islamaumaroc

عن أدب المناسبات.

  دعوة الحق

186 العدد

اعتدنا –كما اعتاد غيرنا- في شتى المناسبات الدينية والوطنية أن يقرأ ألوانا وضروبا من الكتابة في الشعر والقصة والمقالة تختص كلها بهذه المناسبات، وبما توحي إليه، وبما تتضمنه من دلالات في حياة الناس كافة، تختلف أساليبها وتتباين في درجات العمق واستشفاف معانيها وما ترمز إليه، من شاعر إلى آخر ومن كاتب إلى آخر.
وغالبا ما نقف أمام هذا اللون من الكتابة متسائلين، فنختلف في تسميته: هل هو من الأدب أم لا؟ وهل هذا الاتجاه في الكتابة ينتمي إلى الأدب أم أنه بعيد عنه كل البعد؟
والرأي الشائع بين الأدباء والنقاد والناس على السواء، أن اللون من الكتابة لا يمت إلى الأدب بصلة، وليست له به علاقة على الإطلاق، وبالتالي، يتعين علينا أن ننفض أيدينا منه باعتباره – حتى لو تفوق أصحابه فيما يكتبون- ليس أدبا خالصا يقرأ لذاته لما يحويه من جمال وخير وسمو إلى الحق والفضيلة وسوى ذلك من القيم الأدبية التي تضمن وتوفر له نصيبا من الخلود والبقاء للأجيال القادمة لكي تقرأه وتهضمه وتتمثله في ضميرها ووجدانها.
ولا شك عندي في أن أصحاب هذا الرأي الذين يرونه فيما يسمى بأدب المناسبات يغالون بعض الشيء في نظرتهم إليه، بل أن بعضهم يقع في خطأ كبير – سواء عمد
 إلى ذلك أو لم يعمد – حين يستبعد هذا اللون من الكتابة من دائرة الأدب ومفهومه له.
وبداهة نقول أنه ليس كل ما يظهر في المناسبات أدبا، وليس كل ما لا يظهر في المناسبات ذاتها أدبا.
وبداهة أيضا نسأل ونتساءل: ما هي المناسبة بالنسبة للأديب؟ إنها باختصار شديد كل مناسبة تقترن في زمن معين بعيد أو بذكرى، كانت هذه المناسبة دينية أو وطنية أو قومية. والأدب الذي يصدر عن هذه المناسبة هو ما نسميه بأدب المناسبات، أي أنه الأدب الذي يصدر عن صاحبه في مناسبة لها معناها الخاص  ومفهومها ومدلولها ومغزاها في حياة الناس. فإذا مرت هذه المناسبة مر معها هذا الأدب. وبتكرار الأعياد والذكريات يتكرر معها ذلك اللون من الكتابة.
واصطلاح أدب المناسبات، اصطلاح نقدي –إذا صح التعبير- ظهر حديثا، وليس للنقد والنقاد به عهد إلا فترة قريبة. وهذا الاصطلاح لا يدل في الواقع على مذهب أو مدرسة معينة في الأدب بقدر ما يدل على اتجاه معين فيه، يعبر به أصحابه عن عواطفهم ومشاعرهم وأحاسيسهم فيها، فإذا انتهت هذه المناسبة انتهى أدبهم، فلا يبقى منه أثر إلا وكان له علاقة وصلة بهذه المناسبة أو تلك.
وقد ابتدع هذا الاصطلاح النقاد المحدثون بعد قراءاتهم للأدب العربي القديم الذي لم يكن في رأي بعضهم إلا أدب مناسبات. ولا أدري إن كان ذلك الاصطلاح قد انتقل إلينا من مدارس  ومذاهب النقد الغربي الحديث، أم أنه ولد مع ظهور الأدب العربي الحديث بعد الحرب العالمية الأولى، أي مع احتكاك الأدباء العرب بالأدب الغربي، وخاصة منه الأدب الأوربي.
وكيفما كان الأمر، فقد برز اصطلاح أدب المناسبات في الكتابات والدراسات والبحوث والتعليقات النقدية – أو شبه النقدية – يريد به أصحابه الإشارة إلى ذلك اللون من الأدب الذي لا يصدر عن عاطفة صادقة – بحجة أن المناسبة هي التي تملي هذا اللون من الأدب على صاحبه – بل يصدر عن إحساس عابر وانفعال فاتر تجاه مناسبة لها مكانها ولها زمانها. ولذلك يعتبر هذا الأدب المرتبط بالمناسبة أدبا زائفا، لا تقف وراءه أي عاطفة صادقة أو انفعال حار، ولا ينصهر في تجربة نفسية ناضجة، وبالتالي لا يتضمن أي قيمة، اللهم إلا قيمة الألفاظ المرصوفة بعناية، وانتقاء التراكيب المزخرفة، تغطيها رغبة الشاعر –مثلا- في إبراز المآثر والمناقب التي تغلف المناسبة، بالإضافة إلى مغالاته في ذلك إلى درجة يسقط معها انتاجه في الإسفاف والابتذال، بدليل أن الشاعر ذاته يعود في انتاجه بنفس ألفاظه ومعانيه، وربما بنفس قوافيه إذا عادت نفس المناسبة.
ولذلك اعتبر النقاد هذا اللون من الأدب يموت بموت المناسبة، ويمر بمرورها إلى دهاليز النسيان، دون أن يخلف في نفس القارئ أي أثر يستحق الوقوف عنده، ودون أن يحرك في وجدانه وضميره ما يحركه غيره من ألوان الأدب وفنونه الأخرى.
وهذا الاختلاف بين النقاد وحتى بين بعض الأدباء أنفسهم في النظر إلى أدب المناسبات وتقييمه، يجعلنا في مواجهة حيرة تفرض علينا التساؤل التالي: هل أدب المناسبات أدب حقا؟ أم يبعد عنه –بشروطه وعوامله الخاصة- عن هذا الوصف؟ فإذا كان أدبا حقا، فأين توجد مواصفاته التي يلتقي بها مع الأدب؟ وإذا لم يكن كذلك، فهل تكتفي أمامه باطلاقنا عليه اصطلاح أدب المناسبات، ومن ثمة نقف منه موقف النقاد والأدباء والمعارضين له؟
إن استقراء بعض مراحل نشوء وتطور الأدب العالمي وسيره يصل بنا إلى نتيجة لا مندوحة لنا من الاعتراف بها، وهي أن أدب المناسبات كان موجودا وقائما بذاته في الأدب الغربي، وإذا شئنا الدقة أكثر، قلنا أنه كان معروفا حتى في الأدب اليوناني القديم، وكان له أصحابه وأنصاره في ا لأدبين الأوربي والأمريكي الحديثين، شأنهما شأن الأدب العربي، قديمه وحديثه.
لقد عرف الأدب الإغريقي الشعراء الذين كانوا ينشدون أشعرهم في المناسبات والأعياد المختلفة التي كانت تحتفل بها شعوب المنطقة، وكانت بينهم منافسات للحصول على الجوائز التي كانت ترصد لهذا الغرض، ولم ينته هذا التقليد في اليونان القديمة إلا بانتقال مركز السيادة من أثينا إلى روما التي شهدت بدورها شعراء كانوا يتغنون بأمجاد الإمبراطورية الرومانية وانتصاراتها في الأمصار والأقطار، وأعياد الشعب الروماني وفرحته وابتهاجه بها. ولا زالت هذه الأشعار والأناشيد محتفظة بقيمتها الأدبية إلى الآن رغم مرور مئات السنوات عليها.
ويمكن –دون مبالغة- أن نضيف نفس القول على الأدب الأوربي والأدب الأمريكي وخاصة في مراحله التكوينية الأولى، ولا زالت بعض التقاليد متبعة إلى حد الآن –وخاصة في بريطانيا- برغم ظهور الآداب الحديثة التي تمخضت عن الآلام التي عانتها وكابدت منها الشعوب خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، وهي  الآداب التي أطلق عليها النقاد أسماء مختلفة مثل أدب المقاومة وأدب العبث واللامعقول والتمرد والغضب...
أما أدبنا العربي القديم، وحتى الحديث منه، فحافل بنماذج من أدب المناسبات، وهذا هو ما يثير «حفيظة» بعض النقاد المعاصرين عليه، وأقول «حفيظة» لأن هؤلاء النقاد غاضبون من الشعر العربي العربي، لأن جله صادر عن المناسبات وبها، ولكننا نقول أنه، بالرغم من ارتباط هذا الشعر بالمناسبات، إلا أنه يشكل ثروة أدبية ثمينة، وذخيرة هامة وحية عن أساليب وأنماط الحياة السياسية والاجتماعية والأدبية والاقتصادية.
كان هذا الأدب –أدب المناسبات- بمثابة النهر العظيم الذي يصب فيه الشاعر القديم أشواقه
وطموحه في الأرض والسماء على السواء، حتى ولو أن شعر المناسبات لا يمثل إلا علاقة ثنائية قائمة بين  الشاعر وطرفه الموضوعي.
وحين ظهر النقد الحديث بنظرياته ومدارسه المتشعبة، وآرائه وأفكاره ورؤاه الجديدة إلى العمل الأدبي حاول نسف كل ما بناه الشاعر العربي القديم بدعوى أنه انساق لتيارات النهر الجارفة، يميل حيثما الريح تميل، فغرق حتى أذنيه في خضم متلاطم من المدائح والهجائيات والمرآئي والإخوانيات والنقائض، وزخرف الكلام، مسخرا فنون البلاغة والبيان من بديع وجناس وطباق وسواهما لبناء قصائد هشة، تافهة، لا تكاد تتنفس نسيم الحياة حتى تختنق وتموت، فأغرق الشاعر –نتيجة لذلك- الشعر العربي وفنونه بتلك الألوان الضروب الزائفة من الإنشاء الرخيص، وتعثرت خطاه في طريق العطاء الشعري الخالد...
وقد نجد بعض العذر عند نقادنا المحدثين لأنهم لم يروا في أدب المناسبات قيمة تستحق الاهتمام منهم، فانصبت الاتهامات والأحكام جزافا على شاعرنا القديم، وأفرغوا ابداعاته من أي روح إنسانية. الأمر الذي حفزهم على اعتبار هذا الشاعر نفسا خامدا، خاملا، متكاسلا، لا يجري صاحبه وراء هدف إلا إلى تحقيق مطامعه الدنيا، ولا يسعى إلا إلى الحصول على عطية سنية بواسطة التكسب بالشعر جعل الشعر مجرد أداة طيعة لخدمة طموحه التافه، فمات شعره بموت مطامعه وطموحه وأغراضه الشخصية السخيفة، فعصفت به ريح التغيير وألقت به بعيدا عن ساحة التأثير في وجدان وضمير الجماهير.
واعتقد أنه تختفي وراء هذه الرؤية الظالمة إلى أدب المناسبات، رؤية أخرى تحاول النفاذ إلى حقيقة وجوهر هذا الأدب، بتحليله وتمحيصه من خلال ربطه بالواقع الذاتي للشاعر أولا، وثانيا بالواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، الذي عاش فيه الشاعر، لاستخلاص رؤية وحكم صادق ومنصف عن هذا الشاعر، يمكننا من معرفة موقفه من الحياة والكون وفلسفته تجاه الأحداث.
إن شعرنا القديم ليس كله أدب مناسبات، ليصب عليه نقادنا المحدثون جام غضبهم، فشعرنا الحديث لا يخلو بدوره من شعر المناسبات، ابتداء من محمود سامي البارودي إلى نزار قباني، مرورا بأكثر من أربعة أجيال من الشعراء، كان منهم من نبغ في شعر المناسبات وشعر غير المناسبات، ويمكن لي القول أن التاريخ غطى على شعراء لم يكتبوا في المناسبات قط...
لقد امتد أدب المناسبات إلى شعرنا الحديث أيضا، وإن ارتدى أردية أخرى، تلفع بأقنعة تختلف عن تلك التي كان يصطنعها الشاعر القديم، إذ فرضت متطلبات ومقتضيات ودواعي العصر والظروف الراهنة للمجتمع على الشاعر أن يكتب عن المناسبات بما يتطابق ويتلاءم مع تلك المتطلبات والمقتضيات والدواعي الجديدة، ولم يتحرج مطلقا في التعبير عن نفس الأغراض التي كان يطرقها الشاعر القديم، مع اختلاف في «طبيعة» المناسبة واختلاف اللغة والأسلوب.
إن الشاعر المهجري الكبير إيليا أبو ماضي كانت أغلب قصائده تدخل في باب أدب المناسبات، مع أنه من المعدودين بين الشعراء المجددين في الشكل والمحتوى. بل إن بدر شاكر السياب كانت بعض مراحله الشعرية تنتمي إلى أدب المناسبات وتلتصق بها إلى أبعد حد، ولم يتخلص الشاعر من هذه النزعة بصفة نهائية إلا بعد إصابته بالشلل في أواخر حياته، فأصبح شعره ذاتيا صرفا، معبرا عن عاطفة وشوق غامرين إلى الحياة نتيجة إحساسه بانطفاء ذبالة الحياة في جسده. وحتى الشاعر نزار قباني يعتبر بدوره أحد شعراء المناسبات بشكل أو بآخر ... ... والقائمة طويلة تشتمل على أسماء شعراء معاصرين –بكل معنى المعاصرة- كانت المناسبات تجتذبهم بين  الفينة والأخرى.
ويحق لنا هنا التساؤل: لماذا يكاد الشاعر العربي ينفرد وحده بالاتجاه إلى المناسبات؟
إن المناسبة بالنسبة للشاعر العربي كثيرا ما كانت فرصة يفرغ فيها أحاسيسه ومشاعره وعواطفه وخوالج نفسه، ويحدد فيها موقفه ورؤيته إلى الذات والحياة والكون، فقصائده في هذه المناسبات، قالب يصب فيه عصارة أفكاره وفلسفته، وليس المديح والهجاء والرثاء والشكوى والإخوانيات
والطرديات والخمريات ... إلا نوافذ ومراصد يطل منها الشاعر على الذات وعلى الحياة والعالم من حوله.
هنا فقط، يمكننا القول: إن أدب المناسبات ليس صادقا كله –بالفعل- وليس زائفا كله، أيضا، ففي جملة منه صدق وحرارة، وانفعال وتوهج وإخلاص، تفتقده حتى في بعض أدب غير المناسبات.
إذا كان هناك أدب هذه صفاته –قلت في جملة منه وليس فيه كله- لا ينبغي لنا على الإطلاق أن نحكم عليه بالموت لمجرد صدوره عن مناسبة ما وارتباطه بها. ومن «الشعر» قصائد لم يكتبها أصحابها عن مناسبة معينة، ومع ذلك فهي لا تنطوي على أي صدق أو حرارة أو انفعال أو إخلاص...
إن القضية في رأينا، ليست قضية أدبية أو نقدية فحسب، بل إن لها أصولا وشروطا وعوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية ونفسية، يجب دراستها وتحليلها وبحث جوانبها، لنقول فيها  الرأي الأخير والنهائي.
ومن هذا الجانب يتعين علينا أن ننظر إلى الأدب ينتجه ويكتبه أدباؤنا وشعراؤنا في مناسباتنا الدينية والوطنية، وخاصة منها مناسبة عيد العرش التي كانت دائما على مر تاريخ الدولة العلوية الشريفة دافعا للشعراء خاصة والأدباء والكتاب عامة ليذكروا مناقب ومآثر الملوك العلويين الشرفاء، وما تنجزه هممهم الشماء من أياد بيضاء للشعب في مختلف القطاعات والمجالات، وما تحرزه البلاد في عهودهم الزاهرة من مكتسبات في شتى الميادين...
ولذلك، فالانتاج الشعري والأدبي الذي يظهر في هذه المناسبة بصفة خاصة هو بمثابة سجل، تطفح صفحاته بالآمال والمطامح، وبمثابة كتاب تدون فيه وتكرس قواعد الالتحام وأسس الارتباط بين العرش الشعب، بين القاعدة والقمة، ليظل بعد ذلك أحد الشواهد الفنية والتاريخية العميق الأثر، القوي الدلالة على ثبات وصدق ومتانة المقومات الروحية والمادية التي يرتكز عليها عرش المغرب لحقب مديدة من الزمن.
وفضلا عن القيمة التاريخية الثمينة للشعر الذي يكتب عن هذه المناسبة، هناك كذلك القيم الفنية والأدبية والجمالية التي ينطوي عليها ذلك الشعر.
فحين يحتفل الشعب المغربي بكل فئاته بمناسبة عيد العرش، يحتفل معه الشعراء بما تجود به قرائحهم، تعبيرا عن الولاء والإخلاص اللذين يطبعان على الدوام الالتحام القائم بين العرش والشعب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here