islamaumaroc

خطاب جلالة الملك نصره الله في افتتاح الدورة الحالية لمجلس النواب.

  دعوة الحق

192 العدد

** في هذا الخطاب الذي افتتح به جلالة الملك الدورة الجديدة لمجلس النواب لهذه السنة نقف على توجيهات ملكية سديدة مستمدة من روح التشريع الإسلامي ومنهج الحكم في الإسلام على نحو يمكن أن نقول عنه أنه درس في السلوك السياسي الإسلامي دونه كل درس.
لقد بدأ المغرب مرحلة جديدة من الحياة الديمقراطية والشورى والعدالة الاجتماعية قوامها التعبئة والتكافل والتآخي والوحدة الوطنية والإجماع العام على الدفاع حتى آخر رمق عن حقوقنا المكتسبة وسيادتنا الوطنية وصحرائنا المحررة ...
في هذا الخطاب الملكي السامي –على قصره- يجد القارئ مفاتيح لفهم الأسلوب المغربي في العمل السياسي بعيدا عن الديماغوجية والهراء والمزايدة واستثمار معاناة الشعب. وهو أسلوب نأخذ به جميعا، ونغض عليه بالنواجد، ولا نرضى بغيره بديلا.
ويسرنا أن ننشر النص الكامل للخطاب الملكي الهام :
 حضرة الرئيس حضرات السادة النواب .. في السنة الماضية اقتبست خطابي من آية قرآنية. وقد حاولت اليوم أن أقتبسه مرة ثانية من الآية القرآنية.
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز : "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون".
وإنني لأعتبر هذه الآية وكأنها أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم لتكون لكم نبراسا وتكون لكم من معالم الطريق التي عليكم أن تسلكوها. فأنتم المنتخبون مهمتكم المراقبة. ولكن يا ترى من سيراقب المراقبين ؟ : الله ورسوله والمؤمنون. فمراقبة الله لكم سبحانه وتعالى هي مراقبة الضمير حينما يرجع كل واحد منكم إلى بيته، وحينما
يتساءل هل أديت الأمانة ؟ وهل قمت بالواجب ؟ وهل كنت في مستوى الثقة الموضوعة في ؟ بل هل كنت أمينا عندما شرحت أو بينت أو فسرت مطالب الذين انتخبوني واختاروني ؟ هذه مراقبة الله بمعنى مراقبة الضمير، فسيرى الله عملكم ورسوله أو خليفة رسوله الله صلى الله عليه وسلم، ألا وهو المسؤول الأعلى في قمة المسؤوليات في البلاد. وهكذا يتحقق ما قلت لكم دائما كجهاز تشريعي أو تنفيذي. إن فصل السلط ضروري وواجب، ولكن لا يجب أن يفهم في المستوى الأعلى للمسؤولية.
فمراقبة من استخلفه الله في الأرض ليكون خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم واجبة على السلطة التنفيذية ولا على السلطة التشريعية.
"وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" المؤمنون هم الجماعة التي شخصت مشاكلها ضيقة كانت أم كبيرة، محلية كانت أو شمولية، خاصة كانت أو عامة. مسؤولية الذين وضعوا ثقتهم ووضعوا آمالهم ووضعوا مسؤولية النصح بين أيديكم.
وهكذا نرى أن في كتاب الله العزيز، أن كل من قلده الله مسؤولية تشريعية كانت أم تنفيذية، لا بد أن يخضع إلى مراقبة. مراقبة الله، ثم مراقبة من ولاه الله على أمور المسلمين، ثم مراقبة المنتخبين، وهذه المراقبة لا يمكن أن تكون ذات جدوى إلا إذا كان موضوعها معروفا وملموسا، مراقبة أي شيء، مراقبة أي إنجاز، مراقبة أي هدف.
إن المشكل الأساسي لكل دولة اليوم، ونحن في منعطف الطرق، سواء كانت دولة نامية أو في طريق النمو هو أن تختار بكل علم وتمحيص ومعرفة بالعناصر، أن تختار مجتمعها، وماذا تريد أن يكون من مجتمعها، في المستقبل.
إننا ولا نخفي عليكم، إذا بقينا سائرين على ما نحن سرنا عليه، سوف نرى مجتمعنا متفككا بين ضعيف كل الضعف وبين غني وقوي كل الغنى والقوة. وذلك التفكك سيخلق فجوة ثم تصبح الفجوة هوة، ثم ينقلب الأمر إلى ميز طبقي لم تكن بلادنا لتعرفه لا في الماضي البعيد ولا في الماضي القريب. مجتمعنا كلما زدنا سنة أو سنتين نرى أن أسفله يزيد ابتعادا عن أعلاه، وذلك لأننا حينما نضع القوانين تكون نياتنا صافية. ولكن حينما نريد أن نطبق تلك القوانين نخضع لرغبة فلان وتدخل فلان وللمحسوبية وللحزبية ولعدة عناصر ما جعل الله منها عنصرا حيا وجديا في كل دولة أرادت أن تبني مستقبلها بكيفية عادلة حتى تصبح سعيدة.
يرمينا البعض أننا نعيش في مجتمع استهلاك، وكأنه بذلك يجعلنا في ضفة ويجعل آخرين في ضفة أخرى. أظن أن هذا كله غلط وتغليط. فحتى الدول الاشتراكية إذا كانت مخلصة مع نفسها، وإذا كانت تخطيطاتها قيمة وصحيحة، وإذا كان إنجاز تلك التخطيطات يسير حسب المبتغى، لا بد أن تصل بمجتمعها إلى مجتمع استهلاك. فإما تخون شعوبها، وذلك باحتكار الرفاهية على طائفة من شعوبها دون طائفة فلا تصبح لا ديمقراطية ولا اشتراكية، ولكن تصبح فاشيستية، حيث إنها تكدس كل ما كسبت وكل ما أنجزت لفائدة الحاكمين دون المحكومين. وأما أن تريد أن تذر خير منجزاتها ومخططاتها على جميع السكان وستصبح بذلك بعد عشرين سنة أو ثلاثين سنة، -فالزمن هنا ليست له قيمة – ستصبح يوما ما هي نفسها مجتمعا استهلاكيا.
فإذن إذا نحن وضعنا من جهة أن وسائل الانجاز أصبحت أقوى من ذي قبل، وأن وسائل الفلاحة سواء بالآلات أو بالأسمدة أصبحت تجعل الأرض تعطي أضعاف ما كانت تعطي، وإذا نحن زدنا على هذا أنه بأقل من خمس ساعات في اليوم من العمل يمكن للبشر أن ينتج الطاقة الفعالة المنشئة الخلاقة، وجدنا أن كل مجتمع أراد أن ينهض وكل مجتمع أراد أن ينهض بجد دون غش ودون احتكار الخيرات لطائفة دون طائفة عليه أن يعلم أنه سيصبح في نجتمع استهلاك. ومجتمع الاستهلاك إذا كان مجتمعا يكرم الشخص البشري ويشخص ما وصل إليه بنو الإنسان من العلم والمعرفة، إذا كان مجتمع الاستهلاك يظهر آية من آيات الله في خلقه، وذلك بإعطائه من سلطان العلم بإرادة الله ليتجنبوا ما ينتجون ويتقنوا ما هم أتقنوا، عليهم أن يعلموا في آن واحد المخاطر التي تحدق بذلك المجتمع وبتلك المنجزات وبذلك التقدم.
وأظن أننا إذا أردنا أن ننظر يمينا وشمالا وبحثنا، جديا في الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية
ولا أقول الاقتصادية والاجتماعية بل أربطها، الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية التي تحيط بنا في الدول العظمى وفي القارات المتقدمة، نرى أن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تضرب الرقم القياسي في ذلك الفرق بين الغني والفقير، فلا أقرب في أي دولة أخرى من غني وفقير إلا في الولايات المتحدة الأمريكية. فدخل الفقير منهم ودخل المتوسط أو الغني كأنهم توأمان. ونرى في دول أخرى أن الفرق بين الغني والفقير كأنهما ضفتان لا ضفتا نهر بل ضفتان تلك الضفتان اللتان تحيطان بالمحيط الأطلسي.
إذن النتيجة من هذا كله هو أن التقدم الاقتصادي والعدالة الاقتصادية لا يمكن أن يكونا موجودين إلا في عالم تسوده الحرية وتهيمن عليه الديمقراطية، لأن الحرية تمكن كل واحد من اختيار أحسن الطرق، والديمقراطية تعطي حتى للقليل الضعيف حق التعبير وحق تصوير مشاكله وعرضها على المسؤولين، ومن جملة المسؤولين أنتم حضرات السادة المنتخبين. أنتم الذين تحت مراقبة الله ورسوله ومراقبة المؤمنين.
لذا سنعرض عليكم قريبا خطتنا الثلاثية ولن يمضي عليها بضعة أيام حتى نعرض عليكم القانون المالي للسنة المقبلة.
وضعنا هذا التخطيط ووضعنا هذا القانون وحاولنا أن نعطي لكل واحد منهما الصبغة الفنية التقنية صبغة الأرقام التي سوف تسهل عليكم الاختيارات. ولكن الصيغة النهائية. الصيغة التي ستطبع في الجريدة الرسمية، الصيغة التي سيقرأها القارئون ويحللها المحللون في العالم أجمع ليروا ويفهموا من خلال القانون المالي ما هي فلسفتنا ؟ وما هي أهدافنا؟. وماهي الأخطار الطبقية ؟. وأؤكد على هذه الأخطار الطبقية التي نريد أن نتجنبها، تلك الصيغة هي بيدكم فحاولوا إذن أن تكونوا كما قلت لكم في السنة الماضية –أمة وسطا- حاولوا أن تجمعوا بين الضرورة والفضيلة، وحاولوا أن تجعلوا الأمل يتساكن مع الممكن.
حاولوا أن تجعلوا من الحاجبات ومن المؤملات توأمين يعيشان في سلم اجتماعية واقتصادية، وقبل كل شيء فكرية وسياسية، ولا سيما أنني وفي هذا اليوم، يوم الجمعة، ولو كان في الإمكان أن يسمى أو يعطى اسم ليوم افتتاح البرلمان لسميته "عيد الوعي والمسؤولية". ففي هذا اليوم الذي هو في نفسي وفي قرارة نفسي ووجداني أحس به إحساسا وشعورا عميقا بأنه عيد المسؤولية وعيد الوعي، يسرني أن أقول لكم أن الله سبحانه وتعالى حينما وضع أمامنا اختيارات وبالتالي مشاكل –وهنا نرى جلاله- وضع أمامنا آمالا حقيقية محسوسة علمية. وهذا هو جماله، من أنه سبحانه وتعالى في الأشهر الثلاثة من السنة المقبلة سيدفق علينا خيراته المعدنية من النفط وغيرها.
وهكذا يمكنني أن أقول لكم : أن يوم ثالث مارس المقبل إن شاء الله يوم عيد العرش –سنكون بعد باسم الله الرحمان الرحيم، سنكون قد وضعنا أول معول في الأرض وسنكون قد استخرجنا منها ما أعطانا الله كميات نفطية أقل ما يمكن أن يقال عنها، والأقل وبالتشاؤم الأكبر، أنها سوف تسد ولا شك حاجياتنا وحاجيات الاستهلاك الداخلي.
أما فيما نحن اكتشفنا أكثر فإنني أرجو منكم أن تحلموا معي شيئا ما، وفي بعض الميادين الحلم واجب، فلنفرض أننا وجدنا من الكميات ما يكفينا وما سيمكننا من التسويق فانظروا إلى الخريطة فيمكننا أن نقول أن المغرب حر ونفطه حر سيكون نفطا حرا من الناحية الاستراتيجية والجغرافية، حر بالنسبة للتسويق، إما لأوربا أو لأمريكا.
فعليكم حضرات السادة أن تتصوروا هذه الصورة وتخيلوا فإذا لم تقع فسنكون قد قضينا مدة سعيدة مع خيال سعيد وأن هي حقيقة أصبحت سوف لن نفاجأ بوسائل كبيرة وتفكير قصير، لذا حضرات السادة أريد أن تروا مستقبل المغرب وبالأخص أن تنظروا إلى هذه السنة بالنظرة الآتية :
حملة فلاحية تقنية وعلمية نتمكن من استغلال أرضنا استغلالا كاملا كانت أمطار كافية أم لا، وهذا في الإمكان إذا نحن استعملنا ما يسمى "دراري فارمر" وانظروا بعد ذلك إلى شهر مارس وانتظروا ما سيأتي به الله فإذا نحن جندنا أنفسنا للعمل الحقيقي ووطدنا عزائمنا لاستقبال ما سنستقبل من الوسائل ولكن كل وسيلة هي في الحقيقة عبء، فلا يعني أن الوسائل أو الأرزاق هي بمثابة لعبة الأرزاق والغنى عبء وخطر في آن واحد، عبء لأن علينا أن نعرف كيف نصرف خيراتنا، وخطر لأن الحساد كثيرون، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "الله أكثر حسادنا".
أظن أنه من الأطناب أو الحشو أن أخاطبكم في مشكل سيادتنا وحرمة ترابنا وقداسة حدودنا فإنني أعلم أنه لا يوجد أي مغربي مغربي كيف ما كان لا يعطي لهذه القضية أهميتها القصوى وخطورتها المستمرة لأن الخطورة، خطورة حدود المغرب سوف تكون خطوة مستمرة نظرا لموقعه الجغرافي، نظرا لبوغاز طارق نظرا لطول شواطئه، نظرا لخيراته، نظرا لتنوع طاقاته : بترول أو يرانيوم من الفسفاط.
لا تنسوا أن مسقلة ربما أصبحت أكثر من خريبكة من ناحية كمية الفوسفاط، لا تنسوا أن مدخراتنا لاستخراج 25 مليون طن سنويا ستمكننا من أن نستخرج الفوسفاط فوق الألف و 600 سنة لا تنسوا أن ذلك الفوسفاط يعطي اليورانيوم في آخر التفاعلات، لا تنسوا أن الفوسفاط في آن واحد يذر الخير في الأرض ويخرج اليورانيوم، لا تنسوا أن النفط سينقضي وأن الفوسفاط سيبقى.
هذه كلها عناصر تفسر ما قلته لكم من أن المسؤولية جسيمة والخطورة مستمرة، فإذن ماذا هو عملكم وعملنا جميعا ؟ عملكم وعملنا جميعا أن تكون في تفكيرنا وسلوكنا مع أصدقائنا مع الجماهير مع أبنائنا مع أسرنا بمثابة الأستاذ الملقن الذي يلقن الدرس، درس الحذر درس اليقظة، درس الروح المجندة صباح مساء و  مساء صباح.
إن الأرض يوما ما سوف تضيق على الناس بما رحبت وسوف ترجع البشرية أو بنو الإنسان إلى ذلك التفاعل البيولوجي الذي يجعل من الحروب ضرورة من الضروريات العالمية، فعلى المغرب في ذلك الحين أن يبقى تلك القلعة، القلعة الفلسفية قلعة التمدن، قلعة المدنية، قلعة المدرسة المحمدية النبوية، تلك التي تعلمنا فيها، "أدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم". تلك القلعة التي في التشكيلات تكون متمدنة أكثر ما يمكن ولكن حينما تصل الأمور إلى العمق وإلى الكيان وإلى الكنه لا تتراجع ولا تعرف النكسة ولا تعرف التنكر لمبادئها ..
ونصيحتي لكم في هذا الباب جميعا، إذا أنتم وجدتم شيئا ما من الوقت أن تقرأوا كيف كانت مفاوضة النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، وما تحمله من التشكيلات دون أن يخل ولو بنقير قطمير بما كان على عاتقه من مسؤوليات وواجبات.
فإذا أنتم طالعتموها وتشبعتم بها سوف أجد فيكم كلكم وزيرا للخارجية يعمل في حزبه وفي شعبته وفيا الحقل الدولي وفي أصدقائه في الخارج.
حضرات السادة : ربما أطلت عليكم ولكن حاولت أن أجعل من حديثي هذا حديثا مبنيا على أخلاق، أخلاق معاملات، وعلى حقائق وأرقام وعلى آمال وعلى مخاوف.
حاولت إذن أن أجمع في كلمتي العالم الذي نعيشه : الحقائق، المعاملات، الأحلام، الحقائق، المخاوف. هذا عالمنا منذ أن خلق الله البشرية.
أملي في الله سبحانه وتعالى أن يجعل منكم أولئك الأبناء البررة الذين إذا هم وقفوا أمام مواطنيهم المؤمنين أو أمام خليفة رسولهم أو أمام ربهم أن يكونوا فرحين سعداء بما عملوا وبما رآه الله ورسوله والمومنون والسلام عليكم ورحمة الله.
العدالة الاجتماعية لن تقوم إلا في عالم تسوده الحرية وتهيمن عليه الديمقراطية.     

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here