islamaumaroc

حول الزيادة في مقادير الزكوات.

  دعوة الحق

187 العدد

عيادة بدنية لا تتأثر بكثرة الحاجات والضرورات، ولا تتغير لأي اعتبار من  الاعتبارات، مادامت واجباتها محددة ومقدرة من جانب صاحب الوحي صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: «وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون»، كما قال سبحانه: «وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا»، وقد بين صلى الله عليه وسلم كل شيء، وتركنا على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هنالك، ولا نعني بهذا إهمال الفقراء والمساكين وعدم إقامة وزن لهم بل يجب على المسلمين النظر في أحوالهم، وأن يقوموا بحاجاتهم، ويفرضوا لهم من فضول أموالهم.
قال الله في كتابه الكريم: «وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وانفقوا لهم أجر كبير». «وآتوهم من مال الله الذي آتيكم». «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون» «وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم» «وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين» «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة» «هدى للمتقين الذين يومنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون» «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم» «والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم».
والحق المعلوم كما قال علماؤنا هو الزكاة والصدقة المأخوذة من الأغنياء، والمردودة على الفقراء.
وإنفاق المال يكون فرضا وواجبا ويكون تطوعا ومندوبا كما قال الله تعالى في سورة البقرة وفي صفات البرر «وآتى المال على حبه ذوي  القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة».
قال المفسرون إيتاء المال على حبه هو غير إيتاء الزكاة، لأن الله سبحانه قال بعد إيتاء المال على حبه «وأقام الصلاة وآتى الزكاة» ولو كان إيتاء المال على حبه، هو إيتاء الزكاة بنفسه لكان الكلام تكرارا وإعادة محضة.
وعلى هذا فالآية الكريمة نصت على إيتاء المال ندبا وعلى إيتاءه فرضا، وفي الحديث الشريف: أن في المال حقا سوى الزكاة. رواه الترمذي وابن ماجة.
وكما أن الصدقة على  الزكاة كذلك الزكاة تطلق على الصدقة «وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون» أي من صدقة، وسميت الصدقة زكاة من حيث أنها تزكي المال وتوفره وتحفظه من الآفات، وقد قال الله تعالى « يمحق الله الربا ويربي الصدقات».
الأموال والموارد:
كانت الأموال تجبى في دولة الإسلام من الصدقة الإجبارية ومن الفيء والغنائم وخراج الأرض، والجزية وأعشار السفن بسواحل المسلمين، وأخماس المعادن، وفوائد الإقطاعات.
أما الزكاة وتسمى الصدقة فتؤخذ من أموال المسلمين أي من نقودهم وحبوبهم ومواشيهم وثمارهم، وتصرف في مصارف خاصة يتضمنها قوله تعالى: «إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم».
ومعلوم أن بعض الموارد لم تبق الآن كما أن بعض المصاريف لم تبق الآن، وسبيل الله في الآية الكريمة كل أعمال البر إلا أن هذه الكلمة صارت إذا ما أطلقت لا يتبادر منها إلا الجهاد فتصرف في لوازمه وتوابعه كما يصرف منها في الأصناف الباقية وأهمها الفقراء والمساكين، كما أن أعظم المصارف مصرف الدفاع عن حوزة المسلمين.
والزكاة التي تعتبر موردا ماليا هي مشروع إنساني جاءت به شريعة موسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم وسلامه، وهي باب الضمان الجماعي والتعاون الإنساني وهي تتعلق بالمال وليست تتعلق بالمالك، ومن أجل ذلك تؤخذ من المكلفين وغيرهم كالصبيان والمجانين، بواسطة أوليائهم، وتبعا لمذهبهم –وتؤخذ من المالك الحقيقي وغيره، فتسد عجز الطبقة الفقيرة، وتقيم الدليل على عدل الأغنياء نحو إخوانهم الفقراء، وتربط بعضهم ببعض فتقوي الروابط والصلات، وتتساند في الملمات والأزمات وأهميتها لا تخفى على الفضلاء، وسرها في الاجتماع لا يغيب عن العقلاء، ولذا أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأخذها من الأغنياء كما قال سبحانه: «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم أن صلواتك سكن لهم» فكان صلى الله عليه وسلم يأخذها منهم ويصلي عليهم.
وخلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم ذهبوا هذا المذهب، واعتبروه أمرا لازما، وجعلوه شرعا دائما حتى قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في حرب أهل الردة، والله لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه، ورجع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوله وتابعوه على فعله، وكان لها ديوان في مركز الخلافة الإسلامية، وله فروع في سائر  الولايات، وكان لها وال خاص يتولى أمرها، ويسهر على خرصها وأخذها وجمعها وحفظها إلى أن توزع على أصحابها – سئل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن الزكاة فقال: ادفعها لمن بايعت، وروي عنه أنه قال ضعوها في مواضعها، قال أبو عبيد القاسم ابن سلام: ما ذكر من وضعها في مواضعها إنما هو في زكاة النقدين، وأما المواشي والحبوب والثمار فلا يليها إلا الأئمة وليس لربها أن يغيبها عنهم اهـ.
ونظرا للمصلحة العامة، وتبعا لهذه السياسة القارة، فإنه يجب على الحكومات الإسلامية أن تتبنى مشروع الزكاة وتتولاه مادام موردا من موارد المال ومبدأ من مبادئ الإسلام، ولا تتخلى عنه لذوي الأموال يستبدون به ويمنعونه عن أهله فإن كثيرا من الأثرياء لا يشعرون بوجوبه، ولا تدع ذوي الحاجات يشتغلون بالخطف والنهب، و السرقة والغصب، فتفصل بين الفريقين، وتحكم بين الجانبين، بأن تأخذ المال الواجب من أربابه وتوزعه على مستحقيه وأهاليه، ويكون جانبا من جوانب ميزانية الدولة كصندوق الضمان الجماعي، والتعاون الوطني، على أن لا يصرف إلا في جهاته المعينة ومواضعه المبينة، حتى لا تتعطل أنظمة الحكم العربي وتتهدم قواعده في بلد يؤمن بالإسلام ويخضع لحكمه، ومن أبرز العناصر التي تنفق فيها أموال الزكاة المجاهدون، والغارمون، والعاجزون، والعاطلون، ومن انقطعت بهم السبل، فكل هؤلاء تستمد مساعدتهم، وتنظم إعانتهم على حساب الزكاة السنوية.
والزكاة وإن كانت تبدو شيئا ضئيلا بالإضافة إلى مسؤولية الأمن والتأمين التي تتحملها الدولة العصرية، فإنها كافية في سد الخلات، ودفع الحاجات عمن لهم حق في أموال إخوانهم الأثرياء، والسلطة الشرعية هي التي تؤدي هذا الحق الواجب للضعفاء وتبرئ منه ساحة الكبراء، وهي الحكم المكلف بإقامة العدل بين الطرفين، وإصلاح ذات البين.
وما كانت الزكاة محددة ومقدرة إلا  وللإسلام قصد في تأديتها، وإن كان محلها غير مضطر إليها، لأنها قاعدة من قواعده، وعلامة على وجوده ونفوذه. ولأنها حق من حقوق المجتمع الضعيف فلا محيد عن جبايتها، ولا مناص من تأديتها، والتفريط في أخذها ووضعها موضعها، تفريط في أهم الأحكام، وإهمال لتشريع الإسلام، كما أنها مطلوبة على الفور من أصحابها، والتماطل فيها إضرار بأهلها.
والفقراء والمساكين وهم أغلب وأهم أصنافها، تتعلق أطماعهم بها وتتشوف نفوسهم إليها، فهم طالبون لها إن لم يكن بلسان المقال، فبلسان الحال، وذلك على عكس التطوعات والتبرعات فإنها مطلوبة لهم ولكن على سبيل الإجمال، والواجبات مطلوبة على التفصيل والتقدير.
وبناء على هذا القدر الذي بين الهدف من توجيه هذه الأسئلة المتقاربة في مدلولها ومضمونها، والتي انطلقت إلى تأييد الفكرة المعروضة وهي رفع مقادير الزكاة  والزيادة في نسبها وأعدادها، فإننا لا نوافق على ذلك ولا نؤيده لأنه يعتبر استظهار على الشارع الحكيم، ومخالفة لما خططه ورسمه، وقد قال الله جل علاه «وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا»، ولأننا لو فتحنا هذا الباب لترتب عليه اختلاف وتنازع في مقدار الزيادات، وأصناف المزكيات، حسب اختلاف النظريات والاقتصاديات، ولعله ينشأ اختلاف آخر في موضوع آخر، ويجر ذلك إلى ما لا يحمد ولا يغبط –ولأننا لو أحكمنا نظام الإسلام في الزكاة وأحطناه بضمانة الأمانة والاستقامة والإخلاص في العمل فتحرينا في خرصها وحدسها، ووضعناه في المحال المخصصة لها، لربما كانت كافية أو وشيكة والله العليم الحكيم الذي فرضها على الأغنياء، هو الذي جعلها تسد حاجات الضعفاء في كل زمان ومكان، والإسلام نفسه لو أخذ بقوة الإيمان وأحكمت نظمه وصححت أوضاعه، وسويت أطره ونفذت أحكامه لكانت حياته أفضل وأجمل مما نراه الآن.
ولو فرضنا أن واجب الزكاة لم يكف مع هذا كله لأخذنا من مال الأمة ما يسد العجز وما يصون كرامة الفقير والمسكين، وكنا في  هذا الأخذ عاملين بمقتضى الكتاب والسنة، كما وضحنا ذلك في آيات الإنفاق من دون أن  نزيد في حقوق الزكاة ولا أن نقيس على الأصناف لمصادمة ذلك للنص المشروع، ومخالفته للوحي المسموع وكيف يكون إيماننا وإسلامنا إذا كان بعضنا عائشا وشابعا، وبعضنا طاويا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يكون مؤمنا بالله واليوم الآخر من بات شبعان وجاره طاو إلى جنبه  اهـ. على أنه لا خلاف بين العلماء أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة فإنه يجب صرف المال إليها، قال الإمام مالك رحمه الله: يجب على الناس فداء أسراهم، وإن استغرق ذلك أموالهم، وكذلك إذا انتهت الحاجة بالإنسان إلى الضرورة وجب على
الناس أن يعطوه وينصروه وإن لم تكن الزكاة واجبة عليهم.
وبهذا يتحقق معنى التعاضد والتكافل بين المسلمين.
هذا وأن الاستدلال بأحوال الصوفية على الزيادة في المقادير مما لا معنى له لأن مذهب الصوفية رضي الله عنهم أنهم لا يملكون مع الله شيئا، والقاعدة  أن من لا يملك شيئا لا زكاة عليه، والناس ليسوا سواء، فمنهم من يقول: ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق، ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنةن وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
وإذا ثبت وتحقق أن الزكاة لا تقوم بحاجات الضعفاء ولا تفي بضرورياتهم كما تحرص على ذلك الأسئلة المتكاثرة فإننا نأخذ بما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه المشار إليه برقم 23(1) ونعمل بمقتضاه، كما نعمل بما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه المشار إليه برقم 22، وكما نوافق على رأي الإمام ابن حزم ولكن ذلك بحكم ضرورة التكافل الاجتماعي والتضامن الإسلامي لا بحكم الزيادة في المقادير الشرعية، كما هو فحوى كلامهم المنزه عن الزيادة في المقادير الشرعية والحقوق الزكوية.
وأموال المسلمين تسد كل الثغرات، وكل الحاجات والضروريات، إذا استدعاها الواجب واقتضاها الحال، فإن التكافل الإسلامي أوسع بكثير من نظام الزكاة لأنه يمثل في عدة خطوط تشمل سائر فروع الحياة الإنسانية، وتسع كل  الارتباطات البشرية والزكاة خط واحد من هذه الخطوط الواسعة –وأما رقم 17 الذي يتحدث عن المكاتب التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القبائل فيلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب كتاب الصدقة ولم يخرجه من يده صلى الله عليه وسلم حتى قبض فأخذه أبو بكر رضي الله عنه وعمل به، ثم عمر بن الخطاب رضي ا لله عنه وعمل به، واستمر العمل على ذلك، وهذا الحديث هو أصح كتاب في الصدقة كما رواه أصحاب الكتب الصحاح.
وبهذا يبطل القول أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفرض مقادير الزكاة بموجب الظروف – وبالتأمل الدقيق في مجموع حديث البخاري، والحديث المروي في سيرة ابن هشام يظهر أنه لا تنافي بينهما، و إن كان حديث سيرة ابن هشام لا يلاقي حديث البخاري.
قال ابن رشد في بداية المجتهد ونهاية المقتصد: أجمع المسلمون على أن في كل خمس من الإبل شاه إلى أربع وعشرين، فإذا كانت خمسا وعشرين ففيها ابنة مخاض إلى خمس وثلاثين، فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر، فإذا كانت ستا وثلاثين ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين، فإذا كانت واحدا وستين، ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا كانت ستا وسبعين ففيها بنتا لبون إلى تسعين، فإذا كانت واحدا وتسعين ففيها حقتان إلى عشرين ومائة – أجمعوا على ذلك لثبوته في كتاب الصدقة  الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل به خلفاؤه، واستمر العمل به، نعم اختلفوا فيما زاد على العشرين والمائة انتهى.
واعلم أن كل مشروع في موضوع الأغنياء والفقراء تدخلت فيه الحكومة وفرضته لم يكن حلا اختياريا بل يصبح أمرا مفروضا لا خيار فيه لأحد، والنصوص الشرعية تساعد ولا تعارض.
وكل ما ذكر في رقم 27-28 من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومن قول وفعل عمر بن عبد العزيز الأموي رحمه الله صحيح، ولكن لا ينهض حجة، ولا يدل على الزيادة في مقادير الزكاة التي بينها رسول الله صلى الله عليه و سلم، والعبرة بالنص في مثل هذه المشروعات لا بالاستنباط من الكليات والعموميات، وإننا لا نطمئن من خصومة النبي صلى الله عليه وسلم إذا قصرنا في حق الفقراء والمساكين، ولا إذا زدنا في المقدرات الشرعية وقد هدانا الإسلام إلى طريقة العلاج وأعطانا كثيرا من النصوص التي تعمل على حل كل مشكل من المشاكل وكل ضرورة من الضروريات.
وأما تحديد الملكية، وتقدير الزكاة على الأموال التي لم يذكرها الفقهاء في كتبهم من كتاب الزكاة فإنه لا بأس بذلك إذا اقتضته ظروف الضمان الجماعي لقوله تعالى: «ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو» ولقوله تعالى: «خذ من أموالهم صدقة» الآية، ولكن بشرط أن يكون الاجتهاد في التحديد والتقدير جماعيا لانسجام النظريات واستقرار التقديرات من دون خلاف ولا نزاع.
ورقم 141 جوابه أن علماء الأندلس نصوا على فرض الضرائب لا بأس به إذا كانت ضرورية دعت إليها أوضاع جديدة ومالية.
وأيضا فإن المدار في أداء الزكاة على قيمة العملة من الذهب والفضة كانت العملة المتعامل بها ورقا أو شيئا آخر فإنها تزكى على حسب القيمة الذهبية أو الفضية، ولا تسقط الزكاة لأنها حق لازم وثابت شرعا في الذهب والفضة وفيما قام مقامهما.
ونسأل الله سبحانه أن يبصر المسلمين بمصالحهم وأن يهديهم إلى حل مشاكلهم على أساس إسلامي صحيح، وقياس ديني متين.
والحمد لله رب العالمين وسلام على جميع الأنبياء والمرسلين.

(1) - إشارة إلى الرقم الترتيبي للأسئلة المطروحة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here