islamaumaroc

دراسات في الأدب المغربي -1-: مظاهر الثقافة لمغرب ما بعد الأدارسة وقبل المرابطين.-1-

  دعوة الحق

186 العدد

1) الأوضاع السياسية في المغرب إلى ما قبل المرابطين:
قبل المضي في بحثنا عمن سنتناولهم –إن شاء الله- بالدرس من شعراء وأدباء المغرب، نرى أن نقف وقفة قصيرة، ولكنها متمعنة، لنتناول بقليل من التحليل أوضاع المغرب السياسية للعهود الإسلامية وبالضبط للفترة الواقعة ما بين أوائل الفتح الإسلامي وبوادر الوجود المرابطي، وما اكتنف هذه الفترة من ملابسات، باعتبار أن دراسة من هذا النوع ولهذه الجوانب، كفيلة –في نظرنا على الأقل- بإبراز بعض المؤثرات التي أسهمت في توجيه الابعاد الثقافية وسائر أوضاع الفكر العلمي والأدبي هذه الوجهة دون تلك.
وهذه  الدراسة بالتالي جديرة بتبيان ما أحاط بكل ذلك من ا ختيارات مستوحاة من الداخل أو الخارج، آملين من كل ذلك تكوين فكرة واضحة المعالم عن المجالات التي عالجتها أو واكبتها تلك الحركات الفكرية، ومدى ما أسهمت به في تكوين الاتجاه القومي، وفي بلورة مقومات هذا الاتجاه الذاتي، وإبراز هذه المقومات القريبة والبعيدة، العميقة والضحلة على السواء.
ونفعل ذلك لاعتقادنا أن الفكر العلمي، والثقافة في مفهومها العام، أدبا وعوائد وسمات خاصة، هما المرآة الحقيقية التي تعكس على صفحاتها وجود الأمة، وهما كذلك المقياس الذي به يقاس ما حققته هذه الأمة من طفرات وقفزات في ميادين الرقي الحضاري والعمراني، أو ما كان انتابها أو ينتابها في سيرها نحو استكناه المجهول واستشراق المستقبل من انتكاسات وتعثرات.
وبدون معرفة الأبعاد التي تتوخاها أهداف الأمة، والحركات الإنسانية فيها، والغايات التي تحرك هذا الإنسان، وتلهمه خططه المنهجية، وما يمكن أن يخترعه من وسائل لمباشرة تلك الخطط فلن نتمكن من معرفة المصادر الحقيقية التي استمدت منها هذه الأمة ثقافتها العامة، ولا المصبات التي وجهتها إليها، ولا القنوات والمسارب التي سارت فيها.
وحيث إننا نؤرخ، أو بتعبير أدق نحاول استنطاق الأحداث التاريخية لمعرفة مدى تغلغل الفكر العلمي والثقافة العربيين في الوجود الذاتي لهذا الوطن، الذي جدد عروبته يوم اتصل بالإسلام وربط مصيره إلى الأبد بمصير  الأمة العربية الإسلامية الممتدة عبر أصقاع الدنيا.
وحيث أن وجود الأمة الثقافي مرتبط أشد الارتباط وأوثقه بوجودها السياسي الذي يتبلور في مجتمعها المتفتح أو المنغلق، المتطلع للإسهام في المد الحضاري الإنساني العام، أو المنكفئ على
نفسه، المنطوي على محيطه البيئي، يجتر أمجاد الماضي الموهوم، ويتحسر على الحاضر الضائع، ويتخوف من المستقبل المجهول.
وحيث إن الوجود  السياسي يعني بالدرجة الأولى –وبالنسبة لسائر الأمم- ما تحمله هذه الأمة من مراكز الصدارة، وما يمكن أن تؤديه من  الأدوار الإيجابية لبناء عالم أفضل، وهذا يعني اهتمامها بالقاسم المشترك الأعظم الذي يوحدها مع بقية الخلايا الإنسانية، أي الثقافة والفكر العلمي والأدبي.
ونرى اعتبارا لكل تلك الحيثيات –قبل تناولنا بعض من يمثلون تلك الثقافة وذلك الفكر- أن نلم إلمامة خاطفة ببعض مراحل الوجود السياسي للأمة المغربية، كمجموعة بشرية تتكون من هذين العنصرين البارزين: العرب والبربر، اللذين تلاحمت أنسالهما وتمازجت دماؤهما، وتآزرت جهودهما لبناء هذا الوطن الذي يحمل اسم المغرب الأقصى.
ذلك، لأنه بالإضافة إلى الحيثيات المتقدمة، كان الوجود السياسي منطلق الوجود الفكري للأمة المغربية المسلمة.
والسياسة تظل على الدوام –وفي جميع المجتمعات- هي مركز الدائرة وقطبها، بالنسبة لكل وجود إنساني على هذه الأرض، ومنها أي السياسة تصدر الاختيارات التي تتبناها الأمة أي أمة، وبها تتمايز تلك الاختيارات نفسها وتتبلور أهدافها.
وبعد تحليل الأوضاع السياسية نتبعه بتحليل عام عن الملامح الفكرية لوجود أمتنا الذاتي علما وأدبا شعرا ونثرا .. محاولين استشفاف الظواهر، واستنطاق المآثر، واستدرار بطون الكتب والأضابير.
والوجود السياسي للأمة المغربية ومجتمعها العربي المسلم، في هذه الحقبة التي نتناولها –كما قلت- بقليل من الدرس، ابتداء من الوجود الإدريسي الذي أعقب نهاية تبعية أفريقيا الشمالية للشرق أو الأندلس، يتميز بأن المولى إدريس الأكبر لم يكن بالنظر إلى سجل الفاتحين للمغرب من قادة العرب المسلمين الكبار أولئك الذين كانت لهم تأثيرات جذرية عظمى في نفسية هذه الأمة، لم يكن سوى الفاتح الثالث في الترتيب العام، إذا أردنا أن نضع جدولا لأولئك القادة الفاتحين من العرب، والذين توافدوا على هذه الديار إثر الفتوحات العربية الأخيرة التي هيأتها العقيدة المحمدية والتي حملت  الإسلام إلى ما وراء الجزيرة  العربية حيث كان مهد الدين ومهبط وحيه المبين.
ووضعيته الثالثة من حيث هذا الجرد، إذا استثنينا طبعا أولئك الذين لم يكتب لهم المقام طويلا بأفريقيا، من الذين كان الخلفاء الأمويون يبعثون بهم حكاما وولاة على عموم أفريقيا حينا أو على أجزاء منها من المغرب حينا آخر، كحسان بن النعمان الغساني الذي كان ولاه عبد الملك بن مروان عاملا له على عموم أفريقيا.
وكان لهذا العامل بالخصوص الفضل الأول واليد الطولى في غرس بذور الفكر والثقافة الإسلاميين، كما سنشير فيما بعد.
وهكذا فأهم الفتوحات السياسية غير فتح الغساني كانت هذه الثلاثة التي سنحاول في عجالة وإيجاز الإشارة إليها.
ونؤكد بادئ بدء أن الفتح الإدريسي رغم تأخره زمانيا يمكن اعتباره بوجه ما، الفتح العربي الحقيقي لهذه الديار، من جانب دعاة العقيدة المحمدية، إذ بعده، شهد المغرب –نتيجة وحدة العقيدة- كثيرا من الاستقرار السياسي.
إلا أن الفتح الإدريسي سبقه –كما قلنا- فتحان آخران أساسيان لهما قيمة عظمى في تمهيد الطريق وتوطئة الجو لكل فتح أتى بعدهما، وخاصة للفتح الإدريسي واستقرار وجوده السياسي إن صح التعبير.
فإذا كان الفتح الإدريسي قد تم مع وفادة إدريس بن عبد الله دفين زرهون (وليلي) على الأوربيين سنة 172 هـ على أصح الروايات، فإن المغرب شهد الفتح الأول من الفتوحات الثلاثة الرئيسية على يد عقبة بن نافع الفهري زمان خلافة يزيد بن معاوية أي في سنة 62 هـ، وقد بلغ عقبة في زحوفه بالإضافة إلى عاصمتي المغرب لعهود: طنجة ووليلي – تارودانت – عاصمة سوس الأقصى، وواصل زحوفه تلك إلى أن اعترضته مياه المحيط التي سجلت في وعي كلمته
الشهيرة التي قالها بالمناسبة: (اللهم أشهد أني قد بذلك المجهود، ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل من كفر بك حتى لا يعبد أحد من دونك) أو كما قال.
وبالطبع كانت وفاة عقبة بمدينة من مدن الزاب بالقطر الجزائري سنة 64 هـ على يد قائد بربري، كانت كارثة بالنسبة للوجود الإسلامي والعربي في عموم ديار إفريقيا الشمالية، ونكسة عظيمة أصابت الزحوف الإسلامية التبشيرية في الصميم، وأوقفتها إلى حين، كما أن هذه النكسة أحيت الجاهلية المستحكمة، وجعلتها تنتفض من كبوتها التي انتابتها إثر فتح عقبة، وتتماسك إلى حين كذلك، مما حمل الكثيرين من البربر الذين لم تكن العقيدة الإسلامية تمكنت من قلوبهم على أن يرتدوا بزعامة الكاهنة.
أما الفتح الثاني المهم الذي شهده المغرب بعد فتح عقبة، فقد كان الذي تم على يد موسى بن نصير أيام خلافة الوليد بن عبد الملك سنة 87 هـ إثر تعيينه أي ابن نصير واليا للوليد على أفريقيا.
والعهد النصيري هذا يمكن اعتباره أهم العهود التي شاهدت فيه البلاد المغربية تفتحا عقديا، إذ فيه تم بزعامة هذا الوالي وتحت قيادة وامرة مولاه طارق بن زياد المباشرة فتح بلاد الأندلس على يد جيش إسلامي يتألف –فيما قيل- من اثني عشر ألفا من المسلمين، وفيما تذهب إليه بعض الروايات التاريخية، وكان معظمهم من البربر، إذ لم يتجاوز عدد العرب فيه بعض مئات.
وتعرفت الجموع الشعبية في هذا العهد إلى أهداف الدين الإسلامي الحنيف، ومبادئه العادلة، مما جعلها تكبر جهود دعاته، وتقدر ما بذلوه من جسيم التضحيات في سبيل إرساء قواعده، واستتباب الأمن في ربوع هذا الوطن، وبين أهله، الشيء الذي حمل هؤلاء الأهالي على الطاعة والولاء والنظام.
ولزيادة تشبث الناس بالدين الجديد عمد الفاتح ابن نصير إلى شراء عدد من العبيد الذين كانوا أسلموا ثم  اعتقهم بعد أن تأكد من صحة عقيدتهم الإسلامية، وتمكن مبادئها من أرواحهم.
ولا نستبعد أن تكون ولاية طارق لابن نصير إنما آلت إلى هذا الأخير واستحقها من هذا القبيل وإنه كان من بين هؤلاء العبيد المعتقين، فالولاء –شرعا- لمن اعتق ..
وإذا كان هذان الفتحان لم يستطيعا أن يقضيا نهائيا وبتاتا على كل تمرد أو عصيان بربري، من حيث أن بعضا من هؤلاء لما يسبروا بعد أغوار العقيدة الجديدة، ولم يدركوا بالتالي حقيقة أهدافها الإنسانية والتحضيرية والعلمية، حتى لقد اعتقد بعضهم أن هذا الوجود العربي الإسلامي إنما كان مجرد وجود استعماري جديد على غرار ما سبق أن شاهدوه وعانوه من وجود الفينقيين والرومانين والبيزانطين والوانداليين وحتى لقد حفز البعض من أولئك البربر السكان الأصليين على مقاومة هذا الوجود الإسلامي بكل الوسائل وحفز بالخصوص الكاهنة (داهية) على إثارة حفائظ البربر، ودعوتهم إلى انتهاج حرب العصابات وتحريق المدن والحصون ملهبة حواسهم، تمثل هذه الكلمات التي نسبوها إليها (إنما تطلب العرب من المغرب مدنه وما فيها من الذهب والفضة، ونحن إنما نريد المزارع والمراعي، فالرأي أن تخرب هذه المدن والحصون وتقطع أطماع العرب عنها).
وإذا كان هذان الفتحان أيضا لم يبعدا عن المحيط العربي الفاتح نفسه رسوبات التمزقات الجاهلية وما كان انبعث من حزازات قبلية إثر أحداث الفتنة الكبرى بين أنصار علي ومعاوية، وما أعقبها من تواثب الأمويين ثم العباسيين على الحكم والسلطة، وفي مختلف الأصقاع التابعة يومئذ للنفوذ الإسلامي وشوهدت الطائفية المقيتة تشرئب بأعناقها مبطنة بهذه المذاهب العقائدية المتناحرة في الظاهر من أجل الدفاع عن الإسلام، وفي الباطن من أجل الاستحواذ على السلطان، وتوزعت البلاد هذه الفرق المذهبية من سبئية واعتزال وخوارج إلى آخر الفرق والأحزاب التي تزخر بها كتب تاريخ هذه الحقبة من حياة الأمة العربية الإسلامية.
أقول إذا كان ذلك الفتحان لم يتمكنا من إنهاء الصراع بين الفاتحين والبربر السكان الأصليين فإنهما من جهة أخرى تمكنا من تأسيس القواعد الثابتة لإرساء الوجود الإدريسي، وهيئا له التربة الخصبة، والمناخ المناسب ليبذر بذور الوحدة  الدينية، وليوحد الصفوف حول المولى إدريس.
ولا أدل على هذا التوطيد والتهييء من التنازل الطوعي الكريم النبيل الذي قام به زعيم قبيلة أوربة الحاكمة للمولى إدريس مع قبوله عن طيب خاطر أن يكون –وهو المسموع المطاع في قومه- مجرد تابع لبضعة نبوية.
ولاشك أن هذا التنازل سجل تحولا جذريا عميقا في ميدان العلاقات بين العرب الفاتحين وبين البربر السكان الاصليين، كان من نتائجه الإيجابية والحاسمة ما تم بين العنصرين من تلاحم وانصهار. وما أسفر عنه من توحيد المصائر والأهداف بعد توحيد العقيدة، واكتشاف وحدة العرق والدم والأصول، إذ عرف الجانبان أنهما انحدرا من أرومة واحدة في بداية الإنطلاق.

2) الأوضاع الثقافية والفكرية:
المتقصي للمد الثقافي العربي بهذه الديار المغربية، وبعد إرساء قواعد الفتح الإدريسي ببناء إدريس الثاني عاصمته السياسية والعلمية فاس، التي انطلق منها يوسع رقعة مملكته فيما وراء تخوم المغرب الأوسط الجزائر، يلاحظ انحسار هذا المد بعد هذا الفتح تماما، حتى ليمكن القول بأن الحركة الثقافية مع اختلاف مدلولها الخاص والعام، لم تشهد حيوية، ولم يواكبها انبعاث، ولم تقم لها قائمة تذكر، وإنما أصابها خمود وركود، وانتابها شلل عطل رسالتها، وأصابها بالعقم الشبه كامل، واعتراها فتور ممل ممض، حتى أن على الباحث الذي يحاول العثور على معالم بينة واضحة لأدب مغربي عربي أن يقطع قرونا من المراحل التاريخية –وهي القرون الثلاثة تقريبا التي تفصل بين الوجود الإدريسي وقيام دولة المرابطين- ليقف على بعض الإشراقات التي يحتضنها هذا العهد المرابطي.
وهذا إذا استثنينا طبعا، تلك الجذاذات من علوم الفقه والتشريع، وعلم الحديث ومبادئ القراءات والتفسير التي كان يراود مجالاتها رواد قليلون، لا يكونون –إذا قيسوا بأمثالهم في الشرق العربي الإسلامي، بل وفي الأندلس حيث الدولة الأموية الناشئة، وفي القيروان حيث المودة العباسيون ما يزالون يستميتون في التمسك ببقايا وجودهم الآخذ في الأفول هناك، والمتعرض أبدا لمناواة الأمويين بالأندلس – لا يكونون قطرة من بحر، ولا مدا من طوفان.
وعندما عزمت على تناول هذه الحقبة بالدرس، وخاصة ما يتعلق منها بالميدان الأدبي والشعري حتى بفاس التي ظلت إلى نهاية الأدارسة، وقيام المرابطين ومن بعدهم بل وإلى اليوم المركز العلمي المرموق، وبوصفها العاصمة الأمة لكل الحركات الفكرية والثقافية التي شهدها المغرب، وبوصفها منشأ الوجود الإسلامي العربي في هذه الأصقاع، ويعني كل ذلك أن دراسة مستفيضة لمظاهر الفكر والثقافة في فاس تعني أولا وبالذات دراسة الجذور الأولى والأسس الذاتية للثقافية والفكر المغربيين في عموم الأقاليم المغربية وأصقاعها شمالا وجنوبا شرقا وغربا ..
أقول عندما انهمكت في دراسة ما يمكن اعتباره المراجع الأولى والأساسية ابتداء من الوجود الإدريسي الغنية حقبته بالمراجع التي تعالج بصفة خاصة الأوضاع السياسية وبعض الاجتماعيات أعثر بين ثنايا تلك المراجع على ما يشفي الغليل في ميادين الثقافة العامة والفكرية عموما وفي مجالات الأدب والشعر خصوصا..
وإنما لاحظت –كيف يتسم كل شيء له اتصال بالثقافة والفكر بالغموض والعموميات، وما حاول إبرازه على أنه ذو قيمة يتسم هو الآخر بالضحالة وعدم العمق، ويبرز من بين ثناياه التكلف والابتسار.
وقد لاحظت أن جميع الذين تناولوا –قبلي- هذه الحقبة بالدراسة –بحثا عن العلم والثقافة لم يستطيعوا أن يخفوا هذا العقم في ميدان الأدب والشعر، حتى أن المرحوم الفقيه الحاج أحمد النميشي قال في محاضرته عن شعراء فاس: (أنه لم ينبع شاعر بعد إدريس الثاني بالحضرة الفاسية يستحق التدوين قبل دولة المرابطين) الشيء الذي جعله أي النميشي ينتقل في تعداده الشعراء من إدريس الثاني إلى أبي بكر ابن باجة التجيبي المعروف بابن  الصائغ، والذي كان قتل مسموما سنة 533 هـ.
وعبد الله جنون هو الآخر، في كتابه (النبوغ المغربي) يقول عن هذه الحقبة وفيما بخص هذه الظاهرة ظاهرة العقم: (نرى أن الغموض يساير الناحية الأدبية في العصر اكثر من الناحية العلمية، فإذا استطعنا أن نعد أفرادا من العلماء، ونترجم لهم، ولو على سبيل الإجمال، فإننا لا نستطيع ذلك بالنسبة إلى الأدباء، وغاية ما يمكننا أن نفعله هو أن
نذكر أسماء بعض هؤلاء الأدباء الذين ورد ذكرهم عرضا في الكتب، وفي المنازعات السياسية والمذهبية، بسبب بيت أو بيتين من الشعر الذي يرويه لنا هذا المؤلف أو ذاك على أنه مما قيل في الموضوع (النبوغ المغربي ج 1 ص 54).
وإذا كان البعض قد حاول تبعا للعاطفة أن يموه هذه الحقيقة البارزة، فإنه قد وجد نفسه يسبح في متاهات ضالة، هروبا من الحقيقة المرة التي تؤكد في ضراوة وإلحاح، أن المغرب –فيما بين الوجود الإدريسي وقيام دولة المرابطين- لم يشهد حركة علمية صحيحة، ولم يشارك في نهضة أدبية ولم يسجل تاريخه الفكري سوى ضحالة تجسمت في بعض البحوث الفقهية التقليدية، وفي اجترار بعض الآراء في التشريع المستنبط من الحديث على غرار أحكام الآمدي وابن عربي والجصاص.
وحتى أن أقدم المخطوطات التي تفتخر بها خزانة القرويين كالتكملة والصلة لابن بشكوال، والبيان والتحصيل لابن رشد، المكتوبين بخط مغربي جميل وعلى رق الغزال، ويرجع تاريخ أحدهما إلى نفس الحقبة التاريخية التي نتناولها تقريبا أي القرن  الثاني للهجرة ليست إلا في الفقه والتشريع.
على أنه من المؤكد تاريخيا أن الحركة العلمية أساسا لم تبرز بعض معالمها في المغرب إلا بعد إنشاء مسجد القرويين، ذلك لأن المسجد في تلك العصور، وإلى ما قبل قيام المدارس النظامية في بغداد، المدارس العصرية الحالية كان هو المدرسة الوحيدة التي يتلقى ويلقي فيها ومنها العلم، ومنها نتناول المعارف الإنسانية بالدرس والتحليل.
ومن المؤكد كذلك أن المدارس المسجدية لعبت دورا مهما وخطيرا في تاريخ كل الحركات الانتفاضية التي شهدتها المجتمعات العربية الإسلامية، لا الحركات العلمية منها فحسب، ولكن أيضا كل الحركات الإصلاحية والتوجيهية، كما واكبت هذه المدرسة، بكل دقة وأمانة، كل التطورات التي شاهدتها الحضارة الإسلامية أو أوجدتها منذ بعثته صلى الله عليه وسلم إلى الآن ..
وأمام هذه الحقيقة، فلن نستطيع إذا أردنا أن نضع جردا لمرتادي المجالات الفكرية والثقافية أن نجد شعراء وأدباء في الوقت الذي نستطيع فيه أن نسجل عددا لا بأس به من حيث الكم، وربما الكيف إذا نظر إليهم بمجهر محيطهم من مرتادي ميادين الفقه والتشريع.
وللتدليل على تلك الظاهرة سنورد فيما بعد لائحة لبعض هؤلاء اللامعين من الفقهاء ورجال التشريع مرتبة حسب مساقط رؤوسهم، لأن عرضها بهذه الطريقة في نظرنا سيبرز مدى مساهمة كل إقليم في هذه الحركة  العلمية التي شهدتها البلاد المغربية أيامئذ..
ثم الملاحظ أن هذا الاتجاه ظل يواكب الحركة الثقافية في المغرب منذ انطلاقة الشرارة الأولى، بل ما يزال يواكبها حتى الآن، حتى إننا لنجد أن العدد الضخم من مثقفينا، وبالأخص من خريجي المدرسة المسجدية لا يعنون إلا بالفقه وعلوم الشريعة بينما يقل من بينهم عدد المهتمين بالعلوم العقلية والفلسفية والتاريخ والاجتماع بل الأدب والشعر، أما العلوم التطبيقية والتجريبية التي هي شيء حديث نسبيا فلا يمكن أن نجد من بين أولئك الخريجين واحدا يعيرها اهتماما ما ..
والملاحظ كذلك أن اهتمام أجدادنا المغاربة بالجانب الفقهي كان منصبا بصورة خاصة على الفقه المالكي بالدرجة الأولى، وهذا فيما يتعلق بالعبادات والمعاملات في الأعم الأغلب، أما في المعتقدات فهم يتمذهبون بمذهب الأشعري.
إلا أن ظاهرة سيطرة المذهب المالكي لا تعني أن المذاهب الأخرى لم تكن وجدت تربة خصبة في هذه الديار، فإن واقع المغرب لتلك العهود يؤكد عكس هذا تماما، ويثبت كيف أن مذاهب فقهية أخرى سوى المذهب المالكي كانت تمارس عمليا، إذ كان للمذهبين الكوفي والشافعي أنصار، بل وكان المذهب الكوفي في فترة ما هو صاحب الغلبة قبل استيراد المذهب المالكي، وكان بنو مدرار حكام سجلماسة يعتنقون المذهب الخارجي، بينما يعتنق أهالي تمسنا المذهب البرغواطي، وشاهدت مناطق متعددة في المغرب حركة اعتزالية محترمة. أما المذهب الشيعي فلم تطل بوادره على المغرب إلا في عهد إدريس الثاني.
أما أسباب تمركز المذهب المالكي في المغرب دون سواه من المذاهب الفقهية الأخرى،
فنعود في نظرنا إلى:
أولا: ما امتاز به صاحب المذهب، مالك بن أنس، من قوة إيمان وسلامة عقيدة وصمود في وجه التحديات التي كانت  انتشرت لعهده في العالم الإسلامي، وخاصة في العراق، وقد تجسمت قوة إيمانه تلك في خصوص محنة خلق القرآن التي تولى كبرها المأمون العباسي، والتي امتحن فيها مالك حتى لقد ضرب ضربا مبرحا يقال إنه كان سببا في خلع إحدى كتفيه.
ثانيا: إلى وجود الدولة الأموية بالأندلس، هذه الدولة التي كانت تؤيد كل حركة مناوئة للعباسيين وإذ لم يكن مالك بن أنس مرضيا عنه أبدا من طرف المسودة العباسيين، فقد رأى فيه الأمويون مواليا لهم، وقديما قيل، عدو العدو صديق، فرأوا أن يكافئوا مالكا باستيراد مذهبه إلى الأندلس التي منها تسرب إلى المغرب حيث اكتسح سواه من المذاهب.
ثالثا: إلى بساطة قواعد هذا المذهب، وقربها من البداوة، وبعدها عن  القوانين الحضرية المعقدة التي كانت تزخر بها المذاهب الفقهية الأخرى، نظرا لنشأتها في أرض صنعتها الدراسات الفلسفية المتعددة من مختلف الأمم التي اتصل بها الإسلام من هندية، وفارسية ويونانية ورومانية وغيرها من فلسفات المجموعات البشرية الداخلة في الإسلام، والمحتفظة في أعماقها بعاداتها وتقاليدها، وبعض طقوس دياناتها الوثنية القديمة.
وقد تكون هناك أسباب أخرى وعوامل شجعت انتشار هذا المذهب لم نهتد نحن إليها.
ثم إن هذا جرد بسيط لبعض أولئك الأعلام من الفقهاء الذين احتضنتهم الفترة التي تؤرخ لها راعينا ترتيبهم حسب مساقط رؤوسهم وتاريخ وفياتهم.
فمن فاس نقف على أسماء هؤلاء الأعلام:
1) دراس بن إسماعيل الفاسي، وكان من بين أولئك الذين أدخلوا المذهب المالكي إلى المغرب، وبحي مصمودة من مدينة فاس إلى الآن مسجد يحمل اسم (مسجد سيدي الدراس) توفي سنة 357 هـ.
2) أبو جيدة بن أحمد اليزناسني، وهو صاحب الفتوى التي قالت أن أرض فاس لأهلها، لأنهم أسلموا عليها، وقد افتى بذلك حين حاول حاكم المنصور بن أبي عامر –وقد كان تغلب على فاس- أن ينتزع الأرض من أهلها بدعوى أن المدينة فتحت عنوة.
ولأبي جيدة تآليف في الوثائق على طريقة الشافعية، وتوفي بفاس سنة 365 ودفن قرب الباب الذي يحمل حتى الآن اسمه بهذه المدينة أي باب سيدي بوجيدة.
3) أبو عمران الفاسي الزناتي موسى بن عيسى بن أبي حاج الغنجومي نسبته إلى غنجوم فخذة من قبيلة زناتة يدعون أبناء حاج وإليهم ينسب الدرب  المعروف حتى هذا التاريخ بفاس باسم درب بوحاج، له كتاب التعاليق على المدونة، وقالوا عنه أنه  خرج عوالي حديثه في قرابة مائة ورقة وتوفي سنة 430 هـ.
ومن طنجة، نجد هذين العلمين:
1) سلمان بن أحمد الذي وصف بأنه أستاذ في القراءات.
2) ابن حمدون صاحب الأشعار في مناسك الحج.
ومن أصيلا، نقف على الخصوص:
1) أبي محمد الأصيلي الذي لا تزيد كتب التراجم على ذكر اسمه ونسبته إلى مدينة أصيلا.
ومن سبتة نذكر:
1) ابن أبي غافر عيسى بن علاء.
2) أحمد بن قاسم.
3) أبا بكر بن زوبع.
ومن البصرة، وهي مدينة أسست قرب مدينة القصر الكبير في عهد الأدارسة، حيث كان
اتخذها القاسم بن إدريس مقر حكمه حين وزع أبناء إدريس مملكة أبيهم فيما بينهم، وقد خربت على يد أبي الفتوح زيري الصنهاجي، نذكر:
1) أبا هارون الذي يقال أنه كان أول من أدخل كتاب ابن المواز إلى الأندلس.
2) عثمان بن سعيد الذي يقال أنه كان فقيها على مذهب العراقيين.
ومن مليلية يذكرون بالخصوص:
أحمد بن الفتح دون الإشارة إلى غير اسمه.
على أن التاريخ يشير إلى أن من بين فقهاء المصامدة والمرابطين واللمتونيين هؤلاء الآتية أسماؤهم:
أيوب بن محمد المصمودي – أبو القاسم بن محرز – سليمان بن عذراء، وهذان مرابطيان، ثم تونارت بن تيدي اللمتوني.
للحديث صلة:

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here