islamaumaroc

ما هي فتنة داوود.

  دعوة الحق

192 العدد

اعتمد جل المفسرين –إن لم نقل كلهم- في تعيين فتنة داود على ما جاء في الإسرائيليات التي اختلفت رواياتها على جهات :
1- أنه رأى امرأة تغتسل، فأعجبه جمالها، وحانت منها التفاتة فأحست ظله، فنقضت شعرها فغطت به بدنها فزاده ذلك إعجابا بها. فسأل عنها فقيل : هي امرأة أوربا وزوجها غائب، في غزاة بالبلقاء. فكتب داود إلى أمير تلك الغزاة : أن أبعث أوربا إلى موضع كذا، وقدمه قبل التابوت، وكان من قدم على التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتى يفتح الله عليه، أو يقتل. فبعثه وقدمه ففتح على يديه. فبعثه ثانيا وثالثا حتى استشهد. فلما انقضت عدة المرأة تزوجها داود، وهي أم سليمان.
فأنزل الله ملكين قيل هما جبريل وميكائيل، في صورة خصمين، يختصمان في نعاج كتيابها عن النساء، فلما حكم بينهما، تبسم أحدهما للآخر وغابا، فعلم أنه المقصود. أنه كان له تسع وتسعون زوجة ضم إليهن زوجة أوريا، فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب.
وروى الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيرهما من طريق ابن لهيعة عن أبي صخر بن يزيد الرقاشي عن أنس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أن داوود عليه السلام حين نظر إلى المرآة، قطع –بتشديد الطاء قصر مدة الغزو- على بني إسرائيل، وأوصى صاحب الجيش فقال : إذا حضر العدو، فقرب فلانا بين يدي التابوت، وكان التابوت في ذلك الزمان، يستنصر به، من قدم بين يديه لم يرجع حتى يقتل، أو ينهزم عنه الجيش، فقتل وتزوج المرأة ونزل الملكان على داود عليه السلام، فسجد فمكث أربعين ليلة ساجدا حتى نبت الزرع من دموعه على رأسه وأكلت الأرض جبينه.
وذكر حديثا طويلا، قال السيوطي : سنده ضعيف، وهذا لا يكفي. لأن يزيد الرقاشي مع ضعفه، قال عنه حبان : كان يقلب كلام الحسن، فيجعله عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم غلام وضيء، فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم خلف ظهره. وقال : إنما كانت فتنة أخي داود من النظر.
وقد وردت هذه القصة عن ابن عباس ومجاهد والحسن وأبي الجلد وأبي عمران الجوني والسدى
والكلبي ومقاتل، وفي بعض رواياتها زيادات منكرة أيضا.
ووجد القصاص في هذه القصة بزياداتها، مادة دسمة لترقيق قلوب العوام، واستنزال دموعهم، واستدرار نقودهم.
والعجب أن ينخدع كثير من السلف بهذه القصة، ويذكروها في مواعظهم، كما تجد ذلك في كتاب الزهد لابن المبارك ولأحمد بن حنبل، مع أنها باطلة قطعا. وليس في القرءان ما يدل عليها تصريحا ولا تلويحا، ولا أتى في حديث ثابت إشارة إليها. ولا أدري على أي أساس حشرت في كتب التفسير؟
2- إن داود طلب من أوريا أن يتنازل له عن زوجته حين رآها وأعجبته، فنزل الملكان، ونبهاه بحكاية النعاج إلى أنه لا ينبغي له أن يفعل ذلك، وإن كان طلب التنازل عن الزوجة جائزا في شريعتهم. وذلك لعظم منزلته، وشفوف رتبته.
روى هذا عن ابن مسعود ابن عباس أيضا وابن زيد ورجحه الزمخرشي في الكشاف، وابن العربي في الأحكام.
وهذا باطل أيضا، لأنه لم يثبت أن طلب التنازل عن الزوجة كان جائزا في تلك الشريعة، بل المعروف عنهم : أن زواج المطلقة زنا.
ولأن طلب الملك من أحد رعيته، يكون غصبا، وداود لا يفعل ذلك جزما، لعصمته.
قال ابن العربي : كان ببلدنا أمير يقال له : سير بن أبي بكر، فكلمته في أن يسأل لي رجلا حاجة، فقال لي : أما علمت أن طلب السلطان الحاجة غصب لها ؟ فقلت له : أما إذا كان عدلا فلا.
لكن غاب عن ابن العربي : أن سيف الحياء أشد من سيف الغصب. بل ما وسط الأمير في طلب الحاجة من الرجل إلا الاستعانة بسيف الحياء الذي لا يقاوم.
3- أنه نرى أن مات زوجها أيتزوجها، حكاه ابن العربي في الأحكام. وقال : هذا لا شيء فيه، إذ لم يعرضه للموت.
وهو باطل أيضا، لأن امرأة أوريا والنظر إليها ومحاولة زواجها باطلة من أصلها، فما بني عليها باطل أيضا.
وقد أبطل الإمام الرازي تلك القصة، في تفسيره من عدة وجوه، وأفاد فيها وأجاد.
4- أنه حكم لأحد الخصمين، قبل أن يسمع كلام الآخر، حكاه ابن العربي أيضا، وأبداه الإمام الرازي احتمالا، وقال : لا شيء فيه.
قال ابن العربي : لا يجوز ذلك على الأنبياء.
وقال الحليمي : أنه رأى في المدعى مخايل الضعف والهزيمة، فحمل أمره على أنه مظلوم كما يقول، فدعاه ذلك إلى ألا يسأل المدعى عليه فاستعجل بقوله (لقد ظلمك).
قال أبو حيان : ولكنه لم يحك في القرءان اعتراف المدعى عليه، لأنه معلوم من الشرائع كلها، إذ لا يحكم الحاكم إلا بعد إجابة المدعى عليه.
5- أنه خطب المرأة، بعد خطبة أوريا لها، فآثروه عليه، وزوجوه بها، فعوتب على ذلك.
وهذا باطل أيضا.
وقد قيل في فتنة داود غير هذا، مما لا أصل له.
قال ابن كثير في تفسيره : قد ذكر المفسرون ههنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات، ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتبعه. ولكن روى ابن أبي حاتم هنا، حديثا لا يصح سنده. لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس رضي الله عنه. ويزيد وإن كان من الصالحين لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة، فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة، وأن يرد علمها إلى الله عز وجل فإن القرءان حق وما تضمن فهو حق أيضا أهـ.
وقال أبو حيان : ذكر المفسرون في هذه القصة أشياء لا تناسب مناصب الأنبياء، ضربنا عن ذكرها صفحا أهـ.
وعندي مسلك آخر يدل على بطلان ما ذكره المفسرون.
وهو مراعاة السياق، وهو مسلك مهم، يجب على المفسر أن يجعله نصب عينيه، ولا يتكلم على آية، حتى ينظر علاقتها بما قبلها. لأن آيات القرءان متماسكة آخذ بعضها بحجرة بعض، فمن لم يراع ذلك في تفسيره، جانبه التوفيق.
ومتقدمو المفسرين غفلوا من هذا المسلك، فوقعوا في أغلاط كثيرة. وتنبه له من المتأخرين الزمخشري والإمام الرازي والبرهان البقاعي وأبو حيان.
وأكثرهم مراعاة لهذا المسلك العلامة البقاعي في تفسيره ترجمان القرءان، رأيته مخطوطا، وهو يطبع الآن. ذكر أنه ألفه في أربعة عشر عاما، حتى أوجد المناسبة بين كل آية وآية من أول القرآن إلى آخيه، بطريق مراعاة السياق.
وأنا أسلك هذا الطريق في تدريسي للتفسير بزاويتنا الصديقة، وقد ألهمت فيه أشياء كثيرة بحمد الله.
وتعيين فتنة داود عليه السلام، يتعين فيه تلاوة ما قبل القصة حكى الله تعالى، تعنت الكفار في كفرهم، وتعصبهم لأصنامهم، وتكذيبهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وقولهم على سبيل الاستخفاف به (ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب) مع أنهم لا يؤمنون بالبعث.
وذكر من كذب قبلهم الرسل بدءا من قوم نوح وهلم، ثم قال لنبيه (اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد) فأمره بالصبر على إذاية الكفار، وذكر قصصا للأنبياء داود وسليمان وأيوب، وصبروا حتى فرج الله عنهم وكان عاقبتهم النصر. وبدأ بداود، لمناسبة سنبينها، ووصفه بالأيد أي القوة في الدين والصدع بأمر الله، والطاعة لله، مع قوة لدنه أيضا .. وذكر قصة الخصومة ليبين مدى صبره على جفاء قومه، فهذان خصمان إسرائيليان، مختلفان في غنم بينهما، تسورا عليه المحراب فأفزعاه، ولم يأتيا من الباب، وهذا جرم يستحقان عليه العقوبة، لكنه صبر ولم يعاقبهما.
ثم خاطباه بلهجة جافة (فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط) أمراه بالحكم بالحق، ونهياه عن الجور، وهذه قلة أدب يستحقان العقوبة عليها، لكنه صبر، ولم يعاقبهما. بل حكم بالحق، لأنه معصوم، لا يحكم بالجور، ولهذا أعطاه الله رتبة الخلافة عنه (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض) والخلافة أعلى من الملك.
وحصل مثل هذا للنبي صلى الله عليه وسلم.
ناداه جفاة من الأعراب : يا محمد اخرج إلينا، فصبر على جفائهم. ولكن الله أنزل في ذمهم (أن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون).
وحكم بين الزبير وخصمه وهو أنصاري، في شراج الحرة، فتمخط الأنصاري حكمه، وقال. إن كان ابن عمتك، فصبر على قلة أدبه. ولكن الله أنزل في حقه (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجسدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما).
أما فتنة داود فتكمن في قوله تعالى (ففزع منهم) أي خاف. والخوف طبيعة بشرية، فقد خاف موسى وهرون وغيرهما. لكن داود ظن أن خوفه من الخصمين وهو في عبادة الله، وفي حضرته، فتنة أي امتحان ظهر فيه تقصيره، فاستغفر ربه عن التقصير الذي ظنه وخر راكعا وأناب.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "أنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة"
هذا ما رأيته في تعيين فتنة داود، بعد مراعاة السياق.
وفي تعيينها رأيان آخران :
أحدهما للإمام الرازي، قال في تفسيره : روى أن جماعة من الأعداء، طمعوا في أن يقتلوا داود عليه السلام وكان له يوم يخلو فيه بنفسه، ويشتغل بطاعة ربه. فانتهزوا الفرصة في ذلك اليوم، فخافوا فقالوا كذبا : خصمان بغى بعضنا على بعض، فلما علم بقصدهم، دعاه الغضب إلى أن ينتقم منهم، لكنه مال إلى الصفح والتجاوز عنهم، فكانت هذه الواقعة هي الفتنة. أو أنه ظن أنهم أرادوا قتله، ولما لم يتحقق ظنه، كان ذلك فتنة. فاستغفر منه أهـ ملخصا.
والآخر لأبي حيان، قال في البحر المحيط : والذي نذهب إليه ما دل عليه ظاهر الآية من أن المتسورين المحراب، كانوا من الإنس، دخلوا عليه من غير المدخل، وفي غير وقت جلوسه للحكم، وأنه فزع منهم ظنا أنهم يغتالونه، إذ كان منفردا في محرابه، لعبادة ربه. فلما اتضح له أنهم جاءوا في حكومة، وبرز منهم اثنان للتحاكم، كما قص الله تعالى، وأن داود عليه السلام ظن دخولهم عليه في ذلك الوقت، ومن تلك الجهة إنفاذا من الله له أن نغتالوه، فلم يقع ما كان ظنه. فاستغفر من ذلك الظن حيت أخلف، ولم يقع مظنونه، وخر ساجدا ورجع إلى الله تعالى، فغفر له ذلك الظن، ولذلك أشار بقوله (فغفرنا له ذلك) ولم يتقدم سوى قوله (وظن داود أنما فتناه) ويعلم قطعا أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الخطايا لا يمكن وقوعهم في شيء منها. ضرورة أن لو جوزنا عليهم شيئا من ذلك، بطلت الشرائع، ولم نثق بشيء مما يذكرون أنه أوحى الله به إليهم. فما حكى الله في كتابه يمر على ما أراده تعالى، وما حكى القصاص مما فيه غض من منصب النبوة طرحناه أهـ.
ولو كانت فتنة داود، ما ذكره المفسرون، لزم على ذلك مفاسد :
1- أنه ليس في سياق الآيات ما يدل عليها، أو يرشد إليها.
2- أن قصة الخصومة، تفيد أنه وقع في حب امرأة، وحاول انتزاعها من زوجها. وهذا ضعف في الإرادة، وخور في العزيمة، ينافي ثناء الله عليه بأنه ذو الأيد أي القوة.
3- أن الله تعالى قال لنبيه (اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد) وما كان من داود إلا الصبر على عبادة الله، وعلى جهالة قومه. لا حب امرأة، ومحاولة انتزاعها من زوجها. فكيف أقحم هنا ؟!
4- أن يكون الله أمر نبيه بالاقتداء بداود، في حب النساء والافتتان بهن !!!
5- أن الملائكة كذبوا في ادعاء خصومة لم تقع. مع أنهم معصومون. ودعوى أن ذلك كان منهم على سبيل التمثيل، مردودة بأنه يجب نصب قرينة على ذلك، ولا قرينة في سياق القصة إطلاقا.
6- وبالجملة فما ذكر المفسرون في فتنة داود عليه السلام، كله مأخوذ من الإسرائيليات التي نهينا عن تصديقها، لا سيما إذا كان فيها ما يمس مقام الأنبياء، ويخدش عصمتهم.
وكذلك فعلوا في تفسير قصة هاروت وماروت ويوسف وأيوب وسليمان، ذكروا فيها إسرائيليات، ملأى بالخرافات.
ولا يغرنك نقلها عن كثير من التابعين، مثل الحسن ومجاهد وأبي الجلد والسدي ومقاتل والكلبي وأبي صالح وسعيد بن جبير وعكرمة وأبي عمران الجوني وغيرهم. فإن هؤلاء يأخذون عن الإسرائيليات، على سبيل الموعظة والتذكر. وأخذ عنهم مثل ابن المبارك وأحمد وابن أبي حاتم وابن جرير وأضرابهم.
وامتلأت كتب التفسير والزهد والرقاق بالإسرائيليات حتى اشتبه الأمر على بعض الضعفاء في الرواية فرفعوا منها أحاديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم. كما أن قصة هاروت وماروت مع أناهيد التي أحبها وفي سبيل الوصول إليها شربا الخمر وعلماها الاسم الذي يطلعان به إلى السماء، بطلبها، فطلعت إلى السماء، ومسخت هناك، وهي الآن الزهرة.
فهذه الخرافة منقولة عن الإسرائيليات، ورفعها بعض الرواة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واغتر بعض الحفاظ بنظافة سندها، فصححها حديثا نبويا مرفوعا، ولم يتنبه لما فيه من علل تقضي بعدم صحته، والكمال لله تعالى.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here