islamaumaroc

جهود اللغويين المغاربة في البحوث اللغوية.

  دعوة الحق

187 العدد

انتشرت اللغة العربية انتشارا كبيرا بفضل الفتوحات الإسلامية، واتسعت رقعة الوطن العربي، وتكونت له حضارة لغتها عربية، وأدبها عربي، وثقافتها عربية، حتى إن أبا تمام قال:
بالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا
                    بالرقمتين وفي الفسطاط إخواني
وما أظن النوى ترضى بما صنعت
                   حتى تبلغني أقصى خراسان
ولقد مكن الله اللغة العربية ما لم يمكن لغيرها من اللغات. وصدقها السعي، وعقد آمالها بالفوز، فجعل منها لغة الدين، ومد بحبلها أسباب العلم، وبسط بعها ذرعة الفكر ووصلته في بقاع شاسعة واسعة من كوكبنا الأرضي.  وصارت بفضل كتاب الله الذي حمل رسالة الإسلام لغة إنسانية، باقية ما بقي هذا الدين و«أن أمما كثيرة تركت لغتها تتطور وتتفرع إلى لغات كثيرة دون أن تعنى بضبطها والوقوف في سبيل تطورها، ولكن علماء الإسلام عنوا بضبط لغتهم من أجل المحافظة على القرآن الكريم، فنشأت هذه الظاهرة العجيبة، وهي أنه لو قدر أن يحيا اليوم رجل مات منذ ألف سنة فسمع المتحدثين بالعربية لما أنكرها ولفهمها»(1).
و «لولا القرآن الكريم لكان من المشكوك فيه كثيرا أن يتوافر العلماء على وضع علم النحو، وعلوم البلاغة، واستقصاء المفردات وتحري مصادر الفصيح والدخيل .. ومما لا خلاف فيه أن اللغة العربية نشطت هذا النشاط،  وتقدمت هذا التقدم لأنها لغة كتاب مقدس يدين به المسلمون، وهو القرآن الكريم»(2). فاللغة العربية تجمع بين رسالة السماء، ورسالة الأرض، فيها شعر خالد، وفيها نثر خالد، وفيها القرآن. فبها يتعبد المسلمون، وبها يتلون كلام الله الذي أودع من العلوم النافعة، والبراهين القاطعة، غاية الحكمة وفصل الخطاب، وخص باللطائف الخفية والخصائص العلية، والدلائل الجليلة، والأسرار الربانية، وجعل في الطبقة الأولى من البيان، فعجز دونه الثقلان، واعترف علماء اللسان بما تضمنه من الفصاحة والبراعة والبلاغة، والإعراب والاغراب، وكان قولا فصلا ليس بالهزل، وحكما عدلا ليس بالجائر، وآية بادية، ومعجزة باقية.
وقد دخل العرب المغرب وحملوا معهم لغتهم، فلم تجد حرجا في الانتشار بين سكانه، لأن شقيقتها الفنيقية كانت قد مهدت لها السبيل، ويسرت لها ما أعضل من المنافذ، فقد جاء الفنيقيون وارتداوا
الشواطئ الأفريقية يؤسسون المصارف التجارية(3) في عدة مراكز ويبادلون البربر سلعهم  فيدفعون لهم بضائع كالأقمشة والأسلحة والأواني الخزفية ويقبلون في مقابلها منتجات الأرض الإفريقية وصناعتها كالصوف والجلد والعاج والأنعام والعبيد(4).
وكانت لغة السكان الإفريقيين هي البربرية القديمة المتحدة الأصل، وإن اختلفت لهجاتها بعض الشيء، حتى جاء الفنيقيون وسرعان ما تعلم البربر لغتهم واستعملوها في معاملاتهم. وعلى الأخص في  المدن حيث كانت هي لغة الإدارة والتجارة والمعاملات ولا يستغرب انتشار اللغة الفينيقية – والقرطاجنية على الأصح – بسرعة بين البربر (إذا ما أعدنا إلى الأذهان أن البربر والقرطاجنيين من أرومة سامية واحدة وأن الشبه عظيم بينهما، لا فيما يتعلق بالبنية والعنصر بل فيما يرجع إلى التفكير أيضا)(5).
وتغيرت لغة الحكومة والمعاملات بعد الاحتلال الروماني، فاحتلت اللاتينية مكان القرطاجنية، وتعلمها البربر أيضا، وبرعوا فيها، وألفوا فيها المؤلفات العديدة(6). ولعله لا يغيب عن الأذهان ذكر اسم أوغسطينوس أحد الكتاب والفلاسفة المشهورين فقد كان فيلسوفا وعالم لاهوت، حاول التوفيق بين الإيمان والعقل، وبرع منذ نعومة أظفاره في حفظ الأشعار اللاتينية والتعبير عنها بالنثر البليغ. ويروي لنا في كتابه الأول من اعترافاته كيف طغى الاهتمام بالبلاغة وحسن التعبير عنده على كل اهتمام آخر. وتعرض في الكتاب الحادي عشر من اعترافاته أيضا لدراسة مشكلة الزمان وخلق العالم، وعلاقة الزمان بالنفس الإنسانية، وهو يرى أنه لما كان الزمان في جوهره تغيرا وصيرورة، فإن الزمان لا يمكن أن يكون أزليا ما دام مثله كمثل باقي المخلوقات الأخرى. من حيث كونه مبتدئا، وإرادة الله قديمة كائنة قبل كل حدوث. و مفعولها هو المتعلق بالزمان، وليس بالنسبة لله «قبل» و «بعد» نظرا لأن الله هو الذي  يحدد الماضي والمستقبل، دون أن يخرج عن ثبات أزليته.
ولما بعث الله نبيه الكريم كان المغرب، من الميلاد التي شرفها الله بالإسلام، وبنوره وبهداه، وبقرآنه، وبلغته العربية التي أنزل بها، ووصل العرب إلى المغرب والأندلس اللذين ازدهرت فيهما الحضارة العربية الإسلامية ازدهارا كبيرا، وكان العلم من أقوى دعائمها، وولي الأندلسيون وجوههم شطر المشرق ينهلون من علمه وثقافته ويتلقون على علمائه ويقتبسون من الأئمة، وظلت الرحلة العلمية بين المشرق والمغرب ناشطة، وهبت نفحات هذا النشاط على بلاد المغرب، فظهر فيه علماء أجلاء ضارعوا علماء المشرق، وعنوا أكثر ما عنوا بالعلوم الشرعية والعلوم اللغوية، وبالقراءات والنحو.
«فنهضت المغرب تجاري الأندلس بحكم قرب الجوار واتحاد اللغة والدين، لذلك تشجم أفراد من الأندلس والمغرب الأسفار إلى المشرق ورووا عن علمائه واقتبسوا من معارفهم إذ لم يكن في مقدورهم الرحلات إلى البوادي ومشافهة الأعراب فيها كما صنع المشارقة، وقفلوا إلى المغرب والأندلس مزودين بعلوم المشارقة زيادة على ما جلبوا معهم من مؤلفاتهم، إلا أنه كان للمغاربة فضل السبق على الأندلسيين لقرب بلادهم من المشرق وبعد الأندلسيين منه»(7).
يقول صاحب الجلالة في خطاب له جامع مانع: «لقد اعتنق المغاربة الإسلام طوعا واختيارا، ورضى واستبشارا، إذ حمل إليهم من مكارم الأخلاق وسليم المبادئ، وصحيح الأحكام، وقويم النظم، ما سعدوا به أفرادا وجماعات، وأقبلوا على العربية لغة القرآن يتدارسونها، وعلى فنونها يتعلمونها ويعلمونها، 
وما لبثوا أن لمسوا ما فيها من المرونة والاقتدار على التعبير على أدق الصور المادية، والخلجات النفسية، واستمسكوا بها لسانا قوميا مبينا، وأحبوها حبا مكينا، ولما دلفت إليهم من المشرق ثقافة الإسلام وعلوم العربية ومعارف الأمم المتقدمة، استوعبوها واتقنوها، وتناولوها بآرائهم وأفهامهم، فأحكموا أناقصها، وأوضحوا غامضها، وفصلوا مجملها، وهذبوا حواشيها، وزادوا ببحثهم وجدالهم وتخيلهم وافتراضهم في غناها وثروتها، لم يكتفوا بذلك، بل أضفوا عليها من حلتهم وطبعوها بطابعهم حتى أصبحت لهم مدارس مذكورة، ومذاهب مأثورة في علوم الدين، وفنون اللغة، والمنطق، والفلسفة، والطب، والرياضيات، والتاريخ، والفنون الشعبية، وحتى صارت جامعات فاس، ومراكش، وسبتة، ومعاهد الأندلس التي عاشت طيلة عصورها الإسلامية تحت حكم المغرب، أو في كنفه، تضاهي جامعات أقطار الشرق العربي ومعاهده»(8).
وقد برع المغاربة والأندلسيون في النحو واللغة براعة فائقة، ولم يكونوا مقلدين لأقوال غيرهم من المشارقة دائما، بل كانوا يعارضونهم في كثير من المسائل، وكان لهم بذلك جهود مشكورة ومساع حميدة، وآثار لها قيمتها في اللغة وفي التحليل اللغوي، فاستحدثوا في النحو مذهبا رابعا إلى جانب مذاهب البصريين والكوفيين والبغداديين وهو المذهب المعروف بمذهب المغاربة والأندلسيين، وقد ظهرت مبادئ هذا المذهب من أوائل القرن الخامس الهجري، وهو يعد بحق فجر النهضة النحوية في هذه البلاد، ولقد كانت نهضة النحوية في هذه البلاد، ولقد كانت نهضة رائدها الحب الخالص لهذا الفن. فظهر في الأندلس والمغرب علماء ضارعوا علماء المشرق، وانتشرت دراسة النحو في سائر المدن، وكادت الأندلس تحكي صورة العراق في عصره الزاهر، فكان غير عبب أنه لما فسدت السليقة بالبادية أواسط القرن الرابع الهجري وانصرف علماء المشرق إلى درس ما حفظوه ودونوه من كلام العرب، أن يصنع كذلك بعد حين المغاربة والأندلسيون، في اجتزائهم بما نقلوا من السنة وكلام العرب المروي لهم عن علماء المشارقة والقواعد التي تلقونها منهم، فلم يرتحلوا بعد إلى المشارقة، وعكفوا على ما حصلوا عليه، وصدقوا العزيمة في تثمير ما عندهم(9)، حتى أصبح استثمارا مطردا تمت بفضله الحركة العلمية، وكثر العلماء وتباروا في تصنيف المؤلفات مع تنويع الانتاجات بين نحوية وغيرها، فتطلعت إليهم الأنظار في سائر البلاد الإسلامية، وملأت قرطبة الأندلس الأسماع وخلفت بغداد، ولاسيما في النحو الذي حظي منهم بما حرمه غيره من فنون أخرى، فقد سارت نهضتهم النحوية قدما حتى القرن السابع الهجري، إذ فيه  تسنم الذروة العليا من غاياتهم.
قال ابن سعيد المغربي ونقل كلامه المقري: «والنحو عندهم في نهاية من علو الطبقة حتى أنهم في هذا العصر فيه كأصحاب عصر الخليل وسيبويه، لا يزداد مع هرم الزمان إلا جدة، وهم كثيرو البحث فيه وحفظ مذاهبه كمذاهب الفقه، وكل عالم في أي علم لا يكون متمكنا من علم النحو بحيث لا تخفى عليه الدقائق فليس عندهم بمستحق للتمييز ولا سالم من الازدراء»(10).
ويرى ابن خلدون أن أهل صناعة العربية بالأندلس ومعلميها أقرب إلى تحصيل الملكة اللسانية وتعليمها ممن سواهم، لقيامهم فيها على شواهد العرب وأمثالهم، والتفقه في الكثير من التراكيب في مجالس تعليمهم، فيسبق إلى المبتدئ كثير من الملكة أثناء التعليم، فتنطبع النفس بها وتستعد إلى تحصيلها وقبولها، وحصول ملكة اللسان العربي إنما هو بكثرة الحفظ من كلام العرب، حتى يرتسم في خيال المتعلم المنوال الذي  نسجوا عليه تراكيبهم فينسج هو عليه، ويتنزل بذلك منزلة من نشأ معهم وخالط عباراتهم في كلامهم، حتى حصلت له الملكة المستقرة في العبارة عن المقاصد على نحو كلامهم،
وعلى قدر المحفوظ وكثرة الاستعمال تكون جودة المقول المصنوع نظما ونثرا(11).
ولم يقف نفوذ النحاة المغاربة عند حد معارضة نحاة المشرق في بعض مسائل النحو واللغة أو مخالفتهم في قضاياهما، بل أنه تكاثرت مسائل مذهبهم الجديد، وذاعت قواعده، وامتدت حياته، حتى أخذه عنهم المشارقة بعد أن ضعف شأنهم فقد تدفق كثير من المغاربة والأندلسيين على ديار المشرق، إما للحج أو للإقامة فنفحوها نفحات لا ينساها لهم التاريخ، ودرسوا النحو في مساجدها ومدارسها.
وما اعتناء المغاربة باللغة العربية وبعلومها إلا لاعتنائهم بالإسلام الحنيف وكتابه الخالد الذي لا يدرك أسراره إلا من تضلع من اللغة العربية وآدابها. ولا يجوز لمن يجهل اللغة والنحو والصرف والبيان أن يخوض في القرآن. ولا يزال المغاربة إلى أيامنا يقدرون علماء العربية، وتنفر آذانهم من اللحن الأعرابي. وكان الطلبة إلى عهد قريب يرددون في بعض المدارس المغربية قول الشاعر:
النحو زين للفتى
                يكرمه حيث أتى
من لم يكن يعرفه
                فحقه أن يسكتا
كما كان كثير من علمائنا السابقين يرون حق تقدم النحو على سائر العلوم لأنه هو القنطرة الموصلة إلى المعرفة المضبوطة، وبه يعرف صواب الكلام من خطائه، ويستعان بواسطته على فهم سائر العلوم ولذلك قيل:
النحو يصلح من لسان إلا لكن
                والمرء تكرمه إذا لم يلحن
وإذا طلبت من العلوم أجلها
                 فأجلها نفعا مقيم الألسن          
                            
(1) - القرآن الكريم وأثره في الدراسات النحوية، تأليف عبد العال سالم مكرم، ص: 345، مطابع دار المعارف بمصر 1968.
(2) - المرجع السابق، ص: 346.
(3) - عربها محمد المرزوقي بكلمة comptoirs الفرنسية.
(4) - قابس جنة الدنيا، تأليف محمد المرزوقي ص: 113، مكتبة الخانجي بمصر، ومكتبة المثنى ببغداد، 1962.
(5) - المرجع السابق، ص: 116.
(6) - المرجع السابق، ص: 117.
(7) - نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة، تأليف محمد الطنطاوي، ص: 187 بتعليق عبد العظيم الشناوي ومحمد عبد الرحمن الكردي، ط. 2، 1969، مطبعة السعادة.
(8) - من خطاب ألقاه جلالته بالجامعة المصرية عندما قلد الدكتوراه الفخرية، الأحد 11 ذو القعدة 1384، 14 مارس 1965 (انبعاث أمة ج 10، ص: 90-91).
(9) - نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة لمحمد الطنطاوي، ص: 188.
(10) - نقلا عن المرجع السابق، ص: 190.
(11) - مقدمة ابن خلدون، الفصل الخمسون، ص 1083،  ط. 3، مكتبة المدرسة ودار الكتاب اللبناني بيروت 1967.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here