islamaumaroc

الشيخ أبو عبد الله محمد بن عسكر.-2-

  دعوة الحق

186 العدد

نظرة حول ابن عسكر:
أشرت فيما سبق إلى أن ابن عسكر لم يحظ بكثرة المترجمين له، بترجمة موسعة، وإنما تناوله بعضهم تناولا مقتضبا، وحتى إذا وجدنا من أضاف شيئا إلى اسمه ونسبه ومكان ولادته وموته ... فإن تلك الإضافة لا تخرج عما قاله هو عن نفسه في الدوحة ... ومع ذلك فابن عسكر لم يكن نكرة من النكرات بل عرف الناس، وعرفه الناس (بدوحته) كما عرفوه بسبب نهايته المؤلمة ...
وتعرض ابن عسكر للنقد كما تعرض –ويتعرض- له غيره من الذين يكتبون لتقرأ كتاباتهم ... فوصف ابن عسكر بأنه قليل الإلمام بقواعد اللغة العربية أو على الأقل قليل الخبرة في تطبيقها، ووصف بعدم الجزالة في الأسلوب، كما وصف بعدم الضبط في تاريخ (وفياته)، بالنسبة لمن يترجم لهم ...ووصف كذلك بالتحيز حيث ذكر بعضهم أنه لم يترجم مثلا لأبي المحاسن يوسف الفاسي(1) وأشرت من قبل إلى أنه لم يترجم لعدد من المشهورين في بلده.
هذا ولقد عيب على ابن عسكر انسياقه مع محمد (المتوكل) بالرغم من أن المتوكل فر إلى بلاد النصارى، واستنجد بهم حيث أنجده الملك البرتغالي (سبستيان) الذي لقي حتفه في معركة وادي المخازن الشهيرة (986 هـ - 1578 م).
ولقد تكلم الناس في ابن عسكر من أجل ذلك، ووصفوه بالخيانة والتواطؤ مع أعداء البلاد...
أما الذين التمسوا له العذر في هذه القضية فرأوا أنه كان منساقا لا متواطئا ... ورأوا أن دافع (الإخلاص الأهوج) لعبد الله الغالب ثم لولده محمد المتوكل هي التي دفعت به إلى تلك النهاية الأليمة، ومن هؤلاء ابن شيخه عبد الله الهبطي الذي دافع عنه إلا أن ابن شيخه هذا لم يبرئه من مسؤولية تصرفه، وإنما ذكر أن هذا التصرف كان عن حسن نية، وأن ضميره كان لا ينطوي على الخيانة ... ولذلك عده من جملة أصحاب أبيه في منظومته التي ترجم فيها لوالده، والتي سماها:
(المعرب الفصيح، في ترجمة  الشيخ النصيح)(2).
حيث قال:
«ومنهم القاضي الذي لا ينكر
                       محمد أخو الدهاء عسكر»
«وإن يكن أتى بذنب ظاهر
                       فقلبه من الشكوك طاهر»
وهنا نرى أن ابن شيخه، أي محمد بن عبد الله الهبطي بالرغم من كونه اعتذر عنه فإنه اعترف بكونه قد ارتكب ذنبا، وهو في نفس الوقت يصفه (بالدهاء) وهذا الوصف الأخير غاب عن كثير من الذين كتبوا عن ابن عسكر بما فيهم (ليفي بروفنال)(3).
فابن عسكر لم يكن ذلك  الصوفي المتتبع لأخبار الخوارق والكرامات، والمتثبت بأذيال الصلحاء والمجاذيب ...
لم يكن ذلك الصوفي الخامل الذي لا يهمه من أمر هذه الدنيا إلا إرضاء وجدانه، والغيبوبة في الحضرة، والتماس النفحات والبركات والإنغماس في الروحانيات...
لم يكن ابن عسكر من ذلك النوع من المتصرفة ... بل كان ابن عسكر كما أشرت إلى ذلك من قبل طموحا ساعيا وراء المناصب والجاه تواقا إلى الرئاسة والظهور ... وهذا ما جعله يصطدم في حياته بكثير من الناس، فهو يذكر في (الدوحة) مثلا أن قائد القصر الكبير (موسى بن مخلوف) قد تضايق من وجوده بهذه المنطقة إلى درجة أنه قال له: «رأسان لا يجتمعان في شاشية واحدة» وأجابه ابن عسكر –جوابا ماكرا- حيث قال له: «أنت قائد وأنا فقيه فلا جامع بيني وبينك ...» ومع ذلك اضطر هذا القائد إلى أن يخرجه من ايالته كما أخرجه بنو راشد من منطقة نفوذهم من قبل(4).
وطموح ابن عسكر جعله يتقرب من السلطان، ولسنا ندري الأدوار التي قام بها من أجل هذا التقرب وإن كان تعليله لسبب خروجه من شفشاون أولا، وخروجه من منطقة القصر الكبير ثانيا؛ بفساد العلاقة بين السلطان وبين القائدين، يوحي بأشياء ..؟!
ومهما يكن من أمر فإن ابن عسكر بحث عن وسائل الاتصال بالسلطان عبد الله الغالب ونجح في ذلك ... ؟!
وبهذا الاتصال استطاع أن يحقق كثيرا من طموحه وأطماعه؛ حيث ولي القضاء والافتاء بكل من شفشاون والقصر الكبير، ثم بعد ذلك أصبح من خواص الملك وجلسائه ... وهكذا ظل يبحث عن تحقيق أطماعه ومطامحه إلى أن مات موتة المغامرين الباحثين عن المجد من أي طريق كان ... !!
وإذا عرفنا هذا فلا يبقى هناك معنى لذلك التعجب أو ذلك «التهكم» الذي اصطنعه ليفي بروفنسال وهو يتحدث عن ابن عسكر قائلا: «وصف ابن عسكر كرامات الأولياء وصف من عاينها واستفاد من بركتها، وآمن بفعاليتها، وهذا الإيمان الذي لا يمازجه أي رياء هو الذي يجعلنا نتساءل لماذا لم يحفظه من همزات الشيطان الذي أغواه وساقه نحو نهاية مؤلمة ...!!؟»
كلا لم يكن ابن عسكر ذلك الصوفي الغارق في الخيالات والمتشبث بالروحانيات «الذي لا يمازج إيمانه أي رياء» بل كان مغامرا محبا للجاه والظهور عاملا على الانتقام من أعدائه، ومتربصا بهم الدوائر، ومتشفيا فيهم، واصفا لمساوئهم ونكباتهم ... كما لاحظنا ذلك من قبل.
إلا ان ابن عسكر في الدوحة استطاع أن يموه كثيرا، وأن يلبس حلة الفقراء والصلحاء والزهاد .. ولعل سبب ذلك أن ابن عسكر كان يعرف عصره تمام المعرفة، وكان يتظاهر بما يؤثره الجمهور من احترام المتصوفة والزهاد والصلحاء والمجاذيب ..
وإذا كان ابن عسكر في قرارة نفسه يومن بشيء من ذلك فإن كان يقصد أولا وقبل كل شيء إلى الانتفاع بالبركات عله يصل إلى ما كان يطمح إليه من منصب وجاه ورئاسة ... لا ليكون مثل أولئك الزهاد والمجاذيب والصلحاء منزويا في زوايا الإهمال ومنقطعا عن الخلق ...
ولعله على هذا الأساس ينبغي أن تدرس شخصية ابن عسكر، لا على أساس أنه كان في ركاب أصحاب الآخرة منصرفا عن الدنيا إلى أن أصابه ما أصابه ...
ولعل الباحث المتأني والمتمعن يستطيع أن يدرك هذا حتى من خلال بعض ما كتبه في الدوحة، فهو بالرغم من تمويهاته (وبهلوانياته) – إن صح التعبير- فإننا نراه من حين لآخر يشيد بنفسه إما بعبارات ملتوية أو بعبارات واضحة في بعض الأحيان، حيث يؤمئ إلى مستقبله الباهر الذي ينتظره ... ولذلك فهو يثبت لنا أن كثيرا ممن اتصل بهم كانوا معجبين بذكائه ونبوغه ... وأن منهم من كان يتنبأ له فيقول: «إن هذا الفتى سيكون له شأن عجيب ..!!
وإذا كان ابن عسكر قد كتب دوحته وهو في حدود التاسعة والأربعين من عمره فإنه مع ذلك احتفظ بما قاله الناس فيه حتى وهو في بطن أمه!! ونلاحظ أن ابن عسكر سجل التنويه الذي لقيه من كل من نوه به، سواء كان من صنف الصلحاء أو العلماء أو غيرهم...
ولعل معنى ذلك هو أن صاحبنا كان يقصد إلى نشر شهادات العلماء والصلحاء فيه حتى ينتفع بهذه الشهادات فيما كان يطمح إليه من منصب وجاه ...
وقد يقال: إنه كان يصور الواقع كما هو وبكل سذاجة وعفوية نعم كان من الممكن أن يقبل ذلك لو لم يكن الرجل من الذين يتطلعون إلى السلطة والجاه أولا، ثم إلى الانتقام من أعدائه ثانيا.
ومهما كان من أمر فإن ابن عسكر عاش مغامرا له كثير من الأعداء هنا وهناك ... ولم يجد ملجأه إلا عند  السلطان عبد الله الغالب الذي كان بدوره يتوجس شرا من إمارة بني راشد بشفشاون ومن مجاهدي مرتيل، ومن مجاهدي ثغور الهبط.
وكل هذه المناطق كان قد استقر فيها صاحبنا، وله مع أصحاب النفوذ فيها ثارات وحزازات، وله فيها خصومات وأعداء ...
وإلى هذا يشير بلديه الشاعر الهجاء  عبد الرحمن الشفشاوني(5) إذ يقول:
«لج ابن عسكر يهجو الأنام وقد
                 وأضحى لهم علما في كل مذموم»(6)
الخ ...«... ...»
وإذا كان هذا الشاعر قد بالغ في الهجاء فإننا نلاحظ – على الأقل- أن ابن عسكر كان صاحب خصومات وعداوات ولم يكن ذلك (الصالح الساذج) كما وصفه البعض، ومع كل هذا نستطيع أن نقول: إن ابن عسكر كان متأثرا بشيوخه وببيئته وظروفها حيث كانت الظروف ظروف معاناة ومكابدة من أجل التخلص من الأجنبي الدخيل ... والمحتل لأهم الثغور بالسواحل المغربية.
ابن عسكر والحديث عن الجهاد:
إذا كنت قد ألمحت فيما سلف إلى ما كان يتصف به ابن عسكر من طموح ومغامرة ... فمن الإنصاف أن نذكر أن ابن عسكر كان في قرارة نفسه شغوفا بمخالطة الصلحاء والعلماء باحثا عنهم، بل كان من عشاق مجالسهم العلمية ... وأحاديثهم الممتعة.
ولذلك نراه في الدوحة يشيد بالعلماء والصلحاء وبالمجاهدين ... ويتجلى ذلك في كثير من تراجمه كما هو الحال مثلا في ترجمة الشيخ عبد الله الورياجلي(7) والشيخ ابن عبد الله محمد  البهلولي(8) والشيخ أبي عبد الله محمد ابن يجبس التازي، الذي أتى له بأشعار في الجهاد، نظما ونثرا(9) وفي ترجمة علي بن عثمان الشاوي الذي
استشهد في معركة مع البرتغاليين قرب أصيلا، وهو يردد أبياتا من بردة البصيري ... الخ(10).
وعلى الجملة فابن عسكر لا يكاد يجد فرصة يتحدث فيها عن الجهاد إلا واغتنمها، وتكلم فيها بإخلاص وحماس ... ولعل هذا هو الذي حمل (ليفي بروفنسال) على وصفه بشدة الكراهية للصليبيين حيث قال: «شب وقلبه مفعم بأشد الكراهية لعبدة الصليب نظرا لكونه ربي في رباط –أي شفشاون- كانت تتوارد عليه من جميع أطراف البلاد أفواج من المجاهدين، ولأن أباه ذاق آلام الأسر»(11).
ولنستمع إلى ابن عسكر وهو يصف احتضار الشيخ أبي عبد الله محمد بن يحيى البهلولي الذي كان رفض (مساعدة) السلطان أحمد الوطاسي ورفض الاتصال به، لأن السلطان عقد هدنة مع البرتغاليين. «فمكث على ذلك –أي على المقاطعة- إلى أن حضرته الوفاة وكان في النزع وأصحابه دائرون به، فقال بعضهم يا سيدي أخبرك أن السلطان أمر بالغزو (وبرح به) وأمنت الناس عليه، والمسلمون في شدة لذلك، ففتح الشيخ عينيه، وتهلل وجهه فرحا وحمد الله، وأثنى عليه، ففاضت نفسه وهو مسرور بذلك، وله زجليات ومقطعات حسان في الحث على الجهاد ...»(12).
فابن عسكر كان من المشيدين بأعمال الجهاد، ولاشك أن ذلك ناشئ عن الجو المحيط به وعما بثه شيوخ التربية في نفسه، وخاصة شيخه عبد الله الهبطي الذي كان يحدثه بإعجاب بالغ عن شيخه الشاعر الرقيق المجاهد محمد بن عبد الرحيم ابن يجبس التازي، وكشيخه أبي القاسم بن خجو الذي كان يحرض الناس على الجهاد بخطبه ورسائله(13).
ويتجلى من هذا كله أن ابن عسكر كان محبا لوطنه، ومشيدا بشيوخه المجاهدين ... ونراه يعبر عن ذلك بكل صراحة في مقدمة كتابه الدوحة فيقول: «وإنما جعلته مختصا بمشايخ المغرب لكونه وطني ومغرس شبابي ومعطني، ومن ذا الذي لا تهزه عصبية وطنه ...؟»(14).
وإذا كانت ظروف قاسية جعلت ابن عسكر يلفظ أنفاسه الأخيرة وهو متشبث بأذيال (ملكه) المتوكل، فإنما ذلك لسوء حظه و(لوفائه) الأعمى الذي جعله يظل في ركاب الطامعين، والمغامرين إلى آخر لحظة من حياته ...!!
وليس معنى كل هذا أن هناك تناقضا بين مطامحه في السعي وراء المناصب والجاه، وبين إيمانه وحبه لوطنه ... لأن كل ذلك واقع في حياته فعلا، وهو كان يسعى جاهدا إلى أن يوفق بين كل ذلك.
ابن عسكر وكتاب التراجم:
نرى أن بعض كتاب التراجم تجنب الكلام عن ابن عسكر وفي طليعة هؤلاء ابن القاضي (ت 1025 / 1616)(15) في كتابيه: (درة الحجال)، (وجذوة الاقتباس)، ولعل سبب ذلك هو تلك النهاية الأليمة لابن عسكر، ومع ذلك لم يصمت ابن القاضي عن ذكره بتاتا بل ذكره في دفتر وفياته الذي سماه: «لقط الفرائد»(16) حيث قال في أحداث سنة 986 هـ: «والقاضي محمد ابن عسكر الشفشاوني قاضي
قصر كتامة» عاطفا له على عبد الملك السعدي، ومحمد المتوكل والفقيه إبراهيم بن سعيد، أي على المتوفين في تلك السنة.
وسبقت الإشارة إلى أن الشيخ أبا عبد الله محمد بن عبد الله الهبطي ذكره في جملة أصحاب أبيه ودافع عنه، ونأتي هنا بنص كلامه بالحرف إذ يقول:
«ومنهم القاضي الذي لا ينكر
               محمد أخو الدهاء عسكر»
«فهو المعين والقمين والنفيس
               والأحوذي الفطن الندب الرئيسي»(17)
«وإن يكن أتى بذنب ظاهر
               فقلبه من الشكوك طاهر»
«وهو بشيخه الزكي معتصم
                  وحبله من حبله لم ينفصم»
«رأيته في النوم ذا بشارة»
                  وهيئة حسنة وشارة»(18)
هذه الأبيات نقل ثلاثة منها الأفراني في النزهة، ونقلها عنه الناصري في الاستقصا، ونقلها كذلك الشيخ العباسي المراكشي في «الأعلام» ثم الاستاذ الخلادي معرب «مؤرخو الشرفاء» عند الكلام عن ابن عسكر مع إبدال كلمة القاضي (بالشيخ) أحيانا.
وهذه الأبيات يتجلى فيها مدح الشيخ محمد الهبطي لابن عسكر، ووصفه بأوصاف حسنة، فهو يصفه بالدهاء، والرئاسة ... ويضفي عليه أوصاف الجدارة، والنفاسة، والفطانة، والخفة والظرافة ..
ويعتذر عن ذنبه بطهارة قلبه من الشكوك – أي من الخيانة- وبأنه رآه في النوم ذا بشارة وهيئة حسنة وشارة. وسبقت الإشارة إلى أن ابن عسكر كان يجتمع مع أسرة الهبطي في انتقاد أمراء بني راشد بشفشاون، ثم لا ننسى أن  ابن عسكر كان من هم تلاميذ الشيخ عبد الله الهبطي ومن أخلصهم له كما يتجلى ذلك في ترجمة له في الدوحة(19).
وممن تحدث عن ابن عسكر أبو عبد الله محمد الأفراني في (نزهة الحادي) في نهاية حديثه عن معركة وادي المخازن قائلا:
«وممن وجد في القتلى أبو عبد الله محمد ابن عسكر صاحب دوحة الناشر، فإنه هرب مع المسلوخ، وكان من بطانته، ودخل معه بلاد الروم فوجد ميتا بين قتلى النصارى صريعا، وتكلم الناس في أمره ...» الخ(20).
وجاء في «أزهار البستان» للشيخ أحمد بن عجيبة: «ومنهم الفقيه الأجل العالم الأفضل. القاضي الأعدل ابو عبد  الله محمد بن عسكر السريفي، وأمه الصالحة ريسونية الشريفة الحسنية كان رحمه الله عالما فاضلا جوالا على أهل الفضل والصلاح لقي عدة وافرة من الأكابر ... إلى أن يقول: وتوفي رحمه الله في وقعة وادي المخازن وكانت سنة 986 ...» ثم يذكر اتصاله بالمتوكل ... الخ. ويقول بعد ذلك: «وتكلم الناس فيه وأجاب عنه سيدي عبد القادر الفاسي وكذلك الفقيه العلامة سيدي محمد بن عبد الله الهبطي فإنه ذكره في منظومته التي نظمها في أصحاب أبيه ...»(21).
وممن اعتذر عنه وترجم له ترجمة وافية، الشيخ أبو عبد الله محمد بن الطيب القادري في كتابه: «الإكليل والتاج في تذييل كفاية المحتاج» وبعد كلام طويل قال: «وقد أثنى عليه غير واحد واعتمدوا عليه النقل من دوحته ...» مخ. م. م. ر.
أما الناصري في الاستقصا فإنه أعاد نفس الكلام الذي ذكره الأفراني عنه في النزهة، ناقلا لأبيات الهبطي في الاعتذار عنه(22).
وترجم له الشيخ العباس بن إبراهيم المراكشي في (الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام) قائلا: «محمد بن علي بن عمر بن حسين بن مصباح الشريف الحسني السريفي عرف بابن عسكر قاضي شفشاون الشيخ الإمام العلامة الصوفي الحافظ المسند الراوية ألف دوحة الناشر ...»(23).
ثم تحدث عن بعض المواد التي درسها، وعن صحبته لبعض الشيوخ وتكلم عن نهايته، وأتى باعتذار الشيخ الهبطي عنه ...
أما الشيخ عبد الحي الكتاني فلقد تحدث عن دوحته في فهرس الفهارس قائلا هي: «للعلامة الصوفي المؤرخ أبي عبد الله محمد بن علي بن عمر بن الحسين بن مصباح المعروف بابن عسكر ... وهي في نحو عشر كراريس إليها المرجع في أخبار القرن العاشر من المغاربة ...»(24).
وترجم (ليفي روفنسال) في كتابه «مؤرخو الشرفاء» لابن عسر مستوحيا ترجمته من الدوحة ومازجا حديثه عنه بالحديث عن الدوحة نفسها، ومما جاء في ذلك قوله: «لم يتحر فيها ذلك النوع من الاستيعاب الذي اتسمت به مؤلفات من اقتفوا أثره في هذا المجال، إلا أنه كان أول من شفع وصف مناقب الأولياء بمعلومات تتعلق بسلوكهم في الحياة الدنيا...»(25).
وممن تناول الحديث عن ابن عسكر الشيخ أبو العباس أحمد الرهوني في كتابه: «عمدة الراوين في أخبار تطاوين» مانحا إياه نفس الألقاب التي رأيناها عند الشيخ ابن إبراهيم في الأعلام، والشيخ الكتاني في فهرس الفهارس(26).
وتحدث عنه أستاذنا محمد داود في كتابه تاريخ تطوان»(27).
وتحدث عنه غير هؤلاء ...
وهكذا نرى أن مترجمنا قد تناوله عدد من الكتاب كل ذلك –في غالب الأحيان- لاضطرارهم للنقل عنه في كتابه (دوحة الناشر).
والحقيقة أن مترجمنا هذا جدير بدراسة موسعة؛ لأن حياته العلمية والسياسية جعلته مرتبطا بعدد من الأحداث الهامة في وطننا العزيز.
ولعلنا من خلال دراسة شخصيته، وتنقلاته، نستطيع كشف بعض الحقائق الغامضة في تاريخنا المتشعب الجوانب والذي ما يزال كل جانب من جوانبه يحتاج إلى تسليط الأضواء الكاشفة عليه.
كما أننا قد نستطيع كذلك من خلال دراسته واتصالاته بالعلماء والشيوخ معرفة بعض الجوانب عن الحركة الفكرية ببلادنا في القرن العاشر الهجري –السادس عشر الميلادي-.  ورحم الله ابن عسكر وغفر له.
وأخيرا فحديثي هذا عن ابن عسكر ليس هو دراسة مفصلة عن حياته وشخصيته، وإنما هو مجرد لفت نظر شبابنا إلى شخصية لعبت دورا في الحياة السياسية والفكرية على مسرح بلادنا في القرن العاشر الهجري.


(1) -  انظر (مؤرخو الشرفاء) ص: 168 لليفي برو فنصال، تعريب الأستاذ الخلادي، ط. الرباط.
(2) - (المعرب الفصيح ...) ما يزال مخطوطا ويوجد في بعض المكاتب الخاصة وتحتفظ المكتبة العامة بالرباط بصورة منه، وهو يقع في أكثر من 1300 بيت.
(3) - انظر (مؤرخو الشرفاء) المصدر السالف الذكر، ص: 160.
(4) -  الدوحة ترجمة والدة المؤلف، ص: 19، ط. ح.
(5) - الشاعر الهجاء عبد الرحمن الشفشاوني ترجم له ابن القاضي في الدرة: ج2، ص: 363. ط. الرباط، وفي الجذوة: 2: 413، ط. دار المنصور. وتوفي هذا الشاعر سنة 990هـ.
(6) - الجذوة: 2: 143.
(7) - الدوحة ص: 24، ط. ح.
(8) - نفس المصدر ص: 45.
(9) - نفس المصدر ص: 51.
(10) - نفس المصدر ص: 28.
(11) - (مؤرخو الشرفاء) تعريب الأستاذ الخلادي ط. الرباط، ص: 160.
(12) - الدوحة، ص: 26، ط. ح.
(13) - (مقنع المحتاج في آداب الأزواج) لأحمد بن عرضون، ص: 131. مخ. خ. ع. بالرباط رقم 1026 ك. وانظر حديثنا عن (ابن خجو) بمجلة دعوة الحق. ع: 8. س 17. ص: 73.
(14) - (مكرر) الدوحة، ص: 2.
(15) - ابن القاضي هو أبو العباس أحمد ابن القاضي من آل العافية بمكناس العالم العلامة صاحب التآليف المفيدة في الفقه والهندسة والحساب والتاريخ والتراجم، انظر الصفوة ص: 77. ورضة الآس ص: 239، ط. الملكية، تحقيق الأستاذ عبد الوهاب بن منصور. وص (م) من نفس المصدر.
(16) - مخ.خ. ع. ر. : 5968 د. ونشره الأستاذ الدكتور محمد حجي ضمن مجلد سماه: «ألف سنة من الوفيات في ثلاث كتب»، ط. الرباط. انظر ص: 315.
(17) - الندب: السريع إلى الفضائل، الظريف النجيب الخفيف في الحاجة لأنه إذا ندب إليها خف لقضائها.
(18) - المعرب الفصيح البيت: 999، مخطوط خاص.
(19) - الدوحة، ص: 6، ط. ح.
(20) - نزهة الحادي، ص: 76. ط. انجي: 1888.
(21) - أزهار البستان مخ: خ. م. رقم: 417. ص: 144.
(22) - الاستقصا: ج: 5: 81 و82.
(23) - الأعلام، ج 4، ص: 147. ط. الرباط.
(24) - فهرس الفهارس، ج 1، ص: 341.
(25) - (مؤرخو الشرفاء) نفس المصدر السالف الذكر. ص 160.
(26) - (عمدة الراوين) ج: 5: 66 مخطوط، الخزانة العامة بتطوان.
(27) - تاريخ تطوان، ج : الأول، ص: 165.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here