islamaumaroc

الحنيفية والحنفاء.

  دعوة الحق

186 العدد

في مجلس من مجالسي العلمية بأحد مساجد تطوان، سألني- وقد تعرضت في درس التفسير للحنفاء – أحد الإخوان عن حكم الإسلام فيهم، وهل يعتبرون مسلمين أم لا، وأجبت بما استحضرته من المقام، وخرجت من المسجد وفكري منشغل بالموضوع ، فعملت على البحث في المظان فكانت هذه الدراسة القرآنية عن الحنيفية والحنفاء.
الحنف لغة الميل، قال في القاموس : "والحنيف كأمير الصحيح الميل إلى الإسلام الثابت عليه. كل من حجج أو كان على دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم. وقال الراغب في المفردات "الحنف هو ميل عن الضلال إلى الاستقامة، والجنف ميل عن الاستقامة إلى الضلال ".
فهي تدور حول معنى الميل ومعنى الاستقامة. فالمتحنف هو المتحرر لطريق الاستقامة، وقد وردت اللفظة في القرآن الكريم  اثنتا عشرة مرة في عشرة مواضيع بصيغة الجمع.
ففي سورة البقرة قوله تعالى : {وقالوا كونوا هودا ونصارى تهتدوا قل ملة إبراهيم حنيفا وما مكان من المشركين}. قال القرطبي(2:139) "حنيفا" مائلا عن الأديان المكروهة إلى الحق دين إبراهيم، وسمي إبراهيم حنيفا لأنه حنف إلى دين الله وهو الإسلام. وهذا المعنى نجده عند ابن عطية (2:367) ووردت تسمية إبراهيم بالحنيف في آيات أخرى.ففي آل عمران قوله تعالى:{ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين}. وقد زاد القرطبي هنا(4:109) فقال والحنيف الذي يوحد و يحج ويضحي ويختتن ويستقبل القبلة.
و في سورة آل عمران أيضا قوله سبحانه وتعالى: {قل صدق الله فتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين}. وفي سورة النساء قوله تعالى: ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا}. وفي سورة الأنعام يبين سبحانه وتعالى موقف إبراهيم من قومه ومحاجته لهم ولأبيه، وعمله بشتى الوسائل لإقامة دين التوحيد وتسخير الكوكب والقمر والشمس كوسائل للإيضاح ليوضح لهم أن الإله الحق لايغيب، فلما تبرأ من شركهم قال: "أني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين". ويخاطب الله سبحانه سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقول:" قل أني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا  وما كان من المشركين ". وفي سورة النحل قوله سبحانه:{أن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين}. و فيها أيضا:{ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين}.

وهكذا فقد وردت "حنيفا" في ثمانية مواضع أثناء الحديث عن سيدنا إبراهيم، حتى صارت الكلمة كالعلم عليه.
وفي سورة الروم أمر من الله تعالى لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بإقامة وجهه للدين الحنيف:{ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذل الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.
أما بصيغة المفرد فقد وردت في موضعين : الأول في سورة الحج في قوله سبحانه:{حنفاء لله غير مشركين به} قال القرطبي(12:55) "حنفاء لله" معناه مستقيمين أو مسلمين مائلين إلى الحق، ولفظة "حنفاء" من الأضداد تقع على الإستقامة وتقع على الميل، والموضع الثاني ففي سورة البينة: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة و يوتوا الزكاة وذلك دين القيمة}.
وهكذا يتصرف فعل" تحنف" إلى معنى الإستقامة والتعبد والميل عن الضلالة إلى الهدى، فإبراهيم لما مال عن عبادة الكوكب والأصنام إلى عبادة الواحد الأحد كانت ملته هي الحنيفية السمحاء، وهناك فعل آخر على صورته وهو فعل "حنث" قال في "لسان العرب":  "وقد يجوز أن تكون ثاء يتحنث بدل فاء يتحنف".
والحنث: الميل من باطل إلى حق أو عكسه(معجم متن اللغة) وهو يؤدي معنى الإثم والذنب والمروق.
فكلمة "التحنث" ربما تأتي بمعنى "التحنف" ويكون المعنى "التعبد" لكن الكلمة بالفاء تدل على معاني لا تدل عليها الكلمة بالثاء.
وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وصف الإسلام بأنه "الحنيفة السمحاء" وذلك تفريقا وتمييزا للإسلام عن "الأديان"الباطلة والنزعات المتطرفة التي تجانب الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فالحنيفية السمحاء استقامة على المنهج الإلهي الذي رسمه الله لعباده، وهو منهج واضح بين.
أما "الحنفاء" فهم أقوام، تقادم العهد بينهم وبين سيدنا إبراهيم لكن ظلوا على تمسك بأسس دينية، وكانوا قلة،وكانت مكانتهم في مجتمعاتهم مرموقة وظهر كثير منهم قبل البعثة وعاش بعضهم بعدها. وكانوا يتطلعون رغم إندراس الدين نحو الحق لذا وجدنا بعضهم يعتنق النصرانية، وامتدت فترة وجودهم من عهد إسماعيل إلى زمن البعثة المحمدية.
أما عددهم وتاريخ ظهور كل واحد فتحديد ذلك من الصعوبة بمكان. وقد أورد الدكتور جواد علي في كتابه "تاريخ العرب قبل الإسلام"، (370:5)قائمة بأسماء "الحنفاء" هي الآتية:
"قس ابن ساعدة الأيادي _ زيد بن عمرو بن نفيل_أمية بن أبي الصلت _ أرباب ابن رئاب _ سويد بن عامر المصطلقي _ أسعد أبو كرب الحميري _ وكيع بن سلمة الأيادي _ عمير بن جندب الجهمي _ عدى بن العبادي _ أبو قيس صرمة بن أبي أنس _ سيف بن ذي يزن _ ورقة بن نوفل _ عامر بن الظرب العدواني _ عيد بن قضاعة _ علاف بن شهاب التميم _ الملتمس بن أمية الكتاني _ زهير بن أبي سلمى _ خالد بن سنان العبسي _ عبد الله القضاعي _ عبيد بن الأبرص _ كعب بن لؤي بن غالب."
وليس هذا بإحصاء شامل للحنفاء، فلا شك أن كثيرا من الأسماء ضاعت في ثنايا التاريخ ولم يصلنا عنها ذكر، فإذا كنا لا نعلم_يقينا_ عدد وأسماء الرسل والأنبياء، فكيف نحصي أسماء وعدد الحنفاء.
على أن بعضهم قد عاش إلى زمن البعثة أو قبيلها. فقس بن ساعدة رآه النبي صلى الله عليه وسلم بسوق عكاظ يخطب على ناقته، ومن منا لم يسمع في صباه خطبة قس: ...أين من بنى وشيد وزخرف.وتجد أين من بغى وطغى...الخ. وورقة بن نوفل من أوائل المصدقين. وسويد بن صامت(غير مذكور في القائمة) دعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فقال له: لعل الذي معك مثل الذي معي. قال: وما معك. قال: معي أفضل من هذا قرءان أنزله الله على هدى ونور. فلما قدم المدينة قتلته الخزرج وهو على الإسلام. (الطبري_تاريخ الأمم والملوك،ج:84).
وأبو عامر بن صيفي(غير مذكور في القائمة)كان يلبس المسوح في الجاهلية، ودخل على النبي

صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقال: يا محمد ما هذا الذي جئت به ؟ قال: " جئت بالحنيفية دين إبراهيم، قال فاني عليها. فقال: صلى الله عليه وسلم: لست عليها لأنك أدخلت فيها ما ليس منها، فقال أبو عامر: أمات الله الكاذب منا طريدا وحيدا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"نعم ، أمات الله الكاذب منا كذلك"، فخرج أبو عامر إلى الشام ومر إلى قيصر وكتب إلى المنافقين: استعدوا فإني آتيكم من عند قيصر بجند لنخرج محمدا من المدينة، فمات بالشام وحيدا.(القرطبي 320:7).
وأما أمية بن أبي الصلت فقد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل رسولا فتمنى أن يكون ذلك الرسول، فلما أرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم حسده وكفر به. وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آمن شعره وكفر قلبه".
وقد رويت عن النبي صلة الله عليه وسلم أحاديث في فضل بعض الحنفاء كورقة بن نوفل في أنه رآه في ملابس بيض، وزيد بن عمرو بن نفيل في أنه يبعث يوم القيامة أمة وحده.
وهكذا فمن الحنفاء من قضى قبل البعثة وهو على نهج قويم، ومنهم من أدركها فوجد في الإسلام ما كان يتطلع إليه من نور وهداية فآمن وصار حنيفا مسلما، ومنهم من عائد وكفر فكان عاقبة أمره خسرا.
وتظل حقيقة الحنفاء دلالة على تطلع البشرية في تاريخها الطويل نحو الحق والهداية والنور، و أن الإنسان لا يستقيم أمره إلا بإتباع الوحي الإلهي والانقياد لشرع الله ورسله.


دراسات مغربية
• القاضي أبو بكر بن العربي_12_
• الشيخ أبو عبد الله محمد بن عسكر_2_
• دراسات في الأدب العربي
• السلطان مولاي إسماعيل

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here