islamaumaroc

ابن بطوطة [سبق نشره في العدد 8و 7 من السنة 18، 1977]

  دعوة الحق

187 العدد

اسمه –حسب تحفة النظار(1) - يتسلسل هكذا: محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم، وهو ينتسب إلى لواتة: القبيلة البربرية التي كانت منازلها الأولى شرق شمال أفريقية، والغالب أن منتمى المترجم كان إلى فرقة من نفس القبيل نزحت إلى شمال المغرب الأقصى، ونزلت في طنجة وما إليها، حيث يوجد بالريف المغربي عائلة لا يزال أهلها يعرفون بلقب بني لوي، على حين ينتسبون في وثائقهم القديمة إلى لواتة(2)، وعلى هذا فإن المترجم قد يكون يمت إلى الريف بصلة.
وقد اشتهر في بلاده بابن بطوطة، وهي أسرة مغربية كانت في  عصر رحالتنا مذكورة بالعلم، ولما رحل إلى الأندلس إلتقى –في طريقه إلى غرناطة- بقريبه أبي القاسم ابن محمد بن يحيى ابن بطوطة، وكان في الفترة يتلوى قضاء مدينة رندة(3)، ومن هنا نتبين أن مترجمنا ينتمي إلى أسرة عرفت بالعلم وولاية القضاء.

ولا يعرف –الآن- مدلول للقب بطوطة، وعلى خلاف النطق الشائع، فإن الزبيدي في شرح القاموس(4) يصحح أن يكون بتشديد الطاء الأولى المضمومة، وهو نفس ما يوجد مشكولا بخط ابن خلدون.

ثم إنه يذكر في التعريف بالمترجم وصف الطنجي، ومن الواضح أن ذلك لانتسابه إلى طنجة: المدينة المغربية الواقعة عند ملتقى المحيط والمتوسط:
وبهذه المدينة ولد رحالتنا، في يوم الاثنين السابع عشر من رجب عام ثلاثة وسبعمائة للهجرة(5)، ومنها كان ابتداء رحلته في يوم الخميس ثاني رجب عام خمسة وعشرين وسبعمائة(6).
وبنفس المدينة –فيما يبدو- كان تثقيفه، والظاهر أنه لم يرحل للدراسة بفاس، فهو يذكر أنه بارح المغرب أيام السلطان المريني أبي سعيد الأول، بينما لا يتحدث في «تحفة النظار» عن مقارنات مع مؤسسات فاس في هذا العهد وما قبله، والمقارنات الواردة في الرحلة إنما كانت مع منشئات لأبي الحسن أو ولده أبي عنان، حيث شيدت بعدما كان ابن بطوطة خارج المغرب، ثم رآها لما عاد من رحلته.
والغالب أن المترجم كان على جانب من الثقافة الفقهية، حيث تأهل بذلك ليكون قاضيا بركب حجاج تونس(7)، ثم صار قاضيا بالهند(8)، وفي جزر المالديف التي يذكرها باسم ديبة المهل(9)، وسنرى –بعد هذا- أنه تقلد نفس المنصب في موطنه بتامسنا.
وسوى الفقه كان لرحالتنا إلمام بالتوحيد، فنراه عند ذكر دمشق يتحدث عن شخصية علمية في مسألة كلامية(10).
وكانت له مخالطة للنحو، وهو يلاحظ على خطيب جامع البصرة أنه كان يلحن في خطبة الجمعة(11).
وقد أورد في الرحلة قطعة من شعره في سبعة أبيات يمدح بها سلطان الهند، فدلل على إلمامه بالأدب(12).
وسوى هذا وذاك كان له اعتناء بسماع الحديث على مشايخ المحدثين الذين يلقاهم بالشرق الإسلامي(13).
وهكذا نتبين أن المترجم يتوفر على ثقافة في الفقه والتوحيد والنحو والأدب و الحديث، ويبدو أن درجة معرفته بهذه المواد كانت متوسطة، وهو ما يشير له ابن الخطيب(14) حيث يقول عنه: «لديه مشاركة يسيرة في الطلب»، ويدل لهذا –مرة أخرى- أن ابن جزي هو الذي تولى تدوين إملاءاته عن رحلته، حيث كلف الأديب الغرناطي بأن يكتب كلام الرحالة ويهذبه، ويعتمد إيضاحه وتقريبه.
ومن مكملات ثقافة المترجم أنه تعلم التحدث باللغتين الفارسية(15) والتركية(16)..
والآن ننتقل إلى الجانب الأخلاقي من حياته، وقد كان مومنا إلى أبعد حد، وفي رحلته أكثر من شاهد لهذه الظاهرة، فقد تخلى عن زيارة كنيسة أبا صوفيا بتركيا لما كان الداخل لها يسجد للصليب(17)، كذلك واجه بانتقاد سلطان عربستان
وهي –الآن- من أقاليم إيران، ونهاه عن شرب الخمر(18).
وجاور بمكة المكرمة ثلاث سنوات، وكان يعظم الأتقياء من المؤمنين، و تزوجه أثناء رحلته دليل على تدينه.
وهو سريع التخلق بأخلاق البلد الذي يقيم به، كما أنه رقيق الشعور، يفرح ويحزن لأدنى سبب، هذا إلى أنه كان جوادا محسنا.
وقد نوه السلطان المريني أبو عنان، فنظمه في عداد رواد المجلس العلمي الذي كان يعقده بالقصر الملكي من فاس الجديد(19)، ثم صار قاضيا في تامسنا: بمدينة أنفا وما إليها، واستمر قاضيا إلى عام السبعين بعد سبعمائة، ثم توفي وهو يتقلد خطة القضاء(20) في تاريخ لم يتحدد بعد.

على أن المهم في حياة ابن بطوطة، هي تلك الرحلة الطويلة العريضة التي جاب فيها آسية وإفريقية وبعض أوربة، وقضى في سياحته ما يناهز ثلاثين عاما، هذا إلى ذاكرته القوية التي قلما تخونه في تسجيل ارتساماته عن مشاهداته في رحلته.
ولهذا نتناول تحليل تحفة النظار، ونسير في عرضها حسب النقط التالية:
- تأليفها ونشرها.
- منهجها.
- قيمتها.
- ملاحظات ختامية.
ونبرز –أولا- أن الرحلة صارت تحمل عنوان «تحفة النظار في غرائب الأمصار، وعجائب الأسفار» وهي عمل مشترك بين ابن بطوطة وابن جزي: محمد ابن محمد الكلبي الغرناطي: الأول أملاها من حفظه، بعدما كانت مذكراته ضاعت منه في حادثة لصوصية بالمحيط الهندي(21) بينما كان الثاني هو الذي كتب الإملاءات من إنشائه، مع احتفاظه –أحيانا- بكلام الرحالة على وضعه، وقليلا يضيف زيادات من كلام بعض الرحالين السابقين والأدباء، أو من كلامه نفسه.
وهناك طرف ثالث اشترك في إبراز هذا الأثر، وكان هو أبا عنان: العاهل المريني الذي أشار بإملاء الرحلة وتدوينها، وحدد منهجها في خمس نقط يلخصها ابن جزي هكذا: «ونفدت الإشارة الكريمة بأن يملي» ابن بطوطة:
- ما شاهده في رحلته من الأقطار.
- وما علق بحفظه من نوادر الأخبار.
- ويذكر من لقيه من ملوك الأقطار.
- وعلمائها الأخيار.
- وأوليائها الأبرار.
ثم كان فراغ ابن جزي من تأليف هذا المشروع، في شهر صفر من عام سبعة وخمسين وسبعمائة، وتوفي –بفاس- في نفس العام- بعد الفراغ من عمله بمدة وجيزة.
وكان أسلوبه في كتابة الرحلة يغلب عليه الطابع الأدبي، ويتأثر بأسلوب ابن جبير، أما أسلوب ابن بطوطة في عرض الأخبار، فهو –في غالب الأحوال- يتثبت في الأشياء التي يسوقها، ويتحرى في إيراد ما يشك في صحته، فيصدره بمثل يقال أو زعموا أو نحو ذلك، وربما يقول نسيته، وغير ما مرة يأتي بمقارنات بين مشاهداته في مختلف أنحاء العام التي زارها.
وله ملاحظات صائبة يعلق بها على بعض ما يلفت نظره من أحوال البلاد التي زارها، كما يفسر المصطلحات الشرقية.
وأقدم طبعة للرحلة وقعت في منتصف القرن الماضي بباريس، وأضيف إلى النص العربي ترجمة فرنسية، حيث ظهر المجموع في أربع مجلدات، ثم طبعت في القاهرة مرات متعددة: تامة أو قطعا منها، وجاء المستشرق الإنكليزي Cipp فوضع ملخصا لها بالإنكليزية نشر سنة 1929 م، ومن أهم مخطوطاتها مخطوط المكتبة الأهلية بباريس، وهو بعض النسخة التي خطها ابن جزي بيده.
والآن يصل بنا المطاف إلى منهج الرحلة، وكما هو الشأن في كتابة الرحلات، فقد صاغها مدونها محتديا الطريق التي سلكها ابن بطوطة في تنقلاته مسافة فمسافة، ومن هنا يمكن أن نقسم ترتيب تحفة النظار إلى ثلاث فترات رئيسية: زار في الأولى شمال إفريقية والشرق، وفي الثانية الأندلس الإسلامية، وفي الثالثة السودان الغربي.
وتعتبر الفترة الأولى أطول المسافات وأهمها، ويمكن تصنفيها في تسع مراحل نستعرضها واحدة فواحدة.
ويلاحظ عن المرحلة الأولى أن المترجم حين يذكر خروجه من مسقط رأسه، لا يحدد – بعد ذلك – الطريق التي مر بها من طنجة إلى تلمسان، ولا يمكن أن يكون سافر على البحر، حيث أنه يؤكد أن أول ما ركبه كان بعد هذا: في سفره من جدة إلى اليمن(22)، على أن أقرب طريق من طنجة إلى تلمسان، هي الطريق الجبلية المارة بإقليم الحسيمة، فلا يبعد أن المترجم سافر عليها إلى قاعدة المغرب الأوسط.
وقد اخترق في هذه المنطقة من شمال إفريقية: طريق الوجه البحري، فانتقل من تلمسان إلى مليانة، إلى مدينة الجزائر، ثم مر ببجاية فقسنطينة، فبونة التي صارت تعرف بعنابة.
ومن تونس العاصمة الحفصية سار إلى سوسة فصفاقس فطرابلس، ثم مر بالإسكندرية ودمياط حتى انتهى إلى القاهرة، ومنها ينتقل إلى مدينة عيدات وكانت – في هذه الفترة – تعتبر مرفئا مهما على الساحل الإفريقي للبحر الأحمر جنوبي مصر.
ولما يكن الطريق البحري آمنا، فقد عاد الرحالة من عيذاب مبتدئا المرحلة الثانية، وسافر من مصر منتقلا بين مدائن فلسطين ولبنان وسورية، وخرج من دمشق إلى الحج، حيث زار الحرمين الشريفين: مكة المكرمة والمدينة المنورة.
ومن هذه الأخيرة تابع سفره في المرحلة الثالثة مخترقا العراق، فزار النجف الأشرف، وواسط، والبصرة، وبعض مدن إيران: مثل تستر، و صبهان، وشيراز، وكازرون، وعاد إلى العراق فزار مدينتي الموصل وديار بكر التي صارت تسمى بنامل، ومن بغداد سافر إلى الحرمين الشريفين، وجاور بمكة المكرمة ثلاث سنوات.
وفي المرحلة الرابعة في اليمن وسائر جنوب الجزيرة العربية، فإفريقية الشرقية، ومن الخليج الفارسي عاد إلى زيارة الحرمين الشريفين حيث حج للمرة الخامسة.
وسافر في المرحلة الخامسة – عبر مصر والشام – إلى آسيا الصغرى وشبه جزيرة القريم وروسيا الجنوبية، ووصل إلى جبال القوقاس ومدينة بلغار.
وعاد إلى القوقاس ليغادره – في المرحلة  السادسة – إلى القسطنطينية مارا على شبه جزيرة البلقان. وفي المرحلة السابعة سافر إلى خوارزم وبخارى وأفغانستان والسند، وهي –الآن- مقاطعة في باكستان، وانتقل منها إلى الهند، وأقام في عاصمتها دهلي حوالي ثمانية أعوام، تولى – خلالها – خطة القضاء على المذهب المالكي.


وانتهى – في المرحلة الثامنة – إلى جزائر ذيبة المهل، وهي التي صارت تعرف باسم جزر المالديف في ماليزيا، وقد أقام بها ثمانية عشر شهرا، وتقلد بها ولاية القضاء على المذهب المالكي أيضا، ثم زار جزيرة سيلان والملايو وسومطرا، ووصل إلى بكين: العاصمة الصينية، في سفاره من سلطان دهلي إلى خان الصين.
وبمغادرة العاصمة الصينية تبتدئ المرحلة التاسعة والأخيرة من سياحة المترجم في إفريقية والشرق، وقد سافر من بكين مارا على سومطرا، ثم الخليج الفارسي، ومن بغداد مر بدمشق فغزة فدمياط فالإسكندرية فالقاهرة، ومنها حج – للمرة السادسة – إلى مكة المكرمة، وزار المدينة المنورة، ثم انقلب عائدا إلى المغرب عبر مصر وشمال إفريقية، حتى وصل مدينة فاس أواخر شعبان من عام خمسين وسبعمائة، بعد رحلة استغرقت ما يزيد على خمسة وعشرين عاما.
وبعد ما مثل أمام أبي عنان المريني في نفس المدينة قصد مسقط رأسه طنجة، ومنها توجه للأندلس من مرسى سبتة، وهذه هي الفترة الثانية من الرحلة، وقد زار بالأندلس جبل طارق ورندة ومالقة وبلش وغرناطة، ثم  عاد من نفس الطريق التي سافر عليها حتى وصل إلى سبتة، ومنها انتقل إلى أصيلا فسلا فمراكش ثم مكناس ففاس.
وكانت خاتمة مطاف الرحالة، أن سافر من فاس متوجها إلى السودان، وهي الفترة الثالثة والأخيرة من الرحلة، و قد ذهب إلى سجلماسة، ومنها إلى تغازي، فأبو الاتن، فمالي، فتنبكتو، فكوكو، وأخيرا مدينة تكدا، ومنها عاد – عبر واحات توات – إلى سجلماسة، وقد وصل إليها في الثاني من ذي الحجة، عام أربعة وخمسين وسبعمائة، حيث انتهى المترجم من رحلته التي تبينا تصميمها.

وسيبقى – بعد هذا – معرفة قيمتها،  وفي هذا الصدد يلاحظ – أولا – أن تحفة النظار، ليست كتابا وصفيا للبلاد والجبال والأنهار التي رآها ابن بطوطة، وإنما هي عبارة عن نسخة من الصور التي ارتسمت في ذهن الرحالة عن الأشخاص والناس الذين ألقت بهم الصدف في طريقه، و لهذا فإن قيمة الرحلة في أنها صفحة من التاريخ الاجتماعي الإسلامي أكثر من أن تكون كتابا في تقويم البلدان والجغرافيا(23).
وفي هذا الإطار فإن الرحالة يلم إلمامات بوصف المدن الكبرى، ويتوسع في الحديث عن ملوكها وسيرهم وتقلبات أحوالهم، ويعتني بوصف مواكبهم وحفلاتهم إلى حد أن يصف حتى الأطعمة والمشارب.
كما يذكر العلماء والحكام والأعيان، وكذلك الأولياء، و يذكر كراماتهم ومشاهدهم، وقد كان شديد البحث عنهم، حتى أنه يترك طريق السياحة ليزور ناحية فيها ولي.
هذا إلى اهتمامه بذكر الربط والجماعات، مع اعتناء زائد بالعادات والأزياء والأخلاق والعقائد. وحتى الخرافات.
ولم يهمل الرحالة الحديث عن أثار التاريخ القديم بالمدن وما إليها، وكذا عن الأنظمة الحكومية، وعرض بعض القوانين السياسية مثل قوانين جنكيزخان (24).
وفي مجال الاقتصاد يذكر أهم ما يختص بالمدن التي زارها: من منتجات زراعية أو صناعية، ولا يفوته الإشارة إلى الطريف أو الغريب منها، ويتحدث – أيضا – عن العلاقات الاقتصادية، والحيوانات النادرة ومكانها، وعن بعض المعادن ومواقعها.

ومن مزايا رحلة ابن بطوطة أنها الأولى التي كشفت عن كثير من الأنظمة والمظاهر الحضارية للجهات التي زارها.
فهو يذكر عن دمياط – البلدة المصرية المعروفة – أنها قاعدة عسكرية مسورة، وكل من دخلها لم يكن له سبيل إلى الخروج منها إلا بتوقيع الوالي، فمن كان من الناس له اعتبار يمنح الإذن بورقة مختومة بطابع، ومن كان دون ذلك يوضع الطابع على ذراعه(25).
ويذكر عن نزالة قطيا في حدود مصر والشام، أنه لا يقع المرور عليها الشام إلا بجواز مصري مكتوب، والقادم من الشام يطالب – بدوره – بجواز مكتوب من الجهة الشامية(26).
كما يذكر عن دمشق قصة وقف الأواني المتكسرة في أيدي الصبيان، ويعلق عليها بأن فيها جبرا لقلب كل من الصبي وصاحب الإناء(27).
وهو يتحدث – بإسهاب – عن الزوايا والرباطات التي كانت منتشرة بالشرق العربي وبلاد فارس وآسيا الصغرى، ويعطي معلومات قيمة عن نظام هذه المؤسسات بمناسبة حديثه عن خانقاه القاهرة(28).
ومن أطرف ما في الرحلة حديثه عن جماعات الإخوان والفتيان التي كانت موجودة في تركيا(29).
وأهمية أخرى لحديثه عن تركيا، فهو يعطي صورة للدولة العثمانية في أيامها الأولى، ويصف الدويلات والإمارات التركية بآسيا الصغرى، قبل أن يجعل منها العثمانيون دولة موحدة.
وإن رحلة ابن بطوطة تعد مرجعا –من الدرجة الأولى- فيما يرجع لعادات وأحوال القريم وروسيا الجنوبية.
أما وصف رحالتنا للقسطنطينية، فهو صورة قيمة لها، قبل أن يغير العثمانيون بعض معالمها بعد فتحها.
ولدى حديثه عن بخارى ذكر أن شواهد القبور الموجودة في مدافن علمائها، كانت  تتضمن أسماء الكتب التي صنفوها في حياتهم(30).
وفي وصفه للسفن الصينية، ذكر أنه كان بتلك السفن ما يسمى – الآن عند شركة الملاحة البحرية باسم «كاليني دلوكس»(31).
وأن وصفه لجزء المالديف يعتبر أول وصف معروف لها حتى الآن.
وهو أول من ذكر شيئا عن استعمال أوراق النقد في الصين، وعن استخدامهم الفحم الحجري، كما ذكر مهارتهم في التصوير، وعادات رجال الإدارة البحرية في تقييد أسماء البحارة وركاب السفن قبل الإذن للمراكب بالسفر، وأعجب ببعض منشئات الشؤون الاجتماعية في هذه البلاد، كما سجل نظام التأمين الاجتماعي في الصين(32).
أما ما كتبه عن الصحراء الكبرى والسودان، فقد أثبت به أنه أول رحالة جاب الآفاق المجهولة في هذه الجهات وكتب عن مشاهداته فيها(33).
وفي الرحلة –فوق هذا وذاك- معلومات عن المغرب المعاصر للمترجم.
وقبل أن نأخذ في عرض ذلك، يكون من المناسب التذكير بأن تدوين الرحلة خضع إلى المنهج الذي حدده أبو عنان للرحالة، وقد  تبينا أنه يتدرج في خمس نقط يلخصها ابن جزي محرر الرحلة هكذا:
ونفذت الإشارة الكريمة بأن يملي –ابن بطوطة-
- ما شاهده في رحلته من الأقطار.
- ما علق بحفظه من نوادر الأخبار.
- ويذكر من لقيه من ملوك الأقطار.
- وعلمائها الأخيار .
- وأوليائها الأبرار.

وعلى ضوء هذا التصميم، فإن المترجم لم يهتم بوصف أي من مدائن المغرب في مرحلة ذهابه عند بدء سياحته، وفي مرجعه أثبت ارتسامات وجيزة عن بعض الأمصار المغربية، وضمنها ذكر مآثر السلطان المريني أبي الحسن وابنه أبي عنان، وهذه المدن هي: فاس ومراكش ومكناس وسجلماسة.
وقد حظيت فاس من الرحالة بوصف المدرسة العنانية بالبلد القديم، وفي فاس العليا نوه بمسجدها الجديد، وبزاويتها التي كانت تعرف بدار الضيوف.
وهو يذكر مدينة مراكش بسعة أرجائها، وانفساح نواحيها، وضخامة مساجدها، ووفرة الخيرات بها من الفواكه والأقوات، ويلفت نظره – بصفة خاصة – جامع الكتبيين وصومعته، والمدرسة المرينية، مع  الخراب الذي استولى على المدينة.
وبعد هذا يصف مكناسة الزيتون، ويذكر ما يحيط بها من البساتين التي تحفها أشجار الزيتون من سائر جهاتها.
كما يسجل عن سجلماسة أنها من أحسن المدن، ويخص بالمدح ثمرها، ويلاحظ عن بعض أصنافه أنها لا نظير لها في المعمور.
وهكذا نتبين – من هذا العرض – وجهة نظر ابن بطوطة في إعراضه عن وصف المدن المغربية وصفا كاملا، بعدما رجعنا إلى المنهج الذي خطه أبو عنان لتدوين الرحلة.

وسوى هذا فإن تحفة النظار تعرضت لمؤاخذات وجيهة.
وبالإضافة إلى بعض الأغلاط التي نبه عليها ابن جزي(34)، يؤخذ على ابن بطوطة المبالغات التي كتبت بها بعض أجزاء الرحلة.
كما يؤخذ عليه اقتضاب الحديث في بعض المواضيع مثل ما فعل في الصين، ويمكن أن يكون ذلك راجعا إلى ضياع المذكرات الأولى للرحلة.
ويؤخذ عليه –أيضا- أنه أخطأ في نهر النيجر فسماه بالنيل، على حين أن الإدريسي ذكره قبله، وهذا يدل على أن ابن بطوطة لم يكن طالع كتب تقويم البلدان.
ويؤخذ عليه –للمرة الرابعة- وجود أخبار غير مطابقة للواقع، مثل ما حكاه عن ابن تيمية في النزول، في حين أن هذا في تاريخ دخول الرحالة لدمشق كان في السجن، باتفاق الذين ترجموه: مثل ابن عبد الهادي، و ابن كثير(35) ،
ويمكن أن يقال في مثل هذا أن ذاكرته خانته، أو أنه إلتبس عليه الأمر.
وبسبب هذا كله لم تزل الأنظار مختلفة في ابن بطوطة، فابن خلدون يحكي أن الناس يتشككون في أخباره(36)، بينما وثقة ابن جزي مدون رحلته(37)، ونوه به إسماعيل ابن الأحمر الغرناطي نزيل فاس(38)، وكان البلفيقي رماه بالكذب فبرأه ابن مرزوق. وقد سجل هذا الأخير عنه أنه لا يعلم أحدا جال البلاد
كرحلته(39).


(1) - نشر المكتبة التجارية الكبرى بمصر عام 1377 هـ، ج 1 ص 3، وهذه الطبعة هي المعتمدة في الإحالات التالية:
(2) - هو ما حدثني به بعض المسنين من فقهاء الريف.
(3) - الرحلة ج 2 ص 188، ومن هذه الأسرة محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن اللواتي الشهير- في طنجة – بابن بطوطة، هكذا كتب اسمه بتملكه لمخطوطة «قضاة قرطبة» تأليف محمد بن حارث الخشني القيرواني، وهي التي صارت إلى خزانة الجامعة الحرة بأكسفورد في إنكلترا.
(4) - ج 5 ص 109.
(5) - الرحلة ج 1 ص 5.
(6) - المصدر ج 1 ص 4.
(7) - المصدر ج 1 ص 7.
(8) - المصدر ج 2 ص 84.
(9) - المصدر ج 2 ص 132.
(10) - المصدر ج 1 ص 57.
(11) - المصدر ج 1 ص 116.
(12) - المصدر ج 2 ص 83.
(13) - المصدر ج 1 ص 65-66، 135، 142.
(14) - «الإحاطة» مخطوطة المكتبة الأحمدية بفاس،  وعن هذا المصدر: ابن  حجر في «الدرر الكامنة»، الطبعة الأولى ج 3 ص 480.
(15) - الرحلة ج 1 ص 199.
(16) - المصدر ج 1 ص 181.
(17) - المصدر ج 1 ص 226-227.
(18) - المصدر ج 1 ص 124.
(19) - ورد اسم المترجم ضمن اللائحة المطولة للشخصيات التي كانت تحضر هذا المجلس، حسب آخر شرح البردة البوصيرية للجادري، مخطوط القرويين رقم: 643.
(20) - حسب «الإحاطة» و«الدرر الكامنة» ج 3 ص 481.
(21) - الرحلة ج 1 ص 238.
(22) - المصدر ج 1 ص 154.
(23) - دائرة المعارف الإسلامية: النص العربي، مجـ 1 ص 100.
(24) - الرحلة ج 1 ص 241-242.
(25) - المصدر ج 1 ص 17.
(26) - المصدر ج 1 ص 31.
(27) - المصدر ج 1 ص 63.
(28) - المصدر ج 1 ص 20-21، 119، 120، 125.
(29) - المصدر ج 1 ص 181-182، 187، 196. ولتحليل أنظمة هذه الفتوة الإسلامية وأبعادها، يحسن الرجوع إلى دراسة مطولة بعنوان «فتيان الشرق وفرسان الغرب» حيث نشرت –في سبع حلقات- «بمجلة المستمع العربي« التي كانت  تصدرها هيئة الإذاعة البريطانية: من العدد 17 إلى عدد 23: السنة الثانية، مع «دائرة المعارف الإسلامية» النص العربي، مجـ 13، ص: 179-181 عند مادة «الشد».
(30) - المصدر ج 1 ص 238.
(31) - المصدر ج 2 ص 116.
(32) - المصدر ج 2 ص 160-163.
(33) - الرحالة المسلمون في العصور الوسطى للدكتور  زكي محمد حسن، نشر دار المعارف بمصر، ص 171.
(34) - انظر –مثلا- ج 1 ص 126 من الرحلة.
(35) - للشيخ عبد الرحمن الوكيل: «ابن بطوطة يفتري الكذب على ابن تيمية»، مجلة «الهدي النبوي»، العدد 4، المجلد 15، ص 202-207.
(36) - المقدمة، المطبعة البهية المصرية، ص 158.
(37) - يصفه في مقدمة الرحلة بالثقة الصدوق، ج 1 ص 3.
(38) - ذكره بحلية الفقيه القاضي الخطيب، الحاج، الكثير الجولة بالمشرق والمغرب، العارف بالتاريخ، وذلك بمناسبة عرض لائحة الشخصيات التي تحضر بالمجلس العلمي في حضرة أبي عنان، ونقل ذلك عن ابن الأحمر تلميذه الجادري آخر شرح البردة البوصيرية: المخطوط المشار له عند التعليق رقم 19.
(39) - «الدرر الكامنة» ج 3 ص 481.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here