islamaumaroc

الشعر

  دعوة الحق

24 العدد

إما وأنه لا مفر من تلبية رغبة رئيس تحرير مجلة «دعوة الحق» في التعليق على الشعر المنشور في ديوان المجلة بالعدد الماضي –فإننا قبل كل شيء في حاجة إلى إلقاء نظرة عامة يدخل في نطاقها : أولا هذا المنهج الذي سارت عليه المجلة في تقديم الشعراء ونقد إنتاجهم.. ثانيا نوع الطائفة المعروضة علينا.. ثالثا الميزان الذي يجب أن نحتكم إليه عند التحدث على هؤلاء..
فنقول إن «دعوة الحق» جعلت من جملة أهدافها العناية بشؤون الثقافة والفكر بالإضافة على رسالتها الأولى المنصبة على الدراسات الإسلامية وإصلاح المجتمع بصفة عامة.. ولا شك أن الشعراء يلعبون دورا هاما في المجتمع من حيث التوجيه والتثقيف.. فإذا فسحت لهم المجلة ميدانا من ميادينها واهتمت بإنتاجهم تنشره وتنقده فإنها سارت على خطتها المرسومة.. ومع ذلك أرى أنه ليس من الأنسب فتح باب دعوة الحق على مصراعيه لكل من هب ودب ولكل إنتاج كيفما كان موضوعه ولو أنه لا يمت إلى رسالة المجلة بسبب.. فأقترح أن يفحص هذا الإنتاج فحصا دقيقا –علميا وأدبيا- قبل أن يرمي به إلى لهاة المطبعة.. إذ أن هذا الفحص خليق بتحقيق غرضين : بقاء المجلة في مستواها العالي.. وفي نفس الوقت يحفز همم الفئة الناشئة لتجود إنتاجها وتنقح أساليبها وتخلق فنا خاليا من لغط القول وسقط الكلام.. حتى إذا ما عرض على محك البحث والنقد خرجت عصارته صافية قليلة النفاية.. أقول هذا وأنا أتتبع بكل اهتمام ما تنشره المجلة من الإنتاج الأدبي ومن تعرض النقاد له أما بالتجويد أو التزييف فكنت ألاحظ عند البعض طابع السرعة وعند البعض الآخر حالة الاكتفاء بما حضر.. وتكرر هذا مرارا.. مما أدى بمعظم المنتجين إلى البقاء في وضعهم العادي.. وبجل النقاد إلى المسألة والمجاملة.. وأنا بدوري –بحكم هذه السنة المتبعة- سائر على نفس المنوال بالقدر المحمود..
وطائفة الشعراء التي نحن بصددها اليوم تقوم لي عذرا عندما أقرر أن أسير على نفس الطريقة التي ذكرت.. لن من حسن الحظ أن كل واحد من الثلاثة ضرب بهم وافر في مضمار الإجادة بل إن منهم من لا يشق له غبار.. فكانت مسألتهم لا تدخل في باب المجاملة بل إنها من باب الإعجاب والإكبار.. وبالصدفة جاءوا على الترتيب المعهود في حلبة السباق المجلي والمصلي والتالي..   
وأما المدرسة التي ينتمي إليها أصحابنا محمد بن ابراهيم، عبد القادر حسن، علي الصقلي، فهي المدرسة المغربية الأصيلة (كما غدت تسمى اليوم) التي تغذت أولا بالآداب العربية القديمة ثم تناولت بمقدار من الآداب الحديثة.. وهي بهذا الاعتبار طائفة مخضرمة جمعت بين العهدين أو بين الحسينيين.. مع اعتبار فارق السن الملحوظ بينهم الذي ينتج عنه حتما تفاوت في التأثر بالقديم والحديث..
لذلك لم نجد أنفسنا مضطرين لإقامة موازين مختلفة نعرض عليها بالقسطاس إنتاج الثلاثة... فلا حاجة بنا إلى اتخاذ مقاييس غريبة وأخرى شرقية.. وكذلك لا داعي إلى استعراض المدارس الحديثة في الشعر من واقعية، ورمزية، وذاتية، وإيمانية.. إلى آخره.. كما أنه لا موجب للخوض في عناصر الشعر الحديث ولا في قوالبه التي أخذت تتفشى وكان أصحابنا الثلاثة بمناجاة منها إلا بمقدار..
وإنما المقياس الصحيح الذي يجب أن نراعيه في الحكم على ما بين أيدينا من إنتاج هو هذا الحظ المشترك بينهم –وبيننا- من الثقافة الأصلية ومن الثقافة الحديثة.. وبصفة خاصة ما أجمع عليه النقاد من سلامة الأداء وطرافة الموضوع مضافا إليهما إرضاء الذوق السليم.. وقد أسقطنا من حسابنا المؤاخذة على الهنات الطفيفة وعلى الوقوع في الشاذ الذي لا يخل بالفصاحة تمشيا مع النقد الحديث الذي أصبح يسلك مسلك الإغضاء عن بثور قالوا عنها أنها لا تفسد الجمال..
وبعد هذه الفذلكة نأخذ في القصيدة الأولى «حنين إلى مصر» للمرحوم محمد ابن ابراهيم شاعر الحمراء.. أقول قصيدة حسب المتعارف حيث أنها من ستة عشر بيتا.. وإلا فهي أشبه بنفثه، أو نتفه، أو قطعة.. والمعروف عن ابن ابراهيم انه قلما يطيل النفس أو يستنزف حروف الروي.. فكثيرا ما تتنازعه عوامل تعوقه عن إتمام ما بدأ أو إجهاز أمر ذي بال.. ولولا أن الشعراء غريزة فيه لم يكن يكلفه إعدادا أ وتهنئة لكان من الصعب عليه أن يتفرغ إنجاز موضوع أدبي يذكر.. فكانت بديهته مادته الوحيدة ومعينه الذي لا ينضب.. ومن ثم جاءت قصائده في جلها مقطعات تنظم وتنشد في مجلس واحد، ثم عليها الإعفاء إن لم يتداركها بعض الحاضرين أو السامعين بالحفظ والتقييد... وأما الشاعر فإنه لا يحتفظ منها إلا بقصاصة ورق سرعان ما تضيع منه.. وفي معظم الحيان تسعفه ذاكرته فيتذكر وينشد للأصحاب..
وهذه القطعة التي يحن فيها إلى مصر.. والتي تفضل السيد محمد علي الجوهري فبعث بها لمجلة «دعوة الحق» فنشرتها ودعتنا إلى التعليق عليها –لا ندري متى نظمها الشاعر، ولا أين، ولا كيف، ويا حبذا لو كان ذلك السيد المتفضل تكرم أيضا بما عنده من علم عن ظروفها (أو على الأقل عن مصدرها الذي نقل عنه ليحصل الاطمئنان إلى صحة العزو..) والذي نحرزه نحن ونستجليه من ظاهر اللفظ أن الشاعر نظمها وهو راحل عن مصر –ولا يمنع من ذلك قوله «أحن إلى مصر» بدليل قوله فيها :
لـي الله يا مصر العزيزة  عندمـا
               أفارق مصرا تارك القلب في مصـر
وهي حسب الفكرة ثلاثة مقاطع رسم فيها أحاسيسه –أو ارتساماته كما يقولون اليوم –نحو مصر وهو يودعها.. جاء في المقطع الأول :
أحن إلى مصر وما أنا مـن  مصر
               ولكن طير القلـب أعـرف بالوكـر
فلـولا هواهـا عاصف بحشاشـي
               لما كنت في قطر وأصبحت في  قطر
إنها لمحة خيالية خاطفة من الشاعر، أن يجعل قلبه طيرا يهتدي بالصمت إلى وكر أجداده بمصر كما تفعل الطيور الوافدة في حركاتها الدورية.. وكم لابن ابراهيم من هذه الوثبات الخيالية اللامعة.. ولكننا نأخذ عليه التعبير بلفظ «أحن إلى مصر» وهو منها في موقف الوداع حسب المقطع الثالث.. واللغة تقول حن إلى الشيء اشتاق.. وعادة لا يكون الشوق  والحنين إلا قبل الورود كقول شاعر قديم :
أحن إلى نجد ومن حل  فـي نجـد
ومـاذا الذي يغني حنيني أو يجـدي
اللهم إلا إذا زعمنا أن شاعرنا لم يشعر بورود مصر ولم يشف ما به من غلة الشوق ولهفة الحنين مما جعله يزداد هياما وإتباعا على قول الآخر :
لم يزدني الورد إلا عطشا.
أو قول مهيار في بيته المشهورين :
ومن عجب أني أحن إليهـم
               وأسـأل شوقـا عنهم وهـم معـي
وتبكيهم عيني وهم  بسوادها
               ويشكو النوى قلبي  وهم بين أضلعي
وفي المقطع الثاني نرى الشاعر يكيل الثناء لمصر في خمسة أبيات :
بلاد كما شاءت سعادة  أهلها
               وأرض تجر الذيل في الحلل الخضر
بلاد بها الإسلام يرفع  رأسه
               وقد عقدت من فوقه راية النصر
إلى آخر الأبيات.. وهو ثناء مكرر معتاد.. يصح في حق كثير من الأقطار.. إذ لا يخفى أن النعوت بالمجد والنصر والسماحة والبشر وهز الأقلام في التروس.. الواردة في الأبيات.. أوصاف مشتركة لا تكفي في إظهار عظمة مصر الخالدة وفي إبراز شاعرية ابن ابراهيم.. لذلك كان هذا المقطع ساكنا هادئا في القطعة لا حرارة فيه ولا شعور.
وفي المقطع الثالث وقف الشاعر يودع مصر :
لي الله يا مصر العزيزة عندمـا
               أفارق مصرا تارك القلب في مصر
إذا ما رأيت النيل يجري  حسبته
               بدمعي على قرب الفراق لها يجري
وإن وقعت عيني على هرم لهـا
               أحسه طود الهم يرسو على صدري
لي الله يا مصر العزيزة عندمـا   
               أكفكف دمعي والقطار بنا  يجـري
كأنـي به تغلي مراجـل قلبـي
               حنوقا وما منه الحنوق على  غيري
إلى آخر القطعة.. التي نحس بعض الدفء يسري في أوصالها وبعض الشعور يلمح من خلالها.. فيعجبنا من الشاعر أن يترك طير قلبه في ذلك الوكر.. ونقبل منه على مضض أن يحسب ماء النيل دموعا تجري لفراقه.. ولكن الذي لا نستطيع أن نقبله منه بحال هو أن يجعلنا نحس معه بهرمي مصر يجثمان على صدورنا.. انه والله ثقل تنوء به الجبال، فكيف بالأجسام.. ولقد ذكرني هذا التشبيه الثقيل على الروح قبل أن يثقل على الجسم بما أنشده ابن سيد الإشبيلي الملقب باللص للخليفة عبد المومن على جبل الفتح (جبل طارق) إذا قال :
غمض عن الشمس واستقصر مدى زحل
وانظر إلى الجبل الراسي على جبل
فأسكته عبد المومن وقال له لقد أثقلتنا يا رجل..!
وما أدرى ما يكون حظ ابن ابراهيم لو أنشد قوله لنقاد بصير مثل عبد المؤمن.. وما أظن أن الإسكات يكفي معه..
وعلى سبيل ذكر المفارقات يحضرني قول ابن الصلة الأندلسي في الهرمين :
بعيشك هل أبصرت أعجب منظرا
               على ما رأت عيناك من هرمي مصر
وقد وافيا نشزا من الأرض عاليا
               كأنهما نهدان قاما على صـدر
فإن هذا الأندلسي الظريف لم يجعل الهرمين طودين من الهم يجثمان على صدورنا.. وإنما نهدين خفيفين ناعمين يترق رقان على صدر فتاة.. :
ولنا مأخذ آخر على شاعر الحمراء حيث قال عن القطار أن مراحل قلبه تغلي حنوقا عليه.. وما هو هذا الحنوق.. إن اللغة لا تعرفه وإنما تعرف الحنق بالتحريك ومعناه الغيظ الشديد.. فما الذي حمل القطار على أن تغلي مراجله غيظا وحنقا على الشاعر، هل القطار شرطي من شرطة الاستعمار الانكليزي اختطف حرا من أحرار الوطنية وأسرع يقذف به وراء الحدود.. ونحن لا نعلم أن أحدا أزعج شاعرنا وأرغمه على فراق مصر..
والخلاصة أن القطعة في مجموعها لا تصور موقفا معينا ولا حالة نفسية واضحة أحسن تصوير، وإنما هي خواطر وارتسامات ينقصها الشيء الكثير من السبك والربط حتى تتناسب مع شاعرية ابن ابراهيم الفياضة..
وهيا بنا إلى القصيدة «قد زاغت الأبصار» التي نظمها الشاعر عبد القادر حسن في 66 بيتا وهو بمنفاه السحيق يوم زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر..
يوم نفي جلالة الملك.. توجه فيها إلى الله الواحد القهار متوسلا إليه برسوله.. في أسلوب صوفي مؤثر..
وشعر المنافي جدير بالدرس والتعليق.. فهو يمثل في حياة الأمم الثائرة دورا هاما من ادوار كفاحها ونضالها.. كما انه يسجل حياة الأحرار، ويصور حالة المعذبين النفسية.. من وراء القضبان.. وفي المعتقلات.. فهذه قصائد أبي فراس من بلاد الروم، وقصائد البارودي من سيلان، وقصائد علال من الكابون، وقصائد المختار من الغ ومن أغبالو نكردوس.. كلها قصائد حية تفيض بالآمال، وتجيش بالحمية والشكوى، وتصور الثورتين النفسية والشعبية كما تصور ذلك العالم المظلم.. عالم القيود والسدود..
ولا شك أن لعبد القادر حسن قصائد من هذا القبيل وهو الوطني المجاهد طالما تخطفته المنافي والسجون ولا متنفس له إلا أشعاره يودعها أفكاره، ويدفن فيها آهاته، ويناجيها بآماله وآلامه.. وهو اليوم ينشر منها ما ينشر، ويطوي إلى حين ضمن ديوانه الكبير الذي لم ير بعد أنوار «الفجر» مثل ما رآها ديوانه الصغير..
وإذا نظرنا إلى قصيدته «قد زاغت الأبصار» وجدنا بين شعر المنافي والسجون صلاة حارة توجه فيها إلى الله ورسوله مسترحما ومستعطفا.. أرسلها في خشوع المومن الصادق، وفي تضرع المذنب النائب الواقف في باب مولاه :
فلج المقام إذن بحسب صـادق
               وأنبذ ضباب الشك خلف الدار
وأجعل سبيلك للوصال  تذلـلا
               حتـى نـام بذلـة وصغـار
ويتوسل بالرسول الأكرم قائلا :
يا ساقي الخلد أسقني من كوثر
               مـاء الحياة مسلط  الأنـوار
كأسا رحيقا لا بغيض معينهـا
               حتـى أميد  بحبكـم بخمـار
ثم يتوجه بطلب النجدة لأمته :
يا سر هذا الكون يا نور الدجى
                  يـا علـة الإضمـار والإظهـار
أرجو وأرجو لا حدود  لمطلبي
               وحمـاك أوسع ما  يؤم السـاري
أمـا رجـا نفسي  فقد أبلغتـه
               ولأنـت أعلم ما يكـن  قـراري
أمـا لأمتي  المبـاح عرينهـا
               فمناي أن تحظـى بكـم بجـوار
فقد استهان المجرمون  بحقهـا
               فاستبدلـوا الدر هام  بالدينــار
وأبى إلا أن يستشفع بالرسول :
أمحمـد ولأنت خيـر مشفـع
               فـي حضرة الله الحليم  البـاري
قد زاغت الأبصار مما قد رأت
               مع مفجع البلوى (كذا) والاستكبار
هبها كيثرب يوم جد  حصارها
               وبـداك تبنـي حولهـا ببــدار
 أو أنهـا بـدر وأنـت مبشـر
               بالنصر للأصحـاب  والأنصـار
 ولا نريد أن نزيد شيئا على مجرد الإنشاد لبعض أبيات القصيدة إذ هو وحدة كاف بأشعارنا بأنها أشبه ما تكون بالأناشيد الدينية والتراتيل الوجدانية عند الطوائف المتصرفة.. ولها مثال في توسلات ابن عربي والبصيري وابن الفارض وشوقي وغيرهم.. وننصرف عما فيها من المآخذ حتى لا نفسد على أخينا عبد القادر صلاته وتسبيحه.. ونكتفي بأن نتمثل معه يقول أبي حية النميري :
رمتني وستر الله بيني  وبينهـا
               عشيـة أرام الكنـاس  رميــم
إلا رب يوم لو رمتني رميتهـا
               ولكن عهـدي  بالنضـال قديـم
وأخيرا نقف على «نداء : للشاعر الشاب علي الصقلي.. إني قرأتها مرارا وأحس كل مرة بشبابه الفتي يتموج خلال أبياته.. وبروحه الخفيفة تهيم بالحسن وتتطاير حول الجمال كفراشة تحوم حول الأزهار..
وخرجت بنتيجة وهي أن رباعيات الصقلي الثلاث توشك أن تكون وحدة متماسكة وصورة فنية مكتملة لعاشقين آوتهما ربوة في حضنها ذات مساء.. وهو يجثو بين يديها ممسكا بقلبه.. وهي ترنوا إليه باسمة مستبشرة :
على موعد مع ركب المساء
               وفي حضن رابية شاعريـة
وبين يدي حسنها  القدسـي
               وأطياف ذاك الصبا الساحرة
جثا ممسكـا قلبـه  عائـدا
               بها من جوى نفسه الفائـرة
ورانت على ثغرها  بسمـة 
               تبشـر بالرحمـة الغابـرة
وتقاربا، فألقت رأسها على صدره.. وذهب يشم أعطافها، ويتنسم أنفاسها، ويوسدها على كفه.. فتبدو له عروسا كالماسة وهاجة.. لم يملك نفسه أن استجاب لنداء الشفتين :
وألقت على صدره  رأسهـا
               وقد رشح  العطر من رأسها
فأثملـه نشـر  أعطافهــا
               وألهبـه حــر أنفاسهــا
ووسدهـا كفــه فبــدت
               عروسا تألـق فـي ماسهـا
وهاج لظـاه نـداء الشفـاه
               يلـح فهـب إلـى  كأسهـا
وبينما هما كذلك.. يعيان من كأس الحياة، وينهلان من خمر مشعشعة، وهي تطوي جيده موثقا بيدها.. إذا بالوجود حولهما يغفي على قبلة طوت في لحاف الهوى عاشقين :
وبينا هـوى بفـم  ظامـئ
               يعب الحياة  مـن الشفتيـن
وينهـل خمـرا مشعشعـة
               يعاقر في وردها  كوثريـن
طوت جيده بيدهـا، تـرى
               تهيــم بـه موثقـا بيديــن
وأغفى الوجود علـى قبلـة
               طوت في لحاف الهوى عاشقين
هذه هي رباعيات الصقلي بكاملها لم أستطع أن أسقط منها شيئا كما فعلت في اللواتي قبله، لأن كل بيت يمسك بالذي يليه لا يقبل معه الفكاك... وهذه هي الوحدة الفنية العزيزة المنال والقليلة الوجود عند شعرائنا في القديم والحديث، حتى أن كثرة النقاد كانوا يقيمون لها وزنا، بل إن بعضهم يرى الانفكاك وعدم التساوق أولى وأحلى.. ولكن الواقع أن التآخي والتلاحم في أجزاء القصيدة يجعل بين أبياتها نسبا وصلة روحية معنوية أقوى من صلاب الضمائر وصلات الموصلات، نرى ذلك يتجلى في شعر ابن الرومي وشعر أبي نواس من الأقدمين.. كما يتجلى اليوم بكثرة عند شعراء العصر ولا سيما عمر أبو ريشة وإيليا أبو ماضي..
فدلت هذه القطعة، أو السونيت» التي وفق فيها الشاعر الصقلي على أن في أغواره شاعرية كامنة تحتاج إلى إفساح المجال لها وعدى مضايقتها بالنقد المدرسي التعليمي.. لذلك تمر على ما فيها من الهنات مر الكرام..

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here