islamaumaroc

السلطان المولى إسماعيل

  دعوة الحق

186 العدد

اقتبس شبه ترجمة حافلة بالأمجاد لفخر الملوك العلويين، وأعظم السلاطين المولى إسماعيل ابن الشريف بن علي العلو الحسني دفين مكناسة الزيتون أسدل الله عليه رداء رضوانه، للإسهام بنصيب بمناسبة هذه الذكرى المجيدة.
ولادته:
يقول بعض المؤرخين، أنه ولد بسوس عام سنة وخمسين وألف. والشائع الذائع عند جميع الأشراف بتافيلالت على حسب روايات ابن زيدان في كتابه «أعلام الناس»، قال: لقد شافهني الشريف العدل البركة الضابط مولاي عبد السلام بن محمد بن الشريف بن علي بن عبد الرحمن بن الحران بن محمد ابن الصغير دفين باب إيلان من مراكش قائلا:
إنه تلقى من أعيان كبراء الأشراف وأعلامهم الإثبات أن المترجم له ولد بتافيلالت بالقصر المعروف «بأمجار» وأن القبة التي ولد بها لا زالت معروفة محترمة عند الخاصة والعامة إلى الآن، لا يلحقهم أدنى شك ولا ترديد، وعند الله علم الحقيقة.
هو إسماعيل أبو النصر بن الشريف بن علي الينبوعي السجلماسي العلوي الحسني السلطان الذائع الصيت في المشارق والمغارب، فخر ملوك المغرب الأقصى.
تربى في أحضان الشرف والطهر ببيت الملوك الأشاوس، فحفظ كلام رب العالمين، وتربى على مبادئ الشريعة الإسلامية، تربية دينية صالحة، وتلقى دراسته العربية والفقهية والتاريخية على أكابر علماء مسقط رأسه، وكان يتكون تكوينا جسمانيا، فيركب الخيل ويتدرب على حمل السلاح والرماية، فكان له ما أراد، اشتد ساعده وعظمت مكانته، وظهرت نجابته وكفاءته، فاتخذه أخوه المولى الرشيد خليفة له، فأحسن السير وضبط أحوال الأمة، ورفع مقام العدل والاحترام بين الرعايا، وأصبح يتمتع بسمعة عظيمة ومكانة عالية، كان عارفا بفلسفة التاريخ وأيام العرب وأنسابها وأحوال الأمم، ووقائعها إماما مرجعا إليه في السيرة النبوية وضبطها.
كان رجل السيف والثبات، لجلالته مواقف تشرف في اجتثاث ما يسخط الله تعالى. وطني غيور حر الضمير، صلب في دينه، متمسك بحبله المتين، يعاقب العقوبة الصارمة كل من ظهرت منه مخالفة في الشعائر الإسلامية، أو مروق من الدين.
استخلفه المولى رشيد بفاس ومكناس، فحسنت سيرته كما سبق ثم بويع له بالخلافة العامة بعد وفاة أخيه المذكور سنة 1082 اثنين وثمانين وألف، وهو إذ ذاك بمكناسة الزيتون كما في الترجمان المعرب. فوفد عليه علماء فاس وأعيانها
وأهل القوة والبأس منها ببيعتهم، ثم تتابعت وفود المدن والقبائل المغربية على أعتابه الشريفة ببيعتهم وطاعتهم، وحيهم وولائهم، لما عرف عنه مدة خلافته من قسطاس مستقيم وسلوك جميل، وشريف، وحياة مليئة بمكارم الأخلاق، وجميل الصفات، والقيام بالواجبات الدينية والوطنية.
نهض بأعباء الخلافة، وأقام العدل بين الأمة، ورتب أمور المملكة، ودوخ سهلها والجبل، واستنزل العصاة من صياصيهم، وقام في وجه الثوار، الأقارب والأباعد، فكان النصر حليفه.
نظم الجيش، وكونه تكوينا متقنا مدربا، سميعا مطيعا، وانتشر صيته، وعظم أمره، لدى الخاص والعام، في داخل المغرب وخارجه، وأصبح ملوك الدنيا يهابونه، ويخطبون مودته، واشتغل ببناء القصور والمساجد والرباطات، والأبراج، والقلع، والسقالات، في النجود والأغوار، من مدينة وجدة، إلى وادي نون(1)، وعمرها بالجنود «الجيش البخاري»(2) لحراسة السبل، وتأمينها، ونزع السلاح والخيل من كل القبائل، لم يترك فيها شيئا إلا لأهل الريف، وآيت يمور من البربر، والوداية، وعرب المعقل، وجيش العبيد، ومن نتج له فرس يصبح للحكومة، وأمر الأمة بالاشتغال والكد على العيال، والاشتغال بالفلاحة، والقيام على الماشية، والاشتغال بما يعنيهم من صناعة وتجارة، فعظمت ثروة البلاد، وكثر الروجان، واتسع العمران، واطمأنت الأمة، على صفة لم يتقدم لها نظير.
جمع أهل الذعائر من كل قبيلة، ولودعهم السجون، فكانوا يخدمون في البناء مع أسارى الكفار، ويبيتون في الدهاليز. فساد الأمن في دولته، حتى كانت المرأة والذمي يسافران المدة الطويلة في البلاد القفرة، فلا يتعرض لهما أحد بسوء، ولا يسألهما من أين، ولا أين؟ إلا ما كان من الحرس المكلف بتأمين الطرق وحياطة المارة.
نفقت في أيامه الزاهرة سلع العلم والأدب، وتوالى الخصب وهم الرخاء، وإلى ذلك يشير أبو القاسم الزياني في ألفية السلوك بقوله:
في عام جفش (1083) تم بدره وصال
            ومهد المغرب سهلا وجبال (3)
وقال للسلاح والخيل أغربي
            من كل حي عجمي أو عربي
وجمع الذعار في الدهالس
            وغيرهم من أرباب المناحس
وصارت الغنم والذئاب
           ترعى بصرح ما له أنياب
أيامه غزيرة الأمطار
          كثيرة الخيرات والثمار
الزرع الادام والمواشي
          رخيصة وكل شيء خاش
وطهر الثغور من أهل الصليب
          وعمر الحصون وفق ما يجيب
حتى أتاه القدر المحتوم
          في شقطل (1139) فحت الهموم
لا يخفى ما في هذا النظم من الكسر والركاكة، وإنما سقته لفائدته التاريخية وشهرة صاحبه.
فتح الثغور ونشر الأمن، أنظمة الحكم وحرر الأقاليم المغتصبة: المهدية – العرائش – أصيلا – طنجة. وكان يعمل على تحرير مليلية، وسبتة، ولكن القدر لم يسعده.
لقد تحدث عن ترجمته وسمو معارفه وعلو كعبه وتمسكه بتعاليم الدين والاستقامة ونشر العدل، العديد من المؤرخين العرب والأجانب.
يقول عنه مؤرخ فرنسا «سان لون»:
«أما أخص أوصافه فهي الاعتقاد الراسخ في الدين، لا تأخذه فيه لومة لائم، مستحضرا لآي القرءان الكريم في كثير من أحواله، ومضحيا بنفسه في نشر الدين وعلو كلمته، وبالجملة، فإنه لم يظهر ملك ذو قوة وثبات على أصول الدين وقواعده مثل مولاي إسماعيل منذ قرون، مطلع على العلوم الدينية متفقه، مستحضر لمسائلها الأصلية، يتمذهب بمذهب مالك، يصوم الكثير من الأيام زيادة على شهر رمضان المعظم عند المسلمين بمدة شهرين في العام، ما عرف عنه شرب الخمر، ولا أي مسكر، يعتمد على الله في سائر أحواله، إذا دخل الصلاة وتوجه بكليته إلى الله سبحانه، يتجرد عن نخوة الملك وحلته، ويطلب من الصلحاء والحجاج والعلماء الإكثار له من الدعاء، عن ظهر الغيب.
لقد أقام سنة صلاة «الاستسقاء» في سنة الجذب، التي كانت سنة 1680 فخرج بنفسه في اليوم السابع عشر من مارس، حاسر الرأس، حافي القدمين، في بدلة خلقة مصحوبا بسائر حاشية ملكه، والجمع الغفير من رعيته، وبعد إقامة الصلاة بذلك الجمع زار حفظه الله سائر مساجد المدينة، واستغرق ذلك اليوم كله، ولما رجع لقصره أصدر أمره لسائر المسيحيين الذين بايالته، بتنكيس الأصنام التي بكنائسهم ومحال عبادتهم.
يعظم أهل الصلاح من الأمة، ويقضي حوائجهم، ويأخذ استشارتهم، ويسلك استقامتهم، يدعو المسيحيين عموما وملوكهم خاصة، للدخول في الإسلام، صدرت منه عدة مكاتب بذلك لجل دول أوربا أشهرها كتابه للويز 14 يذكره بكتاب النبي الكريم إلى هيرقل عظيم الروم، ويدعوه إلى الإسلام، كما يدعو الرهبان الموجودين بايالته للحضور عنده، فيناظرهم في الدين، ويأمرهم بإحضار كل ما لهم من كتب وحجة ودلائل على معتقداتهم، ويتناول ذلك بالنقد والبحث معتمدا على التآليف الإسلامية التي كان يحضرها للمجلس.
كان طيب الله ضريحه يرشح مهارة الطلبة العارفين بنسخ الكتب وضبطها وإتقانها أصحاب الخط البارع الجميل من فاس ومكناس وغيرها من العواصم المغربية، لنسخ كتب الأحاجي والروايات كألف ليلة وليلة والعنترية سيرة عنترة بن شداد وغير ذلك مما يشبهه، ويعدد النسخ منها، ويفرقها في جيشه وكبراء عسكره ويلزمهم مطالعتها ومزاولتها، حتى تصير لديهم من الضروريات، وقصده من ذلك صيرورتهم على بال مما جمعته من مكايد الحروب من الكر والفر، وتدبير نزول الجيوش، والأخذ بالأحوط في ذلك. وكيفية الهجوم وافتتاح المحاربة، وعقد الصلح والمهادنة، وترتيب الشروط، وتعلم الإقدام والمخاطرة وإدراك المراتب بالمزايا. زيادة على ما في ذلك من إعانة العسكر على السهر للحراسة وغير ذلك من كل ما يفيد حالة المجتمع العسكري في الضعن والإقامة، وتعلم المحاجات والأسئلة والأجوبة التي تقوي الذهن وتذكي العقل وتعلم التمايل في الكلام، واختيار ما ينبغي، واجتناب ما يضر مع تعلم حكاية مجالس الحكام، والوزراء التي لها الأثر الكبير في ردع رؤساء الدولة واحتياطاتهم في الأحكام، وتأنيهم في إصدارها، خشية أن ينقل عنهم
ما يثير، فيفضح أمرهم، ويصغرون في أعين الناس، وهذا أمر محسوس في تكوين التربية والأدب، فمن لم يحفظ فصولا عدة من تلك الأحاجي والروايات لا يعد في نظره من عبيد البخــاري الأحـــرار(4).
كان للمولى إسماعيل اهتمام كبير ببناء مكناس، (عاصمة ملكه) وتعميرها وزخرفتها وتزيينها وكأنه يريد أن يحدث لأمته آية من آيات ملكه، تكون عجبا لقومه وآية بينة لمن يأتي من بعده. كان مزيد اهتمامه يتجاوز حد المهندسين والفنانين، يهتم بجليل الأمر وحقيره، يصدر الأوامر للبنائين بنفسه، ويراقب أعمال العملة بشخصه، ولا يترفع عن تناول المسماة  «الفاس» أي آلة من آلات البناء بيده، ويختبر الجير والتراب وغيره خشية أن يكون فيه غش، كما يختبر استقامة الجدران حتى لا يكون فيها ميل أو عيب، ويهتم بنقل الأشجار وغيرها من الأمور اللطيفة، حتى لا يقع فيها كسر أو إتلاف، وبالجملة كان لا يفوته شيء، ولو كان ذا أهمية قليلة، لما كان سائر ما في مكناس من العظمة الضخامة يرجع فضله للمولى إسماعيل. أنه أحب مكناس وفضلها على سائر جهات المغرب، فمنها كانت تصدر سياسته، في الدولة سواء في العلم أو الاقتصاد أو الحرب أو السلم، فهي عاصمته المفضلة.
كان المولى إسماعيل يهتم الاهتمام كله فيطوف في ممالكه وعلى رأس جيوشه يستوفي الجبايات، ويقابل سفراء الدول، ويخطب في المساجد ويدير مملكته ويقابل بنفسه بناء قصوره العظيمة وينظم حرسه الأسود، كان بينه وبين عظماء ملوك أوربا من العلاقات السياسية الشيء الكثير المخلد في المؤلفات العربية والأجنبية ولقد ألم بكثير منها مؤرخ فرنسا الماهر الشهير الرحالة الفيلسوف الخبير الكونت ذو كاستري، في عدة كتبه، مثل نصوص الرسائل بالدعوة الإسلامية وحسن السياسة والمعاملة بالأخص خطابه إلى لويس الرابع عشر ملك فرنسا، وجامس ملك الإنجليز، ودرتكرلوس ملك إسبانيا.. فقد نقل نصوص الرسائل بكاملها، ويطول بنا الحال إذا نقلناها، ولكن لا نغفل فضل ذو كاستري على تاريخه لحقائق الأشياء بحزم وإتقان، فقد حقق الأشياء ونقلها بأمانة، بل وعلق عليها بكل إنصاف وبدون تحيز.
من أوصافه:
لقد وصف المولى إسماعيل غير واحد ممن درس حياته بأنه آية في الدهاء والسياسة والنباهة وصدق اللهجة، نشأ في حرز وصون وعفاف، وكان ذا جد واجتهاد وحزم وعزم، ونجدة وشهامة وشجاعة، و مروءة وقناعة، ومتانة دين.
ومن جلائل أعماله رحمه الله:
اعتناؤه بتربية أولاد عبيد الديوان، وكيفية تأديبهم وتكوينهم، وكيف لا، وهم سلالة «جيش البخاري» الذي تأسس لخدمة المصالح العليا للإسلام، فلقد كان جمهور عبيد البخاري بالمحلة، من مشرع الرملة، تناسلوا وكثر عددهم، وفي سنة 1100 أمر السلطان المولى إسماعيل أولئك العبيد أن يأتوا لهم بأبنائهم وبناتهم من عشر سنين فما فوق، ولما قدموا عليه فرق البنات على عريفات قصوره، كل طائفة في قصر للتربية والتأديب، وتعلم الأشغال اليدوية من طبخ وتنظيف وخياطة وما إلى ذلك من أعمال البيت، أما الأولاد فقد فرقهم على أصحاب الحرف العاملين بالقصور وبناءات الدولة، ما بين بنائين ونجارين وحدادين، وطائفة منهم مكنها لسائق
الحمير كي يركبوها ويتدربوا على سياقتها، وبعد سنة نقلهم لسائس البغال التي تحمل الآجور والزليج والقرمود والخشب ونحو ذلك، حتى إذا أكملوا السنة نقلوا إلى خدمة المركز وضرب ألواح الطابية حتى إذا أكملوا سنة، نقلهم إلى المرتبة الأولى في الجندية فكساهم ودفع إليهم السلاح، يتدربون به على الجندية، وطرقها، حتى إذا أكملوا السنة مكنهم من الخيل يركبونها أعلاء بلا سروج، ويجرونها في الميدان للتمرس بها والتدرب على ركوبها، حتى إذا أكملوا السنة، ملكهم رؤوس الخيل بالسروج يركبونها ويتعلمون الكر والفر والثقافة في المطاعنة والمراماة على صهواتها، حتى إذا أكملوا سنة صاروا في  عداد الجند المقاتلة، وأخرج إليهم جلالته البنات اللواتي قدمن معهم، فزوج كل واحد منهم بنتا، قد أخذت نصيبها في التربية والتكوين الحضري، مع عشرة مثاقيل مهر زوجته. وأعطى المرأة خمسة مثاقيل شورتها، وولى عليهم أحد آبائهم الكبار ليبنوا دور سكناهم وأعشاش ونواويل، وبعث بأسمائهم لديوان العسكر، واستمر الحال هكذا يزود الجيش السلطاني بالعساكر المدربة المتعلمة المتمرنة، القادرة على كل  الأعمال العمرانية، والحضارية، والدفاعية، فرقهم جلالته في قلاع المغرب لعمارتها، وحراسة الطرق والسهر على الأمن، وقد بلغت هذه القلاع أو الحصون بالمغرب ستا وسبعين قلعة، لا يزال الكثير منها قائم العين والأثر بآفاق المغرب، يعرفها الخاص والعام.
هذه خصلة أو منقبة من مناقب هذا الملك الشهم البطل، عقب هذا توجه رحمه الله ورضي عنه إلى تحرير أطراف المملكة. التي كان يحتلها الأجانب في العهود السالفة، عندما حصل الضعف والإنكماش في آخر عهود السعديين، حيث تفرق شأن المغرب، وأصبح دويلات كملوك الطوائف، وكان  المستعمرون الطامعون يحاولون بشتى وسائلهم ودسائسهم ومكرهم أن يضربوا الأخ بأخيه ويحتلوا قطعة إثر الأخرى.
تحرير المهدية:
الكل يعلم أن مدينة المهدية قد حصل عليها اعتداء من الإسبان في الحدود العشرين بعد الألف، عهد ضعف الدولة بالمغرب، قامت جيوش المجاهدين حسب أعراف هذا الشعب البطل، الذي لا يستكين للذل والاحتلال مهما كانت قوته، وأنه عندما يشعر بضعف الدولة يعتمد الله وينظم صفوف الجهاد، ويتطوع كل من يطمع في رضا الله والشعب، فلقد قام المجاهد الشهير العياشي بجيش قوامه سكان مدينة سلا، ومتطوعون من كافة جهات المغرب، وحصلت مقابلات وحروب طاحنة بين الفريقين واستشهد كثير من المجاهدين في سبيل الله، ورغم هذه التضحيات الجسام، بقيت المهدية تحت نفوذ الإسبان حتى قبض الله الملك المجاهد المولى إسماعيل، فوجه جيوشه الظافرة لحصارها، وتضييق الخناق فيها على المحتلين، حتى ضاقت بهم السبل، وخضعوا للأمر الواقع، فافتتحها عنوة، وذلك يوم الخميس 11 ربيع الثاني 1092 بقيادة القائد البطل أحمد بن حدو، وأخيه.
ولقد حضر هذا الفتح جماعة من متطوعة أهل سلا، في جهاد هذا العدو الغاصب منهم الولي الصالح المجاهد أحمد حجي من الصلحاء المشهورين بالخير والبركة، كما حضرها ولي صالح من نفس المدينة سيدي أحمد الطالب وتشرفا هنا بمقابلة الملك المعظم الذي شرف بحضوره هذا الفتح المبارك ويقول المؤرخون أنه أعزه الله أمن رئيس النصارى معم 306 من الاسبانيين على أنفسهم، أما الغنائم فقد أخذها المجاهدون المحررون.
فتح طنجة:
فعندما تنازلت البرتغال عن مدينة طنجة وسلمتها كهدية للإنجليز ! الذي سيطر عليها، واستبد بها حقبة من الزمن إلى سنة 1095 حيث حاصرتها جيوش المغرب برئاسة القائد أبي الحسن علي بن عبد الله الريفي بإذن جلالة الملك المولى إسماعيل المحرر البطل، فشدد الحصار على المدينة بمن فيها وناوش بالقتال، إلى أن ضاق الخناق بالمحتلين، فعمدوا إلى تخريبها وهدم حصونها، وركبوا السفن ولاذوا بالفرار، فدخلها الجنود الإسماعلية منتصرة ظافرة.
ولا تزال عائلة القائد المذكور مع بعض المجاهدين معه يسكنون طنجة حتى يوم الناس

فتح العرائش:
في سنة 1100 آخر شوال، تقدم إليها القائد المغوار أبو العباس أحمد بن حدو البطيوي، في جماعة من المجاهدين لحصارها، حيث كان الاسبانيون قد استولوا عليها بواسطة الشيخ ابن المنصور السعدي، فنزل القائد وضيق عليهم وحاصرهم، نحو ثلاثة أشهر ونيف، ففتحها المسلمون بعد معاناة شديدة، وذلك أنهم حفروا المينات تحت خندق سورها الموالي للمرسى، وملأوها بارودا، ثم أوقدوها بالنار، فسقط جانب من السور فاقتحم المجاهدون المدينة وتسلقوا على الأسوار، ووقعت ملحمة عظيمة حتى ضاق النطاق وحل الجزع بالمحتلين، فأمنهم القائد أبو العباس المذكور على حكم السلطان فنزلوا وأخذوا أسارى بأجمعهم، ولم يعتق منهم إلا أميرهم وحده، وتم الفتح يوم الأربعاء الثامن عشر من محرم سنة 1101.
فتح أصيلا:
لما فرغ المجاهدون من أمر العرائش عمدوا إلى مدينة أصيلا فنزلوا بها وحاصروا النصارى سنة كاملة، إلى أن بلغ بهم الحصار كل مبلغ، فطلبوا الأمان، فأمنوهم على حكم السلطان، ولما لم يطمئنوا لذلك ركبوا من الليل سفنهم، ونجوا إلى بلادهم، ودخل المسلمون المدينة فملكوها، وذلك سنة 1102 وسكن بها أيضا، أهل الريف المجاهدون، وبنى قائدهم مسجدين ومدرسة وحماما ودار سكناه بالقلعة.
حصار سبتة:
بعد الفراغ من استرجاع مدينة أصيلا، توجهت عناية الجيش المغربي وعظمة المولى إسماعيل، لحصار مدينة سبتة الأسيرة، ولقد استؤنف القتال مع المحتلين لها. وأمد السلطان هذا الجيش الباسل بفريق من جيش العبيد، «جيش البخاري» كمام صدرت أوامره السامية لرجالات القبائل الجبلية المجاورة لها، بتقديم العون والمساعدة للمجاهدين المحررين، فبلغ عدد المحاصرين لسبتة 25 ألف جندي، ومنح جلالته العون والرعاية للمجاهدين، بجد واجتهاد، فكان القتال لا ينقطع صباح مساء، وطال الأمر حتى أن جلالة السلطان اتهم القواد الذين في المحاصرة، بعدم النصح والقيام بالواجب، واستمر القتال بها إلى أن توفي القائد للجيش أبو الحسن بن عبد الله رحمه الله، وتولى القيادة مكانه أبو العباس أحمد بن علي، وفي كل سنة يتعاقب الغزاة عليها، والسلطان مشتغل بتمهيد الأمن بأطراف المملكة ومقاتلة جبل فازاز وغيره، ولهذه الأسباب لم يتم فتحها وتحريرها، وبقيت في الأسر تحت يد المحتلين حتى  يوم الناس، ولكل أجل كتاب (تلخيص عن الاستقصا للناصري).
ولأخذ العبرة من سياسة هذا الملك العبقري البطل. نقتطف باختصار بعض الاتجاهات السياسية من رسائله لملوك فرنسا، انجلترا، اسبانيا، فمن  رسالته لملك اسبانيا. حيث صدر الوعد من جلالته بالعفو عن مئات اسباني كانت موجودة بالعرائش ساعة إرجاعها ولكن هؤلاء النصارى لم يستسلموا كما كان منتظرا، ليصح العفو عنهم حسب الوعد بذلك، بل لعبوا أدوارا وتدليسا، وارتكبوا شططا، وقاتلوا، وخربوا وبهذه الأعمال المنكرة قامت قيامة علماء الإسلام بالافتاء، أن العفو على هؤلاء المحاربين لا يصح؟ لأنهم أخذوا وهم يحاربون؟ ولم يستسلموا كما سبق الاتفاق معهم؟
فوقف جلالة الملك المسلم الغيور، عند رأي العلماء، وامتنع من منحهم هذا العفو، وكتب لملكهم يعرض عليه حلولا معقولة، قائلا جلالته بواسطة خديمه محمد بن عبد الوهاب الوزير بأن ما صدر من جلالته من العفو عنه، توقف بسبب ما ارتكبوه من المخالفات؟ حيث صدرت فتوى العلماء بأنهم محاربون ولا يصح العفو عنهم، ولذلك اقترح على ملكهم الحل الآتي: على الإسبان أن يدفعوا تعويضا عن  خمسين من أسراهم خمسة آلاف كتاب، مائة عن كل واحد من الكتب المأخوذة من المسلمين سكان إشبيلية وقرطبة وغرناطة، وما والاها من قرى المسلمين، ويدفعون عن خمسين أسير الثانية خمسمائة أسير من أسرى المسلمين، الرجل والمرأة والصبي الصغير أو الكبير والشيخ المسن من أيالتنا أو غيرها، إذ القصد هو تحرير المسلمين من الأسر مقابل أسراكم، وإن لم يقبلوا هذا الحل، فالمائة من جملة الأسرى بالمغرب كأخواتهم الموجودين بالسجون المغربية أسارى. هذه النظرة المختصرة تنبئ بتفكير هذا الملك العظيم، وخلقه للحلول المعقولة ووقوفه الدائم تحت رأي الإسلام والمسلمين.
إنها الشخصية الموهوبة نظرا لكونه لم يدرس بالخارج ولا تلقى أصول الهندسة والعبقرية الفنية والمعمارية؟ ولكنه بنى مكناس وأحدث فيها ما أحدث حتى أصبحت حديث الركبان وأعجوبة الأزمان في البنيان والعمران.
لم يغمض عينه إلى الأبد رحمه الله 28 رجب 1139 هـ. / 12 مارس 1727م، حتى كانت المملكة المغربية تنعم بالاستقرار والهناء وعزة الجانب، وحتى استطاع أن يطهر عددا من الثغور من غير الاحتلال الأجنبي حيث أفتك وهران من أيدي الإسبانيين وعمل على فك العدد العديد من أسارى المسلمين وقمعم التحرشات التركية بالحدود الشرقية والصحراوية، وأكد الاتفاقات السابقة مع الدول في شأن حدود المغرب من وادي تافني حدا بين الأيالتين، وفتح المراسي للتصدير والتوريد وأقام علاقات دبلوماسية مع جل الدول الأجنبية.
هذه نظرة مختصرة على حياة الملك البطل المولى إسماعيل الذي مات وسنه تناهز 83 سنة ومدة إقامته في الملك 55 سنة، فرحمه الله رحمة واسعة وجزاء الصديقين والشهداء والصالحين.


(1) - يقول صاحب «البستان»:
فقد شاهدنا أثر الأقدمين بالمشرق والمغرب وبلاد الترك والروم، فما رأينا مثل ذلك في دولهم، ولا شاهدناه في آثارهم، بل لو اجتمعت آثار دول وملوك الإسلام، لرجح بها ما بناه السلطان المولى إسماعيل رحمه الله، في قلعة مكناس دار ملكه، ولم تزل تلك البناءات على طول الدهر قائمة كالجبال، لم تخلقها عواصف الرياح، ولا كثرة الأمطار والثلوج، ولا آفات الزلازل، حتى تخرب المباني العظام، والهياكل الجسام.
(2) - سبب تسمية الجيش بعبيد البخاري:
إن المولى إسماعيل لما جمعهم وظفر بمراده بعصبيتهم واستغنى بهم عن الانتصار بالقبائل بعضها على بعض، حمد الله وأثنى عليه وجمع أعيانهم، وأحضر نسخة من صحيح البخاري وقال لهم: أنا وأنتم عبيد لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرعه المجموع في هذا الكتاب، فكل ما أمر به نفعله، وكل ما نهى عنه نتركه، وعليه نقاتل، فعاهدوه على ذلك، وأمر بالاحتفاظ بتلك النسخة وأمرهم أن يحملوها حال ركوبهم ويقدموها أمام حروبهم وما زال الأمر على ذلك إلى آخر عهده، فلهذا قيل لهم: عبيد البخاري.
(3) - جيش الأوداية وبيان فرقهم وأوليتهم:
هذا الجيش من أمثال جيوش هذه الدولة، وهو  ينقسم إلى ثلاثة راحاء: رحى أهل سوس – ورحى المغافرة – ورحى الأوداية.
(4) - وهنا ننشد الأبيات التي استشهد بها الأديب الشهير والمؤرخ الخبير ذو الوزارتين ابن الخطيب السلماني رحمه الله. للشاعر ابن عبدون، اختصت مكناسة بطيب التربة وعذوبة الماء وصحة  الهواء وسلامة المختزن من التعفين وغير ذلك:
أن تفتخر فاس بما في طيها            ويأتها في زيها حسناء
يكفيك من مكناسة أرجاؤها            والأطيبان هواؤها والماء

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here