islamaumaroc

التراث العربي كمصدر في نظرية المعرفة والإبداع في الشعر العربي المعاصر، لطراد الكبيسي

  دعوة الحق

192 العدد

يتزايد في بغداد اليوم، الاهتمام بالتراث العربي سواء على الصعيد الرسمي أو الشعبي تزايدا واضحا وملموسا إلى حد كبير. وهو اهتمام فرضه الواقع الحضاري الذائع الصيت، الذي ورثته العاصمة العراقية طيلة فتراتها الزاهية من تاريخها المجيد، المليء بشتى الفعاليات والإيجابيات على مستوى التاريخ الذهبي العام الذي رفرفت رايته خفاقة على الدولة العربية الإسلامية، منذ أن أنشأها الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور سنة 145هـ/ 763م، لتكون عاصمة له، تليق بدولة بني العباس الجديدة.
من بين الكتب الهامة التي وصلت إلى المغرب مؤخرا، كتاب الأستاذ طراد الكبيسي عن التراث العربي كمصدر في نظرية المعرفة والإبداع في الشعر العربي المعاصر من سلسلة "الموسوعة الصغيرة" التي تتناول مختلف العلوم والفنون والآداب الإنسانية، والتي تصدر بنجاح عن وزارة الثقافة والفنون العراقية.
يتساءل المؤلف في مقدمة كتابه :
- لماذا التراث ؟
بالفكر الواعي المحيط بالموضوع، يجيب :
" ثرات أية أمة إنما هو مجموع الخبرات التي حققتها عبر تاريخها الطويل في السياسة والأدب والاقتصاد والقيادة والفلسفة وسائر العلوم الأخرى. كما أنه يمثل وجدانها وعواطفها ومشاعرها وذوقها تجاه مختلف القضايا الإنسانية والجمالية. فهو إذن شخصية الأمة ووجودها التاريخي ماضيا وحاضرا ومستقبلا. وأن تخلي أمة عن تراثها فضلا عن أنه أمر مستحيل، فهو يعني البداية من الصفر، كما يسهل مهمة إلغاء تراث الإنسانية كله. والبداية من الصفر على فرض إمكان ذلك، وإلغاء تراث الإنسانية يعني أيضا فيما يعنيه، إلغاء ملايين السنين من الأشواط التي قطعتها البشرية في مسيرة الحضارة. أي أن نبدأ من الفأس والمحراث اليدوي، ونلغي التراكتور والحصادة ونعود إلى البغال والحمير! وندير ظهورنا لكل وسائل النقل الحديثة.
"إن الدعوات التي تطالب بتخلي الأمة عن تراثها، إنما تطالب بتخلي الأمة عن وجودها، وتذويب شخصيتها في كيانات أخرى بعيدة عنها نفسيا واجتماعيا وتاريخيا. وهذا يعني أن تلقي بنفسها في الاغتراب. كما أن بعث التراث والمطالبة بإعادة كتابة التاريخ العربي وتوجيه أنظار الباحثين والدارسين والقارئين إليه، ليس من أجل الحفظ بل الاستيعاب، وليس من أجل التقليد بل الاستلهام وكسب الخبرة والمعرفة وتقدير الذات المبدعة، والرد على المزاعم التي صنفت الأمم والشعوب على أسس عنصرية إلى أمم مبدعة وأخرى خاملة.
"فالتراث إذن ليس مجرد تراكم خبرات ومعارف ... وكتب. ولكنه اعتراف أمام الذات والعالم، اعتراف بوجود، واعتراف بشخصية لها وجودها التاريخي والنفسي .. الخ. ومن حقها أن تستقل وأن تنمو، وأن تشق طريقها وفق طبيعة ظروفها وأرضها وتاريخها .. وعلى أساس وحدة شخصيتها القومية وتفاعلها الحر مع التراث الإنساني الحضاري الشامل، واعتراف أيضا بما حققه الماضي وما يمكن أن يحققه الحاضر والمستقبل من خلال اختبار وتقدير الطاقات الإبداعية في إنسان هذه البيئة.
"يعني هذا أن التراث ليس شهادة على ما حققه الماضي وحسب، بل وعلى ما يحققه الماضي لحاضر، وما يقدر أن يحققه الحاضر للمستقبل. فالكاتب المعاصر بتعامله مع التراث كمصدر للتدليل على الحاضر قد توصل إلى الإيمان بأن الماضي والحاضر إنما يتملكان نفس الخصائص الثابتة. وبأن النفس البشرية قد تخضع لنفس المشاكل والتناقضات في كل الأزمنة".
* ماهية التراث : 
إن التراث هو تاريخ الأمة السياسي والاجتماعي والنظم الاقتصادية والقانونية التي شرعها، ومجموع خبراتها الأدبية ومنجزاتها في الطب والكيمياء والفلك والفيزياء وعلم الاجتماع والنفس وفن التصوير والعمارة والتزيق، يضاف إلى هذا الخبرات المكتسبة عن طريق الممارسات اليومية والعلائق الاجتماعية التي كثيرا ما تصاغ في حكايات وخرافات وأمثال وحكم ومزح تجري على ألسنة الناس بأساليب تعبيرية متنوعة تعكس خبراتهم النفسية والوجدانية ونشاطاتهم التخيلية ومواقعهم الاجتماعية ومواقفهم السياسية ..الخ".
لقد عرف الشاعر العربي على مد العصور موروثه واستفاد منه تضمينا واستلهاما وتشبيها، كما عرف الموروث الإنساني أو بعضا منه، فأفاد منه فوائد متنوعة. ولكن الموروث بالنسبة للشاعر العربي الحديث، والموقف منه، يكاد يكون متميزا بحكم تطور وعي الشاعر : موقفه ومفهومه للثقافة، والثقافة في الشعر ومعنى الحداثة والاستلهام والاستيحاء. كما لا نستطيع أن نعزل موقف الشاعر هذا عن التحديات التي واجهتها الأمة العربية من قبل الاستعمار والصهيونية، ومحاولة طمس التراث العربي الأصيل، وإيجاد القطيعة مع الماضي، وعزل الجماهير عن تراثها الفكري والعلمي والنضالي، وتشويه عبقريتها في الشعر والفكر واللغة، حيث (وصلت الدعوة بالبعض إلى محاربة كل ما هو وطني وتبني الأبجدية اللاتينية).
ويقدم الأستاذ الكبيسي ثلاثة حلول لكي يصير التراث العربي جزء من تجربة الشاعر المعاصر وداخلا في ثوابته الفكرية والإبداعية وهذه الحلول هي :
* أولا : رؤية ذاتية نقدية متسعة :
التراث ليس شيئا نقرؤه ونحفظه، بل نحياه ونمارسه. ولذا لا بد من أن ننخله ونهضمه ونرتقي به إلى مستوى قضايانا المعاصرة.
• ثانيا : تحقيق العلاقة الجدلية بين الموضوعة التاريخية والموضوعة المعاصرة الموظف لها.
• ثالثا : تكافؤ العلاقة بين الرؤية الذاتية والتقدير الشخصي من جهة، وبين الحقيقة الموضوعية في إطارها التاريخي من جهة أخرى.
نعني أن التراث بما هو بالنسبة للمبدع : رموز وحيوات مليئة بالنشاط، ومصدر للمعرفة، وحافز على الإبداع :
1- ليس المطلوب إعادة تسجيله (وتضمينه) رغم أن بعض التضمينات توحي بالتناقض بين الماضي والحاضر، أو قد تجيء وكأنها جزء من سياق القصيدة وطبيعتها أو توحي بأن الحاضر إذ يشير إلى الماضي إنما يحاول تجاوز نفسه. ولكن المطلوب اكتشاف القدرات الملهمة فيه للإنسان المعاصر لاجتياز وضع أو أزمة مثلا كما حصل بعد نكسة يونيو 1967، حيث أصبحت العودة إلى التراث متكأ يستند إليه الوعي لتجاوز وضع نفسي معين.
2- كما أن كون التراث يشكل مصدرا في نظرية المعرفة لدى الشاعر المعاصر لا يعني ذلك أننا
نجعل من الشاعر عارضا نظريات أو مخترع أفكار أو ببلوغرافيا لثقافات الأمم وفلسفتها ومثيولوجيا الشعوب.
فالثقافة في الشعر رؤى وليس نظريات نتغلغل في الوعي وتتسرب إلى القارئ دون قصر. وبصورة تلقائية كما تترب المياه الجوفية تحت قشرة الأرض فتمصها جذور الشجر والنبات. ولا تقتصر الثقافة على الأفكار ومعرفة الحوادث والتاريخ واتجاهات الفلسفة وأحوال المجتمع .. بل تتعدى وتتبدى كذلك في الأساليب وإدراك ما هو مستنفذ منها، وما تزال فيه حيوية، وفي اللغة أيضا حيث هي وسيلة وهدفه الأول للتغيير.
                                                      ***
بالإضافة إلى المقدمة، ينقسم كتاب الأستاذ طراد الكيسي إلى ثلاثة أقسام :
القسم الأول : ويتناول الملاحم والأساطير والخرافات والحكايات وقصص الخلق والخصب والنماء، وسيرة عنترة بن شداد الشعبية، وقصص ألف ليلة وليلة،  وبني هلال. هذا فضلا عن تاريخ هذه الحضارات القديمة، مما يدخل جميعا تحت مصطلح (الفولكلور).
لقد أفاد الشاعر المعاصر من موروثه القديم : قصصا وملاحم وأساطير، أفادت متنوعة تضمينا واقتباسا، احتواء واستحياء، كالشاعر حسب الشيخ جعفر الذي استفاد من أسطورتين وأغنيتين قديمتين سومريتين، وكذلك عبد الوهاب البياتي، وبدر شاكر السياب، وخليل حاوي، وأدونيس. إن الشاعر وموقفه من العالم والأشياء هو صورة عن نظام إبداعي جديد يرتكز على حس عميق بالتاريخ. ورؤيا توحد بين الأزمنة والأمكنة والحضارات.
• القسم الثاني : الموروث العربي قبل وبعد الإسلام وذلك من خلال بعض النماذج الشعرية عند كل من البياتي والسياب وحميد سعيد وسامي المهدي وأدونيس وصلاح عبد الصبور في الخمسينات والستينات والسبعينات، لأن نتاج هؤلاء الشعراء غني بموروث المنطقة العربية، فهو يضج بروائحه لغة وصورا وجورا وروحا .. بحيث من العسير فرز بعضه عن بعض، فهو متلبس به، متماسك معه اقتباسا وتضمينا.
• القسم الثالث : البحث عن الحرفيات الأسلوبية واللغوية مما يمكن أن يشكل الجانب الجمالي المستوحى من التراث في نظرية الإبداع الفني في الشعر العربي الحديث.
لقد ظفر التراث من قبل حركة التجديد الشعري الحديثة، بتقدير لم يسبق له مثيل. ذلك ما لم يعد يخاصم فيه أحد. واندحرت كل التهم التي وجهت إلى الحركة في بدايتها حتى غدت أضحوكة اليوم. ولكن هذا التقدير لا يعني أن نجعل من الشعر المعاصر صورة للماضي أو أن النواحي المتفردة فيه، إنما هي تلك التي وضع عليها أسلاف الشاعر المعاصر طابع خلودهم بأسطع الألوان.
إن الصلة مع التراث كمصدر في نظرية المعرفة وكحافز في سيكولوجية الإبداع لا تأتي –في نظر المؤلف – إلا من خلال المعاناة المستمرة للتراث : فهمه واستيعابه بوعي- نقدي تاريخي عال، واستلهام المتابع الحية فيه : الجمالية و الفكرية بموهبة ومخيلة نشطة فعالة ومنفعلة لا بالسخرية منه والكذب عليه ..ولا بإعادة (حليب النوق .. وسروج الخيل ... والنخوة العشائرية ..).
أما التقدير التاريخي والإبداعي لتراث الحضارات القديمة السابقة للحضارات العربية الإسلامية، فيأتي من كون هذا التراث قد أغنى هذه الحضارة، وكان رافدا مهما من روافد رقيها. وهو اليوم يكتسب حيويته أيضا من كونه ما يزال ينطوي على كثير من المؤثرات الإبداعية التي تصب في مجرى التطور والنهوض الحضاري العربي المعاصر. وذلك أن دراسة الأنثربولوجية اليوم، وبالمناهج العلمية المقارنة، تشكل البوابة التي ننفذ منها غالبا إلى عالم الشعر المعاصر كما قال جورج كلوبر. لا لأن هذه الدراسة للأنثربولوجية تقترن عادة بالمعاني والخبرات التقليدية، ولكن لأنها تبرز المهارة العلمية للفنان لإعادة ترتيب المادة التاريخية ... وإغنائها ضمن حدود قدراته الإبداعية وهذا لا ينسحب على لأنثربولوجية وحسب، بل وعلى دراسة التراث كله سواء ما كان منه عمليا أو أسطوريا، تاريخيا معاشا أم أنثربولوجية تاريخية. لذا فإن القول بأن إعادة النظر في التراث بشكله الإيجابي والإبداعي جاءت مصاحبة لحركة الإبداع الشعري قول صحيح جدا.
وتأسيس رؤية إبداعية ومعرفية مستمدة من التراث العربي لا يعني التقليل من أهمية الموروث الإنساني والثقافة المعاصرة. بل هي امتداد لهما، وتأسيس ضوئهما أيضا. كما لا يعني التقليل من أهمية الموهبة الفردية إن لم تكن هي إخصاب لهما، وتحفيز وضمان للنبع الإبداعي من أن ينضب،
وإذا أدركنا أن العناصر الإيجابية في التراث هي دائما سبق للزمن وتخط له، أدركنا أن الموهبة الحقة هي القادرة على التقاط هذا السبق الزمني في الماضي وإحالته إلى سبق زمني في الحاضر. فالعمل الفني العظيم هو دائما خارج الزمن –الوقت. أي أنه طموح الإنسان ومجاهدته للارتقاء على الواقع والفناء والتقليد، والذي يقرأ التراث ولا يصيب معرفة أو لا يدركه التغيير في أفكاره وخصوبة مخيلته، فكأنه غير قارئ أو قارئ ولكن ببصارة عمياء. ولست مع أولئك القائلين لأن استمداد الشاعر لعناصر التراث في أدبه خطر على شخصيته وحسابه الخاص. فلئن تخصب التربة بالسماد خير من أن تترك لذاتها حتى يصيبها العقم. ولئن نتصرف على خلاف ما عرفناه خير من أن نتصرف عن عمى أو عدم وضوح. فالتراث إذا ما قرئ كما ينبغي لا شك "سيمنحنا فرصة كبيرة لتوسيع اقتناصنا الخيالي لكثير من نواحي التجربة الإنسانية، وإذا أردنا أن نتصرف بطريقة حسنة فيما بعد، فقد نكون قادرين على أن نفعل ذلك بمرونة أكثر وبصيرة أنفذ".
وحسبنا قد أوفينا هذا الكتاب القيم ما يستحقه من الاهتمام والتقييم والاعتبار. ومع أنه أول بحث يتناول هذا الموضوع، فالأمل وطيد لإعادة كتابته بتوسع أكبر ليستمد لا منطقة الشرق، بل كل الوطن العربي من محيطه إلى خليجه.
وتهنئة للزميل طراد الكبيسي على ريادته هذا البحث الشاق، وعلى توليه أمور تسيير هذه الموسوعة التي نتمنى لها المزيد من التوفيق. والنجاح تلو النجاح.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here