islamaumaroc

المعتزلة والتحليل الماركسي

  دعوة الحق

186 العدد

تعمد القراءات الماركسية اليوم إلى إعادة طرح التساؤلات حول الوقائع والإشكالات والفرق القديمة بصبغة جديدة، فتقف عند قضايا أساسية، سبق أن استقر الأمر عليها، لهز مشاعر المسلمين وتفتيت يقينيات الأمة، مدعين البحث في التراث وغرضهم الأساسي على ما يبدو، هو تهديم ما تبقى من حرمة لهذا التراث في نفوس الناس. وواضح جدا أن لهذه القراءات دوافع وغايات، فشعور التيار الماركسي في العالم الإسلامي بالعزلة عن عقيدة الجماهير وعن مجموع الثقافات المجتمعية جعله يطرح هذه الشعارات المتتالية، ولكن كل مجهوداتهم وجدت نفسها مقطوعة الجذور وإن كانت قد جذبت كثيرا من الناس، ولم تستطع أن تلبي فطرتهم الدينية، ولم تستطع أن تنسجم مع تراث الجماهير في كل مجالاته ومعطياته. عمد الماركسيون إلى صبغ التراث بصبغتهم تقرب ما كان بعيد المنال، وتعيد خلق الإشكالات لإثارة الشكوك والشبهات وتبعد التراث عن تفسيراته القاعدية في إطاراتها، وتضمن بذلك تشويه كل الحقائق وتحريف عقليات من يود أن يأخذ أو يغرف من هذا التراث.
ومن القضايا الأساسية التي يثيرونها، الصراع بين تيارين، تيار محافظ متزمت حسب تعبيرهم، وتيار ديناميكي تقدمي، الأول يمثل الاتجاه الديني، والثاني يمثل الاتجاه العقلاني، الأول يمثل البنية الإقطاعية، والثاني يمثل البنية البورجوازية. الأول يسلخ الإنسان من واقعه العياني، والثاني يأخذه كما هو في واقعه. الأول أدى إلى الجمود والتقهقر الاجتماعي، والثاني أدى إلى الحرية والتقدم الاجتماعي .. الأول إذن يجب محاربته والقضاء عليه، والثاني يجب إحياؤه والدفاع عنه .. وهكذا يحددون كل ما يحيط بالقضية من تحديد الاتجاهين وتحديد بنيتهما وإيديولوجيتهما ونتائجهما وما يجب نحوهما(1).
ونحن إذا وقفنا معهم أمام تيار المعتزلة بالذات، نجد أن الفرصة وجدت سانحة منذ مطلع هذا القرن لبعث وتأييد هذه الفرقة لما لها من نزعة ليبرالية ... ولما جاء دور التأثير الماركسي التقدمي لم يتوقف هذا البعث وهذا التأييد بل تبناه وزاد عليه رغم مناقضته في شعاراته لكثير من مبادئ الماركسية التقديمة !! واعتبر الماركسيون التيار المتعزلي ثورة أو تقدما فعليا، فتعالت الأصوات مؤيدة له، ومعلية من شأنه. وهذا أمر ليس مستغربا إذا كان التيار المسيحي الصليبي وراء فرقة المتعزلة في نشأتهم، فقد تأثرت كما هو معلوم بتأثيرات يهودية ومسيحية ومانوية بجانب أصلها الإسلامي. ومعنى هذا أن الجذور لبعض آراء المعتزلة كخلق القرآن والقول بخيرية الله، وبالأصلح، والمجاز والتأويل، وحرية الإرادة، والصفات، كلها لا أصل في الآراء المسيحية(2). وهذه خلفية كافية لترفض هذه الآراء من طرف المسلمين عامة. وتلك الفترة على ما يظهر شبيهة بفترتنا هذه. فهذا دراس من دراسي المعتزلة ومن المتحمسين لهم، تلميذ لأساتذة مسيحيين وينسب لهم كل فضل في إشرافهم التام على بحثه(3). وهكذا تكتمل الحلقة، فالمعتزلة فرقة يعتد بها كل من التيارين الصليبي والماركسي، وإن كانت الدراسات حولهم يقوم بها متمسلمون. فغايتهم جميعا واحدة وهي إحياء روح المعتزلة وتوجيهها بحيث لا يقعون في نفس الأخطاء الإعتزالية(4). وبالتالي إحياء هذه الفرقة، وهو الأهم، وسيلة تعطي الشرعية للابتعاد بالإسلام عن الحياة، ولإبعاد التيار المحافظ عن مسرح الحياة ومنافسته بتبني هذه الفرقة ليسهل التغيير الجذري الشامل انطلاقا من نفس البيئة حتى لا تبقى هناك عقبات أو موانع تقف في وجههم، وللأسف أن ظل المسلمون على حالهم كما عليه اليوم، غير مبالين بلفث هؤلاء قد يعز الإصلاح والتوجيه بعد ذلك وخاصة أن هؤلاء قد شمروا بكل الوسائل لبلوغ أهدافهم، فتراهم يتجهون في أبحاثهم التخصصية إلى الدراسات الفلسفية الإسلامية إمعانا في تبني هذا الاتجاه. وهذه لعبة خطيرة إن لم يع المسلمون قواعدها ويرسمون لها أفرادا وجماعات.
قد يستغرب المرء ويتساءل أنستنكر الدراسات والأبحاث الجادة والعميقة، والمجهودات الضخمة الناضجة؟! والحقيقة أن المسألة ليست هي هذه. إن المفروض ليس الفكرة وليس الجهد، إن المفروض، والذي نواجهه، هو التيار الجارف نحو التمركس، هو الإيديولوجية الدخيلة التي تنخر أمتنا الإسلامية، وتدعو وتعمل على تغييرها جذريا. المسألة ليست فكرا ومعلومات ترفض، وإنما هو منهج غريب متسلط، وإيديولوجية غريبة متسلطة .. وهذا هو نفس موقف المسلمين الأوائل فلم يكن رفضهم لمفاهيم المعتزلة قائما على رفض الأفكار والمعلومات بل على العكس كان قائما على رفض الاتجاه وعقيدته. فالعالم الإسلامي لم يتفتح على الثقافات العالمية بهما، مما يدل على عدم إتباع المسلمين لهم اضطرارا مع رفضهم لهم، بل تفتح الإسلام اجتماعيا وعسكريا وثقافيا جعل المسألة متبادلة بين المسلمين عامة والعالم. وما رفضه المسلمون فهو رفض كاتجاه إيديولوجي مغاير للإسلام. وما دام المعتزلة قد فتحوا الباب لتيار يتلخص في الانعتاق من الإسلام، وتحريف مضمونه الفكري والإيديولوجي فقد واجههم المسلمون وما يدعون إليه.
وذلك الإدعاء هو نفسه الذي يروج له في الفكر المعاصر، حيث نسمع أن الاتجاه الإسلامي يرفض المعاصرة ويدعو إلى الانغلاق في الماضي، ويضيفون أن الإسلام دين، والمعاصرة علم وتكنولوجية ولإلقاء بينهما ومحاولة إخضاع العلم والتكنولوجيا للتصور الإسلامي هو في الحقيقة عودة إلى سيطرة الفقهاء والمحدثين وغيرهم من رجال الدين على العلم(5) وفي هذا الادعاء نفس المغالطة، ونفس المنهج المخادع، فالمسلمون يرفضون التيار الإيديولوجي في المعاصرة، ولا يرفضون العلم والتقنية في حد ذاتهما. هذا الموقف من الإسلام يدفع التقدميين اليوم إلى القول زورا وبهتانا أن المسلمين يقفون ضد الانفتاح العلمي، وأن المعتزلة هم حملة التقدم العلمي والفلسفي، فهم الفئة المتفتحة الواعية المتنورة!! وفي هذا تشويه للحقيقة، وتدليس في البحث. فالمعتزلة في الحقيقة كانوا عنصر انحراف فكري، وعامل تقهقر وتدهور خطير!.
فإذا كانت النهضة الفكرية والعلمية لم ترتبط بالمعتزلة والفلاسفة وحدهم، ولم يكونوا المساهمين في ذلك بل سبقهم في كثير من مظاهرها، وبعث جذورها، غيرهم، طبق منهج فكري خاص ينسجم مع الإسلام وانفتاحه على العالم. منهج فكري يرتبط بالمجتمع وجزئياته الحياتية دون تحليق في عالم ميتافيزيقي عقلاني لا يخضع لمقاييس ثابتة، ولا يقود إلا إلى الظن، فإن المعتزلة بأبحاثهم المتعددة لم يدفعوا الفكر الإسلامي إلى الأمام بل بالعكس دفعوا به إلى مسلك مسدود، دفعوا به إلى مواقف ميتافيزيقية وحلول عقلانية غير واقعية تنزع منزع التجريد والترفع عن المعطيات الاجتماعية بفتح باب التأويلات مما أثار جدلا عميقا. والكل يعلم أن خط التفكير الإسلامي الحق يرتبط ارتباطا وثيقا بالإطار الاجتماعي للمجتمع المسلم عامة، يرتبط بالاهتمامات الواقعية الدقيقة في الحياة اليومية، وبالإهتمامات اليومية للحياة الاجتماعية عامة؛ يرتبط بالحياة السياسية، ويرتبط بالحياة الاقتصادية، ويرتبط بجميع العلاقات الاجتماعية والسلوكات الأخلاقية؛ يرتبط بالحياة الثقافية المرتبطة ارتباطا وثيقا بالحاجيات الاجتماعية والمجتمعية مما طبع الفكر الإسلامي بالنزعة العملية المسماة اليوم بالبرجماتية، وطبعه بالنزعة الواقعية التجريبية الحسية المسماة اليوم بالعلمية، وطبعه بالنزعة الشمولية التي لا تترك جزئية إلا وتتناولها بالدرس والمسماة اليوم بالنزعة الاجتماعية، وفي كل ذلك نجد عقيدة تجمع الكل، وهي عقيدة التوحيد والعبودية لله وحده .. أما المعتزلة عندما ظهروا بنوع جديد من الثقافة، بنوع جديد من التفكير ومنهجه يتنافى ويتناقض مع خط الفكر الإسلامي .. فقد اتجه المعتزلة للاهتمام بالجدل في المعتقدات المتشابهة التي لا يستطيع العقل ولا النظر في النقل أن يقطع بحل فكري بالمنطق الأرسطي إن لم يعتمد التصور الإسلامي في صفائه ووضوحه وبساطته. وهكذا غذت المعتزلة ترعرع علم الكلام الذي أصبح عامل تعقيم في الفكر الإسلامي، وخلق معارك عقلية كان المسلمون في غنى عنها، وخلق عقلية مثالية مغرقة في التجريد، وإفراز لصراعات وجدالات وتأثيرات، وإبقاء لفرق وجماعات وشرذمات على عقائدها(6).
وإذا أشرنا إلى مسألة العبودية نجد الصراع دائرا في دائرتين: دائرة أولى ميتافيزيقية، ودائرة ثانية اجتماعية. الأولى تثير المتشابهات وتبحثها وهي متشابهات دائمة لطابعها الميتافيزيقي؛ تبحث في مشيئة الله ومشيئة الإنسان، وفي قدرة الله وقدرة الإنسان، وفي فعالية الله وفعالية الإنسان .. وكل ذلك كلام مجرد مفرق في الميتافيزيقيا وقد تخصص في هذا المعتزلة. والثانية لم تطرح إطلاقا هذا الإشكال لأنها تبحث في هذا النطاق أصلا، فهي عندما تبحث العبودية لله ف إنها تبقيها في إطارها الاجتماعي السلوكي، فلا تسأل هل الإنسان يفعل ذلك باستطاعته وقدرته أم بفاعلية غيره. إن الأساس أن يكون هذا الفعل وهذا السلوك خاضعا لشريعة الإسلام. وبهذا المفهوم الاجتماعي لمعنى العبودية استطاعت الجحافل المسلمة الداعية أن تغير قلوب البشر وتغزوها ..
والماركسيون التقدميون في قراءاتهم المعاصرة للمعتزلة وتأييدهم لهم لن يستطيعوا الاستفادة من المعتزلة غير مفاهيم لا تتعدى الاعتداد بالعقل والتأويل الحر من كل قيد أو وازع علمي، والاعتداد بالحرية الفردية. وهذه كلها مفاهيم في عموميتها تتلاءم مع التيارات الغربية المعاصرة التي تمجد العقل والفرد. ولكن التيار الماركسي يتغاضى عن هذه الحقيقة ويطمسها ويتناساها رغم أن تلك العطاءات ليبرالية ومثالية فيجعل من هذه الفرقة التي لا تتلاءم مع مذهبهم المادي الاجتماعي هي الفرقة التقدمية ولو بحملها حملا على ذلك. ويجعل من الفرقة المعادية والتي تمثل الإسلام في نصاعته وصفائه فرقة رجعية دينية نصية غيبية وما إلى ذلك من التسميات التي يطلقونها ..
بل ويقفون عند عبارات مشهورة ناطقة بحال التيار الإسلامي ومنهجه الفكري، فيؤولونها كما أول المعتزلة سالفا. ويسفهونها تسفيها، ويشوهون مضمونها تشويها. فهذه صيحات مالك مثلا: «الكلام إلا فيما تحته عمل» أو «الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة»، يراها التقدميون في تحليلاتهم تعبر عن الاتجاه المحافظ  الذي يعادي العقل والانطلاق العقلي، بل يجعلون ذلك حجرا وقصورا عقليا. فيقول أحدهم: «وقد بلغ المعتزلة بهذا التصور التنزيهي للذات  الإلهية قدرا عظيما من التجريد والبعد عن فكر المشبهة الحشوية الذين عجزت عقولهم عن أن تسمو بتصور الذات عن حدود المحدثات والمخلوقات»(7).
يقدم عمارة بهذا موقفا متحيزا عندما يصف المشبهة والحشوية (ويقصد بهم أهل الحديث عامة ودون تمييز) بأنها عجزت عن السمو في تصوراتها. فهل هذه هي الحقيقة أم أنها استندت على تصور خاص ومغاير لتصور المعتزلة؟! وهل نستطيع بالتالي أن نعكس الأمر فنقول إن المعتزلة عجزوا عن التشبيه والتجسيم تبعا لمنطق عمارة وتحليله؟! إن الأمر مضحك حقا، والأكثر إضحاكا أن عمارة المادي الجدلي الذي لا يعترف بالتصورات إلا وهي منتزعة ومرتبطة بالمادة، ينقلب هاهنا على مذهبه ومنهجه الذي يقضي بتلك النظرة المادية. فنظرة الحشوية كما يبدو منسجمة مع المذهب المادي الذي لا يعترف بالتجريدات الميتافيزيقية أكثر من عمارة نفسه. فعمارة هنا ينحاز إلى المذهب المثالي التجريدي المحض بل يجعل غير هذا عجزا في العقول. وهذا الالتواء لا يعرف حرمة بحث أو تشبث برأي. ويقول مؤكدا ذلك على نفسه: وهي جميعا تؤكد سمو المستوى العقلي الذي كان عليه مفكرو هذه المدرسة عن الانحطاط إلى درك الذين لا يؤمنون إلا بما هو منصور أو محسوس، وله في المحدثات نظير وشبيه»(8).
وبطبيعة الحال هذا ليس معناه أن المشبهة أو المجسمة أو الحشوية على حق فيما يذهبون إليه، فمذهب السلف وأهل السنة كما هو معلوم مخالف لهذه المذاهب، ولهم مواقف رد وتفنيد ... وإنما أردنا أن نبين التلاعب بالألفاظ والمناهج لتعزيز فكرة معينة عند هؤلاء الماركسيين وخاصة أن عمارة لا يفرق بين السلف والأشاعرة والمذاهب الجبرية والحشوية أو المجسمة والمشبهة، حيث يعتبرهم فئة واحدة إمعانا في التشويه.
وهذا تقدمي آخر يقف نفس موقف عمارة فيصف التيار السلفي السني بالرجعية ويقول: «غير أن السلف أحجموا عن القيام بهذه المهمة ووقفوا واجلين أمام تلك المشاكل، فأبوا أن يعالجوها ورفضوا أن يبتعدوا عن نص الكتاب ومنطوق الحديث قيد أنملة»(9).
في هذا النص خلفية واضحة في وصف السلف بالوجل كما وصفهم الآخر بالعجز عن السمو بفكرهم. ولم يكن إحجام السلف عجزا أو خوفا، بل إحاجم تصور وإدراك للأمور. فرفضهم الصارخ «من طلب الدين بالكلام تزندق» و «من تمنطق تزندق» كان رفضا للفكر الغريب الدخيل على المفهوم الإسلامي. رفض للفكر اليوناني جملة وتفضيلا في عطائه الفلسفي والإيديولوجي.
والغريب أيضا أن يجعل التقدميون هجوم أهل الحديث على المعتزلة والفلسفة يرجع إلى سبب العيش. أي المنطلق المادي .. يقول التقدمي: «أدركوا أن المعتزلة إن استمروا على هذه الخطة ونجحوا فيها فسيجيء يوم يهمل فيه الحديث ولا يبقى لرواته لزوم ولا قيمة فيفقدون مركزهم وتفسد سبل العيش في وجههم ولهذا أصبح المحدثون ألد أعداء الاعتزال ولم يذخروا وسعا ولا جهدا في مقاومته»(10).
فهل هناك ما هو أتفه من هذا التحليل؟! وهل هناك علمية أسخف من هذه العلمية؟! فهل التحليل والعلم هو تحويل تيار ذي تصور حضاري ومنهج فكري واقعي إلى حشد من الجياع لا هم لهم إلا معاداة الآخرين للمحافظة على لقمة عيش رخيصة آثمة، وهم الورعون المتقون؟!
الماركسيون إذن في تحليلاتهم يغالطون ويقلبون حقائق الأمور. فكما قلنا أن الاتجاه الاعتزالي الذي أثار هذه المشاكل ودخل في مناقشاتها، هو اتجاه عقلاني مثالي لا يلتزم الواقع الحياتي في منهجه الفكري في حين أن تعبير مالك وغيره من أهل السلف وأهل السنة يعبر عن التيار الواقعي الذي يعتمد ما تحته عمل ويتخلى عنه كل بحث ميتافيزيقي لا عمل تحته ولا طائل منه. هذا الموقف كما نعلم جميعا هو الموقف الحق الصحيح حتى في عصرنا الحاضر، ففيه تتجلى الواقعية، وفيه تتجلى البرجماتية التي يتشدق بها اللبراليون والماركسيون معا .. فكيف تنقلب أقلام الماركسيين فتقدم ما هو واقعي عملي لتمجد ما هو عقلي مثالي؟! كيف تجعل من موقف عملي حضاري واضح موقفا رجعيا متزمتا وعاجزا؟! أما كان من الأولى أن يهاجم التيار الاعتزالي الذي يؤمن بتهويمات العقل وشطحاته على أساس من المنطق الأرسطي المثالي المجرد عن كل حاجة واقعية علمية؟! أم أن هذه التحيزات وقلب حقائق الأمور وصبغها هو لمجرد التشويه والتحقير حتى تهون الهمم وتنطفئ
شعلة الحماس. فمن الواضح جدا أن التحليل الماركسي يدافع عن المثالية ويهاجم الواقعية العلمية وفي هذا تناقض صارخ مع المبادئ التي يلوح بها ويفتخر.
التقدميون لا يتوقفون عن أخطائهم لغرض في نفوسهم، فكلنا نعلم أن المعتزلة في اتجاههم العقلاني أدوا إلى ظهور نزعة انحرافية في الفكر الإسلامي ولكن الماركسيين يتعامون عن ذلك ويقفون من التيار السلفي والسني موقف المعادي والمهاجم بحجة رفضهما للمنطق اليوناني ورفضهما للاتجاه العقلاني لتثبيت الدين والخرافة كما يسمونه، والحقيقة عكس ذلك تماما. فرفض المنطق اليوناني والاتجاه الاعتزالي العقلاني لم يكن موقفا معاديا من العقل والمبادئ العقلية، كما يحاول التقدميون إبهام المثقفين، وإلا لما اكتشف الأصوليون والمسلمون عامة، منطقهم الأصولي والعلمي الذي لم تستطع العبقرية اليونانية اكتشافه، والذي استمر بجانب رفضهم للمنطق الأرسطي إلى عصر ابن تيمية المتأخر(11).
ألم يكن لتغلغل الفلسفة اليونانية الوثنية بواسطة المعتزلة والمشائين الأثر الكبير في جعل الفكر الإسلامي يغير اتجاهه، ويضيع مجهوداته في معضلات وهمية، ويتقوقع عن امتداداته الاجتماعية والعلمية لينكب المفكرون المسلمون في مناقشة تلك المعضلات الوهمية المفترضة متناسين الخط الإسلامي الواقعي.
أليس هذا يفضح ما يشيعه التيار  الماركسي من أن الاتجاه الإسلامي المحافظ وهيمنته على الفكر الإسلامي كان له الأثر العميق في تقهقره متحاملين على الأشاعرة وأهل السنة ملصقين بهم علة التقهقر؟!
ألم يحفظ التاريخ أنه بعد أن ساد المعتزلة بدا التدهور والانحطاط وخاصة عندما بدأ فرض استبدادهم وإقطاعهم الفكري والسياسي، وذهب بهم الأمر إلى التشديد والتنكيل بغيرهم. وقد مجد الماركسيون اليوم هذه المحنة لتلاؤمها مع أوضاعهم القمعية الراهنة وشعارات إقطاعهم الفكري واستبدادهم بمنع كل فكر مخالف؟!
ألم يكن ظهور الأشعري مجرد امتداد للمعتزلة فكرا وأسلوبا ومنهجا مع اختلافات وسطية؟! ومعنى هذا أن المعتزلة بلوروا علم الكلام الذي رفضه المسلمون عامة، وأدى ذلك على هرج ومرج انتهى بانحطاط مبدأ المعتزلة وخفوت مذهبهم وسلطتهم، ولكن انحرافهم الفكري والمنهجي استمر في أنصار الأشعرية باتباع نفس الخطة الكلامية على أساس من الاعتدال والتوسط في الأطروحات المعتزلية. ثم نامت العقليات بعد الشحنة الكلامية التأويلية ... وكما هو معلوم فالمعتزلة أبوا هذا الحل الوسط الذي كرس منهجهم، فاستغلوا الفرصة في عهد الأتراك السلاجقة حوالي 445هـ. وبسطوا نفوذهم من جديد وأقاموا الفتنة من جديد بما فيها من محن وشدائد. وربما كانت أعتى من سابقتها فشملت خرسان والشام والحجاز والعراق وأعطت الأوامر للقبض على أئمة الأشعرية(12) ولم يحفظ لنا التاريخ ما يعادل تلك المحنة وهذه الفتنة في الفترات التي حكمت فيها التيارات السلفية أو حتى الأشعرية والشيعية. فالتاريخ لم يحفظ لنا من الإقطاع الفكري إلا في العهد الذي بلغ فيه المعتزلة السلطة، وهذا شبيه كذلك بما يحدث في عصورنا هذه. فبعد أن كانت الحركات الفكرية المتنوعة مزدهرة والفكر يشعر بانطلاقة وتفتح على جميع المبادئ والمفاهيم والثقافات إذا بشرذمة تدعي الماركسية والاشتراكية وترفع شعار العلم والعلمانية تمارس الإقطاع الفكري والاستبداد ثم تنسحب وتنهار في أغلب المناطق ولا تترك وراءها إلا أزمة فكر وأزمة مذاهب ومدارس فكرية، ولم يعد المفكر يجد حرارة الفكر وتفتحه بقدر ما يجد ضحالة الانتمائية الإيديولوجية المنصبة في قالب جامد وفي إيقاع أحادي الصوت وبئيس ... وسبحان الله الذي جعل الاتجاهين والتيارين متشابهين، نفس الأهداف ونفس الأساليب ونفس النتائج المخيبة للآمال!!
ونتساءل إذا كان السلف قد استطاع أن ينشر الإسلام في أكبر مساحة أرضية كانت معروفة آنذاك، واستطاع أن يقضي على أكبر دولتين، واستطاع أن يمتص أعظم الحضارات بعقيدته (البسيطة اللاعقلانية العاجزة الوجلة كما يصفها التقدميون) التي تقبلتها كل الشعوب والأمم التي أعلنت إسلامها، وغيرت عاداتها وتقاليدها وثقافتها وحضاراتها في إطار الإسلام  وعقيدته، فماذا فعل المعتزلة؟! وماذا  قدموا للبشرية؟! إننا إذا أردنا تقييم عطاءاتهم وأجلنا النظر في طبقاتهم لوجدنا أن عظماءهم الذين انغمسوا فعلا في الاعتزال لم يقدموا للناس غير منظوماتهم الكلامية، بل وقد نجد كثيرا من سلوك المنتسبين لهم منحطا. وإن كان فيهم من اهتم بعلم آخر غير هذا وجدناه في الأدب والتفسير وهم في ذلك يبتعدون عن مفهوم الاعتزال والاهتمام به ليتأثروا بالعطاءات الفكرية السائدة ولم نر من أئمتهم المتخصصين في ذلك إلا قلة، أما غيرهم فكانوا من العاطفين المتتبعين لهم، كما هو حال كثير من المثقفين اليوم المتأثرين بالماركسية المرددين لألفاظ الاشتراكية والتقدمية وهم أبعد الناس عنها وعن مفاهيمها.
بل إذا ذهبنا أبعد قليلا وتساءلنا لماذا برز العطاء الاعتزالي خاصة في الأدب والتفسير عموما؟! لكان الجواب لاقتران الاتجاه الاعتزالي الكلامي وارتباطه بهما، فلم يكن ممكنا أن يظهر إلا بواسطتهما وقد يكون هذا هو السبب كذلك في ابتعاد المعتزلة عن العطاء العلمي الحق، فرؤساؤهم المتحمسون برعوا في مختلف العلوم إذا ذكروا لا يذكرون إلا لعلمهم الذي أتقنوه لا لمذهبهم الاعتزالي أو لآرائهم، وانتماءاتهم. فالجاحظ إذا ذكر ذكر لبيانه وغزارة علمه، والزمخشري إذا ذكر ذكر لبلاغته ونحوه وأثرهما، لا لاعتزاليتهما. وأهل السنة لم يجهضوا علم المعتزلة النافع بل احتضنوه ونوهوا به، ولم نسمع عنهم أنهم تركوا طب الرازي وابن سينا، ولا هم تركوا فقه ابن رشد لاشتغال هؤلاء بالفلسفة، ولا هم سكتوا عن فلسفتهم بل احتضنوها.
فالمعتزلة لم تكن إلا فرقة من الفرق التي عملت على تقويض وإغراق الاتجاه الإسلامي في عالم الفكر ولم تكن المعتزلة هي الأمة بأجمعها، ولم تكن هي المحرك الأساسي للمجتمع ولم تكن هي الدافع إلا الانفتاح على العالم...
ولكن رغم ذلك، وكما قلنا سابقا، فإن عطاءات المعتزلة في ليبراليتها ومثاليتها، وفي تعميقها للإنحراف الفكري في المجتمع الإسلامي وجدت اليوم في التيار الماركسي التقدمي خير من يتغاضى عن هذه الحقائق ويتناساها ويطمس معالمها ليجعل من المعتزلة تقدميين لا في الإطار الثقافي فحسب بل وفي الإطار الاجتماعي، ويصورهم كمناضلين سياسيين اجتماعيين، فأصولهم الخمسة أصول واعية بوضعية أمتهم السياسية، وهي إعلان لموقفهم النضالي الذي يصل إلى الثورة المسلحة والصراع ضد الولاة والخروج عليهم، في حين أن السلف وأهل الحديث مناهضون لهذه الثورية داعين إلى المحافظة،وهم بذلك رجعيون. هذه النغمة اليوم سارية المفعول، فالتقدمي هو ذلك المناضل، هو ذلك الثوري المتعطش للدماء التي يحل بها مسائله. هذه الصورة الشعبية في القرن العشرين هي التي أعطت الحق لعمارة ليمجد الفتن في العهود الغابرة، ويقدس المناضلين ويهاجم المحافظين. وعلى هذا الأساس بقليل من الكلمات لا الوقائع الثورية يربط نضالية المعتزلة بمبادئهم وأصولهم الخمسة. ويصل الكل بفكرة الجبرية والاختيار في علمهم الكلامي(13).
وكان بودنا أن نصدق عمارة لو أن عمارة قدم لنا أسماء لائمة معتزلة عارضوا الأمويين في عهد الدولة الأموية. لا في عهد الدولة العباسية كالجاحظ، والقاضي عبد الجبار والزمخشري والخياط ... حيث تعد أقوالهم مجرد موقف فكري تاريخي من القضية وليست نضالا ضد الأمويين.
كان بودنا أن نصدق عمارة لو أنه قدم دليلا على مشاركة المعتزلة في الثورة والخروج عن السلطان الجائر لتغييرها بالقوة غير اشتراك المعتزلة مع الزيدية في ثورتهم ضد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور مناصرين إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب(14)، لأن في هذا إشكالا على الأقل، إشكال التواصل بين المعتزلة والشيعة. فمن الممكن أن يكون هؤلاء المعتزلة الذين خرجوا مع إبراهيم لم يخرجوا لكونهم معتزلة ثوريين وإنما خرجوا كشيعة تؤيد أحفاد علي..
كان بودنا أن نصدق عمارة لو أنه أثبت أن المعتزلة حركة سياسية قبل أن تكون حركة فكرية نخبوية تتزلف للخلفاء للتوصل إلى مآربها وأغراضها فتجد أمنا بما تنفثه من أفكار غريبة ومن سلوك شائن منحرف عند بعضهم كثمامة بن الأشرس مثلا. لو استطاع أن ينفي أن مبادئهم في سياستها ليست إلا إطارا ثقافيا مفرغا فعلا من النضال السياسي ... ولكن أن يكتشف عمارة بذكاء أن الإمامة، «مسألة أساسها سياسية مدنية من اختصاص البشر وفي نطاق حرية الإنسان وآفاق اختياره»(15)، فأمر يدعو إلى التساؤل هل كان الجبريون أي السلف وأهل  السنة يخفون ذلك ويسترونه؟؟ ومن يا ترى ينكر أن الإنسان يختار أئمته سواء عن طريق الوصية أو الوراثة أو الاختيار؟!.
إن المنتظر من المعتزلة في إطار التحليل الماركسي التقدمي أن يكونوا طبقة مناضلة سياسيا، ولكن الواقع لا يؤيد هذا إلا في حالات شاذة، فالمعتزلة كفئة مثقفة عايشت بيئتها وقيمت كل المواقف، إلا أن التقييم السياسي غير الممارسة، فهم لم يقوموا بأي عمل نضالي لتطبيق مبادئهم بل نجدهم في أقصى حالاتهم السياسية وأعظمها قوة، مرتبطين بالأوضاع المخالفة لمبادئهم. وهذا ما يجعلنا ننظر إليهم كموقف فكري تقييمي للأحداث والأنظمة والفرق ولا ننظر إليهم كحركة سياسية مناضلة لها مبادئ تذود عنها وتدعو إليها... ويكفي أن نلاحظ أن عطاءاتهم ما كثرت وتضخمت في عهد العباسيين الذين كانوا يعملون على استئصال الأمويين إلا تواطؤا صارخا مع الذين وجدوا في انتعاش فكر المعتزلة لغة صالحة لمحاربة الأمويين وبذلك نجد المعتزلة في حقيقة أمرهم حركة سياسية بتبرير واقع الدولة العباسية بمهاجمتهم للأمويين. ولهذا السبب فحسب تركهم العباسيون ليرفعوا أصواتهم وينشروا آراءهم .. وفي خضم هذا فمن الطبيعي الذي لا ينازع فيه أن نجد آثارا للأوضاع السياسية والاجتماعية في مقالاتهم ...ومع ذلك يبقى أن المعتزلة لم يظهروا على مر التاريخ كثوريين مناضلين وإنما كمفسرين ومؤولين متكلمين .. ويؤكد هذا أن البحث في هذه المشاكل العقلية بدأت بالمعتزلة وانتهت بانتهائهم، فلم يكن امتدادهم اجتماعيا بقدر ما كان ثقافيا أو كما قال الدكتور علي سامي النشار: «إنهم مجرد نزوة حيوية اشتعلت ثم انطفأت».
والذين يمدحونهم اليوم يودون أن يجعلوا منهم مطية لتحطيم ما تبقى من مفاهيم الإسلام، ويحتجون بهم لتأكيد العقلانية والحرية الفردية لتعميقها في وجدان الجيل الجديد، وهذا يساوي عندهم مباشرة التخلي عن النص كتابا وسنة وبالتالي عن الإسلام عامة.


(1) - هناك كثير من النصوص تحاول تصنيف التيارين ونعرض منها نموذجين.
يقول تيزيني في كتابه: «مشروع رؤية جديدة» ص 210:
«الجوهر الديني القائم على سلخ المتدين من واقعه العياني بإلحاق هذا الواقع بقوى غيبية غير إنسانية، يجد نفسه باستمرار متعارضا مع الفعل الانساني الذي يقتضي بالضرورة أخذ ذلك الواقع العياني كما هو دون أية إضافة خارجية .. إن هذا التعارض والتناقض كان في تاريخ الفكر العربي الإسلامي الوسيط خصبا للغاية، فقد عمل على توضيح معالم الاتجاهين الاجتماعيين الكبيرين الاقطاعي والبورجوازي المبكر. إن الأول من هذين الاتجاهين ألح على تلك الإضافة الخارجية بل جعل منها محور الوجود الإنساني (نجد الأشاعرة والغزالي قد مثلوا هذا الاتجاه بقوة وعلى نحو طريف ومثير حقا). أما الاتجاه البورجوازي التجاري والديمقراطي المبكر فقد ألح في الخط الأول على الفعل الإنساني الحر وعلى رؤية الوجود تدخل العنصر الإنساني الواعي (وبالطبع يقف المعتزلة وابن رشد في طليعة ممثلي هذا الاتجاه».
ويقول علي زيعور في كتابه: «التحليل النفسي للذات العربية» ص 18:
«الحرية في الفكر العربي الفلسفي والكلامي خاصة، غير موجهة لبناء الواقع والمجتمع تحوم في عالم فكري صرف، فلا ترتبط بالإنسان المكافح في الحياة ...
كل فكر فلسفي عربي إسلامي نلقاه ينتهي بالتصوف وبالهروب إلى الخارج وترك الذات الواقعية والمنغرسة في الجماعة والمجتمع، فالقطاع المتأثر باليونان (الفارابي، ابن سينا، ابن رشد)، والقطاع الكلامي (ما عدا الاعتزال الذي يخضع للمجتمع ولإرادة الناس الرؤية المطلق والأخلاق)، والقطاع الديني عموما وبكثافة يخضعون الحرية للدين». 
(2) - يردها زهدي جار الله في كتابه المعتزلة، كلها إلى يحيى الدمشقي الراهب.
(3) - المعتزلة، زهدي جار الله. مدخل.
(4) - المعتزلة، زهدي جار الله. مدخل.
(5) - آفاق عربية. السنة الثالثة، العدد 5-1978. مقال الإسلام «هل له تصور خاص من العلوم التجريبة». محمد عمارة، ص: 100. وقد نفى هذا التصور وجعله تسلطا للفقهاء على العلم وشبهه بعمل الكنيسة في أوربا. فهو يرفض الوصاية على العلم ..
(6) - يرد الدكتور سامي النشار جمود العقلية الإسلامية الخالصة إلى اختلاط علم الكلام الديني بالفلسفة، فيقر بشرعية علم الكلام والمعتزلة كفكر أصيل في حين نرى المعتزلة بداية الانحراف والفلاسفة والفلسفة نهايته. يقول الدكتور النشار: «ما كاد ينتهي القرن الخامس الهجري حتى بدأوا يمزجون الفلسفة بالكلام فلم يعد كلاما دينيا بل كلاما فلسفيا .. ويمكننا القول أنه ما إن بدأت عملية الخلط حتى انتهى العصر الذهبي للعقل الإسلامي الخالص». نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، ص: 183.
(7) «المعتزلة والحرية الإنسانية»، محمد عمارة. ص: 48.
(8) - «المعتزلة والحرية الإنسانية»، محمد عمارة. ص: 57.
(9) - المعتزلة- زهدي جار الله، ص: 244.
(10) - المعتزلة – زهدي جار الله، ص: 189.
(11) - «مناهج البحث عند مفكري الإسلام»، الدكتور علي سامي النشار.
(12) - المعتزلة – زهدي جار الله، ص: 214-215.
(13) - «المعتزلة والحرية الإنسانية» محمد عمارة.
(14) - «المعتزلة والحرية الإنسانية» محمد عمارة، ص: 153-175.
(15) - «المعتزلة والحرية الإنسانية» محمد عمارة، ص: 192.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here