islamaumaroc

أصول التشريع الإسلامي بين النزعة التقليدية والتجديدية

  دعوة الحق

187 العدد

لعل من الأوفق أن نقدم لهذا الموضوع الخطير بالحديث في إيجاز عن أصول التشريع الإسلامي وأهدافها العليا، من سعادة للإنسانية جمعاء في الدارين، فقد بشر محمد صلى الله عليه وسلم بهذا الدين باعتباره نظاما سماويا كفيلا بإسعاد البشر من جوانبه الروحية والمادية معا، بحيث يمس جوهر الحضارة بصورة لا عهد للأديان الأخرى بها في الغرب، وفي بداية الأمر نرى أن هذا الدين ليس مجرد مجموعة من العقائد الدينية لدى معتنقيه، وإنما هو تنظيم اجتماعي ذو دوافع من المعتقدات.
وما أن دخلت الأمم أفواجا في الدين الإسلامي حتى لمست في الشريعة المحمدية الإطار العام الصالح لحياتها الروحية، والأساس لكيانها المادي، وهكذا اشتمل الدين على مجموعة من الأنظمة المختلفة ذات مصادر: القرآن، والحديث، والإجماع، والقياس. أما الاجتهاد في تفسير أمور الشريعة فقد كان قاصرا على أصحاب المذاهب الأربعة المعروفة، تلك المذاهب التي يعترف كل منها للآخر بسلامة العقيدة، والاختلاف حول بعض التفاصيل، باعتبار هذا الاختلاف «رحمة من الله». وكل هذا بعد الاعتداد بالإجماع وعدم النقاش حول أي مسألة كان مرد القول فيها إليه. وعلى هذا فقد أضحى للشريعة مصدران فرعيان أقرهما جمهور الفقهاء، وهما الإجماع والقياس، بالإضافة إلى مصادر أخرى أحلتها أو تحلها الضرورة أو العرف، كالقول ب«الاستحسان» عند الحنفية، والأخذ بنظرية «المصالح» عند المالكية، وما إلى ذلك.
ولقد تعرض الفقهاء لكل هذه المصادر في «علم الأصول» مستنبطين منها الأحكام الإسلامية،  و هذا الإجراء منهم هو ما عرف باسم «الاجتهاد» الذي هو المنطلق لتطوير التشريع الإسلامي تلبية لمطالب الأقطار المختلفة، وتبعا لاختلاف الأزمنة. بيد أننا ندرك أن الاجتهاد ساعد على مرونة القانون، ومع عدم  اتفاق الفقهاء أحيانا إلا أن المسلم لجأ إلى الاجتهاد في كثير من المسائل التي دار حولها خلاف الفقهاء، ولكن الاجتهاد ليس معناه «حرية الحكم» أبدا، وهو ما نص عليه بعض المجددين في الإسلام، ومن قبل خاف الفقهاء على شرعية  «الاجتهاد» لئلا يتخذ ذريعة إلى الأهواء الشخصية، ومن ثم حدوث الانشقاق في الصف الإسلامي، فبذلوا قصارى جهدهم نحو تحديد مداه، وتطبيق منافذه.
أما الإجماع فقد أقر مبدأ السلطة في نطاق العقيدة، وكان من طبيعته تضييق نطاق الحرية في الاجتهاد وممارسته، ومع هذا فقد وفر تسامحا في حدود معينة «ولما كان يرتكز –الإجماع- على ضمير الجماعة ككل، فلم يكن بإمكان أي مسلم يتبنى وجهة نظر ما أيا كانت قوتها أن يعلن خروج معتقدات
أي مجموعة أخرى على الدين، وعلى فرض حدوث ذلك فلم يكن بإمكانه القضاء عليها بالقوة. أما الروافض الوحيدون في الإسلام فهم الذين رفضوا الإجماع، وحاولوا فرض مبادئهم بالقوة. وطالما أن مفهوم الإجماع لدى المسلمين كان يستند إلى الضمير الديني للشعب كمجموع، فإن الديمقراطية الروحية في الإسلام كانت تتخذ شكلا شموليا».
هذا، و بحلول القرن العاشر الميلادي نرى المذاهب الأربعة قد أرست قواعدها، وصارت أفكار مؤسسيها وتلامذتهم المصدر الأساسي لطلاب البحوث  الفقهية والقانونية، دون قيد ما على أي مسلم أراد التحول من مذهب إلى آخر «وكان الولاء للمذهبين: الحنفي والشافعي غالبا في العراق وسوريا ومصر. وحين استولى الأتراك العثمانيون على الحكم فيما بعد نجدهم يأخذون رسميا بالمذهب الحنفي. أما المذهب المالكي الذي انكمش في الحجاز، فقد انتشر في الشمال الإفريقي والأندلس، وانتشرت عقائد الشيعة انتشارا واسع النطاق في جنوبي العراق وأواسك آسيا والهند ومنطقة الخليج العربي. وأخذت بها فارس رسميا منذ بداية القرن السادس عشر».
ولقد طرح باب الاجتهاد تدريجيا، وحل التقليد محله، تبعا لاستقرار المذاهب الأربعة، التي أضحت قوانينها حينئذ محل السمع والطاعة، وكل خروج عنها بدعة، فكانت النتيجة الحتمية لتلك توقف التفكير الإسلامي، وانتشار التقليد في أمور الشريعة الخاصة، وفي العلوم العربية والإسلامية عامة، مع أن في هذا مخالفة صريحة لنصوص الدين ومفاهيمه، ومن شأن ذلك الحكم على المسلمين بجمود التفكير، ومعارضة نظرية النشوء والارتقاء والاستمرار في اتباع ما رسمه هؤلاء لأنفسهم وللمسلمين في زمانهم حتى يوم الدين.
«والحق أن الحكم الاستبدادي هو الذي شجع على سيادة الفكر المحافظ. ونتج عن ذلك أن أصيب الإسلام بمثل ما أصيبت به المسيحية في العصور الوسطى من تلبيس الدين عقائد غير عقائده، ونسبة الآراء الدينية الجافة إليه وهو منها براء. وحينئذ اشتد الخلاف بين أتباع السنة والنقل وبين من جعلوا من العقل مقياسا لكل شيء. ومرجع ذلك أن  الخلفاء مالوا إلى تقريب أتباع الفرق المحافظة، وأقصوا عنهم المفكرين الأحرار، خاصة حين بانت الحكومة في الدولة العباسية ذات طابع ديني استبدادي، فرسخت عقائد الدين متشحة بالتقاليد، وقررت حدودها، واضطهد أتباع  الفكر الحر شر اضطهاد. وما كاد يحل القرن الثاني عشر الميلادي حتى قضى على كل مفكر مبتكر، وطرأت على الفكر الإسلامي مرحلة ركود استمرت حقبة طويلة، وأثرت في الدين ذاته، فألبست الوحدانية ظلالا من الخرافات وقشور الصوفية، وبرز الأدعياء والجهلاء مروجو التعاويذ والسبحات الذين أوهموا الناس بالباطل والشبهات، وروجوا للحج إلى قبور الأولياء، والتماس الشفاعة منهم»(1).
وإلى جانب هؤلاء التقليديين وجد التقدميون المعتمدون على الإجماع للحط من شأن البدع، وعلى تعاقب الأجيال ارتفعت الاحتجاجات بين حين وآخر على التقليد ودعاته، وذلك على أيدي نخبة من كبار الفقهاء، من أمثال السيوطي (المتوفى عام 1505م) والجويني (المتوفى عام 1283م) وابن تيمية (المتوفى عام 1328م) الذين اعتنقوا مبدأ الاجتهاد، وإن كانت جهودهم في هذا الميدان ظلت فردية حينا من الدهر، ولكن مشاعر المسلمين عامة يومئذ كانت تسودها مبادئ قائمة على تجديد ما هو موروث بالفعل، وهذا المفهوم المرتبط بالماضي كان يولد شعورا بالاخلاد إلى الواقع وإن كان مرا، بالإضافة إلى إحساس خفي باضمحلال الأجيال المسلمة المتعاقبة، «فطبقا لحديث مشهور صرح الرسول صلى الله عليه وسلم بأن جيله هو أحسن الأجيال، وأن الجيل الذي يليه أقل درجة، ثم تأتي بعد ذلك أجيال كل منها أسوأ من سابقه. إلا أن
العقل الجماهيري عزى نفسه بأن كل قرن  سيشهد مجتهدا، ويتوقع ظهور المهدي الذي سيرسله الله لإعادة سلطة الأولياء، وللإعداد لظهور السيد المسيح، ونهاية العالم».
وطبقا لما رسخ في نفوس المسلمين من ضعف ومخاوف، نراهم قد تشددوا في التقليد، وظلت فكرة تجديد الدين وانبعاث مجدد على رأس كل مائة عام تراود أحلام الناس، على أن الذي كانوا يقصدونه بالتجديد هو إحياء السنة ومحو البدع، وبالتالي يتجهون في حياتهم اتجاها عمليا حين يأخذون في تجديد الفقه الذي عليه ترتكز دعائم حياتهم العلمية، وعليه يمكن استمرار الحركة التجديدية الهادفة إلى حماية المجتمع، والقضاء على المفاسد، لاسيما وأن الإسلام شريعته الأساسية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى تغييره متى أمكن ذلك(2).
ويعتبر ابن تيمية أبرز المجددين المسلمين قاطبة إذا ما أخذناه بنسبة عصور الركود التي عاصرت  الإسلام، كما أن تعاليمه لقيت اهتماما خاصا لدى الباحثين والدارسين، وأنها كانت سببا مباشرا في إلهام جيل المجددين المحدثين، والذين يذكر في طليعتهم محمد بن عبد الوهاب، «فقد استخدم –ابن تيمية- النقد الفعلي في تقديم الأفكار الإسلامية حول أصول الإسلام، وبذلك مهد للحركات العقلية الإسلامية التي ظهرت فيما بعد، وهو لم يقتصر على كشف عيوب المذاهب والاتجاهات الفكرية التي عكست أحوال المسلمين في عصره في النواحي الثقافية والاجتماعية والسياسية، بل إن نقده كان يهدف إلى الإصلاح، وإلى إعادة بناء المجتمع الإسلامي. وهو في نقده لم يجامل فريقا على آخر، بل أراد إسلاما وجماعة إسلامية، وأن يفصل بين ما هو إسلام وما هو دخيل عليه، وأن يوضح أن القرآن والسنة الصحيحة يكفلان سيادة الجماعة وقوة الفرد فيها(3)».

                              ابن تيمية وصلته بمذهب أحمد بن حنبل
                              منهج ابن  تيمية في الإصلاح والتجديد

ولد تقي الدين أحمد بن تيمية (1263-1327 م) في حران بتركيا، وأقام في دمشق ودرس فيها، وقد حج إلى مكة وسافر إلى مصر، وكان قد أتقن القرآن وعلومه، والحديث، والكلام ومناهجه، وسلك سنة الأقدمين. من آثاره «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية» وهو مطبوع في دمشـــق (1951 م) ومجموعة «الفتاوي» ويقع في خمسة أجزاء طبع بمصر (1911 م) ويقول الكتبي في «فوات الوفيات» أن مؤلفات ابن تيمية بلغت ثلاثمائة كتاب.
لقد لاحظ هذا المجدد أن القرآن الكريم كان الركيزة الأساسية لسيادة المسلمين الأوائل، وأن ما لحق مسلمي عصره من ذلة وضعف إنما لبعدهم عن دستورهم العظيم، وانضوائهم تحت لواء المذاهب دون قياس على هذا المصدر. و لذلك دعا ابن تيمية إلى تحكيم القرآن في تنقية المذاهب الإسلامية، واختبار آراء أصحابها، الذين وقف لهم بالمرصاد فاستعدوا السلطة عليه، فكان نصيبه السجن والتعذيب، وأخيرا قضى في السجن بدمشق.
إن ثقافة ابن تيمية مردها إلى منهج المذهب الحنبلي، ولا عجب فقد نشأ في أسرة ظلت تعتنق هذا المذهب جيلا بعد جيل.  وقد اشتغل بالتدريس تبعا لمذهب الحنابلة، وإن كان قد صرح في أكثر من مناسبة بأنه ليس تابعا لأي مذهب أو تلميذا لأي مدرسة، وإنما مقتف لأثر الرسول صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة، مستندا إلى القرآن والسنة وأقوال الصحابة والقياس، بالإضافة إلى اجتهاده في بعض الأمور، وعادى الإجماع فلم يأخذ به عدا إجماع الصحابة، وإن كان يعتبرهم فيه عرضة للخطأ باعتبارهم
أفرادا عاديين، ولكنه ولو قبل الإجمال كلية لترتب على ذلك قبوله لكثير من الأمور التي أوجدها اجماع الآخرين كالإيمان بالخرافات والمعتقدات، ولاسيما ما يتعلق منها بكرامات الأولياء وما إلى ذلك.
وإذا رجعنا إلى آراء مذهب ابن حنبل وأصحابه وجدناها منعكسة في آراء ابن تيمية، لصرف اهتمامه العلمي إلى النقد أكثر من الرأي، ودعوته المسلمين إلى الارتكاز على القرآن والسنة قبل أن يتجهوا إلى الرأي أو يحكموا العقل، على أن أثرا واضحا من آثار ابن حنبل ظهر على اتجاه ابن تيمية، وهو ما لوحظ على هذا الأخير من عدم تقيده بحرفية النص دون التفات إلى الظروف التي أحاطت به، فهو بهذا المنهج قد تحرر وتجرأ في كثير من آرائه عن ذلك الجمود التي كان طابع عصره، حتى كان هذا الجمود يذهب بهيبة الفقه الإسلامي وروعته(4).
لقد هاجم ابن تيمية الفقهاء المتعصبين وأشباه الفقهاء من المتصوفة وأماثيلهم، ودعا إلى هدم الأضرحة وعدم زيارة القبور، وله في هذا رسائل مؤلفة، نابذا القدسية التي خلعها الرافضة على المشاهد والمزارات. على أن ما لوحظ جيدا على هذا المجدد هو معارضته الشديدة للجدل الذي اتسمت به طريقة الفقهاء لتأييد آرائهم ومن ثم الظفر بخصمهم، وبالتالي فهو لا يميل إلى الفلسفة ولا إلى الفلاسفة، وليس من الخير لديه إقحام هذه المادة في علوم الدين باعتباره أن السلف لم يأتوها.
أما موقفه من الصوفية فهو يرى أن هذه الاتجاهات من التصوف إنما هي من آثار تعاليم الشيعة والملحدين «وهو يرجع ضلال الصوفية القائلين بالحلول والاتحاد وسقوط التكاليف إلى أصلين باطلين:
1- فهمهم لمعنى الوجود.
2- الاحتجاج بالقدر والمعاصي، أي ترك المأمورات، وفعل المحظورات؛ فإن القدر يجب الإيمان به ولا يجوز الاحتجاج به على مخالفة أمر الله ونهيه ووعوده ووعيده. وهو لم يشن الغارة على الصوفية فحسب، بل هاجمهم فيما ابتدعوه من رقص وغناء وطرب ووجد وشطح وغيبوبة، وما إلى ذلك.
ونعود إلى مسألة «الاجماع» وموقف ابن تيمية منها بدقة، فنرى أنه لا ينكر الإجماع مطلقا، بل يعتمد منه ما استند إلى رواية موثقة، وأنه يأخذ بالعرف الذي يعتمد على المصلحة الحقة، والقياس إذا كان على الطريقة التي استنها المشرع، وما عدا ذلك من الأمور فإنه لا يأخذ بها بل ولا يبني عن أهدارها طالما لا يساندها حق حتى ولو أجمع عليه الناس أو صار لديهم عرفا. وأما الاجتهاد فقد ارتضاه لكل مؤهل له ..(5)
هذا، ولا مراء في أن الحركات الإصلاحية في  العالم الإسلامي الحديث لمدينة لابن تيمية وآثاره، ولا أدل على ذلك من الدعوة الوهابية وما تلاها مما اعتمد على السلف، فقد عرفت بنزعتها إلى تعاليم ابن تيمية، حتى الحركة السنوسية في ليبيا، والدعوة المهدية في السودان، وما شابهها من حركات الإحياء التوحيدي التي عرفها العالم الإسلامي الحديث، وكانت خيرا وبركة على هذا الدين في معظم مبادئها إن لم يكن الحال في مجموع المبادئ لدى البعض منها.


(1) - د. أحمد عبد الرحيم مصطفى «حركة التجديد الإسلامي»، ص: 12-13.
(2) - الأستاذ أمين الخولي «المجددون في الإسلام» ج 1، ص: 13-31 (ط. 1965 م).
(3) - د. محمد البهي «محاضرات في الفكر الإسلامي في مرحلته الثانية» ص، 15، 45-46، (ط. 1957م).
(4) - 5- عبد العزيز المراغي: «ابن تيمية (سلسلة أعلام العرب)» ص: 18، 103، 123 – 124، 129-132، 173، 155.
(5) - 8- المراغي: نفس المصدر، ص: 57-1958م
.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here