islamaumaroc

خطاب العرش (معركة التنمية الاقتصادية والفكرية على جبهة واحدة).

  دعوة الحق

186 العدد

أبرز جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله في خطاب العرش يوم 3 مارس المنصرم عزم المغرب على التصدي لقوى العدوان والغدر والتآمر، وأكد – حفظه الله – أننا مستعدون للبذل والعطاء بغير حساب في سبيل حماية المكتسبات وصيانة الوحدة الترابية للمملكة.
وبقدر ما قدم جلالته صورة مشرقة للتطور الاقتصادي الذي يشهده المغرب الجديد، أوضح حرصنا المتين على التشبث بالأصالة والأخذ بأقوم السبل التي تحفظ علينا ديننا ولغتنا وتراثنا.
ولقد كان خطاب العرش لهذه السنة وثيقة سياسية ووطنية من الأهمية القصوى بمكان النظر إلى شمولية القضايا والمواقف والاختيارات التي تطرق إليها واعتبارا لطابع الوضوح والعمق الذي اصطبغ به.
وفيما يلي النص الكامل لهذا الخطاب التاريخي الهام نقدمه لقراء مجلتنا كوثيقة من وثائق تاريخ المغرب الحديث، تغني الباحثين وتبسط أمامهم الخطوط العريضة لسياسة المغرب وطنيا وعربيا وإسلاميا وإفريقيا وعالميا:

الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه.
شعبي العزيز...
كتب الله لنا وله الحمد على ما هيأ ويسر أن تجتمع قلوبنا في مثل هذا اليوم من كل عام مفعمة بالمسرات، وتلتقي إرادتنا متطلعة إلى أبعد الغايات للإشادة بذلك الائتلاف الذي أحكم الله آصرته منذ سبعة عشر عاما والاحتفاء بذلك الأمل المشترك يوم ذاك بين الملك الناظر إلى شعبه بعين الرعاية، الشامل له بكل ما يسعه الفؤاد من حدب وعطف وبين الشعب العاقد بهمة ملكه وعزيمته تحقيق كل مطمح عزيز من مطامحه الباذل لكل علق نفيس من أعلاق ثقته ووفائه وإخلاصه.
ولئن كان احتفالنا اليوم بذكرى اتحاد مشاعرنا ومشاعرك واتفاق مقاصدنا ومقاصدك مستجيشا للفرح والابتهاج فإنه إلى ذلك باعث للافتخار والاعتزاز بما طويناه نحن وإياك من مراحل عاما بعد عام، وداع للتفاؤل والثقة بنجاح ما ستتولاه جهودنا المتجددة الدؤوب من إرساء لأساس وتشييد لصروح فتوافينا اليوم في كل قرية ومدينة من قرى ومدن مملكتنا وفي كل بقعة من بقاع وطننا لإطلاق العنان لمسرتنا واستبشارنا ولتوكيد الحمد لله الذي آتانا من نعمه ما آتانا ستعقبه العودة غدا إلى ما هو مفروض علينا من واجبات وملقى على عواتقنا من أعباء ومسؤوليات آية ما كانت منزلة كل واحد منا من منازل المشاركة والاسهام في رقي المجتمع ورفاهيته.
وما أكثر ما تقتضيه مصلحة بلادنا من جهود وما أجل ما هو موكول إلينا من استبسال ترجيحا لكفة الإيثار وتغليبا لنوازع التضحية والعطاء والاسترخاص.
لقد طفقنا منذ اعتلائنا لعرش أجدادنا المنعمين نأخذ بيدك شعبي العزيز نحو الطريق المؤدي إلى علو شأنك ونباهة ذكرك مرغبين باستمرار في استعمالك لأنجع الوسائل لبلوغ هذه الغاية المثلى وكنت دائما نعم السامع المستجيب ونعم الشعب المؤمن بأن السرى يحمد عند الصباح وبأن الثمار الطيبة اللذيذة لا تبلغ النضج والإدراك إلا مع السعي الحميد والجهد الجهيد. فسرنا على بركة  الله تتضافر آمالنا وتتناصر أعمالنا، وشرعنا نحقق الأهداف تلو الأهداف ونبلغ من مقاصدنا المحددة المرسومة الغاية تلاحقها الغاية. ونمد من الأسباب ما هو كفيل بتمهيد السبيل لمستقبل وارف الظلال زاهر بالغدو والآمال.
ولئن اعترضت بعض المحاولات ورامت باعتراضها هذا أن تحول بيننا وبين ما كنا منصرفين إليه فإن مصلحة البلاد أهابت بنا أن نستمر في توطيد عزمنا وتحصين بنياننا.
وهكذا تكسرت النوايا الخسيسة والتصرفات الهوجاء بشملنا الجميع وصفنا المرصوص وشجاعة قواتنا اليقظة الساهرة فلم يستقم لها سبيل ولا تيسر من مأمولها كبير ولا قليل وباءت الأحلام العدوانية والأهواء الجامحة بالفشل الذريع والخسران المبين. وطفقنا نكافح طيلة مدة تزيد على سنتين من أجل حماية المكاسب والصيانة لحوزة التراب وملاحقة المسير طلبا لاستمرار العمل الانمائي الشامل لمختلف الوجوه والمجالات  التي انتهى إليها انتقاؤنا واستقر عليها اختيارنا. وها نحن أولاء نواصل الكفاح في واجهتي الوقاية والصيانة والإنجاز والتحقيق لهدف التنمية الاقتصادية والاجتماعية المنشودة لا يثنى عزمنا ولا يفل حدنا تطاول من طامع مغامر ولا عدوان من متسلط جائر.
وإن المعركة التي يؤمل المعتدون صرفنا بشنها آثمين مجرمين عن أغراض الرغد والرخاء والازدهار لمعركة لن تعود على مؤججي ضرامها ولهيبها بغير العار والاندحار. وليست شعبي العزيز المعركة بأول معركة تخوضها على امتداد تاريخك المجيد. فقد خضت غيرها بشجاعتك المأثورة التي عطر ذكرها الآفاق ونفذت من كل صراع نزلت إلى حومته مدافعا عن مثل أعلى، أو مناضلا عن حق مشروع موفور الكرامة منصور الألوية والإعلام وسنظل نحن وإياك بعون الله لما استحكم بيننا من أواصر القلب والعقل وتوثق من وشائج متأصلة عريقة متبوئين للمستوى الذي توجبه الأحداث راكبين للمسلك الضامن لما هو عائد على وطننا بالخير الوفير رغم أنوف الذين اتخذوا المكابرة والعناد والفساد عقيدة يعتقدونها ومطية يمتطونها.
ويؤكد يقيننا هذا، أنك تدرك كامل الإدراك، أن مواجهة من قبيل التي نخوضها تستلزم أن يعبأ لها جميع ما نستطيع من جهود ونقدر عليه من صبر ومصابرة. كما تستلزم أن تجند لها مختلف الإمكانات وتسترخص من أجلها تضحيات وتضحيات، إن رقعة الميدان متسعة اتساعا لا يغيب عنك مداه، وإن المؤازرة والمناصرة المتبادلتين بيننا وبين شقيتنا الجمهورية الإسلامية الموريتانية بحكم عهود ومواثيق كل هذا خليق بأن يحملنا نحن وإياهم على نكران الذات والنهوض بالأعباء والمسؤوليات على النحو الذي يتفق وما أثر عنا في غابر الأزمان وحاضرها من نبيل الخلائق والسجايا.
وإذا كان المشكل القائم بين المغرب وموريتانيا من جهة وبين الجزائر من جهة أخرى قد تقرر فيما
يتصل به أن ينعقد اجتماع لمنظمة الوحدة الإفريقية في مستواها الأعلى، يستهدف القضاء على التوتر السائد بالمنطقة ورجوع الأمن والسلام إليها. فإننا راغبون في انعقاد هذا المؤتمر، مستعدون للإدلاء في حظيرته بوجهة نظرنا مدعمة بالبراهين والأدلة على أننا متمسكون بحق واضح مشروع.
وسيجدنا هذا المؤتمر متأهبين لكشف التلبيس. مصممين على إحقاق الحق وإزهاق الباطل، راغبين إلى هذا كله في عودة السلام إلى المنطقة على أساس التسليم بما لنا من حقوق ثابتة، لا نرى إلى التنازل عنها كلا أو بعضا من سبيل.
ومهما يكن من شيء فإننا نواصل لصحرائنا من عنايتنا واهتمامنا ما نوليه غيرها من أجزاء ترابنا الوطني. ومنذ أن استقرت بالصحراء أقدامنا بعد مسيرتنا التاريخية الظافرة الخضراء واستعدنا جميع ما كان لصديقتنا الحميمة الدولة الإسبانية من سلط ومسؤوليات بحكم الاتفاق المبرم معها في شهر نونبر سنة 1975 شرعنا في تجهيز الصحراء تجهيزا ينتظم جميع المجالات ويشيع فيها تلك الروح التي ألفنا إشاعتها في مختلف أقاليم مملكتنا. وبعد أن نظمناها تنظيما إداريا اتجهنا في آن واحد إلى المجال الاجتماعي والمجال الاقتصادي وأخذنا نبث في جميع أنحائها المدارس والوحدات الصحية. ونعنى بالفلاحة وغرس الأشجار والتنقيب عن المعادن وشق الطرق وربط الشمال بالجنوب. وقد عقدنا النية على مد الأسباب تلو الأسباب حرصا منا على أن يرتفع مستواها وتعلو مكانتها حتى تصبح بفضل التجديد والتحديث إقليما ملحوظا بين أقاليمنا الواعدة ولن نرتاح كامل الارتياح إلا اليوم الذي سنرى ساحل بحرها مرصعا بالموانئ ونشاهد رحابها حافلة بالعمران، متحركة بالتجارة والصناعة تجري فيها حياة دائبة متصلة، وسيكون من دواعي اعتزازنا أن يواظب أبناؤها على اقتناء ضروب العرفان ويساهموا بعد الخبرة والتكوين في جميع ما يتطلبه مغربنا الجديد من جهود خصبة وأعمال مثمرة.
عرضنا شعبي العزيز في خطاب العام الماضي لموضوع اهتمامنا الكبير بصحرائنا، ونحن إذ نتناوله مرة أخرى إنما نقصد إلى تأكيد العناية بكل شأن من شؤون هذا الجزء المستعاد من وطننا. وكما وقفنا منذ عام عند الصحراء موضحين لمنجزاتنا وأغراضنا ومطامحنا فإننا وقفنا وقفة غير قصيرة معلنين لرغبتنا في قطع المراحل الباقية لبلوغ هدف هام ألا وهو إقامة جميع المؤسسات الديمقراطية وتنظيم الملكية الدستورية. ويسرنا بالغ السرور أن يشهد القريب والبعيد أننا أدركنا الغاية التي كنا نتطلع إليها، وها هي الآن مؤسساتنا النيابية مكللة بمجلس النواب الذي افتتحنا دورته الأولى في شهر أكتوبر الأخير تزاول المهام الموكولة إليها بأحكام القوانين الدستورية فإذا نحن قصرنا النظر على مجلس النواب تبين لنا أن الأعمال التي مارسها ابتداء من التنظيم الداخلي وانتهاء على درس الميزانية والتصويت عليها بعد الاستيضاح والاستفسار والمناقشة. أعمال تطلبت جهودا كبيرة صرفت بالنهار والليل حرصا على أن يتم الاتفاق على ميزانية السنة الحالية عند انتهاء السنة المنصرمة. ويطيب لي بهذه المناسبة أن ننوه بما تجشمه أعضاء السلطتين التنفيذية والتشريعية في هذا الصدد من مشقة وعناء. ونثني الثناء الجميل على ما اتسعت به أعمالهم من فاعلية. وأسفرت عنه من نتائج إيجابية.
وسيكون على نواب الأمة أن يعكفوا بالدرس في أثناء الدورة المقبلة على مشاريع قوانين تقدمها الحكومة أو على اقتراحات قوانين تصدر عن مجلس النواب.
ثم عليهم إلى هذا أن يفحصوا مشروع المخطط الخماسي الذي سيجري به العمل إن شاء الله ابتداء من هذا العام، ويتدارسوا ما هو قائم عليه من اختيارات، وما هو وارد به من تقدير لتمويل المشاريع والاستثمارات وأن انصراف أعضاء الحكومة وأعضاء مجلس النواب إلى ممارسة هذه المهام بإمعان النظر والتفكير والأخذ والرد سيكون الشغل الشاغل لأولئك وهؤلاء خلال الأشهر القادمة. وسيقتضي منهم جميعا ولاشك أن يعملوا باستمرار حتى تفضي جهودهم إلى اعتبار مصلحة الوطن والمواطنين وأفرادها بالإيثار والتفضيل. والله المسؤول أن يعينهم على الاضطلاع بالمهام وتحمل أعبائها الجسام، ويكتب لهم السداد والتوفيق، وحسن التعايش والوئام.
وما أحراك بأن تسأل – شعبي العزيز – ونحن مقبلون على تطبيق مخطط خماسي جديد عما أفادته البلاد من مشاريع وبرامج المخطط الذي انتهى العمل به بانتهاء السنة المنصرمة وعما ترتب عن مختلف
الاستثمارات العمومية وشبه العمومية والخاصة. لك أن تسأل هذا السؤال لأن تنفيذ مخططاتنا يعنيك كما يعني أبناءك والأجيال الصاعدة. ونعتقد أن الواجب يقضي بأن يشتمل خطابنا هذا على جواب يخلو له ذرعك وتطمئن إليه نفسك إلا أننا سنجيبك موضحين مجملين غير مفصلين. لأن البيانات المسهبة والإيضاحات المستقصية، معروضة على استفهامك واستعلامك فيما تذيعه حكومتنا من مراجع ومطبوعات ونشرات.
وقبل الشروع في اطلاعك على ما أنجزناه في مختلف الميادين نود أن نشير بادئ ذي بدء إلى أن السنوات الخمس الماضية انطبعت بتقدم هام حققناه انطلاقا من التوجيهات العامة للمخطط التي توخت تعبئة جميع الطاقات الانتاجية للبلاد. مثلما توخت توزيعات لثمار التوسع الاقتصادي أكثر انصافا في دائرة عدالة اجتماعية حقة. وهكذا فقد ارتبطت انجازاتنا بجميع وجوه الحياة الاقتصادية والحياة الاجتماعية.
بيد أن نقصين كان لهما تأثير في انتاجنا الإجمالي. أولهما نقص في المحصولات الزراعية طيلة ثلاث سنين. وثانيهما نقص طرأ على حجم ما نصدره من الفوسفاط إلى الخارج. وعلى رغم ما ترتب عن هذين العاملين من نتائج فإن نسبة نمو انتاجنا الإجمالي ظلت مدة السنين الخمس السالفة على جانب ذي بال من الأهمية.
وإذا كان معدل الاستثمارات قد ارتفع بصورة ليس لها نظير فإن ميزانية الدولة الخاصة بالتجهيز اتسع حجمها حتى بلغ مجموع نفقات الاستثمار التي تحملتها الدولة وحدها فيما يتصل بالفترة الخماسية المنصرمة ما يعادل على وجه التقريب خمسة وثلاثين مليار درهم، وهو مبلغ يساوي سبع مرات نفقات الاستثمار الخاصة بالفترة الخماسية الممتدة من سنة 1968 إلى سنة 1972.
وإليك شعبي العزيز بعد هذا التمهيد أهم ما أنجزناه ونتابع إنجازه انطلاقا من المخطط الخماسي الذي انتهى إلى أمده.
شعبي العزيز لقد واصلنا تشييد السدود وفرغنا من بناء ثلاثة منها وهي سد إدريس الأول وسد يوسف بن تاشفين وسد سيدي محمد بن عبد الله والعزم وطيد على إتمام ثمانية سدود أخرى هي الآن في طور البناء نقتصر على ذكر ثلاثة منها هي سد وادي المخازن وسد المسيرة الخضراء وسد محمد بن عبد الكريم الخطابي على وادي نكور.
وقد صاحب هذا الإنجاز سقي الأراضي الزراعية وتجهيزها بأكثر ما يمكن من سرعة وبذل مجهود خاص في مجال تربية المواشي سيزداد ازدياد ملموسا بأحداث وحدات كبيرة لإنتاج اللحوم والألبان.
وفي ميدان الصناعة حققنا وما نزال نحقق مشاريع كبرى ستكون لها آثار اقتصادية واجتماعية ذات شأن كبير ويتعلق الأمر بإنشاء وتوسيع معامل لإنتاج الأسمدة والحامض الفوسفوري والكلور صودا والسكر والإسمنت وتكرير النفط وهذا الإنشاء وهذا التوسيع العائدان على البلاد بخير عائدة توخينا مباشرتهما في جهاتنا الجنوبية والوسطى والشرقية توسيعا لمصادر انتاجنا وتيسيرا لحصول الفائدة المرجوة من وراء ذلك لتلك الجهات وسكانها.
وقد كانت أهم المشاريع فيما يتصل بالتجهيز متعلقة بأحداث موانئ جديدة بالناضور والجرف الأصغر وطانطان وطرفاية وتوسيع موانئ الدار البيضاء وأكادير وآسفي. وإننا نأمل أن يتم في الخمس سنين المستقبلة بناء ميناءين أحدهما بالعيون والآخر ببوجدور. ومن أهم المشاريع المتعلقة بالتجهيز بناء الطريق السيارة بين الرباط والدار البيضاء ومد سكة حديدية ثانية بين هاتين المدينتين، وعزمنا مشدود إلى الشروع في بناء السكة الحديدية بين مراكش والعيون وهي سكة يفرضها مغربنا الجديد ووحدة ترابنا الوطني.
وقد تقدم اطلاعك – شعبي العزيز – على ما تزخر به بلادنا من أحجار نفطية ويسعدنا أن نخبرك اليوم بأن الدراسات المتعلقة باستخراج النفط من ذخيرتنا العظيمة من هذه الأحجار قد أفضت إلى اطمئناننا وإدخال السرور علينا. وستفاجأ – شعبي العزيز – أحسن المفاجآت بما ستدر هذه الأحجار على بلادك من خير كثير. ويسعدنا من جهة أخرى أن نحيط علمك بأن الدراسات مستمرة فيما يتصل باستخراج مادة الأورانيوم من الفوسفاط ومادة الأورانيوم لا تغرب عنك أهميتها ولا يغيب عنك ما
يمكن أن يتوافر لنا من طاقة ستفيدنا بها هذه المادة لما لنا من ثروة فوسفاطية طائلة.
ولم يقتصر اهتمامنا الكبير على القطاع الاقتصادي وإنما واكبه اهتمام منا يساويه بالقطاع الاجتماعي. ذلك أن البرامج التي حرصنا على تنفيذها في هذا المجال فاقت من حيث الأهمية البرامج المنجزة في فترة المخطط الخماسي السابقة لفترة مخططنا الأخير. ومصداق ذلك أن الاعتمادات التي رصدت للمخطط الأخير تضاعفت بنسبة ستة عشر في حين أن الظرف المالي كله باستثناء الاعتمادات المرصودة للدفاع الوطني لم يتضاعف إلا بنسبة أربعة. أنفقنا هذه الاعتمادات في وجوه ثلاثة وهي: السكنى والتعليم والصحة العمومية. فقد أعددنا أكثر من مائة ألف قطعة أرضية وبنينا ستة عشر ألف سكن شعبي وجلبنا الماء الصالح للشرب لعدد كثير من الجماعات الحضرية والقروية.
وقد كان عدد طلابنا لا يتجاوز في سنة 1973 خمسة وعشرين ألف طالب (25000) فارتفع هذا العدد في العام الماضي إلى سبعين ألف طالب (70000) يضاف إلى هذا أننا بنينا أو شرعنا في بناء كليات ومعاهد للتعليم العالي في كبريات المدن. وإننا لنرجو من وراء هذا الإنجاز نوعا من اللامركزية، يتيح لطلبتنا الالتحاق بالكليات والمعاهد العليا المفضلة لديهم دون اضطرار إلى الازدحام على كليات الرباط ومعاهده. هذا وقد شيدنا ما يزيد على 11200 قسم للدراسة في الطورين الابتدائي والثانوي.
وحرصا منا على أن تتسع المراكز الصحية وتقوم بالعلاج الذي يتطلب الإيواء. فإننا أضفنا إلى عدد الأسرة تسعة آلاف وخمسمائة سرير فبلغ بذلك عدد الأسرة في بلادنا اثنين وثلاثين ألف سرير، أي سرير واحد ل 562 شخصا وهذا بالنسبة لثمانية عشر مليون من السكان نسبة قليلة جدا.
ومن حسن الحظ أن تنشيط الاستثمار لم يستتبع اختلالا في التوازنات الأساسية خاصة منها النقدية والمالية. فقد ظل ميزان الأداءات متوازنا على الرغم من عجز متزايد في الميزان التجاري ناشئ بصورة خاصة عن استيراد ضخم لأدوات التجهيز الضرورية لنمونا الاقتصادي. أما استدانتنا من الخارج فقد حصرناها في حدود مقبولة. وهكذا استطعنا أن نبقى عملتنا متينة ثابتة مستقرة. ولو أننا أردنا أن نعرض لجميع ما اتخذناه من تدابير وباشرناه من إصلاحات على امتداد المخطط الخماسي الذي بلغ مداه لطال العد والإحصاء وحسبنا أن نشير إلى استرجاع أراضي الاستعمار جميعها. وإلى مغربة القطاع التجاري وتمديد مياهنا الإقليمية، ومشاركة عمال الفلاحة والفلاحين في رؤوس أموال بعض مؤسسات الدولة. وإلى المحافظة على أثمان بعض المواد الغذائية الأساسية، ومواصلة توزيع الأراضي على صغار الفلاحين وتشجيع الانتاج الزراعي واتباع سياسة التنمية الجهوية. وإضافة برامج خاصة في هذا الإطار إلى البرامج العامة للدولة والجماعات المحلية. حسبنا أن نشير إلى هذه المجموعة من التدابير والإصلاحات التي ذيلنا بها إلمامنا بمختلف ما فرغنا من إنجازه أو أخذنا في إتمام إنجازه لتعلم –شعبي العزيز- أننا حققنا وإياك تقدما مرموقا لبلادنا على ما لقيناه من صعاب بسبب ما تعرض له الاقتصاد العالمي من اضطراب ومنى به إنتاجنا الفلاحي من نقصان.
تلك كانت – شعبي العزيز- نظرة ألقيناها على الماضي القريب لم نقصد بها إلى الإحاطة والشمول وإنما قصدنا بها أن ندل بعض الدلالة على معالم الطريق الت سرنا على محجتها وما زلنا نسير إلا أن حاجاتنا المستقبلة ستكثر وتزداد بتواصل الأيام ووتلاحق الأعوام. فإذا ذكرت أن عامنا هذا لا يفصل بيننا وبين حلول قرن الواحد والعشرين إلا فترة تزيد بقليل على عشرين سنة وإن نمونا الديمغرافي المرتفع سيتصل خلال هذه الفترة اتصالا لا يتوقع أن ينقطع أدركت – شعبي العزيز- لا محالة أن تفكيرنا ينبغي أن يعبأ ويمتد بعيدا لا للتعرف على الحتميات المعلومة بالضرورة ولكن لابتكار الحلول الكفيلة بتأمين الاستثمار وضمان التغذية والتربية والعلاج والإسكان. وهي حلول لا مفر من إيجادها على المدى القريب والمدى البعيد ولا مناص من نظمها في نظام مخططاتنا المقبلة، وتبيين الخطى الواجب على الأمة أن تخطوها في كل مرحلة من مراحل الاحتياج والمواجهة ولاشك أن من أسباب ضمان التغذية وارتفاع الدخل القومي والإسهام في الاكتفاء استدرار عطاء أرضنا أحسن وأوسع ما يكون الاستدرار واستغلال كل بقعة مهجورة مهملة من بقاع أرضنا بما يتحتم من استغلال دائب
فعال والاستفادة أقوى ما تكون من جميع ثرواتنا ما ظهر منها وما هو في طريق الظهور. وهي ثروات والحمد لله كبيرة وكثيرة عرفنا بعضها كامل المعرفة ونسعى سعيا حثيثا لمعرفة بعضها الآخر على وجه التدقيق وتقدير ما يمكن أن يعود به علينا من عائد ومردود.
شعبي العزيز..
إذا كانت حقبة المخطط الخماسي أخيرا قد شهدت ألوانا شتى من الجهود التي بدلناها مخلصين لتيسير أسباب النمو الاقتصادي والاجتماعي وبلوغ أدعى الغايات إلى المسرة والاعتزاز فإن العام الفارط قد حفل بالأحداث الكبار التي شدت إليها الأنظار والأفكار، وامتلأ باللقاءات الكبيرة الملحوظة التي تتابعت على أرضنا وعلى غيرها من الأوطان الشقيقة والصديقة. وقد كان العام الماضي بسبب هاتيك الأحداث وبسبب زيارات الشخصيات السامية التي حلت ببلادنا وتنقل الوفود التي استقبلناها والوفود التي وجهناها لمختلف الأقطار العربية والإفريقية، بالإضافة إلى المؤتمرات التي انعقدت في ديارنا عاما يقل نظيره بين الأعوام السالفة. وأول الأحداث الهامة التي شهدها العام المنصرم الاعتداء الذي تعرضت له دولة الزايير الصديقة واستهدف فيما استهدف فصل إقليم شابا عن التراب الوطني الزييري وبعدما أعلن الرئيس موبوتو استنجاده بأصدقائه تصدينا لمناصرته ومؤازرته انطلاقا مما بيننا وبين الرئيس وشعبه من أواصر المودة وإحساسنا بأن العدوان إذا نجح في تمزيق وحدة الزايير لن يلبث أن يتطاول بالتهديد إلى جيرة هذا القطر الأشقاء. فأرسلنا تجريدة من قواتنا المسلحة الملكية لتشارك قوات الزايير في صد العدوان وتثبيت الأمن والاستقرار. وكتب الله لتجريدتنا ما عود قواتنا المسلحة من نصر مؤزر فانتهت المعركة التي خضناها وفاء للحق والعدالة على نهايتها المطلوبة وهي صيانة وحدة الزايير وإقرار الأمن والطمأنينة بأرضه بعد أن أوشك العدوان أن يبلغ أغراضه الأولى.
وحدث في أواخر السنة الماضية حادث لفت الأنظار وأثار الإعجاب والإكبار وتعلقت به آمال المحبين للسلام والمتطلعين إلى استتباب الأمن بصفة نهائية في منطقة الشرق الأوسط. ذلك الحادث هو المبادرة التي اتخذها أخونا وصديقنا الكبير الرئيس محمد أنور السادات. فقد أعلن هذا الأخير اعتزامه لزيارة القدس والتفاوض مع قادة إسرائيل للوصول إلى حل يضع حدا للنزاع القائم بين العرب وإسرائيل منذ ثلاثين عاما. وبادرنا على الفور إلى تأييده وتشجيعه اعتقادا راسخا منا أن الغاية من اتخاذ المبادرة ليست هي الدفاع عن المصالح المصرية الصرفة، وإنما القصد منها أعم وأشمل، ألا وهو إيجاد حل مع المخاطب الإسرائيلي على أساس ما أسفر عنه من توصيات وقرارات مؤتمر القمة المنعقد بالرباط عام أربعة وسبعين وتسعمائة وألف (1974) ولكن مبادرته هذه وإن أدركت الدول الغربية وبعض الدول العربية ما اتسمت به من إقدام كبير وشجاعة نادرة حكمت عليها دول عربية أخرى حكما مسبقا وفهمتها فهما غير صحيح وتناولتها بالتنديد والاستنكار وذهب الرئيس إلى القدس وألقى خطابه التاريخي الذي جاء محققا للآمال مصدقا للاعتقاد وأبلغ مسامع الدنيا من الأرض المحتلة مطالب العرب جميعا وأعلن ما لهم من حقوق مشروعة وتطلعات معقولة لم يغفل هدفا واحدا من أهدافهم ول تبد منه وهو يجادل مجاملة أو مداراة في حمل مخاطبيه على الاقتناع بالتصالح الذي يوطد دعائم السلام، واستمرت المفاوضات بعد إياب الرئيس إلى مصر لكن إسرائيل لم ترتفع إلى مستوى خطوته الشامخة، فتعثرت المفاوضات وأخذت جذوة الأمل تخبو لتصلب إسرائيل ووقوفها وقوف التعنت الذي لا يعتمد على مبرر، يمكن قبوله والتسليم به.
وستبقى مبادرة الرئيس محمد أنور السادات في ضمائر ذوي الأحلام الراجحة والنفوس المستنيرة رمزا لإرادة السلام وشعارا للرغبة في إحلال التصالح والوئام مكان الكراهية والتنافر والخصام.
وإذا كانت حاجتنا ماسة بالأمس إلى ائتلاف الصف والتئام أهداف المبادرة واقتضى الحال إلى اجتماع كلمة العرب أجمعين وتكتلهم أمام الإصرار والعناد وإيثار الصلف والصمم والنشوز والسيطرة على التعايش والأمن والتفاهم والوفاق.
وعسى الله أن يمن علينا بفتح من عنده ويثيب النوايا الصالحة والجهود المصلحة أوفر وأجمل ثواب،
إن كل مسعى –شعبي العزيز- يرمي إلى توثيق روابط الألفة والصداقة وتوسيع آفاق التعاون وإرساخ دعائم التعامل بين بلدين إرساخا يتحدى تعاقب الأجيال والعصور لمن المساعي التي يمكن أن يعتد بها الإنسان ويتوقع منها الأثر الحميد. صديقنا العزيز صاحب الجلالة الملك خوان كارلوس الأول أن نعمل خلال هذه الزيارة وإن لم تكن  زيارة رسمية على تمتين أواصر المحبة والصداقة التي تصلنا بإسبانيا ملكها وشعبها وعلى توطيد علاقات التعاون بين بلدينا وخلق الوسائل والأسباب الكفيلة بإرساء هذه العلاقات على قواعد ثابتة راسخة لخير البلدين المتجاورين إرساء يتصل ما تجدد الملوان وتلاحقت الأحقاب والأزمان.
تعلم –شعبي العزيز- أن استرجاعنا للصحراء بعد الاتفاق الذي أبرمناه مع إسبانيا يوم 14 نونبر 1975 لم يبق معه أي مشكل بيننا وبين جارتنا وصديقتنا فطوينا بعد تذليل العقبة التي كانت قائمة وسط الطريق صفحة قديمة ونشرنا صفحة جديدة لتسطير تاريخ نعتقد أنه سيكون بعون الله حافلا بأنواع كثيرة من التعاون معطرا بأريج المودة الصادقة والتوافق المكين وقد سرنا سرورا عظيما ما لمسناه من تشابه استعدادنا واستعداد صاحب الجلالة عاهل إسبانيا وتماثل آمالنا وآماله ومشاعرنا ومشاعره ولا مراء أن من شأن هذا التوافق وهذا التصادق أن يطبعا بطابعهما الخاص كل عمل مشترك تتواشج عليه الإرادات في المستقبل القريب والمستقبل البعيد.
بقي علينا أن نتوجه إليك في خاتمة خطابنا هذا مرشدين ناصحين وسائرين بك إلى ما هو نافع لك اليوم ونافع لك غدا، لقد استطعنا بعون الله أن نضع بلادنا على جادة الطريق المفضي إلى تبوئها مقاما محمودا بين الأمم والشعوب التي تخطو خطى حثيثة لتدارك النقص وتقليص الفوارق واختصار المسافات ولكن الدنيا التي تحتضن بلادنا كما تحتضن غيرها قد انتشرت فيها ألوان من التفكير وأنماط من الإحساسات والمفاهيم كما انتشرت فيها أشكال من الأخلاق والعادات ليس بينها وبين التراث الذي هو عماد أصالتنا وحضارتنا صلة نسب أو قرابة. إننا ننتمي –شعبي العزيز- إلى أمة تعتز بما توارثته أجيالها كابرا عن ك كابر وخلفا عن سلف من قيم تألق نورها منذ أربعة عشر قرنا فبدد الظلماء وأماط الغشاء وأوضح سبيل السالكين، إلا أنه مضى علينا بعد خصب الأفكار وازدهار العقول حين من الدهر، اعترانا طواله الكسل والخمول وأخذنا خلاله نوم عميق وطويل فلما صحونا وجدنا الشقة بيننا وبين الغرب بعيدة والهوة سحيقة فقادتنا الحاجة إلى إلتماس المعرفة منه وألحت علينا الرغبة في اللحاق به وإدراك شأوه، فداركنا الارتواء من حياضه ولكن ساقت الظروف إلى التقليد الضرير الذي لا يميز بين الخبيث والطيب والغث والسمين وإذا كنا قد اقتبسنا وما زلنا نقتبس ما فيه غنى وثراء فإننا اختطبنا من ردئ العادات وتافه الأوضاع والهيئات ما ينم على ضحالة الفكر وفاقة الوجدان، وإن أوجب ما يجب على أولياء الشباب وعلى المربين والمعلمين وقد ظهر من هذا الداء ما ظهر أن ينشئوا أطفالنا وناشئتنا على التمييز بين العرض والجوهر والتفريق بين الزائف والصحيح والصريح والهجين وكل تربية لا تقوم على أقوم المبادئ والقيم ولا تعتمد على تهذيب النفوس والأخلاق وإعداد الشباب إعدادا ينمي فيهم صفات الرجولة الحقة ويؤهلهم للتعبئة الضرورية لكل عمل بناء تربية متخلية متنازلة عن سلم الأهداف والغايات.
ليس بخاف عليك –شعبي العزيز- أن رجالا من قواتنا المسلحة الملكية ومن الدرك والقوات المساعدة يرابطون في صحرائنا المستعادة وقد نذر هؤلاء الرجال أنفسهم للدفاع عن حوزة ترابنا الوطني، لا يدخرون وسعا في الدفاع والصيانة ولا يبخلون ببذل وعطاء، وجنود قواتنا المسلحة الملكية يرابطون إلى ذلك في أرض شقيقتنا وجارتنا موريطانيا بجانب أشقائهم الموريطانيين تعزيزا لصفوف إخوانهم وتأييدا لكفاحهم وإن قواتنا لتظهر هنا وهناك وحيثما أهاب بها الواجب من الإقدام والشجاعة ما يدعو إلى الإكبار، ونغتنم احتفالنا في هذا اليوم الأغر للتنويه بالقوات المسلحة الملكية والدرك والقوات المساعدة والثناء على ما يقدمه رجالها على اختلاف مراتبهم من خدمات جليلة لصالح الوطن والمواطنين، وإن القائد الأعلى لهذه القوات لفخور بأبنائه المناضلين، ومعتز ببطولتهم وشاكر لما يبلونه من بلاء حسن صدا لعدوان المعتدين وضربا على أيدي الفاسدين المغامرين.
شعبي  العزيز...
تهيمن علينا كلما حلت ذكرى جلوسنا على عرش أجدادنا المقدسدين روح والدنا جلالة محمد الخامس رضوان الله عليه فقد عاش لشعبه مناضلا عن حقوقه في الحرية والاستقلال مكافحا لا يهاب صولة الاستعمار ولا يخشى بطش كل متغطرس جبار وتجرع مرارة الامتحان وتحمل بصبر المؤمنين الأبرار قسوة النفي والإبعاد عن أعز الديار والأوطان وكان من آثار ثباته وتضحيته أن عاد لأرض آبائه وأجداده الكرام ظافرا بأغلى أمانيه وأماني شعبه. رحم الله بطل العروبة والإسلام وشهيد النضال الذي لا يضارعه نضال وبوأه من جنته أحسن وأعز مقام.
شعبي العزيز ...
لقد قيض الله لي أن أخلف والدي على عرش الدولة العلوية وأن أحقق أملا كبيرا من آماله كان لا يفارقه بالليل والنهار وهذا الأمل إن هو إلا  تنظيم الملكية الدستورية ببلادنا والسير بالوطن نحو مصيره الوضاح وها أنا وقد أقررت هذا النظام أخطو معك الخطى التي ترفعنا كل يوم درجات. لا تغيب عني ولا أغيب عنك، القلب مني مليء بك وبكل ما يرضيك ويسعدك والإرادة ميسرة لأمانيك مبذولة لمنابرك ومطالبك، والقلب منك طافح بالوفاء مستجيب إذا ناديتك لكل نداء فالآصرة بيني وبينك متينة والعاطفة المتبادلة قديمة جديدة لا تخلق على مر الأيام والأعوام.
فأدم اللهم التواصل والتعاطف بيني وبين شعبي، ويسر لي ولشعبي كل مرام ومراد، واجعلني اللهم واجعل شعبي متمسكين دائما بكتابك المبين وسنة نبيك المصطفى الأمين وأهدني وأهد شعبي إلى سبيلك القويم وأعني بتأييدك وتسديدك على ما وكلت إلي من عمل صالح ينفعني في الدنيا وفي الدار الآخرة.
«إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب».
صدق الله العظيم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here