islamaumaroc

[كتاب] أديب بين فنية القصة والترجمة الذاتية، تأليف: د. طه حسين. -3-

  دعوة الحق

187 العدد

* ليس من اليسير والسهولة التعرف على مدى أصالة بعض الأعمال الفنية ما لم تبذل فيها من الجهد والعناء الشيء الكثير، فكثير من النقاد يغريهم البناء على سبيل المثال في هذا العمل دون المضمون أو العكس .. والبعض الآخر يسحره الصراع أو ينصاع وراء التشويق، أو ينفعل بحدث معين؛ والحقيقة أنهم ليسوا جميعا في مأمن من الخطأ، ذلك أن قيمة الفن الحقيقية لا تكمن في جانب دون آخر وإنما هي كامنة في الواقع بين تفاعل واجتماع هذه العناصر برمتها في تشابكها وتداخلها، وكذا في علاقة بعضها ببعض، وهي تبرز كذلك في مدى الأثر الذي تتركه في نفس القارئ أو المتلقي. ليس في مكان بعينه بل في الأثر العام للعمل الأدبي أو الفني، فماذا إذن نحن واجدون في هذا العمل –الذي بين أيدينا- من هذا القبيل؟•

بديهي أنه ليس في إمكان الجميع استكناه المعنى الكامن في هذا العمل أو ذاك، فقد يختلف القراء في الحكم على عمل ولكن قيمته الحقيقية لا تمس بأذى، وكم من أدب نال من الطعن والقدح الشيء الكثير ولكنه تبين مع ذلك أنه أدب قيم وجيد وباق، لذا فلا ينبغي الإسراع في الحكم على عمل ما لم نتفحصه جيدا ونبذل فيه من الجهد  والكد ما هو قمين به، بعد ذلك يجوز لنا التساؤل على هذا المنوال: أين تكمن قيمة «أديب» من حيث البناء الفني؟
إن الدكتور طه حسين ليس مهندسا بارعا أو هو كذلك! ولكنه لا يريد أن يبني أو يخطط أنه لا يعبأ بالوشي والتنميق للوجه الخارجي للعمل بقدر ما يهمه ما بداخله من كنوز حتى إذا خالفه الكثير في هذا الصنيع، أنه لم يقدم قصته لو تجربته مع «أديب» هذا في عمل روائي متسلسل محكم البناء له بدء ووسط ونهاية وإنما قدمه لنا بوسيلة أقل تعقيدا فعمد إلى الاسترسال في الكتابة على سجيته دون قيد من أي نوع، إن صدق هذا الادعاء جاء تلبية لرغبة في النفس الغارقة في نشوة
الفكر والذكرى أثناء كتابته هذا العمل أو إملائه ... لقد جعل طه حسين من «الوسط» بدءا كما أسلفت القول، وضربت لذلك مثلا، في القسمين السابقين من هذه الدراسة، ولكن هذا لا يهمه في شيء بقدر ما يهمه الأخبار لو الاسترسال في سرد هذه الأخبار عن صديقه الأديب وعن مغامراته الطريفة في مصر وفرنسا.
ويمكننا أن نضرب مثلا لهذه السرعة والاسترسال بالفصل المتعلق بالخطر الذي كان يهدد باريس بالحرب ومن ثم الدمار من طرف النازيين. لقد كان صراعه وصموده ودفاعه ووقوفه مع باريس –بعد أن فر عنها ذووها كلهم- كان موقفا رائعا فعلا، وهو يدل الدلالة القاطعة على تقديس الكاتب للحضارة الإنسانية من كل نوع وفي كل مكان، هذا الموقف الذي وقفه صاحبنا من الخطر الذي يراه مقبلا أمامه والذي لم يحفل به، هذا الموقف إنما يعبر عن شعوره بالقيمة التي تكمن في ما خشي عليه في باريس، لم يكن خوفه هذا سوى دعوة للحفاظ على التراث الإنساني الخالد من الضياع والتدمير. وصيحة لصون الحضارة الإنسانية التي تتفتق عنها أجمل معاني المحبة والإخاء والسلام، وما تحطيمها سوى تحطيم للإنسان نفسه. هذا الموقف العظيم كان في إمكان صاحبنا «الأديب» أن يعبر عنه بطريقة أكثر عمقا لأنه في الحقيقة موقف يتضمن صراعا ذا قيمة حقيقية بين النوازع الفردية الهوجاء والمثل العليا. ثم إن هناك شيئا –لا ينبغي نسيانه – من الناحية الفنية (البناء)- وهو لما بدأ صاحبنا يشعر أن الجنون في الطريق إليه وهو في باريس، نعلم أن الأسباب التي دفعت به إلى هذا الجنون أسباب متعددة منها سفره، وتناقضاته النفسية، وشعوره الباطني بما لا يستطيع الإفصاح عنه، وعنصر المباغتة –الذي عمل فعلته فيه – لم وجده في البيئة الجديدة من فرص لا حصر لها للهو والعبث والمجون بعد حياة راكدة خاملة وأخيرا (ألين)، ولكن صاحبنا –باعتراف منه – لا يلوم سوى ألين التي كانت في نظره سبب هذا الجنون .. وألين وحدها: «وداعا يا سيدتي إني لأرى شيخ الجنون بغيضا مزعجا، ولكني مع ذلك لا أهابه ولا أتأخر عنه، وإنما أقدم عليه إقدام المحب الجريء وكيف أحجم عن الجنون وقد اتخذ لنفسه صورة ألين!»(1).
إذن إنما أصاب صاحبنا الجنون نتيجة هيامه وحبه لألين وهذا أمر لا غبار عليه، ولكن فلنرجع قليلا مع الصفحات، ولنراجع فصلا سابقا لنرى ما يناقض هذه الفكرة مناقضة صريحة .. «فإذا رفعت الحرب أوزارها وتبين للحلفاء أنهم قد ظلموني حين أساءوا الظن بي وسمعوا في وشاية الوشاة، فمن يدري! لعلي أعود إلى فرنسا فأتم درسي في السربون واقترن إلى هذه الفتاة التي أحبها حبا لا حد له، والتي قد رضيني أبوها لها زوجا والتي كدت أسعد بزواجها لولا إلين ولولا وشاية هذا الصديق الخائن، صدقني إن من ضعف الرأي وفساد العقل أن تطمئن إلى هؤلاء الذين يسمون أنفسهم أصدقاء»(2).
فعلى الرغم من هذه الفتاة التي يرى فيها صورة الجنون لفرط حبه لها وتعلقه بها والتي أعني بها إلين .. يتقدم صاحبنا دون توضيح أسباب أو ذكر مبررات، يتقدم إلى والد فتاة أخرى صغيرة السن ليقترن بها لولا وشاية الوشاة إلى إلين التي أفسدت عليه كل شيء «واقترن بهذه الفتاة التي أحبها حبا لا حد له ..» هذه الفتاة أكرر مرة أخرى أنها لم تكن إلين وإنما الفتاة الثانية، ولاشك أن التناقض واضح في القولين لا يحتاج إلى تبيان .. ولكن لا حرج في ذلك إن كان حقا قد أصاب صاحبنا الجنون .. !
ولكن بقيت كلمة حول الناحية الفنية، فالحق أن طه حسين ليس بارعا في هذا المضمار ولقد أوضحت من قبل أسباب ذلك وقلت أن دراساته النقدية والتحليلية تسمو كثيرا فوق هذه القصة أو غيرها من أعماله القصصية الأخرى باستثناء «الأيام» لعوامل متعددة منها كما تقدم –أن طه حسين لا يهمه البناء بقدر ما يهمه الأخبار – إن صح هذا التعبير. وهو لا يعنيه أرضي قارؤه أم لم يرض! والبناء الفني عنده أو التكنيك ليس أمرا
ذا أهمية كما هو ملموس في مختلف أعماله القصصية وفي هذا الحال لا مجال للمقارنة بين هذا البناء لدى طه حسين وبين غيره من كتابنا الذين برعوا في هذا الفن وعرفوا به – أعني به الفن الروائي، أمثال توفيق الحكيم ونجيب محفوظ على سبيل المثال وليس الحصر. ولكن –والحق يقال- على الرغم من هذا التكنيك الضعيف والبناء المخلخل فإن أي سطر يكتبه طه حسين لهو جدير بالقراءة والاهتمام لأنه أبدا حافل بالمتعة، زاخر بالعلم والحكم والطلاوة والسحر.
وجدير بنا أن نلقي نظرة عجلى على بعض النواحي التاريخية والاجتماعية والبيئية في هذا العمل وغيرها من الجوانب التي أغفلت من طرف الكثيرين رغم تعرضهم لهذا المؤلف من مؤلفات طه حسين.
إن «أديب» إن هو في الواقع سوى امتداد «للأيام» إن طه حسين يقص علينا هنا شطرا من حياته عاشه بعد أن انتقل إلى القاهرة ثم باريس بعد أن غادر القرية التي نشأ وترعرع فيها. إنه في الجزء الأول من «الأيام» - كما يقول مترجمه إلى اللغة الفرنسية GASTON WIET يحكي لنا أعوامه الأولى من طفولته، حتى الثالثة عشرة من عمره، إنها قصة هادئة وبسيطة ولكنها مؤثرة غاية التأثير، إنها محاولة لاكتشاف العالم الخارجي الذي كان يعيش في كنفه الطفل طه حسين» ... (3).
وأما في الجزء الثاني من الأيام نفسها فإننا نجد –كما يقول المترجم ذاته - « .. الابن الصغير، الابن الضحية الذي لم يجد كبير عناية ممن يعيشون حوله، والذي فقد النظر منذ أعوامه الأولى، هذه المواقف المؤثرة تفجر فينا شحنة من الإنفعال لا يقف عند حد»(4).
وإذا كان هذا حال طه حسين في كتابه «الأيام» في جزئيه الأول والثاني فإن «أديب» لا يسمو إلى مرتبة الأيام من نواح متعددة ذكرت بعضها في القسم الأول من هذا البحث.
إننا نجد طه حسين يصل إلى القاهرة ويختلف إلى الأزهر الشريف ويطلعنا عما كان يدور فيه من شؤون، ويحكي لنا كيف تركه غاضبا غير راض عليه، وينتقل بعد ذلك إلى الجامعة العصرية بصحبة صاحبه «الأديب»؟ فيصف لنا الحياة في هذه الجامعة التي كانت حديثة العهد ويصور لنا تلك الحقبة التاريخية أصدق تصوير فصاحبه (طه حسين نفسه) يريد السفر إلى فرنسا ضمن بعثة دراسية على نفقة الجامعة وهو متزوج والجامعة لا تسمح للمتزوجين بالسفر إلى الخارج، عليه إذن أن يطلق زوجته (؟) وقد فعل ذلك(5) أنه لبس من أرباب المال والجاه وليس له صديق يتوسط له في الجامعة حتى يسهل عليه أمر السفر في البعثة، هذه المحسوبية والوساطة التي كانت سائدة في ذلك العهد جاءت في هذا الكتاب لتعطينا الصورة الحقيقية للعلاقات المتناقضة التي كانت تمثل المظهر السائد في تلك الفترة من حياة طه حسين.
أضف إلى ذلك وصفه للأزهر الشريف والأزهريين التي استطاع طه حسين بجرأة وحزم أن يعلن ثورته عليهم ... «إذن فأي فرق بيني وبين هذا الشيخ العتيق الذي كان يعرض بالأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده فيتغنى في بعض دروسه بهذه الجملة التي شاعت والتي كنا نتندر بها ونضحك
منها، وكنت أنا أشد الناس تندرا بها «ومن ذهب إلى فرنسا فهو كافر أو على الأقل زنديق»(6).
«كذلك قال الشيخ وبذلك كنا نتندر في الأزهر ومن ذلك كنا نضحك في أنديتنا الحرة التي كان الأزهريون يرونها أندية ابتداع وضلال لقد أصبحت أنا كهذا الشيخ أرى من ذهب إلى فرنسا فهو كافر أو على الأقل زنديق» ؟.
يضاف إلى هذه السخرية التي تصور مقدار ما وصل إليه بعض الأزهريين من التزمت والانغلاق، الوصف الشيق الذي عقده الكاتب حينما كان في باريس عن أخطار الحرب والهلع الذي سببه النازيون في أوربا، وخوف الكاتب على باريس من الدمار والقضاء على أروع ما انتجته العبقرية الإنسانية من بدائع الفنون وروائع الأدب فقد وصف المؤلف تلك الفترة وصفا صادقا ودقيقا.
إن كتاب أديب لا يصور حياة أفراد بعينهم بقدر ما يلقي الضوء على حياة فرد واحد ألا وهو أديب لذا فقد خلا الكتاب من قيم ذات بال تتعلق بالنواحي الاجتماعية إلا القليل مما صوره لنا المؤلف من حياة الطلبة الأزهريين وما يعيشون عليه من شظف في العيش، كما نقل في الكتاب بعض مظاهر الحياة العامة في مصر بالقياس إلى الحياة المتحررة في فرنسا فقدم لنا بيئتين مختلفتين الأولى في مصر والثانية في فرنسا.
وإذا لم يصل طه حسين في هذا الكتاب المستوى الفني الذي بلغه في بعض كتبه الأخرى فإننا واجدون فيه مقابل ذلك كثيرا من الجوانب المشرقة منها الأسلوب وأعني به الأسلوب الذي عرف به طه حسين أنك لتشعر بحق وأنت تقرأ الكتاب أنك أمام كاتب ليس كباقي الكتاب لأن المؤلف بقدرته البيانية الهائلة المتسمة بالسهولة واليسر والوضوح يعطي لهذا الكتاب قيمة أدبية هامة إنك لا تجد نفسك أمام تعقيدات في اللفظ أو إخلال بالمعنى بل أمام أسلوب هادئ وعبارات رشيقة، أمام سهولة لا تسف، وعمق لا يجازي، ولقد سبق لكثير ممن درسوا طه حسين وتتبعوا أعماله أن لاحظوا هذه الظاهرة في أدبه وكتاباته، ليس فقط في أعماله القصصية وحسب بل حتى في أعماله النقدية والتحليلية كذلك التي أخرجها منذ بداية عنايته بشؤون الأدب والنقد وبالإصلاح.
وينبغي أن نقف قليلا عند هذه الظاهرة لنشير إلى أن هذه البساطة في التعبير لا تتأتى عفوا وإنما تأتي بعد طول عناء ومران. ويعد بعض النقاد مثل هذه الظاهرة معجزة أدبية وما اختلاف أساليب كبار الكتاب في مختلف العصور وتفرد بعضهم بأسلوب مميز إلا الدليل القاطع على صدق هذه الملاحظة. كما أن البعض يرى أن الكاتب لا يعد كاتبا حقا ما لم يأت بأسلوب جديد يميزه عن غيره. والدكتور طه حسين واحد ممن كان لهم أسلوب مميز قائم الذات.
وتأثير طه حسين في هذا الكتاب بما درسه من علم أو معرفة واضح، فهو تارة ينقلنا معه في رحلة شيقة عبر الأدب العربي وطورا ينهل من معين الآداب اليونانية ومرة ثالثة يستشهد بالآداب الغربية وهكذا.
ويمكننا أن نضرب لذلك أمثلة سريعة بما يلي:
يقول في حوار له مع صاحبه بعد طول نقاش: «إنني من أنصار الحسن الطبيعي الذي لا يجتلب ولا يشترى، وإنما تخلعه الطبيعة وتفيضه على الوجوه والنفوس، هذا الحسن الذي تحدث عنه المتنبي أتذكر بيته؟ إنه مشهور:
حسن الحضارة مجلوب بتطربة
                      وفي البداوة حسن غير مجلوب(7)
وهكذا نلتقي بين صفحة وأخرى ببيت أو بيتين مشهورين أو حكاية عربية طريفة أو نظرة نقدية رائعة ... الخ.
«وحدثني أفهمت شيئا من حنين القدماء على وجهه حين قرأت من شعر امرئ القيس، وغير امرئ القيس من هؤلاء الذين كانوا يحسنون الذكرى ويجيدون تصوير الوفاء. إنما هي عندك ألفاظ: تقع في أذنيك كما يقع غيرها من ألفاظ تفهم الظاهر من معانيها فإن أعجزك الفهم سألت كتابا من كتب اللغة فلا ينبئك إلا بظاهر معانيها لا تكاد هذه الألفاظ تتجاوز أذنيك إلى عقلك فضلا عن تجاوزه
إلى قلبك وإلى ضميرك فتثير فيهما عاطفة أو هوى أو ميلا، وتدعوك إلى أن تقدر الحياة كما ينبغي أن تقدر الحياة، صدقني إنكم لا تدرسون الشعر ولا تدرسون الأدب، وإنما تدرسون ألفاظا ومعاني وصورا ليست من الأدب ولا من الشعر في شيء»(8).
هذه بعض الأمثلة التي تضمنها الكتاب والتي يعيب فيها طه حسين على بعض الدارسين الذين يكتفون بالمعنى الظاهر في الأدب أو الشعر دون الغوص وراء المعاني أو الرموز التي قد يحفل بها عمل أدبي معين أو قصائد شعرية معينة.
ويظهر تأثيره بالأدب اليوناني بشكل واضح في هذا الكتاب عند وصفه للنهر: «وإنها لجميلة حين تتقدم في رشاقة وخفة بما تحمل من زهر وتمر وورق نضر وأغصان لدنة إلى القناة، كأنها تريد أن تهدي هذا كله إلى هذا الماء حين يجري فيها قويا هادئا موفور النشاط مع ذلك كأنه إله شاب من آلهة الأساطير».(9)
هذا التشبيه يكاد لا يوجد له نظير في العربية «كأنه إله من آلهة الأساطير» بقدر ما هو موجود من الآداب اليونانية، ولقد أتيت بهذا عن سبيل المثال – لا الحصر – لأن هناك أمثلة أخرى متعددة من هذا القبيل. وأما تأثير المؤلف بالثقافة الفرنسية فأمر لا يحتاج إلى دليل لأنه بين أيضا في العديد من صفحات هذا الكتاب أو سواه مما ألف الدكتور طه حسين نخص منها بالذكر ما جمعه في كتاب له بعنوان صوت باريس.
يقول في صفحة 166 من الكتاب الذي نحن بصدده «لقد صدق موسيه حين شبه قلب الرجل النقي بالإناء العميق، إذا استقر الدنس في قاعه فليس على تطهيره سبيل ولو مر به مـــــاء البحــر كله ..»(10).
وإذا كان لابد أن نمثل لأسلوب طه حسين في هذا الكتاب فيكفي أن نقرأ الفقرة التالية:
«لا أطيل عليك فأمي ثائرة إذا أصبحت، ثائرة إذا أضحت، ثائرة إذا أقبل المساء، ثائرة إذا جنها الليل، ثائرة إذا امتلأ البيت حزنا وسخطا وبكاء، وأما أبي فمتنكر متنمر، ينذر فيلح في النذير، ويتلطف فيلح في التلطيف»(11) والتكرار في العبارة السابقة مستحب وليس ثقيلا كما قد يتوهم البعض لأن الثورة أو الغضب أو السخط كل ذلك يتناسب إلى حد بعيد مع أسلوب التكرار الذي اعتمده طه حسين. تأمل معي هذه التعابير الجميلة: «ها أنت ذا أشبه شيء بالجواد الجموح الذي يعض شكيمته ويضرب الأرض بسنابكه ويكاد يخرج من جلده مرحا وشوقا إلى العدو»(12).
وهناك أوصاف وتعابير أخرى في الكتاب قد يعجز عن تصويرها المبصرون.
غير أننا مع ذلك، واجدون في هذا الكتاب بعض الصور المكرورة والاستطرادات المملة ولنضرب لذلك مثلا سريعا. يقول المؤلف في صفحة 19 من الكتاب:
«ولم أكد أسمع هذه الجملة حتى انحنيت إلى حذائي أريد خلعه حقا وأي غرابة في ذلك؟ فقد تعودت خلع الحذاء مرات في كل يوم حين كنت اختلف إلى الدروس في الأزهر أو في جامع محمد بك أو في جامع العدوى، أو في جامع الأشرف، هناك حيث كنت استمع لدروس الأصول والفقه والنحو والمنطق والتوحيد، وتعودت خلع الحذاء حيث كنت أزور بعض الدور ولاسيما دور شيوخنا من العلماء وسيما هذا الشيخ الذي كان الخديوي قد نفاه إلى الأزهر نفيا وحظـــر عليه التعليـــم فيـــه» ....(13) .
وهكذا يمضي في الحديث عن هذا الشيخ والدرب الأحمر وعن أحذية الشيوخ والأفندية وسواهم ثم يعود إلى قوله الأول، ساعة أن طلب منه صاحبه «أن اخلع نعليك» فيقول «فلا أجد إذن غرابة في أن يطلب إلى صاحبي أن أخلع نعلي حين بلغنا غرفته هذه»؟ .
ويتجلى لنا كذلك هذا الاستطراد عند حديثه عن ذكريات الشيخين والنخلتين والقناة في الريف ... الخ. بالإضافة إلى استطرادات أخرى، غير أننا إذ وضعنا في الاعتبار مدى ما كان يجده طه حسين من متعة عند حديثه عن هذه الذكريات قبلنا منه هذا الأسلوب بل وربما غدا جميلا في أعيننا!
وكما ترجم الجزء الأول من الأيام إلى الفرنسية سنة 1934 على يد المستشرق الفرنسي Jeanle cerf وكذلك الجزء الثاني منه على يد المستشرق Gaston Wiet فقد ترجم أيضا كتابه أديب عام 1960  والذي قام بترجمته إلى الفرنسية هما ابنا طه حسين أمينة ومؤنس طه حسين .
وقد جاءت ترجمتهما لهذا الكتاب سهلة مبسطة، غير أنهما أسقطا من الترجمة مقدمة الكتاب الأصلي أو الاهداء الذي تصدر الكتاب، وكان حريا بهما أن يثبتاه لأنه يلقي كثيرا من الأضواء على الكتاب نفسه، جاء في هذه المقدمة مثلا: «كنت أول المعزين له حين أخرجه الجور من الجامعة وأول المهنئين له حين رده العدل إليها».
فطه حسين هنا إنما يعزي نفسه بنفسه لأنه هو الذي أخرجه الجور من الجامعة ورده العدل إليها.
لقد أوضحت في الأقسام الثلاثة من هذا البحث بعض الجوانب التي أهملت من طرف الدارسين لطه حسين، وأشرت أنه كتاب لا يسمو إلى بعض أعمال طه حسين كالأيام مثلا، وأوضحت كذلك أن طه حسين إنما يترجم لنفسه في هذا الكتاب بطريقة غير مباشرة لم تتخذ صبغة التراجم الذاتية المعروفة وإنما توارت وراء قوالب فنية معينة لم يوفق طه حسين في رسمها. ومهما ذهبت من قول أو أثبت من رأي، فلن أعطي هذا الكتاب حقه خصوصا وهو يقترن بأهم ما كتبه طه حسين وهو كتابه «الأيام»، و لكن الحق أن «أديب» لا يرقى إلى مستوى أعمال أخرى لطه حسين نخص منها بالذكر دراساته النقدية والأدبية والتاريخية المشهورة.

 •  نشر القسمان الأول والثاني من هذا البحث في العددين: الثالث (السنة 16، ديسمبر 1973) والسادس (السنة 16، ماي 1974).
(1) - «أديب» ص 171.
(2) - «أديب» ص 182.
(3) - Le livre des Jours traduit par Gastnowiet. L’Introduction
(4) - نفس المصدر السابق.
(5) - سبق أن شرحت في القسم الثاني من هذه الدراسة، العدد السادس، السنة السادسة عشرة، (دعوة الحق)، كيف أنه لم يثبت تاريخيا أن طه حسين كان متزوجا في هذه الحقبة والأمر لا يعدو أن يكون رمزا عميقا استعمله طه حسين بنجاح، فهو في تطليقه لزوجته كأنه يطلق حياة الشظف والجهل التي كان يعيشها من قبل.
(6) - «أديب» ص 85.
(7) - «أديب» ص 35.
(8) - «أديب» ص 35.
(9) - «أديب» ص 28.
(10) - «أديب» ص28
(11) - «أديب» ص 30.
(12) - «أديب» ص 24-25.
(13) - «أديب» ص 19.
  - Adib ou l’Aventure Occidentale traduit par AMINA et MOENIS TAHA HUSSIEN Dar el Maârif le Caire

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here