islamaumaroc

الرسالة الملكية إلى الحجاج.

  دعوة الحق

191 العدد

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله  وآله وصحبه
 حجاجنا الميامين:

تقتضي منا الأمانة المقدسة  التي نتحملها أن نتوجه إليكم اليوم  - وأنتم على أبواب السفر إلى البقاع المقدسة لأداء فريضة الحج-  بالنصيحة والتوجيه والدعاء أن يكمل الله سبحانه وتعالى نعمته عليكم فيهيئ لكم الأسباب لتتموا فريضة دينكم الخامسة وتؤذوا مناسكها على وجهها الشرعي الصحيح.
لقد كان الحجاج المغاربة على مر رسل خير وحملة فكر وحضارة  من المغرب إلى المشرق، قوافل  هداية تحمل معها فيما تحمل سجايا هذا الشعب الأبي المؤمن، وتقاليده المشرقة وعبقريته المستمدة  أساسا من روح الإسلام وشريعته. فكان أخلاق هذا الدين الحنيف تأخذ شكلا جديدا مستخلصا من البيئة المغربية فيعرضه حجاجنا في حلته البهية كأجلي ما تكون إشراقا ولمعانا وإشعاعا وتأثيرا. وكذلك كان المغرب ولا يزال – والحمد لله- معقلا من معاقل الإيمان، وحصنا من حصون الجهاد، ومنارا للعلوم والمعارف، ورباطا من أربطة المقاومة، ومصدرا للإشعاع الحضاري، يرد الغزو،  ويحمي الديار، ويلبي نداء  الأخوة في المشرق، ولا يبخل بالدم والمال والنفس والنفيس في سبيل نصرة الحق والعدل والسلام وحماية  بيضة الإسلام. فاقترن تاريخ هذه البلاد بمواقف بطولية عظيمة خلدت أسمنا في العالمين. وما من مغربي  يولي وجهه شطر المشرق  حاجا أو معتمرا أو طالبا للعلم أو ضاربا في الأرض سعيا وراء الكسب والرزق، إلا كانت الروح  المغربية العربية  الإسلامية في مقدمة ما يتزود به  في  رحلته ويحرص  عليه  حرصه على متاعه، ويتحلى به في  المجالس  والمنتديات، فيكون ذلك من أسباب فوزه، وعوامل تفوقه وذيوع صيته وبلوغ مرامه.

 حجاجنا الميامين:
إنكم  مقبلون على موسم الطاعات والبركات، فاغتنموها ما وسعكم ذلك، واجعلوا  من نبل تصرفاتكم، وحسن معاملاتهم، ودماثة أخلاقكم وأصالة بلدكم التي تصطبغون بها، وسائل لبلوغ ما تنشدونه من اجر عند الله. لأن الدين المعاملة، والحج سلوك،  والعبادة طاعة وانقياد لتعاليم الله وشريعته الخالدة. فانقلوا  عنا- معشر حجاجنا الكرام- تلك الصورة  الزاهية المشرقة التي عرفت بها بلادنا على مدى العصور، واحرصوا- حفظكم الله- على أن تكونوا خير مبعوثين من خير بلد. فبذلك ترفعون من شأن بلدكم، وتعلون من قدر وطنكم، وتحسنون التبليغ، وتؤدون الأمانة على وجه يشرف أخوانكم وذويكم، ويرضي الله تعالى ويشعر أخواننا بأننا أمة مرابطة في ثغر من ثغور الإسلام لا نفرط ولا نستسلم ولا نذعن بالولاء لغير الله سبحانه وتعالى ودينه القويم.
وإذا كان  تداخل المصالح، وتقارب سبل اللقاء، قد جعل عالمنا اليوم بمثابة ثرية صغيرة، لا يكاد يخفى من أمرها شيء، فإن الله جل جلاله، جعل من أمة الإسلام الحارس الأمين على الإرث الرباني بما التزمت به من دين، وأخذت به نفسها من سلوك طريق الحق والهداية والرشاد، وجعل – سبحانه- من موسم الحج مناسبة للتذاكر في شؤون المسلمين، وتدارس أوضاعهم، وكأنه مؤتمر  لم يعد أو يدع له بشر، وإنما أعده ودعا إليه الله جلت قدرته، حتى إذا ما صعب تلاقي المسلمين وبعدت فيما   بينهم الشقة، ودب فيهم الخلاف، جمعهم الله تعالى من حيث لا يحتسبون في أيام مفعمة باليمن، مترعة بالسعد، مليئة بالخير، يستجيب الله فيها الدعاء الصالح.
 ولا يخفى عليكم ما عليه اليوم أمر المسلمين من فرقة وتمزق، وضعف وخذلان، وما صار إليه حالهم من جراء شيوع مذاهب وعقائد تنكر فيهم الخير والفضيلة، وتعادي الله رسوله، وتبث الحقد والبغضاء والضغينة، وتنشر الخلاعة  والفسوق والفجور، لا في مجال السلوك والمعاملات فحسب، ولكن في ميدان  الفكر والثقافة والتعليم والإعلام، الأمر الذي يدعو أولي الأمر في هذه الأمة والصفوة المفكرة العاقلة إلى استدراك الوضع، والعمل على ترشيد مسيرة العالم الإسلامي، بالحكمة والموعظة الحسنة والرحمة والمودة، وببذل أقصى ما يمكن من جهد من اجل التصحيح والتقويم والتنوير والتوعية. حتى يستقيم أمرنا، ويصلح حالنا، ونرقى إلى مصاف المكانة العظمى التي أرادها الله لنا خير أمة أخرجت للناس. فإذا لم يستحضر الحاج هذه المعاني في ذهنه وتفيض على وجدانه، وبتمثلها في غدوه ورواحه، ووطد العزم على العمل الخالص لوجه الله لما فيه أمن المسلمين وسلامهم، وحرم نعمة الاعتبار والاتعاظ، وفاتته الحكمة المتوخاة من فريضة الحج.

حجاجنا الميامين:
تلك هي رسالة الحج. وأن الحج لرسالة سامية، وغاية عظيمة. وحقيق بالحجاج المغاربة أن يستوعبوها ويمثلوها ويأخذوا بأوثق الأسباب إلى أدائها والقيام بها على ما يرضي الله ورسوله والمؤمنين.  وأعلموا أننا نجتاز مرحلة صعبة من مراحل كفاحنا الوطني من أجل تثبيت أسس الشورى الإسلامية والعدالة الاجتماعية من جهة، والحفاظ على وحدتنا الترابية وسيادتنا الوطنية من جهة أخرى. فلقد وجهنا بتحد استعماري رهيب لم يفد من وراء البحار هذه المرة، ولكنه وافانا من بني جلدتنا وجيراننا الأقربين، فحق علينا أن نحتشد الجهود لرد العدوان وصد الهجوم، وإحقاقا للحق وإزهاقا للباطل وإعلاء لكلمة الإسلام ودفاعا عن وجوده في هذا  الجناح من العالم الإسلامي، وفي هذا الظرف العصيب من تاريخ أمتنا المؤمنة. فوجب  عليكم أن تكونوا على بصيرة وعلم ودارية من هذه التحديات والمعارك التي نخوضها ليل ونهار، وأن تدعوا لنا بالنصر والتأييد والتمكين، فإن عملنا وجهادنا وجهودنا كلها  منصرفة لخدمة الإسلام والمسلمين، ونصرة الحق والعدل والسلام، وإنقاذ منطقتنا وقارتنا مما تستهدف له من تدمير وتخريب، وتمزيق وتشتيت وتكفير وتنصير، وتضليل وتزوير.
ولا نحسب أن المسلمين تعرضوا عبر تاريخهم الطويل لما يتعرضون له اليوم من غارات شرسة وهجمات وحشية، تجتمع فيها كلمة الكفر، وتتوحد فيها صفوف الشرك والبهتان.
هنيئا لكم بما خصكم الله به من نعمة، وأغذق عليكم من فضل، وجعل الله حجكم مبرورا، وسعيكم مشكورا، ودعاءكم مقبولا، وأعادكم إلى بلدكم وأهليكم غانمين فائرين برضا الله وقبوله، مطمئنين آمنين. وما ذلك على الله بعزيز.
فلتحرسكم – وإيانا- عناية الله وعينه التي لا تنام، وليدم – سبحانه- علينا نعمة القبول والرضا واليقين، ولينصرنا في جهادنا الأكبر من أجل مغرب يرفل في حلل الخير والرفاهية ويأخذ بنواصي الإسلام، وينصر كلمة الحق والعدل.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here