islamaumaroc

امرأة العزيز

  دعوة الحق

24 العدد

لم يكن أبي قد مات بعد، عندما خمنت أنه لن يلبث طويلا بيننا، وأن من واجبي أن أبحث عن عمل ما..
كنت يوم ذاك في العشرين من عمري، وكان أبي جسما منهكا ممددا على الفراش، يقلب عينيه فينا كل مساء، ثم يشد على يدي وهو يتمتم :
- كنت أريد لك حياة أحسن من حياتي أنا... ثم مات أبي، كان يقلب عينيه فينا ذات مساء، عندما ارتخى جسمه مرة واحدة...وأعلنت صيحات أمي أنه... مات.
وعندما هربت إلى الشارع، كان كل شيء ما يزال كما هو... الناس والأضواء والسيارات والضحكات العالية... فإن أبي لم يكن في حسابهم أبدا.!
بعد أيام قليلة وصلتني رسالة، كانت تقول أنه لا يوجد عمل ما...
وبعد أيام قليلة أخرى، استطاع جسمي الفتي، وعشرون سنة تبرق في عيني الكئيبتين، إغراء صاحب معمل كبير للحديد وإصلاح السيارات أن يجعلني حارسا عنده.
حدث ذلك منذ أربعة أعوام...
لقد أصبحت اليوم إنسانا جديدا، ولكن حياتي لم تكن خيرا من حياة أبي، من حيث المعنى المادي للحياة.. كما كان يقصد ذلك المساء.
أصبحت فيلسوفا...
إن أربعة أعوام من الصمت، في وحدة كئيبة بالبيت المظلم داخل مخزن السيارات، جعلت مني فيلسوفا.. لم يستطع قط أن يجعل ابنة صاحب المخزن تشعر انه إنسان.. مجرد إنسان. فقد كانت قدرا، وكانت ثيابي مليئة بالرتق.
كان جسمها، الصغير يفتنني، وكانت تمقتني إلى حد الموت، فلقد عرفت كل أسرارها، ورأيت من خلال جلستي الصامتة بباب «المخزن» طوال يوم الأحد، حيث كانت توجد قبالتي دراهم، رأيت رهط أصدقائها الحقيرين الذين يحاولون أن يتشبهوا بممثلي هوليود، لقد كانوا ينتظرونها عند منعطف الشارع.
آه، إنني لم أكن أستطيع أن أحول عيني النهمتين عن جسمها المتأرجح على الحذاء العالي، كانت نظرات جريئة أحيانا، أحس معها أنني إنسان.. مجرد إنسان، لست فيلسوفا، ولست أشتكي الكآبة.
وجاءتني ذات يوم...
لقد تعودت أن تدخل المخزن دائما، لتتفرج على أنواع السيارات، وكانت تسمح لنفسها بعض أيام الآحاد أن تجلس وراء مقود السيارات الصغيرة الرياضية.
ولكنها ذك اليوم، كانت تقصدني أنا، فقد وجدتها تقف أمامي، ثم فتحت فمها ف يغضب قائلة :
- لا تكن حقيرا إلى هذا الحد، إن عليك أن تحترم بنات العائلات، وتحد من نظراتك الفاجرة.. خصوصا وأنت قذر.. قذر!     
ولم تنظر مني جوابا، فقد عادت إلى البيت تحجل على الكعبين العاليين، وبقيت أبحث من جديد عن الإنسان القذر.
وهكذا أغرقت في الفلسفة مرة أخرى، لا انتهي من صمتي وكآبتي، ولم اعد أختلس النظر إلى الجسم الصغير، بل كنت أكتفي بسماع «طرطقات» حذائها العالي.
هل أنا قذر حقا ؟ إن المرآة تشهد أنني أجمل من كل رهط أصدقائها، وأكثر فتوة ونضجا، وكثيرا ما كانت الفتيات الصغيرات يحدقن في عيني طويلا، حيث يمتزج في أعماقها بريق أكثر من عشرين سنة، وسحابة حزن كثيفة لإنسان صغير مات أبوه وهو يتمنى له حياة أحسن، وأنني من حياة أبي، فقد كانت شيئا بائسا.
هل أنا قذر.. ؟
نعم، فإن زيت السيارات الأسود يملأ يدي وثيابي... ولكنها كانت تعني قذارة أخرى فيما أظن. أنها على كل حال أكثر قذارة...
كان بيتي الصغير الكئيب في المعمل، يضم أنبوبا صغيرا للماء، وفراشا، وشهادة ابتدائية عربية ملقاة في إهمال، بعد أن كانت نتيجتها ذات يوم : «لا يوجد عمل ما»     
كان الماء البارد ينصب على يدي المتسخة صباح يوم أحد، عندما سمعت طرقا على باب «الزنك» الخارجي... وفتحت لها الباب، فقد كنت أعرف أنها هي، وعندما أردت أن أعود إلى البيت الكئيب سمعتها تقول :
-أرني سيارات «السبور» التي جاءت أمس... وفي صمت، أخذتها داخل «المخزن»، متخطين قطع الحديد هنا وهناك.
وعندما وقفت بجانبها صامتا، استطعت أن ألمح بريق عينيها وهي ترى السيارة الصغيرة، أنها مجنونة بهذه السيارات، ومنذ سنتين صدمت حائط متجر بإحدى هذه السيارات الصغيرة.
كان أنبوب الماء يقطع الصمت الكُُثيب، وكان جسمها البض يبعث الحرارة في مخزن الحديد البارد.. وكانت تريد أن تخرج السيارة الجديدة بأي ثمن... أي ثمن، وعندما ابتسمت لي، كانت رائحة الزيت الأسود في ثيابي تكاد تخنقني... واقتربت مني في حركة حاولت أن تجعلها طبيعية.. ثم.. ثم قفز فأر صغير وسط الحديد، والتصقت بي مذعورة وهي تهمس :
- هل رأيت .. فأر.. ؟
وكانت يدي القذرة قد أحاطت جسدها..
وأخذت أنا ملها تعبث بالشعيرات السوداء على ساعدي، وأنا ألهث.. ألهث، وأضمها في عنف وهي مستسلمة، عيناها المتوهجتان ترقبان سيارة «السبور» الصغيرة، وجسمها بين يدي...
وعندما أبعدتها، أطلقت آهة خافتة، وظل فمها منفرجا بعض الوقت، ثم قالت :
- مالك..؟
- آسف، لقد تركت يدي بقعة سوداء في فستانك.. إنني..
وقاطعتني :
- لا يهم ذلك، إن البقعة السوداء يمكن أن تزول، ولكنني كنت قد أخذت طريقي إلى البيت الكئيب، حيث يتدفق الماء من الأنبوب الصغير، وأبعدت عينيها عن السيارة المجنحة لتصيح بي :
- أيها القذر، أرأيت ما فعلت، أم تحترم ابنة صاحب النعمة عليك ! سأخبر أبي سأخبره حالا ...
لقد كنت قذرا، وكنت أعرف امرأة العزيز التاريخية، ودخلت إلى البيت لأجمع متاعي الحقير، مبتعدا عن الأقذار.!

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here