islamaumaroc

مسيرة الفكر والتنظيم.

  دعوة الحق

العددان 184 و185

في كل نظرية أو مذهب تقوم عناصر يلزم أن تحدد بشمولية وعمق، وبجدلية وتوازن، وان تحل معادلتها في تلاءم بينها وتوفيق محكم . 
هذه العناصر هي : أولا : الهدف
ثانيا : المبادئ والمنطلق النظري أي الفكر
ثالثا : المنهج والأسلوب والإطار إلي تنظيم .

والهدف في مداه البعيد أو المرحلي هو الذي يحدد نوع الفكر ويضبط شكل التنظيم . وهدفنا بعد أن تحررت الصحراء ـ وكما أوضح صاحب الجلالة في الخطاب الذي ألقاه  بمناسبة عيد الشباب في نفس عام التحرير ـ هو « توطيد الاستقرار سياسيا واقتصاديا وبناء صرح المغرب النهائي بمؤسساته وما تفرضه تلك المؤسسات حتى نجعل بلدنا في مأمن من كل عبث . . . يقطع مسيرته السياسية والاقتصادية للاستقرار والاطمئنان ليربح بها قرونا لا أعواما، حتى يصبح ذلك المغرب الذي فكر فيه أجدادنا وآباؤنا ونفكر فيه نحن على مستوى القارة وعلى مستوى العالم في قرن الأليفين » .

تحقيق مثل هذا الهدف يحتاج الى أمرين اثنين : أولهما : خطة فكرية واضحة .
والثاني : إطار واع بهذه الخطة قادر على التحرك نحو الهدف .
ربما يوجد من بيننا من يومين بالفكر وحده ومن يومين بالتنظيم وحده، أي كلاهما بمعزل عن الآخر . بعض مفكرينا يدعون الى مبادئ وآراء دون النظر في جانب التنظيم، وآخرون غيرهم من رجال الأعمال المقتنعين بفعالية المادة والمال يرون إمكان التنظيم،  انطلاقا من العمل الاقتصادي، دون الرجوع الى نظرية فكرية .

وبدون أن اعتمد منطلقات غربية أو شرقية في تقليص العامل الفكري أو إعطائه الأولية في تحريك الأحداث وتوليد الصراعات، فاني اعتقد أن الفكر أساسي وضروري، وانه هو إنسان بكل معطياته وحاجياته واهتماماته المادية والروحية، وانه مهما كان تشكيل البنى في مجتمع ما، فان الفكر فيها محوري يتفاعل جدليا مع كل البنيات، سواء كان اعتباره فوقيا أو اقرب ما يكون الى قاعدة المحركة  ثم إن الفكر هو المنطلق الذي تبرز من خلاله الطليعة الواعية الموجهة والمنظمة، هو الوسيلة التي يمكن بها للطليعة أن تتفاعل مع الجماهير، والتي يتسنى بها للجماهير أن تطلق فعاليتها وتبرز مواهبها وقدراتها ؛ فضلا عن أن أي عمل لا بد له من نظرية تكون له  بمثابة الدليل .

و اعتقد كذلك أن التنظيم لازم، لان الوعي بالفكر لا يمكن أن يتم عفويا وتلقائيا ولان هذا الفكر لا يمكن أن يقتصر على الجانب ألتنظيري، أي على الجانب  النظري المكتبي، ولكن لا بد من أن يترجم الى ممارسة والى عمل وتطبيق .

واعتقد بعد هذا أن الفكر التنظيم هما الوسيلة الكفيلة بتحقيق الغاية التي عبر عنها جلالة الملك منذ عامين في خطابة بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب حين أبرز أن المهم في إقامة مثل هذه الذكرى « هو أن نخلق في من سيخلفنا من الأجيال نفس الأخلاق ونفس الفضيلة وان نأخذ على عاتقنا أن تكون مدرسة وأساتذة لأبنائنا وان نعرف ما يليق بنا من المذاهب والمبادئ وما لا يليق بمجتمعنا وطريقتنا ومعتقداتنا وان نصل دائما حريصين على مكتسباتنا قائمين بواجباتنا مخططين لمستقبلنا مقومين أحسن التقويم لإمكاناتنا ومطامحنا » .
                                                   * * *
الإشكال الفكرية المتضاربة تسير في خطين عريضين متقابلين، يقف بينهما شكل ازدواجي وسط يومن بالانتقاء من كل جيد ومن كل ايجابي، لا أريد أن أتعرض له لعدم اتخاذه موقع التطرف في الصراع، وان كنت أعتقد أنه أكثر من غيره مهيأ لقيادة الفكر والخروج به من المازق الذي يوجد فيه .

ما هي إذن ماهية الخطين اللذين تسير فيهما الأشكال الفكرية المتضاربة ؟ أما احدهما فقديم متجذر مدعم بتراث ضخم تكون خلال العصور وترسب عبر الأجيال . هذا الشكل ـ على ايجابيته وعلى اعتباره الضمان لأصالة امتنا وعلى ارتباطه الوثيق بضميرها ـ كثير السلبيات ؛ يحتاج الى أن يزيل عنه الشوائب العديدة التي تراكمت عليها في فترة الانحطاط وعلى عهد الاستعمار، والتي فرضت عليه جمودا باعد بينه وبين العلم والعقل والحرية والإبداع، ويحتاج الى أن يطور نفسه فكرا وأسلوبا وعقلية حتى يمكنه أن يساير العصر ومتطلباته بوعي وكفاءة وفاعلية .

وإما الثاني فجديد، منفصل في جملته عن الجذور، ومتخذ نتيجة ذلك موقف خصومه من الشكل القديم يصل الى حد الرفض للتراث وحتى للكيان والذات . شبابنا يرفضون الفكر التقليدي في أشكاله ومضامينه، ويرفضون الواقع كذلك . فهم يعانون من صراع كبير بين ذات مثالية يريدون أن يحققوها فلا يستطيعون، وبين ذات مثالية يريدون أن يحققوها فلا يستطيعون، وبين ذات واقعية يرونها مرضية فمنها ينفرون . بل إنهم عندما يحتكون بالحياة والناس يشعرون بالتناقص الصارخ بين المثل والواقع، بين ما يقال وما يمارس ؛ ويجدون أن للمجتمع معايير يقيس بها السلوك هي غير ما تربوا عليه في المدرسة والجامعة .

لسنا هنا بصدد مناقشة مشاكل الشباب، ولكن يجب أن نعترف بأن الشباب بطبيعته لا ترضى بالواقع، ولا يومن بالقديم، ولا يقر بان كل المجد كان في الماضي . وهو أبدا متطلع الى الجديد والى الإمام . ومع ذلك فانه إذا كان يقف من الفكر التقليدي برفض، فانه في ذلك على بعض الحق، لان هذا الفكر لا يسعفه في تطلعاته وقدراته على الاستيعاب، ولا يستجيب لما يعتمل في عقله وقلبه من دوافع وحوافز لمعايشة العصر والتفتح على المستقبل .
وهو إذا كان يقف من التراث بسلب فلان المهتمين

بهذا التراث ما زالوا منفصلا عن الواقع ومجردا من كل عناصر الحياة، ولم يوفقوا حتى الآن الى تقديمه للأجيال الصاعدة في صورة متطورة وعنصرا دافعا للمستقبل ولتحقيق التطلعات .

من اجل هذا يبحث شبابنا عن البديل هنا وهناك وبدون جهد، فيصادفون الونا فكرية كثيرة يلتقطونها، تجذبهم إليها في سهولة ويسر، بما تتضمن من مفاهيم ومناهج ونظريات، وبما تبعث في نفوسهم من نوازع التمرد والانطلاق وتحقيق الذات . وهم في نشوتهم بهذا الجديد لا يدركون بل لا يقدرون على أن يدركوا ما فيه من درس وتحريف وهيمنة، طالما اتهم لا يسعفون بالإرشاد والتوجيه في البيوت ومؤسسات التعليم العالي وفي مختلف مرافق التنشئة والتربية .

وليس من شك في أن الصراع طبيعي في المجتمعات، وذو أهمية بالغة، لأنه السبيل الوحيد لانبثاق الجديد من القديم من مختلف الظواهر وعلى جميع المستويات، ولكن ليس الى حد التمزق والتنافر وانعدام نقط الالتقاء بين الأجيال . فمثل هذا الوضع لا يمكن أن يساعدنا في مواجهة الصراع العقدي الذي نعيشه مع خصومنا المكشوفين والمقنعين في الخارج، والذي يحاول التسرب إلينا في الداخل . وهو يشكل خطرا علينا إن نحن تجاهلناه أو هونا امره وتركناه ينمو ويتضخم ويتفاعل سلبا وإيجابا دون تخطيط مدروس ومحكم للمواجهة ثم انه غدا واضحا أن القوى العالمية اتجهت في إستراتجيتها الى سلاح الفكر والحرب الإيديولوجية، لأسر العقول والتأثير عليها وتوجيهها لاعتناق مذاهب وعقائد، ابسط أخطارها أنها تحمل الآخذين بها على تبعية فكرية رخيصة مثقلة بالنشوية  والمغالطة،  وتحملهم كذلك وبمجانية على مواجهة ظروف التطور والنمو في بلدانكم بروح من السلبية تهدف الى الهدم والتخريب، بدءا من التشكيك وزعزعة الثقة بالنفس والقيم والكيان، مختفية في ذلك كله خلف مبادئ جذابة وشعارات براقة .

بعد هذا التحليل السريع من حقنا أن نتساءل : ما هو الفكر الذي نريد ؟ يبدو لي أحدا لا يختلف فيه من حيث مبدأه، أي من حيث هو فكر وطني . وهو بهذا البعد يجب أن يعي الأشكال المطروحة داخل وضعنا الثقافي، وان يعتبر المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وان يضع في رؤياه وحدة النظرية والسلوك أو حدة الفكر و الممارسة، وان ينطلق في تركيبه من ديننا ولغتنا وكل الجوانب الحية في التراث النابع منهما، وان يستجيب علميا وعمليا لمتطلبات بناء مغرب جديد في عصر تتصارع فيه الأفكار وتتضارب المصالح وتتصادم الاتجاهات .
وهذا معناه أن يكون فكرا تتحقق فيه ثلاثة عناصر :

الأول : الأصالة وتعني انطلاقة من مقوماتنا الثقافية وقيمنا الروحية ومقدساتنا الوطنية، ومن واقع امتنا وما يفرضه من مسؤوليات مستقبلية الثاني المعاصرة وتعني ارتباطه بالعصر والعلم ومختلف التيارات الإنسانية الايجابية . وألح على العلم لأنه سلاح العصر، ولأنه الفرق الحقيقي بين امة متقدمة وأخرى متخلفة . ولست اقصد العلم المادي والتقني فحسب، ولكني اقصد كذلك العلم الإنساني الذي يجب أن نجعله مواكبا للبنيان المادي في المجتمع، بل أن العلم كله يجب أن يكون في خدمة التنمية، أي أن يربط بالتطبيق في الحام بيته ـ حتى في المستوى الأكاديمي ـ وبين عملية الإنتاج .

الثالث : الوحدة وهي لا تعني فرض فكر معين أو مذهب خاص بطريقة آلية تجعل من أفراد الأمة نسخا طبق الأصل، ولكن تعني الالتقاء في أرضية موحدة، والالتزام بحد ادني من المبادئ والمفاهيم والمقولات، والنظر الى الحياة والى المجتمع والى مستقبل البلد من خلال رؤيا شمولية تنطلق من أوعى بالإمكانيات البشرية والمادية لوطننا والظروف النابعة منا والتي يفرضها الواقع علينا سواء في الداخل أو الخارج .

ومثل هذه الوحدة لا يكمن أن تكون ايجابية الى إذا تجسدت على بساط يلتقي فيه كل رأي وكل إبداع وكل اجتهاد وكل نقد، ولكن بشكل منظم بناء، بحيث يتحقق الالتزام ليس في مفهومه الوجودي أو الاشتراكي بالتحديد، ولكن في ابسط معانيه وأعمقها، تحفزا من حرية الذات الفردية وفي انسجام مع الضمير الجمعي العام .

أن الالتزام يفكر موحد في عالم يتميز بالازدواج الفكري حتى في المعسكرين الكبيرين، لا يعني        


لانغلاق والخضوع لاتجاه واحد بطريقة قسرية تعسفية، ولكن يعني تكوين مجموعة من الأفكار والقيم والمبادئ الأساسية نومن بها ونطبقها، على أن نقبل كل اتجاه سليم كيفما كان مصدره، شريطة أن يكون هذا التقبل بطريقة غير آلية أي بإقناع ووعي، وبدون عقد ومركبات، وفي ملائمة بينه وبين التكوين الأصيل، وعلى اعتبار أن ما يأتي من الآخرين ليس غير تجربة من التجارب لا يلزم أصحابه فضلا عن أن يلزم الغير .

نريد بهذا لفكرنا أن يكون كالشجرة الكبيرة تأتينا جذور كثيرة تغذيها، وهذه الجذور على تعددها وضربها في أعماق متباينة تفضي في النهاية الى جذع هذه الشجرة وحولها نستأصل كل الطفيليات والنابتات الضارة والأعشاب السامة .

والنتيجة أن فكرنا سيكون وسطا بين الاستبدادية بما فيها من إلزام وإجبار وتبعية عمياء، وبين الفوضوية أو الحرية الفردية المطلقة بما تعتمد من تلقائية وغريزية في تحقيق المصالح الخاصة والعامة . وبهذا يتحقق جانب من مبدأ الوسيطة الذي دعى له صاحب الجلالة حين أدار عليه خطابه التوجيهي لأعضاء البرلمان في افتتاح أولى دوراته هذا العام، انطلاقا من القول الله تعالى في سورة البقرة : « وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس » .

وإذا كانت الحرية من حيث هي قيمة ومبدأ لا تتبلور الا من خلال الموقف الذي يعطيه إياها الممارسون، فإنها لم تكن أبدا ايجابية في بعدها المطلق، أي باعتبارها القدرة على إن يفعل الإنسان ما يشاء دون قيود ذاتية أو مجتمعية من شأنها أن تحد قليلا أو كثيرا من غلواء الحرية الغريزية التلقائية سواء على النطاق الفردي الوجودي او على النطاق الجماعي الفوضوي . وقد يصل كلا الناطقين الى درجة من الحرية لا تؤدي الى غير الهدم . فكلما تقدم الإنسان في مراحل الحضارة الا وزاد سلوكه الذاتي والجماعي وعيا وتعقلا، وزاد بالتالي إحساسه بضرورة الانضمام والانتماء والانصهار في الآخرين، داخل كيان يحميه ويحمي حريته الخاصة والحريات العامة، ليس فقط من عناصر التسلط والاغتصاب الخارجية، ولكن حتى من عوامل التحطيم والتخريب الداخلية التي كثيرا ما تنطلق من شعار الحرية ذاته . ولكن في معناه الفوضوي البدائي .

والوحدة الفكرية تقتضي تعبئة تبدأ في سن الطفولة وتمتد الى مختلف المراحل، سواء في مؤسسات التربية والتعليم أو في مراكز العمل والإنتاج ولكن الجيش، وعن طريق الإعلام وإنشاء منظمات الشباب وتنظيم دراسات تدريبية خاصة وتكوين مجموعات حسب المواقع الجماهيرية، وما الى ذلك من الوسائل، حتى ينشأ جيل متشبع بهذا الفكر وقيمة ومبادئ، مقتنع بمنهجه في العمل وبأسلوبه في الصراع ضد التخلف بكل ما بطرح التخلف من تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية .

بهذا أصل الى الشق الثاني من الموضوع، وهو المتعلق بالتنظيم . ونقطة البدء فيه أن الفكر بدون تنظيم لا يمكن أن يتحقق، ويبقى مجرد نظرية، وعرضة للتحريف والإجهاض والموت . فالتنظيم هو الذي يربط الجدل بالعمل في علاقة بينهما .بل حركة الحياة ومسيرة التطور ليست غير خلاصة للمعرفة والممارسة ممتزجين . ولعل كثيرا من الخيبات التي مني بها العرب في تاريخهم القديم والحديث ناتجة عن خلل التنظيم، وعن عدم الاهتداء الى سبيل للتوفيق بين النظرية والتطبيق في مجالات الحياة المختلفة .

والتنظيم يتطلب ايطارا واعيا بالفكر، مقتنعا به على بصيرة في تلقية والالتزام به الدعوة إليه، مستعدا لتطوير ملكاته وتنمية قدراته واغناء تجاربه، قادرا على العمل، أي على الالتحام مع الجماهير وقيادتها وممارسة المسؤولية، وفي مستوى إيجاد الحلول لمختلف المشاكل، وإبداع الخطط ومشاريع ومسايرة ركب التطور بنفس المعدل الكبير السرعة التي تفرضها طبيعة العصر ويحتمها التقدم الذي حققته الإنسانية في مجال الحضارة والثقافة بما فيها على علم وإنتاج .
والتنظيم يقتضي أن يكون البنيان متراصا، بدءا من القاعدة الى القيادة، في ايطار علاقات توحد عضوية، وفي نطاق وجود ايجابي وحضور دائم .

وان جماهيرنا المغمورة بحكم واقعها المتحرك وظروفها المتطورة وتطلعاتها اللا محدودة قادرة على تزويد القيادة بعناصر صالحة مخلصة، لا تنتظر غير الوقت المناسب لتتبلور حوافزها وتظهر على صعيد القوى العاملة معطية ومتفاعلة . وما أظن أن هناك وقتا انسب من وقتنا هذا الذي اقبل فيه المغرب على الحياة  الديمقراطية في أجلى وأوسع مظاهرها .

وان مبدأ الاتصال والاستمرار الذي ربطه جلالة الملك بالديمقراطية يعني في مضمونه تكوين جيل قادر على القيادة، وعلى حمل الأمانة، وعلى العمل في مجموعات منظمة، وعلى الالتحام مع الأمة . ربما تبدو التجربة الخاصة لجيل الشبان محدودة وبسيطة، إذ لم يتح لهم في المؤسسات التعليمية ومراكز الإنتاج ـ  بسبب الفراغ الفكري والتنظيمي الذي يعانون منه ـ أن يبرزوا قيادات ذات تجربة متكاملة  بالحياة وذات مراس بالعمل المنظم، ولا كنهم لا شك أفادوا من تجارب الآخرين ورصدوا ما فيها من جوانب الإيجاب والسلب، وأصبحوا قادرين على أن يختاروا وعلى أن يمارسوا ما يختارون بكفاية وجد وحزم . فهم بحكم تكوينهم وطموحهم ونقاء ظهيرهم واتقاء ذهنهم، وبحكم نواياهم السليمة ورغباتهم الصادقة وطاقاتهم البكر، يمثلون قوة تتطلع لبناء المستقبل وتجاوز الماضي بسلبياته وما ينقله من أخطاء . وهم بذلك قادرون على أن يحفظوا التوازن دون الوقوع في أي انحراف، لأنهم ـ بالإضافة الى ما سبق ـ مومنون بوطنهم وبأن هذا الوطن لابد أن يسير الى الأمام، ولأنهم بكفاياتهم وقدراتهم مهيئون لتحمل المسؤولية تلك المسيرة . ثم إنهم شبان واعون بذاتهم ومجتمعهم ودورهم وقدرتهم على الحركة والبناء وهي كلها مؤهلات تجعلهم مستعدين للحوار الفكري والالتزام والانتظام . ثم إن التحام شبابنا مع الشعب هو الذي سيجعلهم يلمسون مشاكله وقضاياه حتى في خدمته . وهو الذي سيجعلهم كذلك يدركون بوعي سياسي علمي حقيقة الواقع ويدركون بالتالي أبعاد المستقبل وصيرورة التاريخ وكينونته المتطورة . وهو الذي سيجعلهم بعد ذلك وعن طريق الممارسة يفكون كثيرا من الغاز ويحلون غير قليل من العقد التي يعانون ويعاني منها الشعب . ومثل الالتحام بالجماهير هو الذي سيزيد شبابنا وعيا وصلابة، ويكون عندهم الروح الجماعي قيادة وولاء، كما يكون عندهم التمسك بالأرض وحب الإنسان الذي يعيش على هذه الأرض . وبهذا تتحقق الدعوة التي نادىبها جلالة الملك في « التحدي » مهيبا للعمل الجماعي للبناء المشترك على الأرض المغربية، وليس على سطح القمر .

والتنظيم ـ وهو تشكيل واسع محكم ـ يمكن بل يجب أن يستوعب مختلف قوى الشعب العاملة التي تساهم ولو بدرجات متفاوتة في عملية بناء الدولة ؛ وفي مقدمة هذه القوى كل الطلائع الفكرية والسياسية الممثلة لجميع الاتجاهات والتقسيمات الفئوية الموجودة . وهو بظلك ليس حزبا أو هيئة أو تكتلا محدودا لا يتعارض معها، بل انه المحور الذي سيمكن هذه التشكيلات جميعا أن تضطلع بدور على مستوى الدولة وعلى مستوى الجماهير العريضة ؛ وسيجعل نشاطها مرتبطا بحركة تدور في صعيد عال وواسع ومن خلال رؤيا فكرية سياسية تطمح الى تحقيق أهداف مصيرية مشتركة، يقتضي تحقيقيها إجماعا وطنيا ومجالا للعمل كبيرا وإمكانيات ضخمة وفعاليات تتسم بالمبادرة والحسم . وما تجربة المسيرة الخضراء ببعيدة، فقد كان النموذج التطبيقي للإطار الذي نتحدث عنه .

والتنظيم بعد هذا سيخرج الفكر من عزلته، وسيربطه بحركة الدولة في مختلف مجالاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وسيتيح له حضورا ربانيا في الشؤون العامة، وسيجعله يحقق وجوده ويصل الى مجموع الأمة ، ليس فقط على المستوى الفكري، ولكن حتى على المستوى الفكري، ولكن حتى على المستوى المادي والنفسي .

وتلح على مثل هذا التنظيم عوامل كثيرة، في طليعتنا واقع تاريخ بلدنا، والظروف الموضوعية التي تجتاز امتنا في هذه المرحلة الحاسمة، وكذلك إرهاصات المستقبل الذي تلوح في بعض آفاقه بوادر قوى جديرة تمثلها طلائع الأجيال الصاعدة ؛ وهي لكي تنموا في مناخ سليم تحتاج الى استقطاب وتوجيه .

وأود ـ وأنا أثير جانب التاريخ ـ أن أشير منه الى صفحة ما أظن أجد خيرا منها في التمثيل لقضية الفكر والتنظيم، وهي تتعلق بالمرابطين والموحدين .

فليس يخفى أن المرابطين اعتمدوا المذهب المالكي، وعلى أساسه انطلق عبد الله بن ياسين في دعوته يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويعظ العامة  
 

  ويرشدهم الى أمر الدين، ولجأ في ذلك الى الوسائل العلمية فكسر آلات اللهو وأحرق دور الخمر، وأخذ يعلم المستنيرين من أبناء قومه بلقنهم دروسا في الفقه وتفسير القرءان والحديث النبوي، وأسس لذلك رباطا في جنوب الصحراء على ضفاف نهر السنغال، أي معقلا للعلم والعبادة والجهاد ؛ ولم يكن يدخل فيه الا من تأكد من صحة إيمانه ورغبته في العمل وقدرته عليه، حيث كان يجري لمريديه اختبارا في ذلك، فهم بعد إن يتوبوا ويعبروا عن ميلهم للانضمام إليه تقام عليهم الحدود تكفيرا لما سبق أن صدر عنهم من الآثام والذنوب التي يعترفون بها، قصده من ذلك أن يمنحهم ويطهرهم من بقايا الرجس الذي كانوا يعيشون فيه، حتى اجتمع له من هؤلاء نفر تربوا على منهج علمي خاص متحمسين لفكرته الإصلاحية وملتزمين بها ؛ فلم يلبث أن دعاهم للخروج والجهاد . وكانت هذه هي الخطوة الأولى في حياة المرابطين أعقبتها خطوة توحيد مجموع قبائل الملثمين ، والانطلاق من ذلك الى إقامة دولة المرابطين العتيدة .

والحقيقة أن المرابطين لم يكونوا يريدون رضوخا غير منظم للجماهير، ولكنه كانوا يريدونه رضوخا قائما على الفكر، وعلى الإنسلاك في رباط أي في تنظيم مؤطر للقاعدة والقيادة في نفس الآن . وقد شدد المرابطون على الأعضاء المنتظمين حتى لا يحملون معهم رواسب أفكارهم وحياتهم القديمة، وحتى يتشكل التنظيم من اطر موحدة واعية بذاتها ودورها .

وإذا كانت تجربة المرابطين غير مكتملة فالسبب في ذلك راجع الى طبيعته الحقبة التاريخية التي مروا بها، والى خبرتهم المحدودة في هذا المجال وخبرة الدول السابقة عليهم سواء في المشرق أو المغرب ؛ فقد كان يعوزهم المثال المكتمل للتنظيم .

وهذا على عكس الموحدين الذين استفادوا من التجربة المرابطية ومن تجربة الفاطميين، فأقاموا تنظيما بنو على أساسه دولة في غاية القوة والعظمة .

فعلى مبادئ مذهب متأثر بالاشعرية والامامية وأفكار الغزالي وآراء الاعتزال، نظم المهدي أتباعه حيث صنفهم مجموعات : فالعشرة الدين بايعوه أول مرة وخرجوا معه من مراكش يسميهم الأصحاب والجماعة، وهم عنده أشبه بالمهاجرين الذين خرجوا مع الرسول عليه الصلاة والسلام من مكة المدينة .

ويتبعهم في الرتبة أهل الخمسين، وهم خمسون رجلا يمثلون كافة القبائل؛ ثم تتوالى الأصناف : أهل السبعين، والطلبة، والحفاظ وهم صغار الطلبة، وأهل الدار، وأهل هرغة، وأهل تينمال، وجدميوة، وأهل جنفسة، وأهل هنتاتة، فالجند،ثم الغزاة والرماة . ولكل صنف من هذه الأصناف رتبة لا يتعداها غيرهم لا في سفر ولا في حضر، لا ينزل كل صنف الا في موضعه لا يتعداه، فانضبط مراده  وأقاموا على ذلك مدة حياته  على حد قول المؤرخين .

ويتضح من هذه السلسلة إن التنظيم الموحدي كان قويا ومتماسكا، وانه ـ انطلاقا من التزام بالمذاهب ـ سار في اتجاهين : احدهما فكري نخبوي للعمل الفكري، والثاني جماهيري للعمل المسلح وقد سمي المهدي أتباعه بالموحدين والمؤمنين، وكان يقول لهم : « ما على وجه الأرض من يومن إيمانكم، وانتم العصابة المعنيون بقوله عليه الصلاة والسلام : لا تزال طائفة بالمغرب ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله » .
من خلال نفس هذا المثال الذي توسلنا به من تاريخينا المجيد يمكننا أن نطرح قضية التوفيق بين الفكر والتنظيم ومدى أهميتها في قيام كيان الدولة . فبالنسبة للمرابطين كان الفقهاء في أواخر عهدهم موجودين كتنظيم، أي أنهم بحكم ظروف الدولة الكبيرة التي كانت تحت نفوذهم، كانوا في حاجة الى أن يطوروا المذاهب حتى ينسجم مع هذه الدولة الواسعة ويكون صالحا لها كإيديولوجية، ولكنهم كانوا عاجزين عن ذلك، فانكمشوا على أنفسهم وغدوا كالفئة ذات المصلحة والامتياز، وكان ذلك من بين أسباب انهيار المرابطية .

وبالنسبة للموحدين عرف مذهب المهدي نوعا من التراجع بدءا من عهد المنصور الذي ألف للأمة من كتب الصحاح كتابا يلغي به فكر المهدي ويقضي به كذلك على المذهب المالكي ؛ وكان في ذلك ميالا الى الظاهرية معجبا بابن حزم، ولكن كان ينقصه الإطار المفكر الذي يلتزم بالمذهب الجديد ويدعو له، وكانت هذه بداية انهيار الموحدين .

إن الدولة في مثل الموقع والموقف اللذين يوجد فيهما المغرب معرضة باستمرار لألوان من الاختيارات و الصعوبات والضغوط والتحديات . وهي لا تستطيع أن تواجهها الى إذا كانت مسلحة بمذهب فكري متكامل، وبتنظيم متماسك دقيق تعبأ داخله قوى الشعب في وحدة وطنية، وعن طريق إزالة الطفيليات وعوامل التسميم والتخريب وتذويب الفوارق الفكرية التي من شأنها ان تخلق اتجاهات متصادمة وتيارات متضاربة .

وان شعبا ناضجا ونابضا بالحياة يتحرك دفعة واحدة لتحرير أرضه في مسيرة خضراء بعقل وإرادة، وبوعي حاضر وإدراك لمعنى المسؤولية ؛ ثم يتحرك دفعة واحدة في مسيرة اقتصادية للمساهمة في قرض مالي للنهوض بالأرض المحررة؛ إن هذا الشعب جدير بان يذهب في مسيرة للفكر والتنظيم حتى يخوض معركة المستقبل في تعبئة شاملة تضمن له دوام الوحدة والاستقرار واطراد التقدم والرقي .

في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخنا ونحن نكمل سيادتنا ووحدتنا، ونواجه في ذلك خصوما حاسدين، يصبح ضروريا تخطيط الفكر والتنظيم القادرين على ربط النظرية بالممارسة والقيادة بالقاعدة . هذه المرحلة أعادت لنا الأرض والإنسان، وأرجعت لنا الثقة بالنفس، وخلقت من خلال ذلك عقلية جديدة وعلاقات تسير في اتجاه متطور . ولا شك مثل هذا التغيير الموضوعي يحدث في حياة شعب ما يقتضي تغييرا فكريا قائما على التخطيط والتأطير والتنظيم، وقابلا للتحول الى واقع علمي .

على أني اعترف بان الأمر في عصرنا ليس سهلا على الإطلاق، فان مشكلتنا ومشكلة العالم العربي و الإسلامي عامة انه لم تتح الفرصة بعد للمفكرين الذين يستطيعون بعلم وذكاء أن يقيموا مذهبا فكريا متكاملا، قادرا على مواجهة المذاهب الكبرى العالمية ، أي ان يكونوا إيديولوجية أصيلة وعصرية في نفس الآن، ينسقون في تركيبها بين العناصر الحية في الثقافة العربية الإسلامية وبين العناصر الايجابية في الثقافات الأجنبية، ويكون في مقدورهم ان يعبروا عن هذا المذهب ويقنعوا به ويغزوا بأخذه والتزامه .

والقضية تبدو كبيرة وعسيرة، وهي كذلك بالفعل ؛ ولكني لا شك في ان حلها رهن بالممارسة والتطبيق وفسح المجال لهما بشيء من الحرية والشجاعة ؛ وهو قبل ذلك رهن بمدى الإحساس بالحاجة الملحة الى فكر وتنظيم .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here