمرين بعدما حفز الكل.

لإعطائه لقب ( القاضي الأول ) ولا عجب وهو خريج العلوم القانونية، والمبدع أحيانا في قضاياها باجتهاداته الهادفة، وشيء من هذا ادر كناه حتى في دروسه الحسنية أمام جمهور من العلماء الشرق والغرب بمناسبة الدروس الرمضانية،  إذا كان أيده الله يوم الختم يقوم بإلقاء درس يدور حول آية أو حدث يكون محط إعجاب الحاضرين بما بيده في صلب العرض للاكتفاء المهرة لسانا وتشريعا. وبعد فما على القلم وهو عاجز عن تتبع مزايا الحسن الموحد الا أن يقف مهنئا جلالته بالذكرى السابعة عشر لجلوسه على عرش أسلافه المنعمين داعيا المولى تعالى أن يحفظه وسمو ولي عهده وصنوه المولى رشيد وسائر الأسرة المالكة بما حفظ به  الذكر الحكيم .


(1)  ككتاب التحدي لجلالة الحسن الثاني أيده الله، وكتاب بطل التحرير محمد الخامس للكاتب، ونضال ملك لمحمد الرشيد ملين وسواها مـن كتب ألمت بما جريات تلك الفترة الحاسمة

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here