islamaumaroc

عرش الشعب

  دعوة الحق

العددان 184 و185

نشا العرش المغربي في أحضان الشعب، نبع من وسطه، ولم يفرض عليه فرضا، وتعهده الشعب وحماه، وآثره على نفسه على نفسه، وجعله محور حياته، ورضي أن يرتبط به ويلتحم ويلتصق، حتى بات جزءا لا يلتجأ من كيانه الوطني . ولم يطمع مؤسس الدولة العلوية الشريفة في الملك، وما دار بخلده يوما أن يتولى أمر المغرب، وعرف دائما بالزهد في المناصب والعزوف عن مظاهر الأبهة والسلطان ولكنه استجاب لنداء الشعب حينما اقتضت مصلحة البلاد أن يتحمل المسؤولية انقادا لكيان المغرب في التفكك والتشتت وانفراط العقد وزوال القوة المنعة والهبة والنفوذ فلم يسع الى هذا الأمر قط ولو لم يلح الشعب الحاجة الشديد، في تلك الظروف الحرجة في تاريخ المغرب، لما كان يتقدم الصفوف ويقود الركب .

لقد عاش أجداد جلالة الملك الحسن الثاني عدة قرون مواطنين عادين لا يكادون يختلفون في شيء عن مختلف إفراد الشعب، وحتى لما تهيأت لهم فرص الحكم واختارهم الله سبحانه وتعالى لقيادة البلاد ظلوا على مزيتهم تلك، فما عرف عنهم ما يخرجهم عن الشعب ويعزلهم عن سواده. ولا يزال ملك المغرب الى يوم الناس هذا مواطنا متواضعا، وفرضا من أفراد الشعب، يعيش واقعه لكل معطياته، ويشاركه سراءه وضراءه وهو ـ حفظه الله ـ إذا كان يتميز بميزة خاصة، فلن تكون، الا هذه المسؤولية العظمى التي يتحملها في صبر واحتساب وجهاد والإخلاص مؤثرا شعبه على نفسه وعائلته الصغيرة، ومضحيا براحته ووقته وحقه الطبيعي في كثير مما تطمح إليه النفس المطمئنة السوية، في سبيل ازدهارها البلاد، ورفاهيتها، وتقدمها، وتفوقها، وعزتها وكرامتها وسيادتها، وحريتها .

فعرش المغرب ـ أذن ـ عرش شعبي بكل ما تحمل الكلمة من دلالات  وإيحاءات ومعان . ولذلك فان تاريخه لا يكاد ينفصل عن تاريخ الشعب . وما ملوك المغرب الا قادته وحماته والمدافعون المخلصون عن بيضته ولغته وعقيدته واستقلاله، ولم يمارسوا في حقه قط تعسفا أو إرهابا أو ديكتاتورية من إي صنف من أصناف الديكتاتوريات المعروفة في العالم القديم والحديث على السواء . وكيف يتم دلك والملك ملزم ـ بحكم البيعة الشرعية التي تشده الى الشعب بأوثق رباط ـ بأن يفي بشروط، هي في مفهومها العام، متممة لدينه وشرفه وكرامته الشخصية . وليست فحسب شروطا وضعية من النوع الذي يسهل التنصل منه بحيلة من هذه الحيل السياسية والقانونية التي يصبح الناس ويمسون عليها، في عالم يقيم علاقاته على أساس علاقاته المادية . فليست العلاقة بين الشعب المغربي وبين ملكه من جنس العلاقات الميكيافلية التي تقوم على قاعدة تبادل المصالح، سواء اتخذ هذا الاستبداد شكل ديكتاتوريات الدولة أو الحزب أو الرأس مال .

من هنا تأتي تلك الخصوصية التي تميز نظام الحكم في المغرب وتجعله نسيج وحده في عالم الثلث الأخير من القرن العشرين .وإذا كانت الأنظمة تتشابه وتتداخل الى حد لا يمكن إن يميز بين هذا النظام أو ذاك في شكله العام، والآثار المترتبة عليه في الممارسة والتنفيذ، فإن الملكية  في المغرب تستثني من ذلك تماما . وهو استثناء يضفي عليها صفات الاستمرار والتواصل ويمنحها تلك الطاقة الهائلة على التحدي والمقاومة والصمود التي تطبع ملكيتنا الدستورية .

وكان الله ـ جلت قدرته ـ أراد أن يتمم نعمته على هذا الشعب، فجعله فريدا ومتميزا في طبيعته وتاريخه ونظام حكمه . وليس غريبا أن يكون المغرب في البلد الوحيد في العالم الذي يحكمه نظام قائم منذ ثلاثة عشر قرنا . وليس غريبا ـ أيضا ـ أن يكون المغرب البلد الوحيد في العالم الذي عرف ثلاثة أنواع من الاحتلال في فترة واحدة، واستهدفت أراضيه لتمزيق لم يسبق له مثيل في الدول الإفريقية والأسيوية التي احتلت في أوائل القرن التاسع عشر . وليس غريبا ـ ثالثا ـ أن يقود المغرب ملك عرف المنفى والأبعاد والحرمان . فإذا كانت أرقى النظم الديمقراطية في المغرب يحكمها اليوم قادة تخرجوا من بين صفوف الأحزاب العتيدة،وتمرسوا بالعمل السياسي والاحتكاك بالجماهير عن طريق الخلايا الحزبية والحملات الانتحابية، فان جلالة الحسن الثاني وحده من بين قادة العالم ـ بلا استثناء ومن غير ادعاء أو فخر أو أية نية مسبقة في الزهو والاستعلاء ـ الذي تخرج من المنفى السحيق، وتلقى دروسه الأولى في السياسة والحكم وقيادة الشعب على يد ملك مناضل شجاع لم يكن كالملوك يرفل في نعيم الحياة، ولكنه كان ملكا مطوقا بدبابات الاحتلال يقاوم في صمت، ويحتك في شعبه أصعب الظروف ويوجه النشاط السياسي، ويغدي الحركة الوطنية بالطموح والآمال والمساندة المطلقة في المنشط والمكره والشدة والرخاء .    

ولعل من يدرس سير ملوك المغرب، مركزا بصفة خاصة على الملوك العلويين الأشراف يخرج بنتيجة هامة تقوي الدليل على نضالية العرش المغربي وشعبيته، ومواقفه البطولية النادرة المثال، ومعاركه المشرفة، ليس دفاعا عن الكيان الخاص، وحماية لكرسي الحكم، وإنما جهادا وتضحية في سبيل الوطن وقيمه المثلى ومقدساته الخالدة . وما من ملك من الأسرة العلوية المجاهدة الا وكتب له أن يقاوم الدخلاء، ويطهر البلاد من الأشرار والطماعين ودعاة الفتنة وعملاء القوى الأجنبية، من مؤسس الدولة المولى علي بن الشريف، الى المولى إسماعيل، الى المولى محمد بن عبد الله، الى مولى الحسن الأول، وأبنائه من بعده الملوك الثلاثة الى بطل التحرير والاستقلال ورمز الفدائية الحق والإثارة والتضحية والنقاء الثوري والالتزام الصادق بمصالح الشعب جلالة المغفور محمد الخامس قدس الله روحه، الى وارث سره وحامل اللواء من بعده ، جلالة الحسن الثاني أبقاه الله ذخرا للبلاد وأعزه الله والعروبة .

وللباحث أن يأخذ سيرة كل ملك على حدى ، ويتناولها من عدة جوانب، ويدوسها جيدا وفق ما يشاء من مناهج الدراسة التاريخية، فيجد نفسه أمام ظاهرة فريدة وهي أن ملوك المغرب لا وقت لهم للفراغ والبطالة واللهو والانشغال بسفاسف الأمور وصغائرها، فمعظم جهودهم منصرفة ثارة في تحرير الثغور والشواطئ، وثارة أخرى لمواجهة غزو خارجي، وفي أغلب الأحيان لمقاومة التخلف والجهل وبناء الإنسان المغربي الواعي، اليقظ الشعور، المتفتح العقل .
وإذا أخدنا على سبيل المثال لا الحصر حياة جلالة الملك الحسن الثاني أطال الله عمره وأسبغ عليه نعمة الصحة والعافية كنموذج رفيع للملوك العلويين المناضلين، نجد إن السبع عشر سنة التي قضاها جلالته على عرش أجداده المنعمين مليئة بجلائل الأعمال، والمعارك، وصور التحدي الشامخ، والبطولة والشجاعة التي نبخسها حقها إذا ما قسناها بالمقياس المادي المحض، ونوفيها هذا الحق كاملا إذا نظرنا إليها من وجهة نظرة مشبعة بالوعي التاريخي والإيمان الديني، فمن تأسيس كتلة الدار البيضاء لاستكمال تحرير إفريقيا، الى معارك الحدود في سنة 1963 ومواجهة التحديات الداخلية في نفس السنة الى معركة التنمية والمليون هكتار، الى حرب يونيو 67، الى مؤتمر القمة الإسلامية الأول، للمؤتمر الإفريقي الذي انبثق عنه ما يعرف في السياسية الدولية " روح الرباط " الى مقاومة مؤامرات الخيانة والغدر الى حرب رمضان الى جبهتين المصرية والسورية الى معركة التحرير المتوجة للمسيرة الخضراء العظمى ، الى حرب زائير، الى مئات  المواقف الصامدة، والجهود المتواصلة المضنية التي تبذل في صمت وزهد وسخاء لإصلاح ذات البين بين الأشقاء من جهة، ولتدعيم الوحدة الوطنية وترشيد الحياة السياسية، وتقوية الاقتصاد الوطني، وتنشئة المواطن الصالح النافع لنفسه وأسرته وعشيرته ووطنه . أليست هده حياة حافلة بالمعارك المستمرة المتباينة الأشكال والألوان، والمتحدة في الهدف 
والمصير ؟؟ إي نضال اشق من نضال جلالة الحسن الثاني ؟؟ وأي التحام بالشعب هذا الذي يتجلى في سلوك جلالته في كل وقت وحين ؟؟ .

إن هذا ليس دفاعا أو دعاية رخيصة، فما اعتاد الناس  أن يدافعوا عن المنتصرين . وإنما يكون الدفاع عن المنهزمين المتخاذلين . وليس منهم ملك المغرب كما لا نحتاج إن تقوى . " إن الله يدافع عن الذين آمنوا " ولكنه إقرار ملتزم بحد أدنى من الموضوعية وضبط النفس بواقع نعيشه ويشركنا فيه العالم شرقيه وغربيه، ولا يملك الا الاذغان لعبقرية العرش المغربي، والاعتراف باستقامة المسلك، وسلامة المنهج، وخلوص النية، ومشروعية الهدف، وأحقية القيادة .

هو عرش الشعب ـ إذن ـ وملك الشعب، لا يفرق بينهما شيء .. لا ديكتاتورية، ولا إرهاب، ولا قمع، ولا اعتساف للسلطة، ولا طغيان، ولا قهر لإرادة الشعب، وإنما هي علاقة الحب، والثقة، والإيثار، والرحمة، والمودة، والصفاء، في ظل البيعة التي أوصى بها الله ورسوله، وأقام سلفنا الصالح شؤون دنياه على أساس الراسخ ...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here