islamaumaroc

الأبحاث والمقالات

  عبد الله عبد الدائم

23 العدد

عندما رغب إلي الأستاذ الصباغ أن اضطلع بنقد العدد الممتاز من مجلة دعوة الحق، لبيت الرغبة سعيدا بهذا التواصل الفكري بيني وبين مجلة عربية فذة تخطها أقلام نخبة من كبار المثقفين في المغرب العربي خاصة وفي العالم العربي عامة.
وقد حسبت حين قطعت وعدي أن الأمر جلل، وأنني لن أجد عناء كبيرا في مثل هذه الجولة، حتى إذا وردتني المجلة ووردني معها كتاب الأستاذ الجليل عبد القادر الصحراوي رئيس تحريرها، وجدت نفسي أمام عدد لا كالأعداد، ووجدتني مقصر الهمة أمام سفر طافح بالمقالات الغنية، عامر بصوب صفوة من مفكرين أجلاء، تنازع روعة الأسلوب لديهم قوة الفكرة، منازعة قوة الفكرة لروعة الأسلوب، ولم يكن لي أمام هذه المفاجأة الثقافية الحلوة أن أختار : فإما الاعتذار، وإما الاختصار. وقد أثرت الثانية، حبا في أن أجول ولو جولة المقصر، خلال عدد ثري يغري الفكر أيما إغراء. وهكذا أبحث لنفسي أن أطوح بعدد من المقالات، متجنبا أن أقف عندها، مؤثرا أن أتركها لمن هو أولى مني بالحديث عنها. فمعذرة من كتابها الأفاضل، بل معذرة من نقدت ومن لم أنقد، فأحلى الأمرين مر.
والحق أن أول ما يجأر أمام المفكر لدى الخلوة بعدد دعوة الحق، ما يتصف به هذا العدد من جهد حقيقي ينبئ عن احترام المجلة لذاتها وقرائها، وما يحتوي عليه من مقالات متنوعة تنوع الفكر الخصيب، تربط بينها على تنوعها روحا ناظمة، روح البحث الجدي والثقافة الناضجة، ومن فوقها تلك المحاولة الكؤود، محاولة الإتيان بفكر عربي أصيل تحده الثقافات الغربية فتغنيه ولا ترديه.
وأبرز ما في سمات المجلة في الواقع، ذلك الحفاظ على روح الثقافة العربية، مبنى ومعنى، وتلك الرغبة الجادة في إظهار الفكر العربي في مظهر النتاج الذي يقوى على إثبات وجوده تجاه الفكر العالمي.
ولطالما رأينا أن القادر على خلق الثقافة العربية الحديثة المرجوة هو ذلك الذي عرف ثقافته وحضارته أولا حق المعرفة وعرف تراثه فامتصه، ثم أيد ذلك في الوقت نفسه برفد الثقافات الأجنبية دون أن يصيبه الغرور الأجوف في الأولى أو مركب النقص في الثانية.
وفي رأينا أن ما تقدمه مجلة دعوة الحق محاولة ناجحة في هذا الباب، لا نملك الكثير من أمثالها في العالم العربي.
وبعد، لا بد من بدء المهمة، لا بد من حوار ثنائي مع كل كاتب على حدة :

من دمشق إلى قرطبة للدكتور حسين مؤنس :
لقد سعدت بهذا البحث من الصديق الدكتور حسين مؤنس، وهو مبحث يحوي خلاصة غنية من عشرة طويلة بين الكاتب وبين تاريخ الأندلس وأدب الأندلس، وقد استطاع بحجة المؤرخ وبراعة الأديب أن يعقد بين دمشق وقرطبة، مفصلا ما قيل كرة بعد كرة عن أوجه الشبه بين الأندلس والشام، وما انعقد من مقارنة بين قرطبة ودمشق، واشبيليا وحمص وباجة وقنسرين. على أنه في هذه المقارنة إلى أبعد من هذا، فيبين الوشائج العميقة التي تربط بين تاريخ الأندلس وتاريخ بني أمية في دمشق، ويوضح كيف كان أمراء بني أمية في الأندلس وعلى رأسهم عبد الرحمن الناصر، الحماة الحقيقيين للعرين،العاملين على الوحدة، حتى إذا ذهب أمرهم ذهب أمر الوحدة وتفرقت الأندلس أيدي سبأ. بل يمضي في هذا المجال إلى أبعد من هذا، فيبين كيف كانت قصور أمراء بني أمية بالأندلس شديدة الشبه بقصور أسلافهم الشرقيين في بساطتها وبعدها عن التكلف والأبهة، وكيف كانت أبنية قرطبة في مثل قصد أبنية دمشق وجلالها، وكيف ظلت هذه المدينة حاملة لراية العروبة والإسلام، عنها صدرت الغزوات ومنها قامت الفتوحات في جزر البليار وجنوبي فرنسا وغربي إيطاليا شأنها في ذلك شأن دمشق في الشرق.
والكلمة في جملتها إنصاف صادق لقرطبة المنسية وشأنها في تاريخ الأندلس، ولشأن دولة بني أمية التي تمثل دور العروبة الخالصة في التاريخ العربي، كما نعتها بذلك الجاحظ وكثيرون غيره من المتقدمين والمتأخرين. وقد صاغ الدكتور حسين مؤنس هذه الحقائق في أسلوب المؤرخ المحقق والأديب الذواق، كما عودنا في أكثر ما يكتب.   

تأثير الشعر العربي في الأندلس في الآداب الغربية للأستاذ محمد الفاسي :
 وهذا مبحث آخر عن الأندلس يقدمه الصديق الكبير الأستاذ محمد الفاسي، وفيه يعاود الحديث عن تلك المسألة القديمة، مسألة أدب «التروبادور» وعلاقته بالأدب العربي وتأثره به ولقد نفضت أقلام الكتاب هذا المبحث مرارا، ومع ذلك ظل على الخط من الغموض، بعد أن احتد عليه القوم، فمؤيد ومناوئ، ولهذا يأتي مبحث الأستاذ الفاسي بمثابة وضع صحيح حاسم للمسألة في نصابها، إذ يدحض حجج الفريق الذي يتنكر لتأثير الأدب العربي في أدب «التروبادور» ويفندها واحدة واحدة، مبينا كيف يتشابه الأديان في الموضوع وفي الشكل : فالغرام في أدب «التروبادور» عذري، والموضوعات التي يطرقها هؤلاء الواجدون «التروبادور» بينها وبين ما ألفه الشعراء العرب مشابه قوية، والحديث عن الواشي سائر في كليهما، وشكل القصيدة وخرجتها (Tornada) قائمان كما هما في أزجال أهل الأندلس.
ويدعم هذا كله ببيان واضح للطريقة التي تم بها هذا التأثر من قبل الواجدين بالشعراء العرب في الأندلس، رغم جهلهم باللغة العربية، وذلك إذ يذكر بانتشار الثقافة العربية في الأندلس انتشارا واسعا أدى إلى ظهور طبقة من المستعربين (Mozarabes) تحيى حياة عربية في كل شيء، كانت هي الواسطة بين الشعراء العرب وبين الواجدين وغيرهم.
ويختم الأستاذ الكبير حديثه متمنيا أن تزداد العناية بدراسة الأدب العربي في الأدب الغربي، بعد أن كانت تقتصر دراسة الباحثين في الحضارة العربية على بيان أثر هذه الحضارة في مجال العلوم النظرية والعقلية، دون كبير إشارة إلى أثرها في مجال الأدب.
ويمتاز المقال في جملته بالقصد والدقة، فيقول في صفحات قليلة أشياء كثيرة، ويصل إلى الهدف بروح البحث العلمي البعيد عن الإسراف.

جوانب عن شخصية يوسف بن تاشفين للأستاذ عبد القادر الصحراوي :
 لقد أصاب شخصية يوسف بن تاشفين على يد المؤرخين ما أصابها، ولأمر ما كان ذلك ؛ وقد استطاع الأستاذ الصحراوي في مقال قيم دقيق، أن يبين أولا كيف كانت قصة يوسف بن تاشفين مع ملوك الطوائف جملة، وعلى رأسهم المعتمد ابن عباد، المسؤولية الأولى عن هذه الصورة الشوهاء التي كانت لهذا الفاتح الذي توفي سنة خمسمائة للهجرة. كما توصل، عن طريق النصوص القاطعة التي جمعها أن يظهر صورة هذا البطل على حقيقتها، مبرزا خلقه الرفيع وتواضعه وكثرة حيائه، مدللا على تورعه عن سفك الدماء وجنوحه إلى العفو والصفح، مبينا خاصة كيف ائتمر المعتمد بن عباد مع (الفونس السادس) فكان ذلك دافعا ليوسف إلى حربه العتيدة معه. ومن أبرز ما يوضحه الأستاذ الصحراوي في صفات يوسف عزوفه عن ترف الأمراء، ذلك الترف الذي جعلهم في واد والشعب في واد آخر، ودفعهم إلى الكيد للأندلس ووحدتها طلبا للإمارة وانتجاعا للهووالمجون، فأراد يوسف لأن يقوم هذا كله، فكان له مع هؤلاء الأمراء شأن وأي شأن، وهكذا خصهم بقسوته، وخص الشعب برفقه وعدله.
ويصل الأستاذ الصحراوي إلى هذه الحقائق جميعها، عن طريق أسلوب في البحث يمتاز بطول النفس والجري وراء الحجج ومطاردة النصوص وتطويق الموضوع تطويقا علميا من جميع جنباته.

محمد الثالث ومحمد الخامس للأستاذ عبد الهادي التازي :
الآتي أشبه بالماضي من الماء بالماء على حد تعبير ابن خلدون، هكذا كشف صاحب هذا المقال عن صفحة مجيدة في تاريخ المغرب القديم تذكر بمثيلة لها في التاريخ الحديث، صفحة كانت في أيام محمد الثالث ترنو إلى ترب لها في عهد جلالة محمد الخامس، والصفحتان حديث ذو شجون عن وشائح القربى التي ربطت دوما بين أجزاء المغرب العربي وعن وحدة المصير ووحدة النضال في هذا الجزء الكبير من الوطن العربي.
ففي أواخر القرن الثاني عشر الهجري وجه السلطان محمد الثالث سفيره إلى «مدريد» ليقوم بمساعي تهدف فيما تهدف إلى إطلاق سراح أكبر عدد ممكن من الأسرى، ولما تم الاتفاق على ذلك وبدأ اختيار هذا العدد من بين مجموع الأسرى، كانت توجيهات السلطان ألا يتم الاختيار على أساس مغرب أقصى ومغرب أوسط، ولكن على أساس مغرب عربي مسلم، وأن يتم إيثار أبناء الجزائر على غيرهم، لأنهم أولى بالسند وأحق بالنصرة.
ولم يقف السلطان عند هذا الحد بل استقبل الأسرى الجزائريين في طريق عودتهم إلى ديارهم، فاستضافهم عنده وأحسن وفادهم أيام العيد، حتى إذا ودعت أيامه، أصدر أوامره للسفير أن يصحبهم إلى فاس حيث يتوجهون منها إلى وجدة فتلمسان.
وينتهي الكاتب إلى المقارنة بين هذا الموقف الذي وقفه السلطان محمد الثالث من وحدة المغرب العربي ومن مسألة الجزائر، وبين موقف يضاهيه، موقف جلالة محمد الخامس، مبينا بذلك كيف ظل العطف على الجزائر متوازنا بين ملوك المغرب عبر التاريخ، مذكرا من جديد بهذا الإيمان العريق بوحدة المغرب العربي، ووحدة نضاله.
والحق أن الصفحات دعوة الحق حافلة بهذا الإيمان العميق الذي عرفناه عن أهل مراكش، الإيمان بوحدة المصير بين أجزاء المغرب العربي، وبأن معركة المغرب معركة واحدة لا تتجزأ كما أن معركة العرب في كافة أقطارهم معركة واحدة لا يجدي فيها إلا أن ينقلب الإيمان بالوحدة وحدة في النضال.

الواقعية في الأدب للأستاذ أحمد زياد :
 الحديث عن المذاهب الأدبية حديث مقروء دوما جديد دوما.
ومقال الأستاذ أحمد زياد خواطر تراود الكثير من أدبائنا حين يساءلون : ماذا نختار من المذاهب الأدبية ؟ أما جواب الأستاذ زياد، وهو جواب لا يريد أن يحمل عليه غيره، فهو أن الأدب في البلاد العربية
    ينبغي أن يعتنق المذهب الواقعي، وحجته في ذلك أن المجتمع العربي أولا مادة غنية للأدب الواقعي، فهو عامر بالصور الحية التي يجدر بالأقلام أن تنفضها.
وحجته أيضا أن أي أدب، إذا ما استعرضنا تاريخ الآداب، لا يكتب له الخلود إلا عندما يعرف أن يكون نابضا بصور الواقع حافلا بحرارة الحياة، فها هو ذا «ترجيف» الأديب الروسي يرقي هام الأدب حين يعرف أن يصور استغلال الفلاح وإرهاقه، وها هو ذا زميله «جوجو» زعيم الواقعية يكتب مآثر خالدة لما تنطوي عليه من دقة في تصوير البيئة، وها هو ذا «إميل زولا» يأبى إلا أن يكتب للشعب بكامله ويرفض أن يصور حياة طبقة واحدة، طبقة المترفين ..
أما الأدب العربي، فيما يرى الأستاذ زياد فما يزال فقيرا في الأدب الواقعي، وما اتجه منه هذه الوجهة استطاع أن يخلد ويحتل الصدارة، من مثل بعض كتب طه حسين وتوفيق الحكيم ومعظم قصص نجيب محفوظ.
ويدعو الكاتب إلى العناية بهذا الأدب الواقعي ويرى أن البيئة المغربية خاصة غنية بمواد الأدب الواقعي، وإن مئات من القصص الواقعية يتحدث بها الفلاحون في البادية المغربية وتنتظر أقلام الأدباء.
ومما لا شك فيه أن واقع الحياة الاجتماعية في الشعب المغربي يتحدى أقلام الكتاب ويقدم لهم مادة خصبة عامرة، غير أن التعبير عن هذا الواقع لا يلزم ضرورة أن يكون عن طريق الأسلوب الواقعي في                                                                                                                                                             تبيين الأدب الذي ينتسب إلى الواقع والأدب الذي لا ينتسب إليه، لاسيما بعد أن تعددت ألوان الواقع وتكاثرت أشكاله، ولعل بعض الأدب الواقعي من واقعيته في فقر، ولعل بعض الأدب الحر من خصبه في قلب الواقع، ومع ذلك لن ندعي أن في وسعنا الخوض في مثل هذا الموضوع في مثل هذه العجالة، ومن الصحيح دوما، كما أراد الكاتب، أن واقع أمتنا هو أقوى غذاء للكاتب المبدع، منه ينطلق، أما كيف ينطلق، فمبحث عسير على التحديد.

مشاكل القومية في المغرب العربي للأستاذ إدريس الكتاني:
مقال الأستاذ إدريس مرور رفيق ودقيق بطائفة من المشكلات التي تعرض كلما تعرض فكرة القومية العربية.
إن التعريف الذي يريد الأستاذ إدريس الكتاني أن يقدمه للقومية العربية تعريف واقعي، هو أنها قوة عالمية تتكون من تسعين مليونا من العرب تمتد في رقعة كبيرة من الأرض وتتوافر فيها ثروات ضخمة، ويود منذ البداية ألا يقبل بفكرة العروبة كفكرة مجردة وأن يؤيد أساسها الروحي بأساس مادي هو طاقتها وقوتها.
وينتقل بعد ذلك إلى إثارة بعض المشكلات تتصل بالقومية العربية في المغرب، فيبين كيف يقبل شعب المغرب العربي على فكرة القومية إقبال سائر العرب في كل مكان ويشير إلى مؤتمر «وحدة المغرب العربي» الذي انعقد بطنجة في أبريل من عام 1958. غير أنه لا ينسى بعض المشكلات التي تواجه هذه الفكرة هناك، وعلى رأس هذه المشكلات مشكلة التعريب، تعريب لغة الدولة في الإدارة والتعليم، بل تعريب التفكير الذي لا ينفصل عن تعريب التعبير، كما لا ينفصل الفكر عن اللغة.
ثم يأخذ الكاتب على التوجيه الذي تسير عليه وحدة المغرب العربي بأنه في بعض الأحيان توجيه يجعل من المغرب وحدة إقليمية مستقلة منفصلة عن الكيان العربي العام، ويوجه مثل هذا النقد خاصة إلى ما جاء في دستور تونس الأخير الذي يجعل الجمهورية التونسية جزءا من المغرب الكبير، دون أن تشفع كلمة المغرب فيه بكلمة «العربي» رغم أن هذه اللفظة لفظة سارت بها الألسن.
ويشير بهذه المناسبة إلى سبق سوريا لسائر الدول العربية في هذا المجال، مجال الوعي والإيمان بالوحدة العربية، وإلى ما كان لدستورها عام 1950 من سبق على سائر الدساتير العربية حين نص على أن الشعب السوري جزء من الأمة العربية.
ومن أهم ما ورد في هذا المقال قيام الدعوة الواضحة إلى الخروج بالشعور القومي من الغموض الذي يكتنفه، وإلى تحديد الأولوية التي تعطى ضمن السياسة القومية : فإما أن تعطي الأولوية لتدعيم القومية العربية ويتم بناء الفكرة القومية على أساس فكرة الأمة العربية، وإما أن تعطي الأولوية لتدعيم الرابطة الإسلامية، أما التردد بل التقية، فيعنيان البقاء دون سياسة قومية على الإطلاق، ومثل هذا التردد يفيد منه الاستعمار على أوسع نطاق.
ومقال الأستاذ الكتاني في جملته، يمتاز بنظرات حصيفة وروح قومية عربية تقدمية حرة، وإن يكن يعوزه فيما نرى فضل من الخطة والتنظيم.

دور العرب في المستقبل للأستاذ محمد الغربي :
 يبين الكاتب في هذا المجال المقال الطيب وحدة العرب أولا في شتى ديارهم، ويساءل بعد ذلك عن الوسائل التي يستطيع بها العرب التغلب على مظاهر التخلف عندهم والإفادة من إمكانياتهم إفادة تمكنهم من العطاء للحضارة والإنسانية.
ويبدأ إجابته على هذا السؤال محاولا أن يعيد إلى العرب ثقتهم بأنفسهم، مبينا أولا أن التفاوت الوراثي بين الشعوب غير موجود، وأن التفاوت يرجع إلى الدربة والبيئة، مذكرا بعد ذلك بما كان للعرب من شأن في الحضارة وبما قدموه من إبداع يجعلهم دوما جديرين بمثله أو أحسن منه. وما دام الأمر كذلك فلا بد إذن من بيان العوامل التي أدت إلى تخلف العرب عن ركب الحضارة. وأهم هذه العوامل في نظره اختلاط العرب بغيرهم من الشعوب وبخلاط المغول والتتار خاصة والهجوم الصليبي، والاستعمار التركي والاستعمار الأوروبي.
ومثل هذه العوامل أمور دخيلة غدت في طريق الزوال، وفي وسع العرب أن يعاودوا رسالتهم الإنسانية، ولهم من إمكانياتهم ما يؤهلهم لمثل هذا.
1) فهناك أولا مكانتهم الاقتصادية الضخمة من بترول وكهرباء وفحم ومعادن.
2) وهنالك ثانيا قوتهم المكانية في العالم وموقع بلادهم الاستراتيجي.
3) وهنالك ثالثا قوتهم الفكرية وغناهم بالقوى الروحية والأخلاقية والإنسانية.
4) وثمة بعد ذلك قوة أخرى، وهي التوفر البشري ووفرة عدد السكان.
5) وهنالك خامسا القوة النضالية التي يملكها الشعب العربي، تلك القوة التي ظهرت في جميع عصور تاريخهم.
إن هذه الإمكانيات كلها تزيد في ثقة العرب بأنفسهم، وتجعلهم يدركون أن الطريقة الوحيدة لبناء مستقبلهم هي طريق الوحدة، ولاسيما في عصر لم يعد فيه من شأن للدول المكروسكوبية وأصبح الشأن كل الشأن للدول الكبرى.
والكلمة حقا كلمة واعية، تبحث واقع الفكرة القومية العربية وإمكانيتها بحثا علميا منظما، تبين في جلاء ووضوح ما يمكن أن يتفتح عنه العالم العربي من طاقات إذا هو لم شعته، وضم قواه الشتيتة.
وما نزال، والحق يقال، في حاجة إلى مزيد من هذه المباحث التي ترينا النتائج المادية العملية التي ترتجى من الأمة العربية عند وحدتها، ولعل الكثير من أبناء العرب يجهلون الحقائق الجميلة الناصعة التي يوردها الأستاذ الغربي في كلمته هذه.
وإن كان لابد من نقد، فهو وقفة قصيرة عندما يقوله من عدم قيام تفاوت وراثي طبيعي بين الشعوب ومن رد هذا التفاوت إلى الدربة والبيئة، فمثل هذا القول لا يخلو من غلو، ونحن وإن كنا لا نؤمن بالأساس العرقي للقوميات، ولا نؤمن بوجود عروق مختارة وأخرى منحطة، لا نستطيع أن نهمل العامل البشري في خلق الحضارات، ولا نستطيع أن نرد كل شيء إلى البيئة وحدها، ومثل هذا التساوي المطلق بين الشعوب في استعداداتهم الطبيعية أمر غير واقع. ولئن كان من الصحيح أن العراق غير موجود، فمن الصحيح في مقابل ذلك وجود نمط معين من تمازج الدماء في شعب معين، ذلك التمازج الذي يجعل من الشعب العربي مثلا شيئا مباينا للشعب الإيطالي أو الألماني أو غيرهما من الشعوب.

اللغات الأجنبية، مكانتها في البرامج التعليمية للأستاذ محمد عبد الواحد بناني :
 يدافع كاتب هذه الكلمة عن فكرة إلغاء اللغة الأجنبية من التعليم الابتدائي مستشهدا بما تم في سوريا منذ أمد، وبالحجج التي قدمها الأستاذ الكبير ساطع الحصري في «حولية الثقافة العربية».
والحق أن هذه المسألة مسألة كانت وما تزال موضع صراع بين المربين والباحثين، وما نزال نلقي من جرائها الشيء الكثير.
ولقد أقرت المناهج الأخيرة للجمهورية العربية المتحدة فكرة إلغاء اللغة الأجنبية، من التعليم الابتدائي وقدر لنا أن نكون أحد الأعضاء الذين أسهموا في وضع أسس هذه المناهج منذ ثلاثة أعوام، وقدر لنا بالتالي أن نشهد الجدل العنيف الذي دار حول موضوع تعليم اللغة الأجنبية، وقد كنا وما نزال من أنصار إلغاء اللغة الأجنبية في التعليم الابتدائي، وما نود هنا أن نضيف الشيء الكثير إلى ما قدمه الأستاذ ساطع الحصري وما نقله عنه الأستاذ البناني.
وحسبنا أن نقول أن الإصرار على تعليم اللغة الأجنبية في المدارس الابتدائية العربية يفصح في الواقع عن استمرار لمركب النقص عند العرب، وعن امتداد لا شعوري لعدم ثقتهم الكاملة بأنفسهم، وليس هنالك من لا يؤمن بضرورة إتقان اللغات الأجنبية، غير أن مثل هذا الإتقان في الواقع يمكن أن يتم إذا وجهت العناية لتدريس اللغة الأجنبية في المرحلة الثانوية.
أما الأبحاث التربوية فتناصر كلها فكرة عدم إرهاق الطالب في المرحلة الابتدائية بتعليم لغة غير اللغة الأم، فتعلم اللغة يحتاج إلى جهد عقلي، واللغة يتوزع جهده العقلي بين حضارتين منذ الصغر وقبل أن يتقن لغته وينغمر في حضارته.
ولا سبيل هنا إلى التوسع في مناقشة هذه الفكرة، ونحن ندرك تمام الإدراك أن وفاءها حقها يتطلب منا الصفحات الطوال، فمعذرة إن كان إيجازنا مخلا.

القصة التاريخية في الأدب العربي - ترجمة الأستاذ أحمد المكناسي :
 هذه الكلمة ترجمة مع إغناء للبحث القيم الذي نشره الأستاذ هنري بيريس عن القصة التاريخية ونشأتها، وفيه يبين الكاتب أن القصة التاريخية حديثة النشأة في تاريخ العرب، فلا نقع إلا على أصول بسيطة لها في كتب «السير» ولا نكاد نجدها بمعناها الدقيق إلا في القرن التاسع عشر. ويرد الكاتب هذا إلى ظهور الحركات الثقافية والعلمية والأجنبية في البلاد العربية.
ويتحدث صاحب البحث عن أهم من اشتهروا منذ ذلك القرن بكتابة القصة، فيذكر ناصيف اليازجي وأحمد فارس الشدياق، ويقف خاصة عند جميل نخلة مدور وكتابه «حضارة الإسلام في دار السلام» كما يتحدث طويلا عن جرجي زيدان ومؤلفاته التاريخية القصصية الكثيرة، وينتهي به المطاف إلى الحديث عن القصص التاريخية بعد وفاة جرجي زيدان، فيشير إلى قصة فرح أنطوان «أو شليم الجديد» وإلى كتاب «حضارة العرب في الأندلس» لعبد الرحمن البرقوقي صاحب مجلة البيان، وهو كتاب شبيه بكتاب جميل مدور «حضارة الإسلام».

المعرفة والحدس عند برجسون للأستاذ عبد المجيد مزيان :
 الحديث عن الحدس البرجسوني قلب الحديث عن فلسفة بروجسون.
وفي مقاله هذا، يبين الأستاذ مزيان معنى الحدس البرجسوني، والفرق بين العقل عند برجسون كأداة لتفرقة الأشياء، وبين الحدس كأداة للمعرفة الحقة الصافية، ويشير إلى هدا المعنى على نحو ما ورد خاصة في كتاب التطور الخالق حيث يعقد برجسون مقارنة بين العقل والحدس والغريزة وحيث يشير إلى فكرة الدافقة الحيوية، ثم في كتاب «منبعا الأخلاق والدين» حيث يميز بين الأخلاق المتعلقة والأخلاق المعتمة.
ويختم مقاله بنظرة نقدية يلقيها على فلسفة برجسون الحدسية، ويأخذ عليها خاصة نظرتها إلى العقل وإلى العلم.
والحق أن الفلسفة البرجسونية، على ما فيها من جمال وبراعة، ورغم أنها استطاعت أن تلمع في الأفق الفرنسي والعالمي فترة من الزمن، لم تستطع أن تستمر كفلسفة ذات إطار واضح، ولعل ما أتت به في مجال السلب، يفوق ما أتت به في مجال الإيجاب ولعلها، على حد تعبير برجسون نفسه نجحت فيما نقدت أكثر مما نجحت فيما قررت، بل لعل هذا المصير مصير أكثر الفلسفات في العالم.
ومع ذلك فقد استطاع برجسون أن يقدم منهجا في فهم الأشياء والنظر إلى الأمور غذى الفكر الإنساني، وغذى الأدب بوجه خاص، والومضات التي أتى بها ما تزال آثارا بديعية خالدة، وإن كان بعضها لا يخلو من خداع بصري كبير.

خلود للأستاذ محمد الصباغ :
 قطعة من الشعر والشعور، تنسجها ألفاظ مختارة وهمسات نفسية ناعمة، والأستاذ الصباغ فيها يصيد الألفاظ المختارة صيد اللؤلؤ، ويعرف أن يولد الصور الفنية الدافئة وأن يخلق من الكلم أنشودة سحرية ووشيا منمنما.
ووراء هذا الأسلوب الفذ، هذه الصور اللعوب، في مقال الأستاذ الصباغ، تجربة وفكر وتمزق لقد استطاع فيه أن يفجر كل ما في «الكلمة» من سحر وإبداع روحي، وعرف أن يمزج بين عمق التجربة الفكرية وصفاء القالب اللفظي فقد نجح حقا في أن يهب للفظة كل شفوفها.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here