islamaumaroc

القضية الجزائرية في شهر -4-

  دعوة الحق

24 العدد

الوضع السياسي :
هل هناك بالفعل اتجاهات عملية وحاسمة لتصفية المعضلة الجزائرية ؟
لقد انقضت الآن ستة أسابيع متكاملة منذ أن تم الإعلان الرسمي في 16 شتنبر الماضي عن تصريح الجنرال دوكول، وانصرمت بعد ذلك بضعة أسابيع أخرى حينما ادعت الحكومة المؤقتة الجزائرية جوابها العلني، المحدد لموقفها من هذا التصريح (28 شتنبر)،  لقد تم كل ذلك بالفعل ولكنه –مع ذلك- لم يخلف –باعتبار الواقع السياسي- إلا أصداء موصولة لا تزال بقاياها تتلاحق في أذهان المراقبين الدوليين، لقد أعلنت الجمهورية الخامسة –علنا- عن تقديرها لمبدأ تقرير المصير كمبدأ أساسي لحل المشكل القائم، ويعني هذا الاعتراف لا «بالشخصية الجزائرية» فحسب بل بوجود شعب ذي كيان وسيادة وأمة ذات أهلية تامة لممارسة حقها في تحديد المصير الذي ينسجم مع إرادتها الحرة المطلقة، وهذا يعني أيضا أنه سيكون على فرنسا «أن تبادر إلى مغادرة البلاد فورا- في حالة ما إذا وقع الاختيار على الانفصال- حيث يمكن للجزائريين حينئذ أن يتولوا تنظيم القطاع الترابي الذي يعيشون فيه، والموارد التي يتوفرون عليها والحكومة التي يغبون فيها...»(1)
ولم تلبث الحكومة الجزائرية بعد ذلك أن أعربت عن الاستعداد للعمل على تصفية المعضلة طبقا لروح هذا المبدأ المقبول، وذلك على أساس الدخول مع الحكومة الفرنسية في محادثات، تستهدف مناقشة «.. المقتضيات السياسية والعسكرية التي يتم بموجبها توقيف إطلاق النار وتحديد الشروط والضمانات التي يطبق على أساسها مبدأ تقرير المصير»(2)
ولكن اتخاذ المواقف هذه لم يساهم –بالرغم عن ذلك في تعديل ملامح الوضع المتأزم الذي لا يزال يجثمن على العلاقات الفرنسية الجزائرية بصورة خاصة وعلى الاتصالات الفرنسية الإفريقية بوجه عام، فالموقف العسكري الجزائري ما فتئ –بعد إخفاق حملة «جيميل» تزداد تعقدا واشتباكا، أما في باريس ومجموع القطر الجزائري فالجو السياسي لا يزال مشحونا بأعنف الإمكانيات الانفجارية كما أن دوائر الأمم المتحدة ما انفكت توالي مزيد الاهتمام بهذا المشكل المزمن، بعد أن ألف المتدربون ما يثيره من مشاهد التوتر بين الوفد الفرنسي والوفود الدولية الأخرى. والذي يبدو عند استقراء الظواهر السياسية القائمة أن نظرة الجنرال دوكول إلى وضعية الحكومة الجزائرية قد تكون العامل الرئيسي في نشوء هذه الحالة السلبية التي أعقبت الإعلان عن تصريح 16 شتنبر، فلا يزال الرئيس الفرنسي مصرا –كالعهد به سابقا- على إغفال القيمة التمثيلية التي تنعم بها حكومة الرئيس عباس وتجاهل الوضع الطبيعي الذي يخولها –بحق- صلاحية الدفاع عن المصالح الوطنية للشعب الجزائري.
عن النهج الدوكولي لا يقصى –حسب مفهومه- إمكانية الالتقاء «الحر» مع الممثلين الرسميين للثورة الجزائرية بل إن الاتجاهات الأخيرة التي تعكس موقف الحكومة الفرنسية الرسمي –كما عبر عنه مندوبها في الأمم المتحدة- قد أخذت تشتط كثيرا في الإلحاح على ضرورة التعجيل بإعداد هذا الالتقاء، وذلك «... لمناقشة الكف عن إطلاق النار مع جميع المتحاربين بما فيهم طبعا عناصر جبهة التحرير... »(3) إلا أن كل ذلك لا يجب –كما يعكسه هذا التصريح- أن يجاوز حدود «المباحثات» العسكرية ذات الصبغة الفنية البحتة، على أساس التسليم –من جانب آخر- بإرجاء البث في المشكل السياسي إلى ما بعد إجراء الانتخابات، والواقع أن هذه النقطة بالذات هي من أهم النقط التي ما فتئت تثير أشد المصاعب في طريق إعداد الحوار الفرنسي الجزائري.
والأمر في هذا المجال لا ينحصر في حدود الاعتبارات النفسانية وما في نوعها، إذ أنه يتصل بالقاعدة الأساسية التي ينهض عليها مبدأ الحق الطبيعي في تقرير المصير، وإلا فكيف يجوز التوفيق بين الإمكانيات التحررية التي يخولها هذا الحق وبين الرغبة الفرنسية التي تقتضي وضعه في إطار من القيود والتحديدات.
لقد كان من الممكن –مبدئيا- اجتناب اللجوء إلى مثل هذه الطريقة –طريقة الاستفتاء- في حل المشكل القائم، إذ أنها –في واقع الأمر- تبدو غير ذات موضوع، وإلا فهل لا يزال من الضروري- في عهد التحرر العالمي الأكبر –إقامة الخيار بين التبعية والاستقلال ؟ وكيف جازت إذن تصفية العديد من المشاكل التوسعية المعقدة دون لجوء إلى مثل هذا النهج الملتوي ؟ وإذا ما افترضنا –جدليا- إمكانية الاعتماد على أسلوب من هذا الصنف فهل يتعين بالضرورة إيثار الطريقة التي يحددها المشروع الفرنسي تلك الطريقة التي تستوجب إقصاء القيادة السياسية للشعب كشرط أساسي لتخويله حق التمتع بتقرير المصير.
إن تأثير «الجو» السياسي والإداري في بلد ما له أعمق الأثر على توجيه الاستشارات الشعبية في ذلك البلد، ولهذا فقد كان من أبسط المواضعات القانونية الأولية استقصاء طبيعة الأوضاع التي تسود العمليات الانتخابية ذات المدلول الواسع، حتى يكون من الجائز تقبل النتائج التي تسفر عنها تلك الانتخابات، والأنظمة التي تقرها، وهذا ما استباح الجنرال دوكول لنفسه حق الإغضاء عنه بشكل يدعو إلى الاستغراب. وعلى أساس هذا الاعتبار فإنه يبدو مؤكدا أن التجربة الفرنسية الجديدة ستبقى قاصرة عن إصابة مكامن المشكل مادام أن التجارب المماثلة التي سبقتها لم تفض إلا إلى نتائج سلبية وعديمة، ومثال استفتاء 1958 هو من بين الشواهد على ذلك.
لقد كان تصريح 16 شتنبر الماضي إقبار للمدلول الذي كان يفترض لذلك الاستفتاء، وهذا يعني أن الأوضاع التي كانت قد نشأت عنه لم تعد –واقعيا- ذات أساس مشروع، المر الذي يمكن من التأكيد بأن الوضع في الجزائر –كما تراه السلطات الفرنسية- لم يبق له أي رداء قانوني، وهذه إحدى النتائج التي كان من شأنها أن تنشأ عن مقاطعة الحكومة الجزائرية لذلك الاستفسار الموؤود. فكيف يغدو من الجزائر إذن إجراء عمليات استشارية أخرى داخل نفس النظام السياسي الذي كان يحوط الاستشارة السالفة ؟ أم إن ذلك سيتم مرة أخرى تحت تأثير الواقع التوسعي الذي قد يمارس صلاحيات مطلقة في الإعداد والتوجيه ؟ وحينئذ لا يكون هناك أي مسوغ لتجربة من هذا النوع مادام أنها قد تغدو تكرارا نمطيا لتجارب 1947 و 1958 وقد أكدت هذه الحقيقة الصحفية البريطانية المستقلة (الايكونومست) وذلك حينما أشارت إلى «أنه في حالة ما إذا استمر الجنرال دوكول في الإغضاء عن الحكومة الجزائرية فإن برنامجه سوف يبقى قاصرا عن حل العقد العسيرة التي تأخذ بتلابيب فرنسا في الجزائر منذ خمس سنوات...».
كما أبان عن نفس الرأي السيد كاستون ديفير العضو في مجلس الشيوخ الفرنسي حيث أكد «أن رفض التباحث مع الوطنيين الجزائريين يعني إيصاد الباب نهائيا أمام كل إمكانية للسلم قبل سنوات عديدة...»
إن القاعدة الجدية لتطبيق مبدأ تقرير المصير يجب أن تستوعب جميع مفاهيم هذا الحق بما يكفله ذلك من وجوب التحرر من الخوف وما في نوعه، وهذا هو الأساس الذي كانت ترتكز عليه استشارات مماثلة كتلك التي جرت في السودان العربي وغيره من الأقطار، وعلى هذا فما هو السبيل الذي سيتم سلوكه عند تطبيق مبدأ تقرير المصير بالنسبة للجزائر ؟ هل سيتم اللجوء إلى مبدأ الإشراف الدولي ؟ وإذا كان ذلك ضروريا فهل من الواجب أن يتم عن طريق الوساطة الإفريقية (المغرب وتونس مثلا) أو عن طريق الأمم المتحدة ؟ وإلى أي مدى سيذهب هذا الإشراف ؟ وما دور السلطات الوطنية الجزائرية بالنسبة إلى ذلك ؟.
إن نقطة الضعف الأساسية في تصريح 16 شتنبر هو انه لم يكن ينطوي على ما يمكن أن يحدد موقف باريس من هذه المواضيع الهامة، وإذا جاز ذلك بالنسبة للنص الأصلي فكيف نعلل تمسك باريس برفض كل بادرة تفاوضية تستهدف بحث الجانب السياسي لمجموع القضية الجزائرية ؟
إن هناك حقيقة بارزة وهي أن احتمال إخفاق المشروع نهائيا سوف لا يكون عاملا على امتداد مظاهر الأزمة الحالية فحسب، بل انه سيعين على مضاعفة تعقد الوضع الحالي، وتوسيع نطاق النتائج التي قد يتمخض عنها ذلك. وليس هذا من قبيل الافتراض الاعتباطي، إنه يشكل حقيقة أساسية يؤكدها الكثير من المراقبين الدوليين، بل إن هناك من المراقبين من يذهب في الاستنتاج إلى حد بعيد وخاصة فيما يتصل بالوضع العسكري حيث يزداد الاعتقاد بأن نطاقه سيزداد اتساعا وامتدادا. إن التفكير في هذه الاحتمالات لم يعد قاصرا على الأوساط الصحفية – الإخبارية، لقد غدا يملأ أذهان كثير من العناصر البرلمانية والحزبية بما فيها تلك التي لا تنتمي إلى تكتلات اليسار المعتدل أو المتطرف ومن الأمثلة على ذلك ما أعرب عنه السيد «برنار لامبير» نائب الحركة الجمهورية الشعبية –في المجلس الوطني الفرنسي- وذلك حينما نص على أنه إذا وقع رفض التباحث مع الحكومة الجزائرية «فإن ذلك سيهيب بهؤلاء الذين يحاربون إلى التماس النجدة من الصين التي تترقب كل فرصة لاستغلالها في هذا الصدد، إذ أن هناك ثلاث طائرات صينية توجد بالفعل في السماء الإفريقية وهكذا سيفضي الأمر في الخير إلى تدويل قضية الجزائر بكل ما ينطوي عليه هذا التدويل من نتائج...»
فالموقف الناشئ عن تصرح 16 شتنبر ليس إذن من البساطة بدرجة كبيرة أنه قد يصبح عاملا هاما له تأثيره على سير مجموع القضية نحو التعقيد أو الحل ولكنه –مع ذلك- سيبقى أساسا لحل ممكن شريطة أن يتم التوصل على أساسه إلى صيغة معقولة تحدد الرأي المشترك للجانبين المعنيين، ولكي تستوعب هذه الصيغة مقتضيات الحالة القائمة في الجزائر فإنه سيكون من المعقول مراعاة كثير من النقط في الموضوع، ومن بينها :

الفترة الانتقالية :
تحديد أمدها وشروطها –تعيين الوضع الإداري الذي سيسودها-  البت في مصير الجهاز القائم.

تطبيق مبدأ تقرير المصير :
 تحديد وسائل التطبيق وأساليبه.

الجهاز التنظيمي :
تركيبه واختصاصاته ووضعيته أنه ليس من الضروري انتهاج خطة معينة في التباحث، إلا أن الذي يعنى في الأساس هو اجتناب تجزئة المشكلة إلى جانب سياسي وجانب عسكري واعتبارها ككل تترابط عناصره وأجزاؤه بعضها ببعض، إن المظهر العسكري للمشكلة ليس في الواقع إلا مظهرا ثانويا، لأنه لا يقوم بذاته كمعضل مستقل، بل يتفرغ فقط عن وجود الأزمة الكبرى التي كانت ولا تزال متمثلة في الصراع بين الإدماج والاستقلال في الجزائر. وهذا هو الأساس الذي يجب أن ينطلق منه عند التفاوض.
ولكن هل يجوز أن يكون الوضع السياسي في فرنسا ملائما لإجراء مباحثات من هذا النوع ؟ إنه من البديهي أن النظام الحالي في فرنسا لم يقم إلا على أساس العمل الانقلابي الذي تم تحقيقه للغلاة في 13 مايو 1958، ولهذا فقد كانت الرابطة التي تصل بين الغلاة وبين النظام الفرنسي الراهن رابطة أكيدة ومتينة، فقد هيمنوا بالفعل على مقاليد الحياة السياسية في فرنسا عن طريق السيطرة على الحكومة والبرلمان، وتم لهم بذلك اكتمال الاستيلاء على الجهاز التنفيذي والتشريعي، هذا بالإضافة إلى ما كان يتوافر لهم من إمكانيات العمل ف يكل من الجزائر وفرنسا.
على أن هذه الأوضاع قد بدأت تتطور –في الأسابيع الأخيرة- تطورا بطيئا وموصولا، فقد أخذ رئيس الدولة الفرنسي يتظاهر بالاستقلال النسبي عن مجرى التيار السياسي الذي يصب فيه الغلاة، وقد كان من أبرز مظاهر الاتجاه التصريح الذي تم إعلانه في 16 شتنبر الماضي.
إنه ليس من الحكمة تلقف هذه الظاهرة الجزئية واعتبارها أساس لوجود قطيعة جوهرية بين الجمهورية الخامسة وبين غلاة الجزائر، فلا يزال النظام الفرنسي بالفعل يعرب عن مظاهر التودد إلى هؤلاء المتطرفين وينسجم أحيانا مع الخط السياسي الذي يسلكونه، ومن آيات ذلك الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزارة الفرنسية في 15 أكتوبر الماضي والذي أكد فيه البرلمان الفرنسي أن الجزائر لا يجوز مطلقا أن تنفصل عن فرنسا.
إلا أنه بالرغم من ذلك فهناك ما يبيح الاعتقاد بوجود بعض بوادر الانفصام بين المسؤولين الفرنسيين وبين المنظمات المتطرفة في الجزائر.
إن الجانب الأساسي في الأمر هو ما أمكن ملاحظته من ضعف التماسك الذي كان يوجد بين مختلف التيارات اليمينية في فرنسا والجزائر، فقد بدأت العزلة السياسية تحيط بكثير من زعماء لجان الإنقاذ العمومي وعناصر 13 مايو(4) وقدماء المحاربين كما أن الانسجام الذي كان يصل بين هذه المنظمات وبين حزب اتحاد الجمهورية الحاكم قد أخذ يفقد فعاليته.
فهل يعني كل هذا أن تيارا من التفهم الواعي لحقائق المشكلة الجزائرية قد أخذ يجتاح فعلا الأوساط المسئولة في باريس ويجعلها أكثر تبصرا ورشادا ؟.
ليس هناك في الواقع ما يجيز الرد على هذا السؤال بالإيجاب، فالاتجاه الفرنسي الجديد ليس –بحق- وليد وعي قانوني أو إنساني للمشكلة الجزائرية وإنما هو نتيجة الضغط الذي توجهه الظروف المحلية والدولية وتؤثر به على المسؤولين الفرنسيين، فقد أخذ يتأكد أكثر من أي وقت مضى أن استمرار الحرب في الجزائر في مختلف الكتل الشعبية الفرنسية، وتتركز صور التوتر هذه بقدر ما يزداد تأثير النظام الجبائي الحالي – الذي تفرضه النفقات في الجزائر- على مستوى الحياة عند جماهير الكادحين، هذا بالإضافة إلى ما تحدثه حالة المجندين الشبان في الجزائر من انعكاسات سيئة على مستوى الاستقرار الاجتماعي في فرنسا.
وقد غدا في إمكان المراقبين الفرنسيين أنفسهم ملاحظة هذه الحالة النفسية الحادة التي أخذت تجتاح مختلف الطبقات الاجتماعية الفرنسية، ومما يستأثر بالانتباه أن مظاهرها لم تعد قاصرة على الأوساط اليسارية والتقدمية بل إنها أخذت تجتاح مختلف الطبقات حتى تلك التي ترتبط مذهبيا بالأحزاب اليمينية المتطرفة، وقصة قارئ «لورور»(5) تلك التي استقاها الكاتب التقدمي الفرنسي «كلوديورد» من صميم الحياة الواقعية هي من بين الشواهد على ذلك.
هذا وقد كان لحرب الجزائر –من جهة أخرى- انعكاسات أعمق خطورة وأبعد مدى بالنسبة للعلاقات الفرنسية الدولية.
والحق أن خطورة هذه الانعكاسات لم تعد تتمثل فقط في توتر العلائق بين فرنسا والعالم الإفريقي الأسيوي، أنها أصبحت تمس سياسة باريس في المحيط الأوروبي وتسيء إلى مركزها داخل الأسرة الأطلسية وعلاقاتها الخاصة مع الولايات المتحدة وبعض الأقطار الأخرى التابعة لنظام الدفاع الغربي.
وكما كانت الجزائر هي أساس العلة التي أطاحت بالجمهورية الرابعة، فإنها أيضا كانت من بين العوامل الأساسية في نشوء هذا الوضع المضطرب التي توجد فيه الديبلوماسية الفرنسية، فقد انقضت سنوات عدة حينما تركز في أذهان المتطرفين اليمنيين أن استمرار الثورة في الجزائر رهن بالمساعدة التي تغدقها أمريكا على الوطنيين إغداقا!!، ولهذا فما فتيء الغلاة منذ سنوات عدة يهيبون بالحكومات الفرنسية المتعاقبة أن تتخذ مواقف مناوئة لا من الحليفة الكبرى فحسب، بل من مجموع نظام الدفاع الأطلسي ! وكان من المتوقع جدا أن تجد هذه الدعوة طريقها إلى التطبيق غداة قيام الجمهورية الخامسة، واكتسبت الديبلوماسية الفرنسية بعد ذلك رداء قوميا متهوسا ينسجم مع تطرف الغلاة في الجزائر، وهكذا اخذ المسؤولون في باريس يحتذون في السياسة الخارجية –نهجا غريبا يقوم على أساس من المساومات الرخيصة أحيانا والتهديدات المكشوفة أحيانا أخرى.
ولم يكن لذلك من نتائج إلا ما بدا يحيط الوجود الدولي لفرنسا من غيوم قاتمة، فقد أخذت بوادر العزلة تتهددها من وقت لآخر، بل إن هذه العزلة ما فتئت –منذ الربيع الماضي- تأخذ صورا واقعية تتمثل في توتر العلائق مع الولايات المتحدة (حول موقفها من الجزائر) وايطاليا (حول حادث القنبلة بروما) وسويسرا (حول قضية الإيداعات الجزائرية في المصارف السويسرية) ويوغسلافيا (حول زيارة الرئيس عباس لبلغراد) وغير ذلك من الأقطار.
لقد كان طبيعيا أن يكون لهذه المشادات الفرنسية الدولية –المترتبة عن الوضع في الجزائر- نتائج متعددة المظاهر والأشكال، وقد كان من أبرز هذه النتائج :
1) عزلة الأسطول الفرنسي.
2) استغناء الولايات المتحدة عن القيمة الإستراتيجية لفرنسا وذلك لفائدة ألمانيا الاتحادية.
3) تسمم العلاقات مع الدول المجاورة كسويسرا مثلا.
4) انخفاض نسبة التضامن الفرنسي الأمريكي.
من الواضح إذن أن امتداد الحرب في الجزائر لم يكن مما يعين على تدعيم مركز فرنسا في الأسرة الدولية، بل إن هذه الحرب قد كانت ولا تزال بالفعل أساسا لكثير من المتاعب التي تلاحق الحكومة الفرنسية باعتبار علاقاتها مع العالم الخارجي.
ولعل إدراك المسؤولين الفرنسيين لم يكن يقصر عن استيعاب هذه الحقيقة البارزة، ولكن الأحوال العقلية التي كانت تسيطر على أذهانهم والتي كانت تغذيها برامج «شارل» وتظاهرات التآخي –لم يكن تساعدهم على تقدير النتائج التي تترتب عن استمرار العراك.
وامتدت الثورة صاعقة جبارة وتبدد مع امتدادها ذلك الحلم العسكري الذي كان يراود المسؤولين في باريس والذي كان يوحي بإمكانيات الوصول إلى إخماد أنفاسها المستعرة.
ولهذا كان من الضروري أن يتجه تفكير الجنرال دوكول إلى سلوك مناحي أخرى لحل المشكلة، ومن ذلك كان إعلان الاعتراف بحق تقرير المصير في تصريح 16 شتنبر الماضي. 
لقد انقضت سنة كاملة منذ أن صادقت اللجنة الخاصة التابعة للأمم المتحدة على ملتمس الكتلة الإفريقية الأسيوية الذي يعلن اعتراف المنظمة الأممية لا بحق تقرير المصير فحسب، بل أيضا بوجود الحكومة الجزائرية وكفاءتها للتفاوض من أجل الشعب الجزائري.
فالتصريح الفرنسي إذن ليس إلا تصديقا على هذا الاعتراف الدولي الهام بحق إنساني أساسي : هو حق اختيار المصير، ولكن هذا التصريح –من جهة أخرى- سيبقى قاصرا بالنسبة لملتمس اللجنة الخاصة ما دام أنه لا يقر للحكومة الجزائرية صلاحية التفاوض من أجل إعداد الحل السياسي للمشكلة القائمة هذا في الوقت الذي لا تفتأ فيه حكومة السيد عباس تعدد وسائل التعبير عن الاستعداد للتباحث من أجل إنهاء النزاع عن طريق تطبيق مبدأ تقرير المصير.
فهل للأمم المتحدة –في دورتها الحالية أن تقدم على اتخاذ الخطوة التالية فتمهد السبيل بذلك لتحضير الالتقاء الفرنسي الجزائري حتى يمكن التوصل لصيغة مشتركة تستهدف إقرار السلام وتصفية النزاع بما له من جوانب سياسية وعسكرية ؟. ذلك ما يصبو إليه الجميع.

آراء أجنبية :
  برنار لامبير – نائب :
 عن موضوع الجزائر لا يراه الرأي العام الفرنسي والدولي إلا على أساس واحد هو : أن افتتاح المفاوضات رهين على الأخص بالموقف الذي يتخذه الجنرال دوكول، فمنذ أن تم له القبض على أزمة الحكم وهو يؤكد دائما إرادته في الوصول إلى توقيف عاجل لإطلاق النار، وعليه الآن أن يتمم المنهاج السياسي الذي أختطه من قبل، وإلا فإن التاريخ سيلقي عليه مسؤولية ضخمة في حالة نجاح أو إخفاق السلام في الجزائر بل في العالم، انه ليس من داع للمغالطة : ذلك إذا لم يتم تطبيق النهج الذي يستهدف السلام، فإن تدويل النزاع –هذا الذي يخشاه الفريقان- سيغدو أمرا محتوما، عن معركة الأمم المتحدة لم تربح بعد، ومن المحتمل أنها إذا ما لاحظت بعد شهر حصول الاتفاق بين الطرفين على مبدأ تقرير المصير، فإن أقل ما توصي به حينئذ هو ما ينتظره الناس في فرنسا نفسها : فتح الحوار الفرنسي الجزائري، لماذا لا نحزم أمرنا نحن إذن ؟ لماذا لا نوثر من الآن سياسة السلم هذه ؟.. 

(1) من تصريح 16 شتنبر.
(2) من بيان الحكومة الجزائرية.
(3) من حديث أدلى به السيد كوف دوميرفيل وزير الخارجية الفرنسية إلى إحدى الشركات الإذاعية في الولايات المتحدة.
(4) تندرج هذه العناصر في منظمات عديدة من بينها : الحركة الجامعية –تجمع فرنسيي الجزائر- جمعية المعطوبين وغيرهم كثير.
(5) أحد الرجال العاديين في باريس كان مواظبا على قراءة الصحيفة المتطرفة «لورور» لأنه هو نفسه كان يمينيا متطرفا وكان يوالي بالطبع حركات القمع في الجزائر ولكنه تحول أخيرا إلى مناصرة مبدأ التخلي عن ذلك البلد لأن التمسك به سيفضي بفرنسا إلى الخراب.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here