islamaumaroc

التطور والتصور الإسلامي

  دعوة الحق

187 العدد

التطور صنم من أصنام الفكر الحديث بدون منازع، فله دانت العقول وخضعت وتعلقت في شتى الأشكال والصور. فلم يعد هناك من علم أو معرفة أو تصور أو مذهب أو بحث ودراسة إلا وجعلت منه ركيزتها، أو منطلقها ومرشدها وغايتها .. نجد مفهوم التطور في كل مذهب فلسفي  وفي كل علم من العلوم الإنسانية، وفي كل ميدان من الميادين الفكرية. وفي كل ذلك نجده عندهم حقيقة علمية وتفسيرا مبدئيا لكل المظاهر.
والذي يجعلنا نتوقف قليلا مع هذا  الصنم الفكري الجديد، أن كثيرا من المسلمين تقبلوه دون تمييز أو تمحيص، وألهوه كغيرهم من المفكرين الغربيين، ولا نقول أن لهم عذرا لأنها فترة تأثر بالحضارة الغربية، وأن هذا الانسياق مفروض عليهم، فمن كان يحمل رسالة ضخمة ورفيعة، ومن كان يملك تصورا وتفسيرا لكل مظاهر الحياة، كان الأولى به أن يقارن ويماثل بين المفهومين والتيارين إما أن يهمل مفهومه وتصوره وتفسيره لينساق مع صنم التطور الذي قدمته وتقدمه الحضارة الغربية وهو جزء منها فأمر فيه خطأ وانحراف، ولابد من و قفة تشجبه.
وقد يتساءل المرء وكيف؟ كيف يمكننا تصويب هذا الركام الخاطئ أو هذا الانحراف الفكري وقد أصبح التطور على لسان كل قوم، وهدفا لكل جماعة في عقائدها وفي عاداتها، في علومها وفي مهاراتها؟! هذا تساؤل معقول لولا أن الأمور قد اختلطت وتشابكت، وتشعبت، فغمضت المفاهيم على الإنسان فلم يعد يفرق بين تطور وتطور، بين تخريج فلسفي لمفهوم التطور ونمو أو تغير أو تبدل يحدث فعلا في مظاهر الكون والحياة، بين منهج يبحث مراحل نمو الشيء أو فنائه ومفهومه ميتافيزيقي يجمع ملايين المخلوقات في ملايين السنين في قالب واحد وشجرة واحدة .. بين نمو مخلوق من المخلوقات في أطوار ومراحل بعناية الخالق وتقديره وتدبيره حيث الانضباط والانتظام والضرورة ونمو خالق لنفسه منظم لصدفه بل ومعقد لتركيباته التطورية على إيقاع منظم حيث تجتمع العشوائية والحتمية في إطار  تناقضي لا تبين معالمه.

نشأة مفهوم التطور:
إذا وقفنا وقفة مع علماء التطور وجدنا بعضهم يفهمه كمجرد مراحل ضرورية تقطعها الأشياء والأحياء. وموقفهم هو ضبط هذه المراحل الخاصة بكل كائن، أو ضبطها ضمن علاقاتها مع الكائنات والأشياء الأخرى. وهم بذلك لا يخرجون كلمة التطور عن منهج من مناهج البحث التاريخي للأشياء والأحياء ولا يطرحون مفهوم التطور كتخريج فلسفي تفسيري للكون والحياة .. وموقف الإسلام من ذلك واضح جدا من آياته القرآنية التي تدعو إلى البحث والنظر في المخلوقات التي خلقها الله سبحانه.
قال تعالى في سورة الأعراف: 185:
«أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء».
وقال تعالى في سورة الغاشية: 17
«أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت».
وعكس هؤلاء نجد علماء يفهمون التطور كناموس وقانون يسري على جميع الأشياء والأحياء. ويفسرون به كل المظاهر والحوادث والمخلوقات في إطار واحد .. وهم وإن اتفقوا في النظرية العامة فهم يختلفون في الناموس الذي يسير عليه التطور، فالبعض يجعله تآلفا وتكيفا والبعض يجعله انتقاء واصطفاء طبيعيا والبعض يجعله صراعا جدليا في المادة و في الحياة.
وهذا المفهوم التطوري يفسر إشكاليات نشأة الحياة وتطورها، ونشأة الإنسان وتطوره والقانون العام الذي يتحكم في هذه النشأة وهذا التطور والملاحظة الأولى على هذا الطرح في الأساس أنه يبعد الاعتقاد في الإله الخالق ويؤكد على الخلق الذاتي والتلقائي!
بهذا الإبعاد يصبح الأمر أمام تخريج فلسفي محض وليس وصفا لواقع حقيقي، مما يجعل مفهوم التطور في أوله مفهوما إيديولوجيا قبل كل شيء بل ومفهوما سياسيا كذلك، يرتبط بالنزعات القومية والعنصرية في الحضارة الغربية وبالتالي بالحركات الاستعمارية الاستغلالية التي عمت العالم(1).
وحقيقة مفهوم التطور في جذورها بدأت مع النهضة الأوربية .. فأوربا التي كانت تحت أقدام الجهل والجمود هزتها الحضارة الإسلامية فبدأت تنتعش في جميع ميادين الحياة وبدأت تتغير معالمها الثقافية والاجتماعية والحضارية مما أوحى لأوربا بفكرة التقدم التي ارتبطت فيما بعد بالتصور العام للحضارة الغربية. ففترة النهضة ومعالم التغيير فيها، كانت عاملا أساسيا لانبثاق وانتشار مفهوم التقدم وقد أثرت المفاهيم الفلسفية أولا ثم العلمية ثانيا في تحوير وتطوير هذا المفهوم إلى التطور الشامل ووسعت تطبيقاته بل جعلته المفهوم الأولي للحضارة الغربية الحديثة والمفهوم المعادي لكل فكر سابق على مرحلة النهضة، وقد بلغ هذا المفهوم أشده في فلسفة وعلوم القرن التاسع عشر، العصر الذهبي لمفهوم التطور.
أدلة التطوريين:
يستدل بعض علماء البيولوجيا على مفهوم التطور بسبعة فروع مختلفة من علوم البيولوجيا. وهي علم التشريح المقارن وعلم الأجنة وعلم التقسيم وعلم الحفريات وعلم التوزيع الجغرافي للحيوانات والنباتات وعلم وظائف الأعضاء أو الفسيولوجية وعلم  الوراثة وعلم استئناس الحيوانات والتربية الانتقائية. ويمكن القول أن الأدلة مستنبطة من فرع واحد وقد تكون كافية تماما بمفردها ولكن لو أخذت الأدلة من جميع الفروع لتأكد لنا  حقيقة التطور(2).
هذا ما يراه المؤيدون لمفهوم التطور في اعتمادهم على علم البيولوجيا، في حين نرى أن هذا التأكيد ليس أساسيا، فمن الممكن أن نؤكد بنفس الحقائق البيولوجية على تفسير آخر مناف لمفهوم التطور. فعلم التشريح مثلا، يؤكد على التشابه مع الاختلاف، في الأجزاء المختلفة في مجموعات أصغر كالحشرات أو الأسماك أو الطيور أو التدييات. وبمعنى آخر لو درسنا جهازا معينا في الأمثلة المختلفة من الحيوانات في مجموعة ما فسيشعر
الباحث حتما، أن هذا الجهاز أو التركيب مشتق من نموذج أولي يختلف اختلافا طفيفا في الأجناس المختلفة لهذه المجموعة ويؤكد هذا التسابق في التصميم الأساسي حقيقة التطور(3).
ويمكن ببساطة أن يقطع ويقتنع أن البحث والتصنيف كان علميا ووصفا حقيقيا ولكن تركيب نظرية تطور على أساس ذلك ليس علميا بالمرة وإنما هي تخريج فلسفي بحث، وعطاء نظري لا غير، ويمكن أن يرد بتفسير آخر، أي بثبات التصميم في الكائنات الحية أي وحدة التصميم مع تعدد الأشكال وتنوعها بحيث إذا كانت المخلوقات نشأت عن مواد عضوية ومن خلايا حية على أساس من التآلف والتكيف أو الانتخاب والاصطفاء، فلماذا لا يفترض أن كل نوع خلق بنفس الطريقة ولكن مستقلا عن غيره، بمعنى غير منحدر منه. تبقى إمكانية التهجين والتلقين والتزاوج قائمة فحسب في إطار النوع الواحد. فنجد الأصل خلايا ذات تصميم واحد مع  تعدد الأنواع حسب نشأة كل  نوع على حدة، وخلايا ذات تصميم واحد مع تعدد الفصائل في النوع الواحد. فالتصور الإسلامي يؤكد هذا التعدد في الفروع والفصول ضمن وحدة أساسية متماثلة خاضعة لقدرة الخالق وتدبيره.
قال تعالى في سورة الأنعام: 38
«وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون».
وقال تعالى في سورة الأنعام: 102
«ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه».
وقال تعالى في سورة لقمان: 28
«ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير».
وإذا تساءلنا وأين هي عمليات التطور؟ كان الجواب: إن ذلك لغو. هناك تغير يحدث، ونمو يطرأ على هذه الأنواع والفصائل فمنها من يولد ومنها من يموت ومنها من يقصر ومنها من يطول ومنها من يعرض ومنها من يرق ولكن تربتهم واحدة وماؤهم واحد، وخلقتهم واحدة في تصميمها وخالقهم واحد. وما الاختلاف والتشابه إلا مجرد تعدد في الأشكال والأنواع.
قال تعالى في سورة الأنعام: 99
«هو الذي أنزل من السماء ماء فاخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أُثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يومنون»..
وقال تعالى في سورة الرعد: 4
«وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من عناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون».
وقال تعالى في سورة يس: 36
«سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما يعلمون».
وإذا تساءلنا بعد هذا لماذا وجدت هذه المظاهر المتشابهة سواء في القطعة الواحدة أو على طول الزمن؟! لما كان الجواب صعبا، فليس ذلك دليلا على علاقة قربى بين المخلوقات المختلفة وترابطها بأي شكل وإنما هو خضوع لوحدة المكان والزمان أي الأرض والسماوات ولأحدية الخالق أو بمعنى أوضح الألوهية لله والعبودية للخلق.
قال تعالى في سورة الأنعام: 38
«إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلك الله فأنى توفكون».
وقال تعالى في سورة الأنعام: 102
«ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل».
وقال تعالى في سورة الرعد: 16
«أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار».
وليس أدل على هذه الوحدة في الخلق وفي التصميم وفي الخالق من علم الأجنة لو ما حاول أن يثبته «فون بيير» من وحدة النمو في الأجنة المختلفة وتشابهها في الأطوار الأولى واختلافها في الطور الأخير فحسب. بمعنى أن هذا العلم يدل فقط على وحدة أطوار الأجنة مع استقلالها وتنوع خلقها. مما يجعل بالتالي الأقسام التصنيفية من أنواع و أجناس وعائلات وفصائل ورتب وشعب والتي تشبه إلى حد كبير فروع  الشجرة العائلة كما يقول التطوريون في علم الأقسام، ليس إلا دليلا آخر على اكتمال وكمال وحدة الخلق مع التعدد الممكن. و رغم أنهم يحاولون الاستغاثة بعلم الحفريات لإثبات هذه  الشجرة المائلة ذات الفروع على مدى العصور حيث يقولون بتعاقب السجل الحفري من كائنات بسيطة للغاية إلى كائنات أكثر تعقيدا أو تخصيصا فيبدأ بحيوانات تختلف اختلافا كبيرا عن الحيوانات الحديثة ثم أعقبتها تدريجيا حيوانات أخرى أكبر شبها بحيواناتنا الحديثة حتى تمتزج تلك الحيوانات بالتي تعيش في وقتنا .. وهذا قد يوحي بالتدرج أو ما يسمونه التطور.  وخاصة عندما نرى المراحل تتعاقب، ولكن مع ذلك فإن الحيثيات المحيطة تبقى إمكانية تفسير آخر غير التطور. فانقراض صنف من الأحياء دليل على الانحسار فيه خاصة بمعنى توقفه عن الاستمرار والتقدم، ودوام بقاء أحياء أخرى كالتي تسمى دهرية (400مليون سنة) دون أن ينقرض منها أي نمط دليل على جمودها وبالتالي على نفي التطور. وتواجد هذه المخلوقات الأولية مع المخلوقات المعقدة الراقية حاليا دليل آخر على اضطراب شجرة السجل الحفري التطورية، وخاصة أن السجل الحفري لم يثبت فيه خروج نوع من نوعه أو تحوله إلى نوع آخر فالحصان لم يخرج عن كونه حصانا والإنسان لم يخرج عن كونه إنسانا .. فتحول الأنواع لم يثبت بالدليل القاطع لأن أنصاره لم يذكروا حتى الآن مخلوقا واحدا تحول من نوع إلى نوع بفضل الانتخاب الطبيعي أو تنازع البقاء أو البقاء للأصلح أو حتى الصراع الجدلي(4).
وهكذا يبقى التغير الحادث ليس إلا عمليتي الخلق والفناء في حد ذاتهما في إطار تأثير الوحدة الأرضية ومعطياتها في إطار وحدة التصميم مع تعدد الأنواع.
وعلم وظائف الأعضاء هو الآخر يثبت وحدة التصميم وتشابه جميع الحيوانات أساسيا في عمليات النمو الغذائي والحساسية والإنفعال والتكاثر وغيرها بالرغم من وجود اختلافات كثيرة في تفاصيل هذه العمليات ولاشك أن تأكيد التطوريين على الأصل المشترك وعسر تفسير ذلك في نظرهم بأية فكرة أخرى ليس إلا غلقا لباب البحث والتأمل. وتأكيدا لنظرية دون أن يكون هناك عطاء علمي وفعلي يؤكدها. فكل تلك الأدلة المقدمة يمكن تفسيرها بوحدة الخالق ووحدة  الخلق ووحدة المكانية. يمكن تفسيرها باكتمال وحدة الخلق  وكمال وحدة الخالق.
وبطبيعة الحال فإن التغير الذي يطرأ في العالم على الكائنات والأشياء هو تغير يتساوق مع نواميس الكون وقوانينه. فهو تغير ضروري مرتبط بعالم الحركة، عالم الموت والحياة، عالم البناء والهدم، والتقدم والتأخر ... وإن هذا الذي يسمى تغيرا في مظاهر الكون والحياة إذا سميناه تطورا نكون قد أجهضنا الجانب السلبي التقهقري في مفهوم التغير القابل للأحسن والأقبح معا، بحكم أن التطور مفهوم يقود دائما إلى الأفضل والأحسن وهذا ما يزيل الالتباس والخلط بين المفهومين: مفهوم التطور كتخريج فلسفي محض ومفهوم التغير كواقع فعلي وعملي. وبالتالي يبطل الاحتجاج بما يحدث من نمو أو تراكم للأشياء على صحة مفهوم التطور حيث ينقلنا إلى مساحة أوسع، وتصور أبعد مدى من مفهوم التطور ذاته. مفهوم يجمع الزوجين معا ودائما، وكلما تجمعت الإمكانات لهذا أو ذاك في هذا الوجود. ومن الطبيعي أن مفهوم التطور لا يهتم لهما معا، ولا يعبر عن الشقين أو الزوجين ولا يصفهما فيتضخم جانب التطور والتقدم على جانب الانحسار والتراجع. وهذا يجعلنا نتجاوز عمليات التغير كما نشاهدها في مظاهر الكون نحو الأحسن والأفضل أو نحو الأسوء والأقبح إلى مفهوم أحادي النظرة، مفهوم تجريدي لا يستند إلى الواقع بقدر ما يستند على التخريج الفلسفي.  ولهذا فالاحتجاج بعمليات التغير التي نلمسها في الحياة الواقعية لاثبات مفهوم التطور هو احتجاج باطل، وناقص، لا يقدم إلا جزء من الحقيقة الواقعة، وبالتالي فإن مفهوم التطور ليس مفهوما واقعيا، ولا مفهوما علميا، يعبر عن واقعية يومية أو تجربة حية كاملة، وإنما هو انتشار لمفهوم فلسفي
إيديولوجي سياسي نشأ مع النهضة الاوربية وتفاقم مع الحركات القومية العنصرية والاستعمارية للتعبير عن الديناميكية الغربية.
الله الخالق أم التطور الخالق؟!
أما أبعاد العطاءات لإثبات التطور نجد عند بعض المومنين تأكيدا على أنه لا يتنافى مع عقيدة الأديان .. وهذه فكرة خطيرة جدا وأصحابها إما يعون أخطارها ويرددونها لاستغفال الناس. و إما أنهم لا يدركون فعلا الهوة السحيقة بين مفهوم التطور في فلسفة الغرب عموما والتي بلغت إلى تأليه التطور وسموه بالتطور الخالق كما في فلسفة برجسون مثلا. وبذلك جعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله .. نقول هذا ونحن نعلم أن ليس في الإسلام ما يؤيد أو ينفي نظرية التطور لأن القرآن الكريم أرفع شأنا من هذه النظريات، و يؤكد فحسب حقيقة واحدة وهي الألوهية لله  والعبودية للكون والحياة. وأما تفاصيل ذلك وكيفية ذلك فللعلم والاكتشاف العلمي كلمته الأخيرة. فالتصور الإسلامي لا يعارض حقيقة من حقائق العلم ولا يضيف مفهوما أو تصورا جديدا يغاير الحقائق التي تقدمها علوم البيولوجيا. وكل ما توصل إليه هذا العلم من حقائق بغض النظر عن مفهوم التطور الفلسفي لا يعارض التصور الإسلامي في شيء.  فكل ما في  الأمر أن مفهوم التطور الذي اكتشفه الغربيون وروجوا له وأضافوه إلى الحقائق العلمية في البيولوجيا، جعلوه خالقا في الميدان الفلسفي. وأما التصور الإسلامي فيقرر ما يتوصل إليه العلماء دون أن يضيف مفهوما جديدا غير ما أقره هؤلاء في أبحاثهم. فإن قالوا إن المخلوقات متشابهة في أعضائها المختلفة، وفي نظام خلاياها، وقالوا أن الحيوانات متعددة الأشكال والأنواع والفصائل وبينوا ما بينها من تقارب أو تباعد .. فهذا كله يحث الإسلام على التعرف عليه و ضبطه وإتقان علومه. ومن هنا نجد أن إشكالية الاختلاف بين مبدأ الخلق الديني ومفهوم التطور ليست إشكالية صحيحة، فالتطور مجرد مفهوم  فلسفي وليس بحقيقة علمية والتعارض معه ليس تعارضا ذا خطورة على أي موقف علمي لأن الإشكالية في وضعها الصحيح إن كانت قائمة فهي بين الخلق والحقائق العلمية وليست بين الخلق والتطور لأن الخلق في ذاته لا يناقض التطور في ذاته كنمو، كجزء من عملية التغير التي تطرأ على المخلوقات سواء على الفرد منذ ولادته إلى مماته أو النوع منذ خلقه إلى انقراضه. فهذا النمو في المخلوقات أو التراكم والتكدس في الأشياء والمعرفة أو التقنيات نتيجة طبيعية فطرية في العلاقات القائمة في البيئة والتكيفات معها للاستمرار في البقاء أو الانقراض والفناء. أو نتيجة إرث وراثي يثبت ذاته في جميع الإمكانات وجميع أنواع الظروف المقدمة أو أنها كل هذه الحيثيات مجتمعة! فنحن لا نجد في كل هذه الحالات تعارضا مع مبدأ الخلق اطلاقا، لأن وحدة الخلق وما يمكن تسميته بوحدة تصميم الخلق في الكائن الحي وفي الكائن المادي، وبالتالي إمكانات التعدد والتشكل في هذا الإطار من وحدة الخلق يجعلنا أمام تشابك كامل بين الخلق والتغير  والتحول والتبدل ويجتمعان معا دون تناقض.
ونحن إذا وقفنا مع يوسف عز الدين عيسى في تأييده للتطور العضوي للكائنات الحية نجده يسرد أدلة علماء البيولوجيا على التطور ثم ينتهي إلى إثبات الخلق ووحدته ومع ذلك لا يشعر بأي تناقض أو تنافر بين التصورين وكان مفهوم التطور هو نفسه حقائق البيولوجيا.
يقول: «فتشابه الحيوانات في الإطار الأساسي لتكوينها هو في نظري يدل على وجود أسلوب واحد للخلق يبدعه خالق واحد، أحد، فعين القطة مثلا لا تختلف في تكوينها عن عين البقرة أو الأرنب أو الانسان .. حتى أن دراسة عين البقرة في معامل كليات العلوم تغني عن دراسة عين الإنسان وكذلك الجهاز الهضمي والجهاز العصبي والغدد الصماء وغيرها من الأعضاء في شتى أنواع الحيوان .. تدل على أسلوب واحد للخلق كما ذكر الدكتور أحمد زكي في إحدى مقالاته في مجلة العربي ولا يمكن أن نتصور بأي حال من الأحوال جهازا دقيقا معقدا غاية التعقيد كالمخ، قد يكون من تلقاء نفسه نتيجة للصدفة العمياء»(5).
أو نجده يكتب في الأهرام تحت عنوان: «هل هو الله أم الطبيعة»(6):  إن هذا التخطيط الدقيق لابد أن يكون من فعل خالق مدبر مخطط إذ أنه لا يمكن أن يحدث شيء بطرق مختلفة ليؤدي إلى نتيجة واحدة
عن طريق الصدفة والشيء الثاني الذي يدل عليه هذا هو أن الخالق واحد أحد إذ أن أسلوبه في الخلق يبنى على أساس واحد ويؤدي إلى نتيجة واحدة لا تتغير».
أو يكتب: «ولو لم توجد المخلوقات منذ البداية على هذا النحو من التصميم الدقيق لما استطاع الحيوان أن يحيا وأن يستمر في الوجود إذ أن مثل هذه الأشياء كما ذكرت لا تحتمل التجربة التي تخضع للتخبط بين الخطأ والصواب، لابد أن يكون وراء كل هذا فكر خلاق وقدرة عليا تخطط وتدبر للوصول إلى نتيجة معينة وهدف مرسوم»(7).
وخلاصة هذا أننا نقف أمام مفهوم التطور موقفين لا يتناقضان مع الإسلام اطلاقا: الأول حقائق البيولوجيا كعلم لا كتخريج فلسفي لنظرية التطور، والثاني مفهوم التطور المؤمن الذي لا ينفي الخالق بل يجعل التطور نموا ومراحل ناتجة عن قدرة إلهية وتقدير وتدبير إلهي في إطار عملية التغيير الأكثر عمقا وشمولا على أساس من التوازن والقدرة والتقدير والحق. وبمقارنة هذا الموقف الأخير بالتصور الإسلامي يظهر تشابههما ووحدة نظرتهما إلا في كلمة التطور التي تبرز كتأثر بالموقف الإيديولوجي من الحضارة الغربية وفي هذا نوع من الإنهزام وبالتالي الانحراف عن ما يقرره الإسلام.
فمفهوم التطور إذن يطرح قضيتين أساسيتين هما نشوء الحياة في وسط طبيعي عن ظروف خاصة لا علاقة لها بأية قوة غيبية وتطور المخلوقات وتحولها وتعددها من بعضها البعض نتيجة تقدم وتحسن في بنياتها وتراكيبها مما يجعلها تنتقل من الأبسط إلى الأعقد، ويستدل على ذلك بأدلة مستخلصة من علم البيولوجيا وفروعه. أما التصور الإسلامي فيؤكد على القضيتين بمنظور مختلف عن مفهوم التطور. فالحياة نشأت بقدرة الله  وإرادته وتدبيره، ولا تهم شروط وظروف هذه النشأة في تقرير هذه الحقيقة فذلك  زيادة في المعرفة والعلم، فكيفما كانت هذه الشروط وهذه الظروف فهي خاضعة لتدبيره وتقديره وقدرته سبحانه. وهذا لا يناقض ما توصل إليه علم البيولوجيا في استقصاءاته وفي تجاربه المختبرية من حقائق علمية ولا يناقض بالتالي ما يحدده هذا العلم من حيث ظروف وشروط نشأة الحياة .. وأما تطور الأنواع وتمديدها فيقرر التصور الإسلامي فيها نفس ما يقرره علم البيولوجيا من وحدة تصميم المخلوقات وتشابهها مع تعددها واختلافها، فهناك تشابه من جهة، واختلاف من جهة أخرى. وهذا لا يتنافى مع وحدة الحياة واستقلال النشأة والتكوين في كل مخلوق وفي كل نبات كما لا يتنافى مع المحافظة على النوع واستمراريته على أساس من التناسل والوراثة.
وهكذا نجد أنفسنا ننتهي إلى أن التصور الإسلامي يتلاءم مع حقائق علم البيولوجيا من جهة ويتنافى مع مفهوم التطور كمفهوم إيديولوجي للحضارة الغربية من جهة أخرى.
تصويبات في الفكر الإسلامي:
وإننا لنجد بعد هذا، محاولات أقحمت مفهوم التطور في كل الأبحاث وحتى فيما يخص عقائدنا الإسلامية وأصبحت تقريبا مدرسة على مر الاجيال، وهي معبرة عن انحراف خطير ومفهوم خاطئ.
فهذا محمد عبده وهو من أئمة المسلمين يذهب مذهبا فريدا مجاريا  مذهب التطور عند الغربيين، فيرى أن وظيفة الرسل واحدة ولكن بينهم اختلاف في صور العبادة والشرائع والمناهج، ويعلل ذلك بسنة التدرج في تربية الأشخاص وتربية الأمم وأن ذلك من البديهيات التي لا يصح الاختلاف فيها ..
يقول: (8)«جاءت أديان والناس في فهم مصالحهم العامة والخاصة في طور أشبه بطور الطفولة ..».
ثم يشبه الناس بالناشئ الذي لا يألف إلا ما وقع تحت حسه ويصعب عليه أن يضع الميزان بين يومه وأمسه فأخذته الأديان بالأوامر الصادعة والزواجر الرادعة وطالبته بالطاعة وحملته فيها على مبلغ الاستطاعة وفرضت عليه من العبادات ما يليق بحاله هذه» .. ثم يذرك كيف أن الكوارث والحوادث لقنت الإنسان شعورا أدق من الحس وأدخل في  الوجدان على حد تعبيره فجاء الدين يخاطب العواطف ويناجي المراحم ويستعطف الأهواء .. فشرع للناس من شرائع الزهادة ما يصرفهم عن الدنيا بجملتها ..
وسن سننا في عبادة الله تتفق مع ما كانوا عليه ..»، ثم يرى أن الإنسان لما بلغ أشده بعد أن صقلت الحوادث عقله جاء الدين فخاطب عقله مع إشراك العواطف والإحساس في إرشاد الإنسان إلى سعادته الدنيوية والأخروية» ..
وهكذا فإن محمد عبده قد صور الدين والعبادات والأحكام خاضعة لتطورات وتدريجات في إيقاع ثلاثي (إيقاع في أصله مسيحي وثني) فقد بدأ بالحس والزجر ثم  تلاه بالعاطفة والزهادة ثم ختمه بالعقل والسعادة. ونلاحظ على هذا أن المميزات التي لاحظها واعتمدها في تطور الدين وتدرجه لا دليل قاطع عليها. فهذا الفصل النهائي بين المميزات أمر مشكوك فيه لأن الإنسان قديما وحديثا كان يستعمل حسه وعاطفته وعقله في كل تصرف فهذه أمور متواجدة دائما وأبدا في كيان الإنسان. والأديان السابقة لابد وأنها اعتمدتها جميعها. فالدين واحد والتشريع واحد والخالق واحد .. وبالتالي فقد أثبت العلماء أن الإنسان في الفترة البدائية فترة الحس كان يعرف التجريد الخالص، أي التوحيد الخالص، ويقول الدكتور سامي النشار: «وقد أدت دراسات عقائد القبائل البدائية إلى اكتشاف خطير في تاريخ الأديان إذ أنها قررت بشكل علمي وعلى أساس قاطع الصلة الكاملة بين الفطرة والتوحيد»(9).
ومما لا شك فيه أن محمد عبده بمنهجه هذا قد فتح الباب لتلاميذه ليغرفوا من الحضارة الغربية شكلا ومضمونا. فالعقاد مثلا في كتاب «الله» خطا خطوات أكثر جرأة من أستاذه. فالتدرج الذي استعمله عبده عن استحياء واقتصاد استبدله العقاد بكل بساطة بالمدلول الحقيقي للمفهوم الغربي وباستقصاء شمولي لتطور العقائد مع تبين كامل لمفاهيم الغرب حول تاريخ الأديان.
والعقاد يرى أن الحقيقة الكبرى لا تتجلى دفعة واحدة ولابد لها من التطور من عصر إلى عصر ومن أسلوب إلى أسلوب حتى تستطيع البشرية أن تتلقاها. يقول العقاد: «إن الحقيقة الكبرى أكبر من أن تتجلى للناس كاملة في عصر واحد، وإن الناس يستعدون لعرفانها عصرا بعد عصر وطورا بعد طور وأسلوبا بعد أسلوب»(10).
وحجة العقاد في ذلك علم الأديان المقارن هذا العلم الذي أنشأته الحضارة الغربية وغذته بروحها وصبغته بإيديولوجيتها. يقول العقاد: «إن العالم الذي يخطر له أن يبحث في الأديان البدائية ليثبت أن الأولين قد  عرفوا الحقيقة الكونية الكاملة منزهة عن شوائب السخف والغباء إنما يبحث عن محال».
وقد أهمل العقاد فيما ذهب إليه أمرين اثنين أهمل القرآن كوثيقة لا يمكن الطعن في مدلولها عن صفاء التوحيد منذ آدم أول إنسان على البسيطة، وأهمل النظريات المؤلهة في علم الاجتماع الديني واستند فحسب إلى نظريات المذهب الطبيعي والحيوي فقط. والدكتور النشار يذهب إلى أن بعلم الاجتماع الديني وتاريخ الأديان وتاريخ الأجناس والأنتولوجيا أصبحت فكرة وجود إله أسمى مسلمة وأن الأبحاث من مختلف الدوائر قد أيدتها وتطابقت معها تطابقا  تاما  .. (11).
ومن هذا نصل إلى أن كلمة العقاد «التطور في الديانات محقق لا شك فيه» قول باطل من أساسه فما توهمه تطورا ليس إلا إعراضا عن الفطرة والتوحيد ..
هذا وقد تعرض سيد قطب في تفسيره في ظلال القرآن إلى تفنيد هذا الرأي وهذا المذهب فقال:
«وهذه الحقيقة، حقيقة أن أول عقيدة عرفت في الأرض هي الإسلام القائم على توحيد الدينونة والربوبية والقوامة لله وحده تقودنا إلى رفض كل ما يتخبط فيه من يسمونهم علماء الأديان المقارنة، وغيرهم من التطوريين الذين يتحدثون عن التوحيد بوصفه طورا متأخرا من أطوار العقيدة سبقته أطوار شتى من التعدد والتثنية للآلهة ومن تأليه القوى الطبيعية وتأليه الأرواح وتأليه الشموس والكواكب إلى آخر ما تخبط فيه هذه البحوث التي تقوم ابتداء على منهج موجه بعوامل تاريخية ونفسية وسياسية معينة، يهدف إلى  تحطيم قاعدة الأديان السماوية والوحي الإلهي والرسالات من عند الله  وإثبات أن الأديان من صنع البشر وأنها من ثم تطورت بتطورات الفكر البشري على مدار الزمان»(12).
                                                                         


(1) - التطور والإنسان، حسن زينو، ص: 14.
(2) - تطور الكائنات الحية، مجلة عالم الفكر م. 3 ع.  الرابع. 733، ص 17.
(3) - تطور الكائنات الحية، مجلة عالم الفكر، م. 3 ع . الرابع. 733، ص 18.
(4) - التطور والإنسان، حسن زينو، ص: 19.
(5) - عالم الفكر، العدد الرابع ص: 102.
(6) - الأهرام 28-10-1977، ص 13.
(7) - الأهرام 28-10-1977، ص: 13.
(8) - رسالة التوحيد، محمد عبده، ص: 153-154.
(9) - نشأة الدين، النشار، ص: 197.
(10) - الله، عباس محمود العقاد، ص: 13.
(11) - نشأة الدين، النشار، ص: 205.
(12) - في ظلال القرآن، ج 12، ص: 72.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here