islamaumaroc

الوحدة العسكرية في التاريخ العربي والإسلامي.

  دعوة الحق

186 العدد

- 1-
القاعدة الثابتة التي لا يمكن أن تتغير، ليس بالنسبة إلى العرب وحدهم، بل بالنسبة إلى شعوب العالم كلها، هي أن الشعب –كل شعب- لا يكون قويا ما لم يكن موحد الصفوف والأهداف.
ولم نسمع بأمة من الأمم استطاعت أن تكون قوية، لها مكانة مرموقة بين الأمم، وهي متفرقة الصفوف والأهداف.
الوحدة تجعل من الأمة قوة ضاربة لا تغلب من قلة أبدا، والفرقة تجعل من الأمة غثاء كغثاء السيل لا قيمة لها في حرب ولا في سلام. ولو أردنا أن نضرب الأمثال من الأمم غير العربية، لضاق بنا المقام ولاحتجنا إلى مجلدات، وحسبنا أن نذكر أن ألمانيا وإيطاليا مثلا، كانتا قبل الوحدة مستعمرتين للنمسا تارة ولفرنسا تارة أخرى، ولكنهما أصبحتا بعد الوحدة دولتين من الدول العظمى، وقد استطاعتا أن تفرضا على الدول احترامهما بعد الوحدة وهددتا العالم كله بسيطرتهما القاهرة خلال النصف الأول من الحرب العالمية الثانية ( 1939-1942). والولايات المتحدة الأمريكية نفسها كانت مستعمرة كبيرة من مستعمرات بريطانيا، ولكنها بالوحدة استطاعت أن تنال استقلالها أولا، وأن تتضخم قوتها بعد ذلك حتى أصبحت أقوى قوة وأعظم مكانة من بريطانيا سيدتها أمس.

-2-
وقد كان للعرب دول محلية قبل الإسلام: في اليمن السعيد، وفي العراق، وفي سورية، عاشت فترة من الزمن ولكنها لم تترك لها أثرا ذا قيمة عالمية، كما فعل العرب بعد الإسلام. وكان الموقف العربي قبل الإسلام يتلخص بما يلي:
اليمن السعيد فيه نفوذ الأحباش والفرس وفيه قبائل مستقلة –خاصة في الجبال- عن هذين النفوذين.
وفي العراق دولة المناذرة، خاضعة للفرس، وفي الشام دولة الغساسنة خاضعة للروم. وفي الجزيرة(1) عرب خاضعون للروم. وفي نجد والحجاز قبائل عربية، كل قبيلة مستقلة عن الأخرى. كان العرب حينذاك في جاهلية فكرية، وفي جاهلية استعمارية، وفي جاهلية عصبية، وفي جاهلية دينية، وفي جاهلية التمزق والتفرق والتناحر والاختلاف.
وجاء الإسلام، فوحد صفوف العرب وجمع كلمتهم وحدد أهدافهم، فأصبحوا في شبه الجزيرة العربية صفا واحدا يعملون بقيادة واحدة هي قيادة
الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام، فلم يلتحق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى إلا وكان عرب شبه الجزيرة العربية التي  تتصل بتخوم أرض الشام ومشارف العراق من الشمال وبالبحر الأحمر من الغرب وبالمحيط الهندي من الجنوب وبالخليج العربي من الشرق، وحدة تحت لواء الإسلام. وارتد قسم من العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فقاتلهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، حتى استطاع أن يعيد الوحدة إلى عرب شبه الجزيرة العربية، وبذلك أصبحوا قوة هائلة وجدت لها متنفسا في الفتح الإسلامي العظيم. وفي أواخر أيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه، توجهت طلائع الفتح الإسلامي إلى العراق وأرض الشام، فاستطاع المثنى ابن حارثة الشيباني وخالد بن الوليد رضي الله عنهما أن يربحا معارك كثيرة في  العراق، كما استطاع جيش المسلمين في (اليرموك) أن يربح معركة حاسمة في أرض الشام.
وارتفع مد الفتح الإسلامي ارتفاعا مذهلا في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فاستطاع قادة الفتح الإسلامي في أيامه فتح العراق والجزيرة وأرض الشام ومصر وشطرا من بلاد فارس.
وبقي مد الفتح الإسلامي طاغيا عاتيا في النصف الأول من حكم عثمان بن عفان رضي  الله عنه، فلما نشب الشغب في النصف الثاني من حكمه بين المسلمين، توقف الفتح، واستطاع الفرس استعادة قسم من بلادهم في خرسان من المسلمين.
وبقي الفتح الإسلامي مجمدا في أيام الفتنة الكبرى، بل أصبحت البلاد الإسلامية مهددة بالغزو من الروم، فزحف قيصر الروم في جموع كثيرة وخلق عظيم على بلاد الشام. وخاف معاوية بن أبي سفيان أن يشغله ذلك عما يحتاج إلى تدبيره وإحكامه، فوجه إلى الروم وصالحهم على مائة ألف دينار، وهكذا أصبح الطالب مطلوبا بفضل التفرق والانقسام. وحين استتب الأمر لمعاوية أغزى أمراء الشام على الصوالف، فسبوا في بلاد الروم سنة بعد سنة. عند ذاك طلب قيصر الروم الصلح على أن يضعف ما يقدمه للمسلمين من مال، فلم يجبه معاوية إلى طلبه.  واستأنف الفتح الإسلامي سيره المتدفق في الشرق والغرب بعد أن وضعت الفتنة الكبرى أوزارها، فاستعاد العرب المسلمون فتح (سجستان) وفتحوا (كابل) كما اجتازت رايات المسلمين نهر (جيحون) ففتحوا بخارى وسمرقند و(ترمذ)، كما فتح عقبة بن نافع (تونس) واختط القيروان وسكن المسلمون (أفريقية) وأسلم البربر واتصل الإسلام ببلاد السودان وبالمحيط الأطلسي.
وفي الشمال حاصر المسلمون القسطنطينية، وهنا توفي أبو أيوب الأنصاري صاحب رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يزال قبره محفوظا مشهورا إلى اليوم(2).
وكان هذا الفتح كله بفضل الوحدة أيضا.
وبعد معاوية بن أبي سفيان بدأت الفتن الداخلية: في استشهاد الحسين بن علي رضي الله عنه، وحركات المختار بن أبي عبيد الثقفي، وبعده مصعب ابن الزبير، وثورة الخوارج، وثورة عبد الله بن الزبير ... الخ. فاضطربت أمور العرب المسلمين وتفرقت كلمتهم، فكان من نتيجة ذلك أن الروم استعادوا أفريقية من المسلمين، كما استطاع قيصر القسطنطينية أن يهدد بلاد الشام، فاضطر عبد الملك ابن مروان إلى عقد هدنة مع الروم. وفي المشرق توقف الفتح تماما واستعاد الفرس من المسلمين خراسان وسجستان.
وبعد حروب دامية استطاع عبد الملك بن مروان أن يعيد الوحدة عام ثلاثة وسبعين الهجرية، فأرسل حسان بن النعمان الغساني لاستعادة أفريقية، ففتح (قرطاجنة) وأتم تحرير المغرب العربي من الروم.
وفي سنة ثلاث وسبعين الهجرية وهو عام الوحدة –عين عبد الملك أخاه محمد بن مروان واليا على الجزيرة وأرمينية، وقطع النقود التي كان يرسلها للروم لقاء سكوتهم عن حرب المسلمين، واستطاع المسلمون سنة أربع وسبعين الهجرية الانتصار على الروم وتوغلوا في بلادهم. وفي سنة ثمان وسبعين الهجرية، استعاد المسلمون خراسان
وسجستان وفتحوا مدنا أخرى(3)، واستطاع موسى بن نصير فتح المغرب الأقصى وفتح طنجة وغزا صقلية وفتح الأندلس(4) وكان ذلك كله بفضل الوحدة.

-3-
وبعد الوليد بن عبد الملك توقف الفتح الإسلامي حتى سنة انهيار الدولة الأموية، وهي سنة اثنتين وثلاثين ومائة الهجرية حيث بدأت صفحة الدولة العباسية في التاريخ. وبعد سنة من مولد الدولة العباسية أي سنة ثلاث وثلاثين ومائة الهجرية استطاع الروم الانتصار على المسلمين في (ملطية) واستعادوها منهم فهدموا المدينة والجامع وأجلوا المسلمين الذين بقوا على قيد الحياة من هذه المدينة(5). وتوالت الفتن والمشاكل منها طائفية ومنها سياسية لعل أعظمها كان انفصال الأندلس سنة تسع وثلاثين ومائة عن الدولة العباسية(6)  فأصبحت الدولة الإسلامية الواحدة دولتين: دولة في المشرق ودولة في المغرب. وكانت الدولتان قويتين في ابتداء أمرهما، ولكن استقلال الأمصار عنهما بالتدريج أدى في النهاية إلى سقوط الدولة العباسية بيد التتار وخروج العرب من الأندلس واستيلاء الصليبيين على قسم كبير من سورية ولبنان وفلسطين وشمال أفريقية.
ومر على العرب فترة كان لهم في كل بلد دولة، وهذا التفرق هو الذي أدى بهم إلى الضعف والهوان، فطمع ببلادهم الصليبيون وغير الصليبيين، ولولا نور الدين الشهيد ومن بعده صلاح الدين اللذان جاهدا من أجل الوحدة ووحدا من أجل الجهاد لما استطاع العرب استعادة القسم الأكبر مما اغتصبه الصليبيون من بلادهم.

-4-
وبقي العرب ضعفاء لتفرقهم مستعبدين لغيرهم من الأمم حتى انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1918، فاحتل المستعمرون بلادهم وأقاموا الحدود والسدود بين الأقطار العربية، وشجعوا الروح الإقليمية والطائفية على مبدأ: (فرق تسد)، وأشاعوا الانحلال الخلقي، ونشروا المبادئ الوافدة، وجعلوا العرب يشيحون بوجوههم عن تراثهم العريق، وعمقوا في عقولهم آثار الاستعمار الفكري البغيض.
ثم خلقوا إسرائيل في بقعة من بقاعنا المقدسة، لتكون قاعدة ضخمة لهم يعتمدون عليها في أيام السلام والحرب. لقد قدر الاستعمار أن العرب لن يبقوا في سبات عميق إلى قيام الساعة، ولمس بحق عزم العرب على أخذ حقوقهم كاملة من المستعمرين، فخلقوا إسرائيل لتكون عونا لهم على إضعاف العرب، واستنزاف طاقاتهم المادية والمعنوية: كلما أرادوا تطوير بلادهم والتحرر والانطلاق من ربقة الاستعمارين القديم أو الجديد، كانت إسرائيل قاعدة الاستعمار في الشرق الأوسط في أيام السلام، لأن العرب مضطرون على تقوية جيوشهم عددا وسلاحا، وهذا يحتاج إلى المال الوفير والجهد المضني ما كان أحوج العرب إليهما في تطوير بلادهم لولا وجود إسرائيل.
وإسرائيل قاعدة للاستعمار في الشرق الأوسط في أيام الحرب، لأن الاستعمار يزودها بالسلاح وبالخبرات الفنية لتكون قوية دائما قادرة على ضرب الدول العربية التي تخرج على مصالح الاستعمار وتعمل من أجل بلادها ومصالحها العليا. وهي قاعدة للاستعمار أيضا في حالة نشوب حرب عالمية ثالثة بين الشرق والغرب لذلك فمن مصلحة الاستعمار أن تكون إسرائيل قوية وأن تتوسع على حساب البلاد العربية. إن الاستعمار الذي خرج من باب الدول العربية دخل إلى الشرق الأوسط من نافذة إسرائيل، لهذا دأب المستعمرون على الادعاء بأن إسرائيل خلقت لتبقى؛ ذلك لأن بقاءها من مصلحة الاستعمار؛ والاستعمار كما هو معلوم مسيطر سيطرة كاملة على الهيئات الدولية، وعلى مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة بالذات. فلا مجال للعرب أن يأخذوا حقوقهم بالوسائل السياسية في أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن أو في المجالات السياسية الأخرى. وعلى ذلك لم يبق أمام العرب غير طريق واحد هو أن يأخذوا حقوقهم بالقوة ... وبالقوة وحدها.
وسبيل القوة هي الوحدة، والوحدة العسكرية على الأخص بين العرب.
أقولها صريحة واضحة:
إذا لم يضع العرب الوحدة العسكرية العربية في حيز التنفيذ فورا، فإنهم بعد سنوات سيكونون إما عبيدا في بلادهم أو لاجئين خارج بلادهم.
وقد أعذر من أنذر ...

(1) - جزيرة ابن عمر.
(2) - انظر التفاصيل في: قادة فتح الشام ومصر 181- 182.
(3) - انظر التفاصيل في: قادة فتح المغرب العربي 2/ 99 – 101.
(4) - انظر التفاصيل في: قادة فتح المغرب العربي 1/ 232 – 273.
(5) - العبر 1/ 179.
(6) - الطبري 2/ 144.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here