islamaumaroc

عدو الفكر

  دعوة الحق

187 العدد

أعداء الفكر كثيرون. ولكن التعود أخطرهم عداء وأقدرهم على شل أعصاب الفكر، وقتل بواعث الابتكار والخلق. فعندما تتكون لدى رجل الفكر عادة في التأمل، وعادة في ترتيب الآراء، وعادة في الأسلوب، وعادة في المنهج، وعادة في الزاوية الخاصة، وعادة في التذوق، وعادة في التخيل، فتصير الكتابة عنده (ممارسة مجموعة من العادات) المتكونة بتؤدة وعلى مهل، يسقط سقطته المأساوية التي قد لا يقوم منها أبدا. وكل رجل فكر لابد أن تكون له عادات، أحب ذلك أم كره، ذلك أنها نتيجة لازمة لمعاودة التفكير مرة بعد مرة، ومعاودة الكتابة حينا بعد حين، والتعامل مع اللغة باستمرار، الأمر الذي يجعل العادة الذهنية، والعادة الذوقية، والعادة الخيالية، وكذا الأسلوبية، تتشكل بمرور الأيام، وتكرار التجربة، وإعادة المحاولة، بحيث كلما كان التكرار، إلا وتكونت العادة. بعض رجال الفكر والأدب يستسلمون بعاداتهم ويتركونها تتحدث باسمهم، إذ يعملون بطريقة شبه أوتوماتيكية. كل شيء عندهم جاهز بحكم العادة. هناك طاقم من الأفكار، وطاقم من العبارات، وطاقم من المنطلقات. و ما على الكاتب منهم إلا أن يخلي لعاداته وطواقمه السبيل، كي تؤدي عنه ما يريد قوله بسهولة ويسر. ولكن البعض الآخر من رجال الفكر أحس بالخطر، فأخذ على نفسه أن يقاوم عاداته ويكافحها بكل ما أوتي من قوة، حتى لا ترمى عليه شباكها، وتلقي أغلالها، فتكون له الرأس الذي يفكر،  والعين التي ترى والأذن التي تسمع، واللسان الذي يتكلم، بحيث لا يكون له من الأمر شيء، سوى التفرج على عاداته، وهي تمارس عليه فعلها باقتدار عجيب ...
كيف يقاوم رجل الفكر التعود؟ نفترض أن التعود موجود، وهو لابد أن يكون كذلك، وإلا كنا نقاوم خيالا لا ظل له من الحقيقة. وطبيعة وجوده هي التي تحدد طريقة مقاومته. إذا أردت تحطيم العادة، كان عليك أن تبدأ بدراستها أولا، بمعنى أن تعرف الذي تستعد لمقاومته: أين يوجد، وكيف يعمل، وما هي نقط ضعفه، وما مواطن قوته، وما هي المساحة التي يحتلها. تجرد لعاداتك الذهنية محاولا أن تقف منها موقف الناقد الفاحص، بأن تراقب ذهنك كيف يعمل، وجملك كيف تتشكل، وصورك كيف تأتلف، وكلماتك كيف تتصل، وكيف تنفصل، وذوقك كيف ينفعل بالطعوم والألوان وشبات الجمال، وخيالك كيف يجمع الأشياء ويفرقها، ويخفيها ويبرزها، ويذهبها ويزركشها، حتى إذا تم لك ذلك، كنت قد وضعت أصابعك على طبيعة العادات التي تربط لسانك، وتنظم أنفاسك، وتلجم قلمك، وتصوغ نظريتك. تحدد لك الكلمة وجارتها، والفكرة وقسيمتها، والصورة ودلالتها. ومتى عرفتها هذا القدر من المعرفة، كانت هذه المعرفة مدخلك إلى إزاحتها عن فكرك حتى يتحرر، وعن لغتك حتى تنعتق، وعن قلمك حتى ينطلق، وعن خاطرك حتى
يتشقق وينفلق، فتبحث لك عن أفكار تفاجئك بغرابتها، وتذهلك بجدتها، وعن تركيبة لغوية لم تتخرج من بيت الطاعة، ولم تنشأ تحت الوصاية، ولم تستخرج جاهزة من مخازن اللغة ...
هذه العملية تكتنفها عدة مصاعب. ذلك أن الذهن المشحوذ للانقلاب على عاداته، محكوم بنفس العادات، والذوق المدعو إلى الثورة على مكتسباته مطوق بذات المكتسبات، واللغة المحرضة على قوالبها مجهزة بذات القوالب، والقلم المؤلب ضد ألسن التي اتكأ عليها مدة طويلة منحوت بذات ألسن ... ومع ذلك، فربما كانت هذه المصاعب هي التي تثير رجل الفكر العنيد، وتغريه بالصمود لها ومحاصرتها، كما يحاصر البطل قلعة حصينة، إلى أن يعثر على ثغرة ينفذ منها. ولكن لا يظنن أحد أن العادات الناضجة بمرور الأيام، يمكن اقتلاعها من الجذور، فهذا أمر لا سبيل إليه. فالإنسان كله مجموعة عادات. منذ ولادته والعادة رفيقة عمره، تلعب معه في البيت، وتجلس معه إلى المائدة، وتتعلم إلى جانبه في المدرسة. يجدها في لغة الوالدين، وفي كلام المعلم، وبين أغفلة الكتب، وخلال شتى الوصايا والنصائح. حتى إذا كبر وأصبحت له شخصيته (المستقلة) وأخذ يردد قوله: هذا رأيي وذاك ذوقي، وهذه سبيلي، وانخدع بهذه الكلمات التي يكون لها في أذنه وقع السحر، كان منطلقا من حدود عادات أخرى، اكتسبها بعد أن ترك كثير من عادات الصبا. هذه أسلمته إلى تلك، لأنه لا يستطيع العيش بدون عادات، حتى لا يكون مضطرا دائما إلى الرجوع نحو البداية، إلى نقطة الصفر، إلى أبجدية الأشياء وإذن فمهما بذلنا من جهد، من أجل استئصال عاداتنا الفكرية والذوقية واللغوية، فلن نصل إلى شيء ذي خطر. وكل ما نستطيع، هو أن نفك عنا القيود لبعض الوقت، أو أن نحاول تخفيف هذه القيود وجعلها ذات مرونة. هي لحظات خاطفة نشتقها من خلال الروتين، ولا بأس بعودة كل شيء إلى ما كان عليه، ولكن بعد أن تستمد من تلك اللحظات رؤى مدهشة، وأقباسا رائعة، وألطافا ذهنية وذوقية ووجدانية. لا نطمع في أكثر من هذا، لأننا عاجزون عن أي شيء آخر خارج عن نطاق إرادتنا، وحسبنا ذلك دليلا على أننا لسنا دائما عبيد عاداتنا في التفكير والتذوق والتخيل، وأن في استطاعتنا تغيير أثاث فكرنا من حين لآخر، وزراعة حدائقنا الأدبية بورود غريبة الشذى واللون.
لكن رجل الفكر ما أن يكرر ثورته على عاداته، حتى يجد نفسه تحبل بعادة جديدة. وهذه مشكلة أخرى. كل محاولة تكررت تؤدي إلى الحبل بعادة. وإجهاضها –أي العادة الجنين- يكون بالتوقف عن المحاولة فور الشعور بشيء يضطرب في الداخل. أما إذا استمرت المحاولة فلا مفر من الميلاد، ميلاد العادة، التي ما تلبث أن تتحول من طفلة تصلح للمداعبات والملاطفات، إلى لبؤة تفترس الفكر والذوق، وتثب على كل خاطرة طريفة فتطويها في أحشائها الغليظة.
أيكون من المفروض على رجل الفكر أن ي تكون كل كتاباته محاولات أولى، لا تشابه بينها إذا هو شاء تجنب العادة؟ أقادر هو على ذلك حتى لو عقد العزم عليه؟ لا مفر من التعود، فهو مقدور على جميع البشر، مفكرين كانوا أو غير مفكرين. ما أن تستخدم الجملة مرتين، حتى تعرف طريقها إلى قلمك أو شفتيك بدون استئذانك، حتى وأنت وعي كامل. ما تردد الفكرة مرتين، حتى تندس في ذهنك وسط الزحام، كي تفرض لها فيه مكانا ولو كنت كارها لذلك. ما أن تصل كلمة بأخرى مرتين، حتى تراهما معا وقد أوشكنا أن تتلازما وتتعانقا، بحيث ما من مرة استخدمت إحداهما إلا وقفزت إلى جانبها الأخرى، كأنهما على ميعاد.
لماذا يعجز الذهن عن العمل بدون أن يكون متعودا على أمور كثيرة؟ أفي عقول الناس ما يمنعهم من التفكير بغير عادات ذهنية؟ أفي أذواقهم ما يمنعهم من تجربة نكهة الأشياء بدون عادات ذوقية؟ إن عقل الإنسان إنما يعمل من خلال تصورات ومفاهيم مخزونة في ألفاظ اللغة. وهذه التصورات والمفاهيم من صنع أجيال سابقة. ومنذ نعومة أظفارنا ونحن نتدرب ذهنيا على التفكير من خلالها، فكيف نستغني عنها؟ هناك طريقة للإفلات من قبضتها، وهي أن يخترع كل واحد منا لغة خاصة به، وهذا ضرب من المستحيل. وحتى لو استطعنا ذلك بقدرة قادر، فما يضمن لنا ألا نقع في قبضة عادات لغوية من صنعنا؟ وما يضمن لنا ألا نسجن داخل تصوراتنا التي كوناها بأنفسنا؟ القضية كما ترى بالغة الصعوبة. وما من رجل فكر إلا وحيرته هذه القضية
ونفس العبارات، وكأننا الحاكي يعيد ذات المقاطع بنغمة واحدة وترجيع لا تبديل فيه، وتجعلنا لا نعرف إلا شرابا واحدا، به نرتوي ونغتسل ونتعطر، فإذا امتدت أيدينا إلى أشربة أخرى حيل بيننا وبينها، وأبعدنا عن مبتغانا، لنعود إلى شرابنا ذاك الممجوج نرتوي به ونغتسل ونتعطر ... وأمرنا إلى الله ... الفخاخ منصوبة لنا في الطريق، وفي كل زاوية أو منعطف. ما أن ينطبع في عقولنا شيء حتى تخرج أفواج من مخلوقات لا ندري عن حقيقتها شيئا، حاملة فرشاة الصباغة ومحلولها، وكذا الملصقات الحائطية، وعناوين جاهزة، وشارت ولافتات ثم تأخذ في تلوين ذلك الشيء وإعطائه إشارة والعنوان والهيئة الخاصة، بينما نحن لا نكاد نملك من أمر عقولنا شيئا. ما أن يلوح لنا المعنى الطريف ونريد صوغه في لفظ، حتى تتطوع الصفات والتشبيهات  الجاهزة المعتادة لنا فتلقي بنفسها على المعنى، فتجعله عدديا تافها تخلت عنه طرافته، وانطفأ فيه الاشعاع، والتحق بالعاديات فخاب أملنا فيه، وعاد كل شيء إلى بلاهته وغبائه ... كيف السبيل إلى ألا نتعود؟ لماذا نحن هكذا، تحتل العادات ثلاثة أرباع فكرنا؟ أكتب علينا أن نعيش في عالم كل ما فيه جاهز؟ أليس في مقدورنا أن نكون أحيانا بدائيين، وكأننا نكتشف الأشياء للمرة الأولى؟ ماذا صنعت بنا القراءة، وأسماع، وكلام الناس، والشائعات، وعناوين الصحف، والمحفوظات، والأغاني، وكتاب القراءة الرشيدة؟ أكنا خليقين بأن نبقى غير قارئين ولا اجتماعيين، لكي نبتعد عن التعود في أخطر ميادينه؟ وهب أننا فعلنا ذلك، فإلى أين نهرب من أنفسنا؟ ألسنا قمينين حينئذ بأن نعتكف على أنفسنا إلى أن نتعود على كل ما فيها؟ نحفظ خواطر صدورنا،  ونستظهر ضربات قلوبنا، ونجتر وساوس نفوسنا.
ماذا فعل العباقرة العظام، حتى  بهروا الدنيا بأفكارهم الكبيرة، وأحلامهم العجيبة؟ بأية قوة انتصروا على التعود، فحطموا الحصار،  وفتحوا لأنفسهم نوافذ خاصة أطلوا منها على العالم؟ إن العلم لم  يستطع معرفة سر العبقرية بعد، ولذلك فالذين تحدثوا عنها كانوا شعراء وفنانين ومتصوفين ولم يكونوا فيما كتبوا عنها من العلماء، لأنهم استنجدوا بالحدس والبصيرة والوجدان الفني. وظل سر العبقرية ملفوفا في الغموض، لا تلوح منه إلا أطياف لقلب شاعر وعين حالمة ... لكن المأساة هي أن هؤلاء العباقرة أنفسهم طالما ضجوا بالشكوى من التعود، وفاض حديثهم عنه خيبة ومرارة .. وكنا أحيانا نشهد سقوطهم في حبائله، عاجزين عن مكافحته، فنرثي لحالهم، ونأسى لترديهم في الموهى السحيق، بعد أن تربعوا فوق القمم ... هي العادة القاتلة، ما أن يظن العبقري أنه انطلق خارج أسوارها، حتى تعود للإطباق عليه بيدين قاسيتين ... فمن المحال استمرار ذلك الانطلاق، وإلا انفجر العقل، واختلت الأعصاب، وضرب الزلزال كل القوى النفسية، ذلك أن التعود من قوانين العقل البشري ، وخرق هذا القانون، يؤدي إلى خلل في الجهاز كله ... ومن ثم كان انفلات العباقرة من العادة يأخذ في المظهر شكل فك الحصار، ولكنه في الحقيقة ضرب من الاحتيال، لاختلاس لحظات خاطفة، يقضونها خارج سجن العادة ثم لا تلبث هذه أن تسترد أبناءها وتعيدهم إلى قواعدهم صاغرين ... وكان جديرا بالإنسانية أن تقتدي بهم وتتعلم منهم أسلوب التمرد على التعود الذهني، لولا أنها اكتفت بترديد أقوالهم، بصكها ورصها وجعلها عملة متداولة، معروفة الوجه، رنانة مترسبة في الأعماق، يتعامل بها كل رجال الفكر،
ويوفرون منها الشيء الكثير، لكون عونا لهم في لحظات الحاجة .. وما أن تختفي العملة من أسواق الفكر في حقبة من الزمن، لأنها أصبحت محظورة وممنوعة، حتى يقوم البعض بتهريبها، فتظهر من جديد، حذرة يقظة في أول الأمر، ثم واسعة الانتشار بعد ذلك .. أيكون العباقرة –دون أن يقصدوا- عرقلة في طريق الفكر البشري إلى الخلق والابداع؟ ألم يقض رجال الفكر أجزاء هامة من أعمارهم وهم لا يصنعون شيئا سوى ترديد كلماتهم، وقل أن قاموا بإضافة جديدة؟ أما كان الأولى بهم أن يبحثوا عن السر في انفلات العبقري من عاداته العقلية، فيحاولوا مثله، بدل الاكتفاء باتخاذ كلماته أناشيد يقع ترديدها دائما ودون ملل؟ وقد يرضى العبقري أن يرى الناس في حياته يرددون كلماته، ولكن ما هو الجديد في أن يتلقى أصداء نفسه، ترد إليه صحبة أصوات مختلطة، كما يرجع إلى المغنى صدى صوته ممزوجا بضجيج الجمهور داخل قاعة للحفلات ...؟ ولو أبدى العبقري ضيقه الشديد بأصداء فكره ترتد إليه ،لكان في قمة نضجه الفكري، خليقا بأرفع قمم المجد .. فالصدى تكرار وإعادة، كانعكاس شيء واحد على مرايا متعددة. قد يبدو الشيء مستطيلا في هذه المرآة، مستديرا في أخرى، مبتور الأطراف في  ثالثة، ولكنه الشيء نفسه يبدو من خلال المرايا المتقابلة في أوضاع مختلفة .. ولو رأى شخص نفسه في مئات المرايا لكان دائما ذات الشخص، ولو حدثت الكلمات الكبيرة آلاف الأصداء لما خرجت عن أن تكون نفس الكلمات ... وعندما يتعود أحد على أن يتلقى أصداء كلماته يختنق بهذه الكلمات، ويطوق بحصارها المحكم، وحينئذ قد يتمنى أن تبقى دون صدى، حتى لا يدمن عليه، ويتعوده، بل قد يتوق إلى نسيان كلماته عن ظهر قلب ... ولا شيء يذكره بها. كي لا يعود إلى عناقها مرة أخرى، كي لا تبقى منها إلا ذكرى باهتة ... دائما نلف وندور لنجد أنفسنا أمام عدو الفكر: التعود. لقد طرقنا حتى  الآن عددا من الأبواب نريد الفرار منه، فما أن ينفتح لنا الباب منها حتى نجده أمامنا بوقاحته وإصراره على سد كافة الطرق أمامنا، فتنكفئ على أحزاننا خائبين. بيد أننا لا نيأس، وما كان اليأس ليسيطر على نفوس طلعة تملك أن تخترق إذا شاقها اللهب المقدس، ولم تر بدا من الرقص على ألسنة النار، متى كان ذلك  سبيلها الوحيد، لإذابة جليدها المميت ...
ونعود مرة أخرى إلى التعود، فيظهر أننا وإياه على جانبي حلبة واحدة ... والمباراة ذات أشواط متعددة .. ولكن القوى غير متكافئة .. واحتمالات الفشل أكثر من احتمالات النجاح بالنسبة إلى الطرف الأضعف .. لكن خوفه من الفشل يحمله على الاستماتة في الدفاع، وقد يقدم على عملية انتحارية ... ونحن لا نريد أن ننتحر، وإنما نريد كسب جولة واحدة، في مقابل الجولات التي يكسبها خصمنا العنيد: التعود. نريد أن نفتح فيه ثغرة ولو صغيرة .. أن نكشف فيه إحدى نقط الضعف .. أن نضربه من خلف .. إذا عجزنا عن ضربه من أمام .. ولو خالفنا تقاليد الفروسية .. نود أن  نجرب شيئا من الكذب، فنزعم لأنفسنا أن التعود يمكن التغلب عليه، وأننا نملك طاقات معنوية بغير حدود، من شأنها إذا شحذت أن  تكتسح التعود وتجتثه من جذوره، ثم تقوم داخل عقولنا بالتعبئة العامة، طبقا لوهمنا الرائع، فقد نستطيع تعطيل بعض نواميس الطبيعة ولو إلى حين، فنكون كبعض ممارسي رياضة اليوجا، حين يوقفون ضربات قلوبهم، أو ينزلون إلى عمق بئر، فيمكثون تحت ضغط الماء ساعتين أو ثلاث ساعات، سلاحهم قوة الإرادة، واستجماع الطاقة الروحية، وتوهم أن المستحيل قد يتحول إلى ممكن ... وفعلا، فإن الوهم كثيرا ما يصنع المعجزات، أوهم الغبي أنه لامع الذكاء، تجده يفكر على نحو مختلف، وأوهم الذميمة أنها جميلة، تجدها تتصرف تصرف الجميلات، وأوهم المتأدب أنه أديب نابغ، تلقه يتفجر قريحة وقابلية للكتابة، وربما صنع منه الوهم كاتبا مبدعا في مستقبل الأيام ... وإذن لا بأس أن نتوهم أننا قادرون على تعطيل التعود حين نشاء تعطيله لحاجة في عقولنا وأنفسنا، ولنركب وهمنا إلى بعيد، إلى حيث ارض المغامرات والمفاجآت، مجترئين على النظام الفكري المعتاد، ننقض بناءه، وعلى الأشياء كما هي مرتبة في أدمغتنا نقلبها رأسا على عقب، ثم نشرع في ترتيبها على النحو الذي نفضل. وإذا قيل لنا أن للفكر قوانينه في العمل، فكيف يمكن تجاوزها، ومنها قانون التعود، نجيب بأنه إذا كان من طبيعة الفكر أن يتعود، فإن من طبيعته أيضا أن يخالف ما اعتاده أحيانا، وإلا فكيف نفسر ظهور الأفكار الغريبة الخارقة للعادة؟ أكان من الممكن ظهورها
الفروسية ليست من مؤهلاتنا، بينما صاحب العقل الجبار يقف على القمة ثابت القدم، يحدق في الشمس بعينين لا تختلجان ... وإذا نظر إلى تحت لا يشعر بالدوار .. وبالخشية من أن يلقي بنفسه إلى المهوى السحيق ..هل يمكن إضعاف التعود عن طريق السير في الاتجاه المضاد؟ أي بالابتداء بما اعتدنا الانتهاء إليه، والانتهاء إلى ما اعتدنا الابتداء به، وبوضع الأسباب موضع النتائج، والنتائج موضع الأسباب، وترتيب مسائلنا الذهنية أفقيا بعد أن كنا نرتبها عموديا، أو عموديا بعد أن كنا نرتبها أفقيا، والجمع بين الأشياء التي تعودنا تفريقها، وتفريق الأشياء التي تعودنا جمعها، وما إلى ذلك من عكس كل اتجاهاتنا المعتادة؟ ليس من عاقل يضحي بسلامة منطقه، من أجل الأغراب ليس غير. وما من داع إلى أن نصير بهلوانيين كي ندهش الناس وننتزع إعجابهم. لابد من سلامة المنطق، وإن كان من غير المفروض أن يكون منطق كل واحد منا هو منطق الآخرين. فلكل واحد منا أن يختار منطقه الخاص، بشرط أن يكون هذا المنطق معقولا ولا يتنافى وطبائع الأشياء. وعلى ذلك فليس الخروج على العادة الذهنية خروجا عن المعقولية وبديهيات العقل السليم. القضية لا تتطلب تخريب المنطق، وتقويض العقل، والسير على أربع بدل السير على رجلين، ولا تفرض أن ننقلب إلى سحرة أو حواة ومشعوذين، كل ما هنالك أننا نردد كثيرا من الأفكار بحكم العادة فقط، ونمارس ضربا من التفكير بحكم العادة فقط، ونستخدم عددا من القوالب اللغوية بحكم العادة فقط، ونستحسن أشياء ونستقبح أخرى بحكم العادة فقط. فلماذا نترك العادة تتحكم فينا إلى هذا الحد؟ وكيف السبيل إلى أن نفكر ونتذوق دون خضوع كامل للعادة؟ وماذا نصنع كي لا تتكون لدينا عادات عقلية وذوقية جديدة نضيفها إلى عاداتنا القديمة، فنصير آليين، مزودين بجهاز كامل من العادات، يمنعنا من التجربة، ويحرمنا من معاناة عملية الخلق والابتكار؟ ولو أن كل واحد منا كان يقوم بعملية تصفية داخل فكره من حين لآخر، لكنس كثيرا من الأفكار التي تزحمه بدافع العادة وحدها، ولو أنه قام بعملية قد ذاتي لأسلوبه في الكتابة –متى كان من الكتاب- لوجد كثيرا من العبارات والجمل تتكرر في كتابته باستمرار، بحكم العادة اللعينة، فأقدم على تصفيتها وإجلائها في تجاربه الأسلوبية المقبلة، إذا لم يكن من سبيل إلى التفكير والتذوق بعيدا عن أي تعود، فلا أقل من إزالة الآثار الذهنية والذوقية الناجمة عن التعود ذاته، وذلك بإعادة النظر فيها ومراجعتها وفحص الاسس التي تنبني عليها، حتى إذا ثبت أنها محض اعتياد، لا يستند إلى أي مبرر، نبذناها وأخلينا عقولنا وكتابتنا منها. ولا بأس في أن يتوقف الكاتب عن الكتابة زمنا، يتمكن خلاله من البحث عن منطلقات فكرية جديدة، وعن أسلوب يتلاءم وهذه المنطلقات، وقد تكون الفترة الزمنية التي انقطع فيها عن الانتاج الفكري كافية لتخدير عاداته الذهنية، وإضعاف ما لها من سطوة وهيمنة، فيتهيأ له أن يلغي ما ترتب عنها من آثار، حين عودته إلى  الكتابة وفق منطلقاته الجديدة.
والتعود هنا نوعان: تعود في الفكر القومي. وتعود في الفكر الفردي. يتولد منهما فكر مركب، يأخذ بعض مقوماته من هذا وبعضها من ذاك ويمزج بينهما ويؤلف. فكل فكر قومي يحمل كثيرا من العادات والتقاليد الناتجة عن طبيعة عقلية الأمة وتجاربها في الحياة والبيئة التي تقلبت فيها، وكذا ما انحدر إليها من تراث، وما أثر فيها من عوامل الوراثة. فهذه أمة تميل عقليتها إلى النظرة الشعرية أو الصوفية كأمم الهند والصين القديمة، وتلك أمة تميل عقليتها إلى النظرة العلمية الواقعية، كالأمم الأوربية الحديثة(1)، وهاتيك شعوب الشرق الأدنى تميل عقليتها إلى النظرة الدينية، وكل أمة تأخذ
بحظ ولو ضئيل، تضيفه إلى خاصيتها، مما عند الأمم الأخرى. فالعقل الشاعري أو الصوفي أو الديني لا يخلو من الانطباع العلمي، والعقل العلمي لا يخلو من بعض الانطباعات الأخرى وهكذا. وعقلية الأمة بكل ما تتصف به من عادات لابد أن تحدث آثارا فيما يصدر عنها من أدب أو علم. ولذلك كان لكل أدب تقاليده الخاصة. فأدب موجز، وأدب طويل النفس، وأدب بسيط، وأدب معقد، وأدب تغلب عليه النزعة الروحية إلى آخره. هذه عادات تخص الفكر القومي، وهي بالطبع لابد أن تتكيف حسب العصور، وانتقال الأمة من ظروف حضارية إلى ظروف حضارية مختلفة، إلا أنها رغم تطورها لا تفرط في الأساس. وإلى جانب هذا الضرب من العادات، توجد العادات الذهنية والذوقية الخاصة بالأديب أو المفكر الفرد، احتشدت لديه بدافع من تربيته العقلية والوجدانية، ومن مزاجه الخاص، ومن حالته الصحية العامة، ومن طبيعة تجاربه مع العلم والفن والأدب، وهو يأخذ تقاليد فكره القومي، ويمزجها مع تقاليد فكره الفردي، فينتج عن ذلك تقاليد فكرية مركبة. أضف إلى هذين النوعين من التقاليد نوعا ثالثا، هي تقاليد الفن الأدبي الذي يزاوله متى كان أديبا. فللقصة تقاليدها، و للشعر تقاليده، وقل نفس الشيء بالنسبة للمسرحية والمقالة وغيرها. هذا علاوة على تقاليد اللغة المستخدمة في حد ذاتها. فكل لغة لها مجموعة تقاليد موروثة في الصيغ والنبر والإيقاع والدلالة وما إلى ذلك، ومفروض في الذي يستخدمها أن يخضع قليلا أو كثيرا لتقاليدها، حسب مستوى كفاءته الشخصية. وهذه الأنواع الأربعة من العادات تتحالف ضد المفكر أو الأديب العاشق للخلق والإبداع، وهي تكون تحديا بالغ الخطورة، وتفرض فيمن يتصدى لها أن يقوم بجهد عنيف، كي يعمل بأقل قدر من العادات، وبأدنى ما يمكن من الأراء والأذواق والأوصاف والتشبيهات الجاهزة، الموضوعة تحت الطلب، ورهن الإشارة، بل والتي تفرض نفسها على كل من فكر أو تذوق لنفسه أو للناس، شاء ذلك أو لم يشأ. أنا أعلم جيدا أن لكل عقلية شخصيتها، ولكل أدب معاييره، وأن هذه الأمور تراث ضخم تتوارثه الأجيال جيلا بعد جيل، لأنه حصيلة أمة بكاملها، تحصلت لديها خلال عصور طويلة، كما أعلم جديا أن في تلك الأمور ثراء فكريا وذوقيا ووجدانيا يجب الانتفاع به واستثماره واستيحاؤه، فهو معوان على شحذ القرائح وإلهام الملكات، أنا أعلم كل ذلك، ولست  أنكره أو أدعو إلى نبذه والانصراف عنه، بيد أني أرى من حق الأديب  أو رجل الفكر أن يكون له صوت بين هذا الحشد الكبير من العادات، وأن يزحزح أكداس التقاليد الجاثمة فوق قلمه ولسانه، كي يتنفس بحرية، أو بعبارة أصح، من حقه أن يتعامل معها –أي تقاليد الفكر وعاداته- بالطريقة التي يفضل. فإذا لم يكن في المستطاع إلغاؤها لأنها ارث ثمين، فلا أقل من أن تنزع منها صفة التحكم، وأن تقبل نوعا من التعامل القائم على حسن التفاهم. فإذا نجح مفكر أو أديب في الوصول إلى هذه النتيجة في مواجهته لعادات الفكر، أي انتقاء التحكم، والجنوح إلى حسن التفاهم، بحيث يكون من حق كل طرف أن يحتفظ برأيه وذوقه ورؤيته الخاصة، فلا مطمح له في أكثر من هذا. وليعلم أنه وصل إلى كثير مما كان يريد، بأقل قدر من التنازلات.
أيكون الجنوح نحو العمل الذهني بعيدا عن ضغوط العادات الفكرية مما يتعارض مع قيام مذاهب الفكر وفلسفاته؟ ألا نجد المتمذهبين من رجال الفكر والأدب يطوفون حول أفكار بعينها، يديرون عليها ألوانا من النشاط العلمي والأدبي، ويبدؤون فيها ويعيدون، وربما استغرق ذلك كل أعمالهم؟ ألا تتمخض عملية التكرار والبدء والإعادة عن ظهور عادات ذهنية ووجدانية تلازم صاحب المذهب أو الفلسفة، فلا يستطيع العمل إلا من خلالها؟ إن قيام مذهب أو فلسفة شيء، وظهور عادات عقلية إلى جانبه شيء آخر. فالمفكر إذ يختار فلسفة ما ليتخذها محور كل أفكاره ونظرياته، يكون قد فعل ذلك عن درس وخبرة وحرية اختيار، وحتى عندما تكون هذه الفلسفة منقولة عن مفكر آخر، فلابد أن يكون قد رآها من زاوية ثانية، اهتدى إليها بعد دراسة وبحث. أما العادات العقلية المصاحبة لطواف العقل باستمرار حول فلسفة واحدة، فيجب على رجل الفكر ألا يدعها تمتد وتتضخم، إلى حد أن تتحول إلى جهاز ذهني يعمل بطريقة شبه مستقلة، فإنها إن بلغت هذا الحد، تجعل نصف فكره مشلولا، عاجزا عن العمل، كما أنها قد تحجب عن ذهنه الرؤية الواضحة الموضوعي للأشياء، وتحول بين أفكاره وبين النمو والتطور، فيبقى دائرا في حلقة مفرغة، وتتسم كتاباته بالاجترار. بالتخفف من العادات الذهنية يمكن للفلسفة أن توسع من الحيز الذي
تتحرك فيه، وأن تبحث لها دائما عن منطلقات وميادين جديدة، وأن تكتشف نفسها مرة بعد مرة. أما إذا احتفظت العادات الذهنية بكل ثقلها وهيمنت على رجل الفكر، فإنه يكون تحت تأثيرها كالمنوم مغناطيسيا، ينفذ كل ما يوحى به إليه، بدون وعي ولا إرادة.
العادات الذهنية تكون مرتاحة وفي أحسن حالاتها عندما يعمل العقل بيقظة غير كاملة. عندما يلذه أن يسترخي ويتمطى ويتثاءب، بعد تعبه الشاق وعنائه القاسي، بحيث يأخذ القضايا مأخذا سهلا، ويقبل التنازل عن بعضها، والقناعة بانصاف الحلول بالنسبة إلى البعض الآخر، في مقابل أن يأخذ نصيبا من الراحة. ولكن ما إن يسترد يقظته الكاملة، حتى يجد العادات الذهنية الجاهزة قد استغلت فرصة سنته الخفيفة، فسرقت قلمه أو على الأصح اختلسته، ومضت تملي عليه، وهو يكتب ويكتب، إلى أن ملأ صفحات بكاملها، ينكر صاحبها أكثر ما جاء فيها بعد استعادة يقظته العقلية الكاملة. ولماذا يحتفظ العقل بيقظته الكاملة دائما؟ لماذا كانت فيه نقطة الضعف هذه؟ لأن العقل يتعب من التركيز الدائم، ولأنه أحيانا ينفعل بالعقل الباطن، ولأنه يعمل عن طريق الحدس، ولأن اليقظة الكاملة الدائمة تخل بالتوازن بينه وبين الطاقات النفسية الأخرى، من عاطفة وخيال ووجدان، ولأن طبيعة القضايا التي يعالجها قد تتطلب نصف يقظة فقط، حتى يفسح المجال للوجدان أن يتدخل، ليجد له مكانا إلى جانب العقل. وبما أن العادات الذهنية لا تمارس نشاطها بكفاءة إلا في حالة تقلص العقل، أو قناعته بيقظة غير كاملة، فإن العلماء هم أقدر من غيرهم على عدم الانخداع بإغراء العادة، بحكم أنهم يعملون بعقولهم أكثر مما يعملون بوجدانهم، فحظهم الكبير من العقل يجعلهم غالبا بنجوة من الخضوع للعادة الذهنية. بينما الأدباء والشعراء والفنانون من السهل أن يقعوا في قبضة عاداتهم الذهنية والذوقية لأن حظوظهم من الخيال والذوق والعاطفة والوجدان تفوق حظهم من العقل. وهذا هو السر في أن الشكليات والقوالب اللغوية الشائعة بين الأدباء كانت من الأسباب الداعية إلى علمنة الأدب، أي دراسته بطرق علمية، حتى لا يكون فيه مجال لترديد المحفوظات، وتكون ألفاظه على قدر معانيه، بل يكون المعنى هو الأساس، واللفظ تابعا له. فمتى كان الأسلوب في الأدب يقصد لذاته، توفر له من الإيقاع والمحاسن الجمالية ما يدعو إلى الترنم به وترجيعه بين حين وآخر، مع ما يلزم عن ذلك من انطباع آثاره في الذوق والذهن، وهي تجعل كل ما يصدر عنهما مطبوعا بطابعها. أضف إلى ذلك أن الأدب الخالص انتماء إلى الذات، بكل عاداتها وخصائصها الثابتة والمتغيرة، كما أنه محاباة لهذه الذات ومجاملة لها وتقبل لحسناتها وسيئاتها. أما العلم الخالص فلا ينتمي ولا يجامل، هو حيادي وصعب المراس، يريد دائما أن يفهم، وأن يقتنع، لا يسلم بصحة الشيء لأن العادة جرت  بأنه صحيح، وإنما يسلم بصحته إذا وضعه موضع التجربة وخرج منها ناجحا، أو عرضه على القوانين فقبلته القوانين. الأدب يزعم ويدعي، والعلم يحقق ويدقق ويعمل في وضوح كامل.
                                     
(1) - هذا التقسيم ليس علميا . وهو محض افتراض وتصور. ولذلك لا ينبغي أن نسلم به كأمر مفروغ منه. (دعوة الحق).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here