islamaumaroc

أعلام الأندلس: القاضي أبو بكر ابن العربي (468-543 ه) -15-

  دعوة الحق

192 العدد

 (ز) – في اللغة والأدب :
وإلى جانب كون ابن العربي مقرئا مفسرا، وفقيها محدثا، وأصوليا جدليا، ومتكلما فيلسوفا، ومربيا معلما؛ - كان نحويا لغويا، وأديبا شاعرا (1).
وليس على الله بمستنكر
      أن يجمع العالم في واحد
ومن رجالات اللغة والأدب الذي أخذ عنهم بالمشرق، الإمام أبو بكر التبريزي تلميذ أبي العلاء المعري، سمع عليه دواوين اللغة والشعر، كان يحضر عنده ببغداد وهي تقرأ عليه(2) .
وابن العربي كان ميالا للأدب منذ حداثة سنه، يحفظ الشعر، ويدرك مراميه وحكمه؛ - حدث أن تكسر بهم المركب- وهم في طريقهم إلى المشرق- على مقربة من برقة، فرمى بهم البحر إلى بيوتات بني كعب بن سليم- على ساحل ليبيا(3)، فألفوا الأمير وصحبه في لعبة الشطرنج؛ وكان للفتي (ابن العربي) حذاقة في هذا الفن، فقربوه إليهم، واعجبوا به؛ وقد أنشد ابن عم الأمير –وهو يدبر بيادقه- قول المتنبي :
وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربه
      وفي الهجر فهو –الدهر- يرجو ويتقي
وقال: لعن الله أبا الطيب، أو يشك الرب؟ فانبرى له الفتى وقال : ليس كما ظن صاحبك – أيها الأمير، إنما أراد بالرب –هنا – الصاحب، يقول : ألذ الهوى ما كان المحب فيه الوصال، وبلوغ الغرض من الآمال –على ريب، فهو في كله على رجاء لما يؤلمه، وتقاة لما يقطع به؛ - كما يقول :
إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضى
      فأين حلاوات الرسائل والكتب (4)  ؟
67- ومن مؤلفاته ابن العربي في هذا الباب حواشي(5) على شرح ابن السيد لديوان أبي العلاء (سقط الزند)، ولعلها أول ما كتب ابن العربي؛ وقد
انتقد فيها ابن السيد؛ وصحح أخطاء وقع فيها، منها ما يرجع إلى الرواية الصحيحة في شعر أبي العلاء، وقد اعتمد ابن العربي رواية التبريزي الإمام الحجة. ومنها ما يرجع إلى الوزن، وقد جاءت أبيات مكسورة لا يستقيم لها وزن. ومنها ما أوغل فيه من مذاهب الفلاسفة والمتكلمين – وما كان أغناه عن ذلك ! إلى جانب ما شان النسخة من تحريف أفسد المعنى في كثير من الأبيات.
وقد رد ابن السيد هذه المآخذ كلها – في رسالة أسماها "الانتصار" جاء في مقدمتها : (... وقد وجد (ابن العربي) في الشرح أبياتا قد أفسدها ناسخ الديوان، بالزيادة والنقصان، ونبت العين عما كان فيها من الشين؛ فنبه عليها في طرر الكتاب، وبين فيها وجه الصواب، وكذلك وجد لحان من الناسخ في بعض الأحرف، فظنه من قبل المؤلف المصنف، كما وجد بعض خلاف في الألفاظ، ورواية الأبيات، فأثبته في هامش الكتاب كذلك...)(6) .
فابن السد – كما ترى- يحاول أن يرجع أكثر من وجه إليه من نقد إلى تحريف الناسخ، أو اختلاف في أوجه الروايات؛ لكن أحد تلاميذ ابن العربي – وهو أبو عبد الله بن خلصة تصدى له، وألف رسالة في الرد عليه – منتصرا لأستاذه ابن العربي؛ قال ابن الآبار : وهي من أجود الرسائل، وقد حملت عنه(7) .
68- اختصار إصلاح المنطق –لابن السكيت، ومر آنفا أن ابن العربي سمع على التبريزي – بعض دواوين اللغة، منها إصلاح المنطق بشرح التبريزي نفسه(8) .
69- ملجنة المتفقهين، إلى معرفة غوامض النحويين((9).
70- إلجاء الفقهاء، إلى معرفة غوامض الأدباء(10).
71- "لمحة البارق، في تقريظ لواحظ السابق" –وهي رسالة عارض بها رسالة "الساجع والغريب" –لأبي القاسم الكلاعي، وهي من نوع الموري، وهو أسلوب من أساليب النثر الفني، بكون ظاهره خلاف باطنه(11).
82- أخبار سابق البربري(12) .
-83- كتاب شعراء الأندلس(13) .
- أما عن شاعرية ابن العربي، فهو معدود من الشعراء المجيدين، وشعره مبثوث في كتب السير والتراجم؛ ولنقتصر في هذا العرض المقتضب على نماذج منه :
- يحدثنا ابن العربي عن بعض محاوراته مع أدباء عصره فيقول : دخل علي الأديب ابن صارة وبين يدي نار علاها رماد، فقلت له : قل في هذه، فقال :
شابت نواصي النار بعد سوادها
      وتسترت عنا بثـــوب رمـــاد

ثم قال : أجز، فقلت :
شابت كما شبنا وزال شبابنا 
      فكأنما كنا على ميعـــاد(14)

ومن شعره – وقد ركب مع أحد أمراء الملثمين، وكان ذلك الأمير صغيرا، فهز عليه رمحا كان في يده مداعبا :
يهز على الرمح  ظبي مهفهف
      لعوب بالباب البريــة عابـث
ولو كان رمحا واحدا لاتقيته
      ولكنه رمح وثان وثالث(15)

قال المقري : وقد اختلف حذاق الأندلس من أهل الأدب في معنى الرمح الثاني والثالث، فقيل : القد واللحظ، وقيل غير ذلك(16) .
ومن ألطف ما قال – وقد كتب كتابا فأشار عليه بعض من حضر أن يتربه، فأجابه في الحين (مرتجلا) - :
لا تشنه بما تذر عليه
      فكفاه هبوب هذا الهواء
فكان الذي يذر عليه 
      جذري في وجنة حسناء(17)
- وله- وهو معنى بديع :
أتتني تؤنبني بالبكا
      فأهلا بها وبتأنيبها
تقول –وفي نفسها حسرة
      أتبكي بعين تراني بها
فقلت إذا استحسنت غيركم
      أمرت جفوني بتعذيبها(18)

وقال في الصديق الوفي :
من لي بمن يثق الفؤاد بوده
   وإذا ترحل لم يزغ عم عهده(19)

- ومن قصيدة له مطولة يخاطب بها إخوانه ببغداد :
صبرت وصبري في المملات أعجب
      وللصبر في ظهر النوائب مركب
ذكرت اصطباري في المملات عدة
      وملجأ من فات الطيب التطيب

إلى أن يقول :
سلام على بغداد في كل منزل
      وحق لها مني السلام المطيب
فوالله ما فارقتها عن قلبي لها
      وكيف ولي فيها مجال ومرحب
وكانت كحب كنت أهوى وصاله
      وإنصافه يدنو به ويقرب
ولكنها الأقدار يوما إلى الفتى
      بما ظل يهواه ويوما تنكب(20)

وقال من قصيدة أخرى :
أمنك سرى والليل يخدع بالفجر
      خيال حبيب قد حوى قصب الفجر
جلا ظلم الظلماء مشرق نوره
      ولم يخبط الظلماء بالأنجم الزهر
ولم يرض بالأرض البسيطة مسحبا
      فسار على الجواز إلى فلك يجري
وحث مطايا قد مطاها بعزه
      فأوطأها فسرا على قنة النسر
فصارت ثقالا بالجلالة فوقها
      وسارت عجالا تتقي ألم الزجر
وجرت على ذيل المجرة ذيلها
      فمن ثم يبدو ما هناك لمن يسري
ومرت على الجرباء توضع فوقها
      فآثر ما مرت به كلف البدر

حتى يقول :
سقى الله مصرا والعراق وأهلها 
      وبغداد والشامين منهمل القطر(21)
وله في المسجد الأقصى : 
      أما والمسجد الأقصى
وما يتلى به نصا
      لقد رقصت بنات الشوق بين جوانبي رقصا(22)

وقال من قصيدة له في معارضة ابن حزم الظاهري :
قالوا الظواهر أصل لا يجوز لنا
      عنه العدول إلى رأي ولا نظر
قالت اخسئوا فمقام الدين ليس لكم هدي العظائم فاستحبوا من الوتر23 (23)الخ

- ومن شعره الإلاهي :
إليك إله الخلق قاموا تعبدا
      وذلوا خضوعا يرفعون لك اليدا
بإخلاص قلب وانتصاب جوارح
      يخرون للأذفان يبكون سجدا
نهارهم صوم، وليلهم دعا
      وأخراهم رعي، ودنياهم سدى(24)

- وقال من قصيدة أخرى :
كن للإله كما كان لك
      ولا تبتهل بمدار الفلك(25)

- ومن ذلك ما نسبه إليه الشيخ أبو حيان :
ليت شعري هل دروا
      أي قلب ملكوا
وفؤادي لو درى
      أي شعب سلكوا
أتراهم سلموا
      أم تراهم هلكوا
حار أرباب الهوى
      في الهوى وارتبكوا(26)

والصواب أنها من نظم الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي، وهي ثابتة في دواوينه (ترجمان الأشواق)(27) .
هذا، ونثر القاضي أبي بكر العربي –(الفني) لا يقل عن شعره، فهو في المستوى الرفيع؛ ومر آنفا –في جملة مؤلفاته- "لمحة البارق، في تقريظ لواحظ السابق" –وقد جاء فيها قوله : (...وقد كان بالمشرق باخرة، من جعل هذا الفن مفخرة، فلله –أخي- صابره فاقبره؛ فإن ذلك اقتصر على المسألة والجواب، وهذا تفنن في جمل من الأبواب، وأكثر فما عدم السداد والصواب ..)(28) .
وذكر له صاحب "أحكام الكلام" –خطبة من نوع السجع المشكل –وهو ما يأتي متفق اللفظ، مختلف المعنى، وربما أشكل؛ وقد افتتحها بقوله : "الحمد لله مودع الأشياء بين الكاف والنون،
المسبحة له البحار والنون(29)؛ الواحد الذي لا تجد له ضريبا، والمنزل من خلال المزن ضريبـــــــا(30)؛ الذي كشف الخطوب الكامنة وأبان، وأوضح لأوليائه طريق الهداية وأبان، وسبحت بحمده هضبات متعال وابان(31)؛ أحمده ما لاح في الأفق وفرقد، ورتع ظليم على البسيطة وفرقد ...)(32 ).
وهي طويلة نكتفي منها بهذا القدر(33 ).
على أننا نجد في ثنايا كتبه من النثر المسجوع، ولا سيما في مقام التذكير :
(... فكيف تكون داعيا، وأنت في المعاصي ساعيا؛ أم كيف تكون مضطرا، وأنت للمخالفات، وهتك الحرمات –مختارا؛ أم كيف تدعوه مظلوما وأنت ظلمت، فإن أجبت في غيرك، أجيب فيك غيرك ...)(34 ).
وأدب ابن العربي في حاجة إلى دراسة خاصة، وأرجو أن تتاح لي الفرصة للعودة إلى الموضوع مرة أخرى.

(1) – انظر المطمح ص 72، والمغرب 1/ 255، والفكر السامي 4/56.
(2) – انظر فهرسة ابن خير ص 415-416.
(3) – انظر تاريخ ابن خلدون 6/144.
(4) – انظر قانون التأويل (مخطوط خاص)، والنفح 2/32، وأزهار الرياض 3/90.
(5) – انظر فهرسة ابن خير ص 419.
(6) – انظر مقدمة كتاب "الانتصار" بتحقيق الدكتور حامد عبد المجيد، والحركة اللغوية في الأندلس – للبير حبيب مطلق ص 286.
(7) – انظر التكملة ص 160
(8) – انظر فهرسة ابن خير ص 415-416.
(9) – انظر العارضة 2/47، والأحكام 1/67؛ 91، 227، 236، 250، 276، 284، وج 2/67.
(10) – انظر الأحكام 2/317.
(11) – انظر أحكام صنعة الكلام ص 190- تحقيق رضوان داية.
(12) – انظر فهرسة ابن خبير ص 407.
(13) – انظر الأعلام لعباس بان ابراهيم 4/97 –نشر المطبعة الملكية.
(14) – أزهار الرياض 3/83، والفتح 2/31، وانظر الحلة السيراء 1/6-7.
(15) – المغرب 1/255.
(16) – انظر أزهار الرياض 3/89.
(17) – المغرب 1/255، وانظر الابتهاج للبلغيثي 1/256.
(18) – أنظر أزهار الرياض 3/88، والنفح 2/30.
(19) – انظر الأحكام 2/116، والفكر السامي 4/56.
(20) – انظر بغية الملتمس ص 84.
(21) – انظر المطمح ص 72-3، والنفح 2/34، والأزهار 3/93.
(22) – انظر النفح 5/338.
23 – انظر العارضة 10/114.
(23)
(24) – انظر بغية الملتمس ص 86-87، والتكملة 2/565- طبع مجريط
(25) – انظر العواصم من القواصم ص 92-93.
(26) – انظر النفح 2/43.
(27) – انظر ص11.
(28) – انظر أحكام صنعة الكلام –لأبي القاسم الكلاعي ص 190.
(29) – النون الثانية : الحوت.
(30)– ضريبة الثانية : الثلج.
(31)– وأبان الأخيرة : جبل أسود.
(32) – فرقد الأولى : النجم، والثنية : البقرة أو الوحشي منها.
(33) – انظر أحكام صنعة الكلام ص 247.
(34)– انظر العارضة 3/120.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here